Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١
الُعُ (١٠) - الأنفال: ٦٧/٨-٧١
وإذا كان التخيير بين القتل وأخذ الفداء، فكيف وقع التوبيخ بقوله:
﴿لَمَسَّكُمْ﴾؟ الجواب: أن التوبيخ وقع أولاً لحرصهم على أخذ الفداء، ثم وقع
التخییر بعد ذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿لَّوْلَا كِتَبُ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ في أنه لا يعذب قوماً حتى
يبين لهم ما يتقون، فأصح الأقوال - في رأي ابن العربي والقرطبي - في كتاب
الله السابق: ما سبق من إحلال الغنائم، فإنها كانت محرمة على مَنْ قبلنا، فلما
كان يوم بدر، أسرع الناس إلى الغنائم، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَوْلَا كِنَبٌ مِّنَ
اللَّهِ سَبَقَ﴾ أي بتحليل الغنائم.
وبما أن هذه الآية في إحلال الغنيمة، واستحقاق العذاب بما اقتحموا
فيها مما ليس لهم اقتحامه إلا بشرع، استنبط ابن العربي من ذلك بأن الآية
دليل على أن العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراماً، مما هو في علم الله حلال، إنه
لا عقوبة عليه، كالمرأة إذا قالت: هذا يوم حيضتي فأفطر، والصائم إذا قال:
هذا يوم نوبتي في سفري فأُفطر، ثم حدث الحيض والسفر فعلاً، ورجح ابن
العربي ألا كفارة في هذه الحالة؛ لأن حرمة اليوم ساقطة عند الله، فصادف
هتك حرمة الصوم محلاً لا حرمة له في علم الله، فكان بمنزلة ما لو قصد وطء
امرأة قد زُقَّت إليه، وهو يعتقد أنها ليست بزوجة، فإذا هي زوجة. وهذا رأي
أبي حنيفة. ومشهور مذهب المالكية والشافعي أن فيه الكفارة(١).
والمعنى الراجح لقوله: ﴿لَّؤْلَا كِنَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ في رأي الرازي: لولا
أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم.
وظاهر قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ يقتضي أن تكون الغنيمة كلها ملكاً
للغانمين، وأن يكونوا مشتركين فيها على السواء؛ إلا أن قوله تعالى: ﴿ وَأَعْلَمُواْ
(١) أحكام القرآن: ٨٧٢/٢
٤٢٢
الجُزءُ (١٠) - الأَنْفَالك: ٦٧/٨-٧١
أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾ المتقدم بَيَّن وجوب إخراج الخمس منه
وصرفه إلى مصارفه المذكورة. وفي الآية أيضاً إباحة الغنائم التي كانت محظورة
قبل ذلك، عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ فيما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال:
(لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس من قبلكم)).
وأرشدت الآية: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَنْ فِىّ أَيْدِيكُمْ مِّنَ اُلْأَسْرَىّ﴾ إلى أنه
يجب على المؤمنين ترغيب الأسرى في الإيمان. وتضمنت بشارة للمؤمنين
باستمرار النصر على المشركين، ما داموا آخذين بأسباب النصر المادية
والمعنوية.
روى البخاري عن أنس: ((أن رجالاً من الأنصار استأذنوا رسول الله اله
في ترك فداء عمه العباس رضي الله عنه، وكان في أسرى المشرکین یوم بدر،
فقالوا: ائذن لنا، فنترك لابن أختنا(١) العباس فداءه، فقال ◌َله: والله لا
تذرون منه درهماً)).
وكان فداء الأسير أربعين أوقية ذهباً، فجعل على العباس مائة أوقية (لأنه
كان موسراً) وعلى عَقيل ثمانين، فقال له العباس: أللقرابة صنعت هذا؟ قال:
فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَنْ فِيّ أَيْدِيكُمْ مِّنَ اُلْأَسْرَىّ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِى
قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمُ خَيْرً مِّمَّاً أُخِذَ مِنكُمْ﴾ فقال العباس (بعد إسلامه):
وددت لو كان أخذ مني أضعافها، لقوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَا أُخِذَ
مِنْكُمْ﴾.
وذكر ابن العربي أنه لما أُسِر من أسر من المشركين، تكلم قوم منهم
بالإسلام، ولم يمضوا بذلك عزيمة، ولا اعترفوا به اعترافاً جازماً. ويشبه أنهم
أرادوا أن يَقْرَبوا من المسلمين، ولا يبعدوا من المشركين، فنزلت الآية.
(١) لأن جدته كانت أنصارية.
٤٢٣
الُ (١٠) - الأَفَّالِ: ٦٧/٨-٧١
قال المالكية: إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه، ولم يمض به عزيمة لم
يكن مؤمناً. وإذا وُجد مثل ذلك من المؤمن، كان كافراً إلا ما كان من
الوسوسة التي لا يقدرُ المرء على دفعها، فإن الله قد عفا عنها وأسقطها.
وقد بيَّن الله لرسوله الحقيقة فقال: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَكَ﴾ أي إن كان هذا
القول منهم خيانة ومكراً ﴿فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ بكفرهم ومكرهم بك
وقتالهم لك، فأمكنك منهم، وإن كان هذا القول منهم خيراً ويعلمه الله،
فيقبل ذلك منهم، ويعوضهم خيراً مما خرج عنهم، ويغفر لهم ما تقدم من
كفرهم وخيانتهم ومكرهم(١).
والمراد بالخير في قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾ يشمل خيري
الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيخلفهم الله أفضل مما أخذ منهم، وأما في
الآخرة فيعطيهم الثواب ويدخلهم الجنة. وذلك يشمل كل من أخلص من
الأسارى.
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ٨٧٤/٢
٤٢٤
الْجُزْءُ (١٠) - الأَفَّاللَ: ٧٢/٨-٧٥
صَلَ الله
وَسَلم
أصناف المؤمنين في عهد النبي
بمقتضى الإيمان والهجرة
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ
ءَاوَواْ وَنَصَرُوْ أُوْلَكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُّهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّن
وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَصَرُوكُمْ فِى الِينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ
٧٢
قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم ◌ِيثَقُّ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيْرٌ
أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ (® وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
حَقًّاً لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ (٨٤) وَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ
فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوْ اْلْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ
٧٥
عَلِيمٌ
القراءات:
﴿مِّنْ وَلَيَتِهِم﴾ :
وقرأ حمزة: (من ولايتهم).
الإعراب:
﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿وَجَهَدُواْ﴾، ويجوز أن يكون من باب التنازع
في العمل بين ﴿وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ﴾ ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ الهاء: إما أن تعود على
التوارث، وإما أن تعود على التناصر. و﴿تَكُنْ﴾: تامة بمعنى: تقع لا تفتقر
إلى خبر. و﴿فِتْنَةٌ﴾: فاعل تكن. والمعنى: إلا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل
المسلمين، وتولي بعضهم بعضاً حتى في التوارث، تفضيلاً لنسبة الإسلام على
٤٢٥
الُرُ (١٠) - الأنفال: ٧٢/٨-٧٥
نسبة القرابة، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفار، ولم تجعلوا قرابتهم كلا
قرابة، تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة؛ لأن المسلمين مالم يصيروا يداً
واحدة على الشرك، كان الشرك ظاهراً، والفساد زائداً (الكشاف: ٢٥/٢).
1
المفردات اللغوية:
{وَهَاجَرُوا﴾ أي تركوا مكة التي كانت دار حرب وكفر، وذهبوا إلى المدينة
دار الإسلام ﴿ءَوَواْ﴾ أنزلوا وأسكنوا النبي نَّهِ ﴿وَنَصَرُواْ﴾ هم الأنصار
﴿أَوْلِيَُّ بَعْضٍ﴾ في النصرة والإرث ﴿وَلَيَتِهِم﴾ أي توليتهم في الميراث،
والولاية في الأصل: ملك الأمر والسلطة عليه والقيام به ﴿مِّن شَىْءٍ﴾ أي فلا
إرث بينكم وبينهم ولا نصيب لهم في الغنيمة ﴿حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ وهذا أي
التوارث بالهجرة كان في مبدأ الأمر، ثم نسخ بآخر السورة وأصبح التوارث
بقرابة الرحم ﴿مِّيثَوٌ﴾ عهد، أي فلا تنصروا المسلمين على المعاهدين
وتنقضوا عهدهم.﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ﴾ في النصرة والإرث،
فلا إرث بينكم وبينهم.
﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ أي تولي المسلمين وقمع الكفار ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ
وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ أي تحدث فتنة عظيمة بقوة الكفر وضعف الإسلام ﴿ وَرِزْقٌ
كَرِيمٌ﴾ في الجنة ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ﴾ بعد السابقين إلى الإيمان والهجرة
﴿فَأُوْلَئِكَ مِنَكُمْ﴾ أيها المهاجرون والأنصار ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ﴾ ذوو القرابات
﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في الإرث من التوارث بسبب الإيمان والهجرة المذكورة
في الآية السابقة ﴿فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ اللوح المحفوظ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾
ومنه حكمة الميراث وتدرجها من التوارث بالهجرة إلى التوارث بالرحم، إلى
التوارث بشدة القرابة في سورة النساء.
٤٢٦
لالُرُ (١٠) - الأنفال: ٧٢/٨-٧٥
سبب النزول:
نزول الآية (٧٣):
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: أخرج ابن جرير الطبري، وأبو الشيخ ابن حيان عن
السُّدِّي عن أبي مالك قال: قال رجل: نورِّث أرحامنا المشركين؟ فنزلت:
﴿وَاُلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءٌ﴾ الآية.
نزول الآية (٧٥):
﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ﴾: أخرج ابن جرير عن ابن الزبير قال: كان الرجل يعاقد
الرجل: ترثني وأرثك، فنزلت: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِ كِتَبِ
رج
اُللَّهِ﴾.
وأخرج ابن سعد عن عروة قال: آخى رسول الله وَّه بين الزبير بن العوام
وبين كعب بن مالك، قال الزبير: فلقد رأيت كعباً أصابته الجراحة بأُحُد،
فقلت: لو مات، فانقلع عن الدنيا وأهلها، لوَرِثتُه، فنزلت هذه الآية:
﴿ وَأُوْلُواْ الْأَّرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِ كِينَبِ الَّهِّ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}
فصارت المواريث بعد للأرحام والقرابات، وانقطعت تلك المواريث في
المؤاخاة.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى قواعد الحرب والسلم مع الكفار، وحكم معاملة
الأسرى، ختم السورة ببيان قرابة الإسلام ورابطته البديلة عن علاقة الكفر،
وهي ولاية المؤمنين بعضهم لبعض بمقتضى الإيمان والهجرة، في مقابلة ولاية
الكافرين بعضهم لبعض، ولكن بشرط المحافظة على العهود والمواثيق مع
الكفار مدة العهد.
٤٢٧
الجُزْءُ (١٠) - الأنفال: ٧٢/٨-٧٥
التفسير والبيان:
جعلت الآيات أصناف المؤمنين في مواجهة الكفار أربعة أقسام:
اً - المهاجرون الأولون قبل غزوة بدر إلى صلح الحديبية.
أَ - الأنصار: أهل المدينة الذين آووا إخوانهم المهاجرين.
٣ - المؤمنون الذين لم يهاجروا.
٤ - المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية.
أما الصنف الأول فهم المذكورون في مطلع الآية الأولى وهم الذين آمنوا
بالله ورسوله أصحاب الهجرة الأولى قبل غزوة بدر إلى صلح الحديبية سنة ست
من الهجرة، الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم، وتركوها في مكة، وجاؤوا
لنصر الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله. وهذا
الصنف هو الأفضل والأكمل. وقد وصفهم الله بالإيمان، أي التصديق بكل
ما جاء به النبي ◌َّر، ووصفهم بالمهاجرة من ديارهم وأوطانهم، فراراً بدينهم
من فتنة المشركين، إرضاءً لله تعالى ونصراً لرسوله وَلّ، ونعتهم بالجهاد في
سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
أما الجهاد بالأموال: فهو إنفاقها في التعاون والهجرة والدفاع عن دين
الله، كصرفها للكُراع (الخيول) والسلاح، وعلى محاويج المسلمين. فضلاً عن
سخاء النفس بترك تلك الأموال في وطنهم: مكة.
وأما الجهاد بالنفس فهو قتال الأعداء والاستعلاء عليهم وعدم المبالاة
بهم، وما كان قبل ذلك من احتمال المشاق، والصبر على الأذى والشدائد
والاضطهاد المتواصل.
وتقديم الجهاد بالأموال على الأنفس؛ لأنه أدفع للحاجة ويتوقف الجهاد
بالنفس عليه.
٤٢٨
لُعُ (١٠) - الأنفال: ٧٢/٨-٧٥
والخلاصة: وصف المهاجرون الأولون بأربع صفات: الإيمان بالله
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والهجرة، والجهاد، وأولية الإقدام على
هذه الأفعال.
وأما الصنف الثاني فهم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوا﴾
أي آووا الرسول والمهاجرين إليهم، ونصروهم، فكانت المدينة عاصمة
الإسلام ومنطلق الدعوة في أرجاء الأرض، وملجأ المهاجرين الذين عملوا
مع الأنصار على نصرة دين الله والقتال معهم، وشارك هؤلاء أولئك في
أموالهم، وآثروهم على أنفسهم، فكانوا في الفضل بعد الصنف الأول.
ثم وصف الله الصنفين بأن بعضهم أولياء بعض، أي يتولى بعضهم أمر
الآخر كما يتولى أمر نفسه، ويكون كل منهم أحق بالآخر من كل أحد؛ لأن
حقوقهم ومصالحهم مشتركة، ولهذا آخى رسول الله وَلقر بين المهاجرين
والأنصار، كل اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بهذا الإخاء إرثاً مقدماً على
القرابة، حتى تقوّى المهاجرون بالتجارة وغيرها، فنسخ الله تعالى ذلك
بالمواريث، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس. وروى الإمام أحمد
عن جرير بن عبد الله البَجَلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لته:
((المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض، والطلقاء من قريش، والعتقاء من
ثقيف، بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة)) لكن تفرد به أحمد.
فكان الإرث بين المهاجرين والأنصار بالإسلام والهجرة دون القرابة،
فالمسلم في غير المدينة لا يرث المسلم الذي في المدينة وما حولها إلا إذا هاجر
إليها، فيرث ممن بينه وبينه إخاء.
وهكذا فالولاية بين المهاجرين والأنصار عامة في الحرب والإرث وكل
أوجه العلاقة بينهم وبين الكفار. وقال أبو بكر الأصم: الآية محكمة غير
منسوخة، والمراد بالولاية: النصرة والمظاهرة.
٠
٤٢٩
الُرُ (١٠) - الأَفَان: ٧٢/٨-٧٥
وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار، في غير ما آية في كتابه،
لتضامنهم وتناصرهم، فقال: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ
وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم ◌ِحْسَنِ رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى تَّحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ [التوبة: ١٠٠/٩] وقال تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى
النَّبِّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧/٩]
وقال عز وجل: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ
وَالَّذِينَ
فَضْلاً مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنَا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَتِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ
تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ
حَاجَةً مِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ ◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٥٩٪
٨-٩] أي لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم.
وظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين
العلماء لا يختلفون في ذلك، كما ذكر ابن كثير. ولهذا روى أبو بكر البزار في
مسنده عن حذيفة قال: ((خيرني رسول الله وَ ل بين الهجرة والنصرة، فاخترت
الهجرة)).
وأما الصنف الثالث وهم المؤمنون الذين لم يهاجروا فقد ذكرهم الله بقوله:
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال:
(٧٢/٨] أي أن الذين صدّقوا برسالة النبي ◌َّه، ولم يهاجروا من مكة إلى المدينة،
وظلوا مقيمين في أرض الشرك تحت سلطان المشركين أي في دار الحرب
والشرك، لا يثبت لهم شيء من ولاية (نصرة) المؤمنين الذين في دار الإسلام.
أما من أسره الكفار من أهل دار الإسلام، فله حكم أهل هذه الدار. إن
الولاية منقطعة بين أهل الدارين إلا في حالة واحدة ذكرها تعالى بقوله: ﴿وَإِنِ
اسْتَنَصَرُوَكُمْ﴾ وهي مناصرتهم على الكفار إذا قاتلوهم أو اضطهدوهم لأجل
دينهم، إلا إذا كان هؤلاء الكفار معاهدين، فيجب الوفاء بعهدهم؛ لأن
الإسلام لا يبيح الغدر والخيانة بنقض العهود. وهذا أصل من أصول أحكام
الإسلام وسياسته الخارجية العادلة الرفيعة المستوى.
٤٣٠
لُ (١٠) - الأنفال: ٧٢/٨-٧٥
وحذر الله تعالى من نقض العهد بقوله: ﴿وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي إن
الله مطلع على جميع أعمالكم، فالزموا حدوده، ولا تخالفوا أمره، ولا
تتجاوزوا ماحدّہ لکم، کیلا يحل بکم عقابه.
والخلاصة: ليست المقاطعة تامة، كما في حق الكفار، بين المؤمنين في دار
الإسلام وبين المؤمنين الذين لم يهاجروا، فلو استنصروكم فانصروهم ولا
تخذلوهم.
ومن أجل دعم الولاية (التناصر والتعاون) بين المهاجرين والأنصار، ذكر
الله تعالى حال الكفار في مواجهة المؤمنين، ليكونوا صفاً واحداً تجاههم،
وليعلموا قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَآءُ بَعْضَِّ﴾ أي إن الكفار في جملتهم فريق واحد تجاه المسلمين، يوالي
بعضهم بعضاً في النصرة والتعاون على قتال المسلمين، وإن تعددت مللهم،
وعادى بعضهم بعضاً، وقد أكد التاريخ ذلك، فكان اليهود مناصرين
المشركين في حربهم ضد المؤمنين، حتى إنهم نقضوا عهودهم مع المسلمين، مما
استوجب حربهم وإجلاءهم من خيبر، والتاريخ يعيد نفسه، فترى المشركين
والماديين الملحدين واليهود والنصارى في كل عصر في خندق معاد للإسلام
والمسلمين.
وجعل الكفار في صف والمسلمين في صف آخر مواجه لهم اقتضى امتناع
الإرث بسبب اختلاف الدين باتفاق المذاهب الأربعة، فلا يرث المسلم
كافراً، ولا الكافر مسلماً، لما رواه الحاكم في مستدركه عن أسامة عن النبي
وَلّه قال: ((لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافراً ولا كافر مسلماً)) ثم
قرأ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ
وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٣) وروى الجماعة إلا النسائي عن أسامة بن زيد: ((لا
يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)).
٤٣١
المُ (١٠) - الأنفال: ٧٢/٨-٧٥
أما توارث الكفار بعضهم من بعض فجائز في رأي الجمهور؛ لأن الكفر
ملة واحدة في الإرث؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَِّينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضَِّ﴾.
وقال المالكية: لا يرث كافر كافراً إذا اختلف دينهما من اليهودية والنصرانية؛
لأنهما دينان مختلفان، ولا يرثان من مشرك ولا يرثهما مشرك؛ لعموم الحديث
السابق: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)) ولأنه لا موالاة بينهم.
وأما اختلاف الدار فهو مانع للإرث عند الحنفية فقط إذا كان بين الكفار،
دون المسلمين، لثبوت التوارث بين أهل البغي وأهل العدل (دار الإسلام)
فيكون هذا المانع خاصاً بغير المسلمين.
وليس اختلاف الدار لدى الشافعية مانعاً من موانع الإرث، لكنهم قالوا:
لا توارث بين حربي ومعاهد، وهو يشمل الذمي والمستأمن؛ لانقطاع الموالاة
بینھما.
وليس اختلاف الدار مطلقاً مانعاً للميراث لدى المالكية والحنابلة، فيرث
أهل الحرب بعضهم من بعض، سواء اتفقت ديارهم أو اختلفت.
ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾ أي إن لم تفعلوا ماشرع لكم من
موالاة المسلمين وتواصلهم وتناصرهم وتعاونهم تجاه ولاية الكفار بعضهم
لبعض، وتجنب موالاة المشركين وعدم الاختلاط بهم، تحصل فتنة عظيمة في
الأرض هي ضعف الإيمان وقوة الكفر، وفساد كبير وهو سفك الدماء، فتعم
الفتنة وهي التباس الأمر، واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس
فساد زائد في الدين والدنيا.
وفي هذا دلالة على حرص الإسلام على الحفاظ على شخصية المسلمين
الذاتية، واستقلالهم في ديارهم، وعدم إقامتهم في أوطان الكفار. روى ابن
جرير عن رسول الله وَلي أنه قال: ((أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني
المشركين)) ثم قال: ((لا يتراءى ناراهما)).
٤٣٢
لُ (١٠) - الأَفَا: ٧٢/٨-٧٥
ثم أراد الله تعالى أن يبين فضل المهاجرين والأنصار على غيرهم، ويوضح
مالهم في الآخرة، بعد أن ذکر حکمهم في الدنیا فهم متواصلون بينهم، وهذا
ثناء عليهم، فلا تكرار، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ﴾ أي إن الله تعالى يخبر عنهم بأنهم هم المؤمنون حق الإيمان وأكمله، دون
من لم يهاجر وأقام بدار الشرك، مع حاجة الرسول وَلطاقة والمؤمنين إلى هجرته،
وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة التامة والصفح عن ذنوبهم إن كانت، وبالرزق
الكريم في الجنة: وهو الحسن الكثير الطيب الشريف، الدائم المستمر الذي لا
ينقطع أبداً.
هؤلاء الأصناف الثلاثة هم السابقون المقربون كما قال تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ
اُلْأَوَّلُونَ﴾.
وأما الصنف الرابع وهم المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية، فهم
المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ﴾ أي والذين تأخر إيمانهم
وهجرتهم عن الهجرة الأولى، وبعد أن قويت شوكة المسلمين، وهاجروا إلى
المدينة، وجاهدوا مع السابقين لهم، فأولئك منكم، أي إنهم كالمهاجرين
الأولين والأنصار، في الموالاة والتعاون والتناصر والفضل والجزاء، فهؤلاء
الأتباع لهم في الدنيا، على ماكانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح، النصرة،
وهم مع المتقدمين في حسن الجزاء والعاقبة في الآخرة، فهم تبع لمن سبقهم،
لذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠/٥٩] وفي الحديث
المتفق عليه المتواتر من طرق صحيحة عن رسول الله وسلم أنه قال: ((المرء مع من
أحب)) وفي الحديث الآخر الذي رواه الطبراني والضياء عن أبي قرصافة: ((من.
أحب قوماً فهو منهم) وفي رواية «حشره الله في زمرتهم)).
وفي جعل الصنف الرابع من جملة الأصناف الثلاثة السابقة بقوله ﴿فَأُوْلَئِكَ
مِنكُمْ﴾ دليل على فضل السابقين على اللاحقين، كما أن في الآية قدراً مشتركاً
٤٣٣
الجُزُ (١٠) - الأنفال: ٧٢/٨-٧٥
بين الصنف الأول والأخير وهو الهجرة والإيمان، مما يدل على الترغيب
فيهما.
ثم ذكر الله تعالى ولاية الرحم والقرابة بعد ولاية الإيمان والهجرة، فقال:
﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ﴾ أي أصحاب القرابة التي تربط بينهم رابطة الدم، والآية
عامة تشمل جميع القرابات، سواء أكانوا من ذوي الفروض أم العصبات
(القرابة من جهة الأب) أم الأرحام (القرابة من جهة الأم) في اصطلاح علماء
الفرائض، هؤلاء بعضهم أولى ببعض أي أجدر وأحق من المهاجرين
والأنصار الأباعد بالتناصر والتعاون والتوارث في دار الهجرة، في كتاب الله،
أي في حكم الله الذي كتبه على عباده المؤمنين، وأوجب به عليهم صلة
الأرحام.
فولاية الرحم أهم من ولاية الإيمان وولاية الهجرة في عهدها السابق،
والقريب المؤمن أولى بقريبه الرحم من المؤمن المهاجر والأنصاري البعيد
القرابة، فتكون الآية مخصصة ما سبقها. أما القريب الكافر فيقطع الكفر صلته
بقریبه.
وتكون الأخوة في النسب والدم، والأخوة في الله أولى في حكم الله من
مجرد الأخوة الدينية.
ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي إن الله عليم بكل
الأشياء، وعلمه واسع محيط بكل شيء من مصالحكم الدنيوية والأخروية،
وبكل ما شرعه في هذه السورة من أحكام في السلم والحرب والغنائم
والأسرى والعهود والمواثيق والولاية العامة والخاصة بين المؤمنين وصلة
الأرحام، وهو إشارة إلى أن جميع أحكام السورة محكمة غير منسوخة ولا
منقوضة وكلها حكمة وصواب وصلاح، وليس فيها شيء من العبث، ونظير
ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِثْنَهُم بِكِنَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٥٢/٧].
٤٣٤
اِلُحُ (١٠) - الأَنْفَالَ: ٧٢/٨-٧٥
لكن آية ﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ﴾ نقل عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن
وقتادة وغير واحد: أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا
يتوارثون بهما أولاً. ويؤيدهم حديث صحيح متواتر: ((إن الله قد أعطى كل
ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)).
فالإرث الذي كان بسبب النصرة والهجرة صار منسوخاً، فلا يحصل
الإرث إلا بسبب القرابة، وقوله: ﴿فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ المراد منه السهام المذكورة
في آيات المواريث في سورة النساء. وهذا ما ذهب إليه الشافعية، فلا إرث
لذوي الأرحام بالمعنى الضيق عند علماء الفرائض كالخال والخالة والعمة
وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم، وليس لهم نصيب، والعصبات
أولى بعضهم ببعض؛ لأن الفروض عينت. وقال الحنفية: يثبت الإرث لذوي
الأرحام بنص هذه الآية، وذلك إذا لم يوجد أحد من العصبات.
وأما من نفى كون آية ﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ﴾ ناسخة لما تقدمها، فإنه فسر المراد
بالولاية والنصرة والمحبة والتعظيم، وتكون الآية الأولى لبيان أن رابطة
الإسلام أقوى من رابطة النسب، والثانية لبيان مكانتهم وأنهم المؤمنون حقاً،
والثالثة لبيان أن المتأخرين في الإيمان والهجرة لهم حكم من تقدمهم، وأن
التناصر بالقرابة أيضاً مطلوب.
ويكون المراد من آية أولى الأرحام أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة
إلا ما خصه الدليل، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة الوهم في أن الولاية
محتملة للولاية بسبب الإرث، قال الرازي: وهذا أولى؛ لأن تكثير النسخ من
غير ضرورة ولا حاجة لا يجوز (١).
(١) تفسير الرازي: ٢١٣/١٥.
٤٣٥٠
الُعُ (١٠) - الأنفال: ٧٢/٨-٧٥
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
اً - ثبوت ولاية النصرة بين مؤمني دار الإسلام، وبيان فضل المهاجرين
السابقين على اللاحقين، وفضل المهاجرين على الأنصار، وجعل المتأخرين في
الإيمان والهجرة بمنزلة المتقدمين في تضامنهم معهم.
اً - ثبوت ولاية النصرة بين مؤمني دار الإسلام ومؤمني دار الحرب في
حال مقاتلتهم أو اضطهاد الكفار لهم إلا إذا كان بيننا وبينهم ميثاق صلح
وسلام، فلا تمكن مناصرتهم. وفيما عدا حالة المقاتلة لا تثبت ولاية النصرة
بين المسلمين في دار الإسلام، والمسلمين في دار الحرب.
◌َّ - تقديس الوفاء بالعهود والمواثيق في شرعة الإسلام، وإن مس ذلك
مصلحة بعض المسلمين.
٤ - الكفار بعضهم أولياء بعض أي نصراء وأعوان.
٥ - إذا لم نحقق ولاية النصرة بيننا، ووالينا الكفار، أدى ذلك إلى ضعفنا
وقوتهم علینا.
٩ - إن كل ما شرعه الله من أحكام صادر عن علم واسع شامل محيط
بالمصالح الدينية والدنيوية.
لاً - إرث ذوي الأرحام وهو من لا سهم له في القرآن من قرابة الميت،
وليس بعصبة، وبه قال الحنفية والحنابلة محتجين بالآية(١)، فقد اجتمع في ذوي
الأرحام سببان، القرابة والإسلام، فهم أولى ممن له سبب واحد وهو
الإسلام، وروى أبو داود والدارقطني عن المقدام قال: قال رسول الله وَلاته :
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٧٦/٣.
٤٣٦
الجُرُ (١٠) - الأنفال: ٧٢/٨-٧٥
((من ترك كلّاً فإلي، ومن ترك مالاً فلورثته، فأنا وارث من لا وارث له، أعقِل
عنه وأرثه، والخال وارث من لا وارث له، يعقِل عنه ويرثه)).
وقال المالكية والشافعية: لا يرث من لا فرض له من ذوي الأرحام، وترد
التركة إلى بيت المال؛ لأن الله تعالى ذكر في آيات المواريث نصيب أصحاب
الفروض والعَصَبات، ولم يذكر لذوي الأرحام شيئاً، ولو كان لهم حق لبيَّنه:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤/١٩]، وروى الترمذي وغيره من قوله وَّل:
((إن الله أعطى لكل ذي حق حقه)).
وأما آية ﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ﴾ فهي آية مجملة جامعة، وآيات المواريث مفسّرة،
والمفسر قاضٍ على المجمل ومبيِّن. وروى أبو داود في المراسيل أنه وَّ سئل عن
ميراث العمة والخالة، فقال: ((أخبرني جبريل أن لا شيء لهما)).
والأصح أن الهجرة انقطعت بفتح مكة؛ لأنها صارت حينئذ بلد إسلام
وجزءاً من دار الإسلام.
٤٣٧
لُ (١٠) السورة (٩) التَوَّة)
د
بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحَِمِ
سُورَةُ التَّوَتَّةِ
مدنية وهي مئة وتسع وعشرون آية
نزلت في غزوة تبوك سنة تسع
تسميتها:
قال الزمخشري: لها عدة أسماء: براءة، التوبة، المقشقشة، المبعثرة،
المشردة، المخزية، الفاضحة، المثيرة، الجافرة، المنكِّلة، المدمدمة، سورة
العذاب؛ لأن فيها التوبة على المؤمنين، وهي تقشقش من النفاق، أي تبرئ
منه، وتبعثر عن أسرار المنافقين، أي تبحث عنها، وتثيرها، وتحفر عنها،
وتفضحهم، وتنكلهم، وتشرد بهم، وتخزيهم، وتدمدم عليهم(١). وتسمى
أيضاً البحوث؛ لأنها تبحث عن أسرار المنافقين.
وعن حذيفة رضي الله عنه: إنكم تسمونها سورة التوبة، وإنما هي سورة
العذاب، والله ما تركت أحداً إلا نالت منه.
وعن ابن عباس في هذه السورة قال: إنها الفاضحة ما زالت تنزل فيهم،
وتنال منهم، حتى خشينا ألا تدع أحداً، وسورة الأنفال نزلت في بدر،
وسورة الحشر نزلت في بني النضير.
(١) الكشاف: ٢٥/٢
٤٣٨
الُ (١٠) السورة (٩) التّوَّةِ
السبب في إسقاط التسمية من أولها:
قال ابن عباس: سألت علياً رضي الله عنه، لم لم يُكتَبْ في براءة ﴿ يِسْمِ
(٤)؟ قال: لأنَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ
اْللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحَيَةِ
الرَّحِيَةِ ﴾) أمان، وبراءة نزلت بالسيف ونبذ العهود، وليس فيها
أمان (١).
وقال سفيان بن عُيَيْنة: إنما لم تكتب في صدر هذه السورة البسملة؛ لأن
التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت بالمنافقين وبالسيف، ولا
أمان للمنافقين(٢).
قال القرطبي نقلاً عن القشيري: والصحيح أن التسمية لم تكتب؛ لأن
جبريل عليه السلام مانزل بها في هذه السورة. فلم يكتبها الصحابة في
المصحف الإمام، مقتدين في ذلك بأمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، كما
قال الترمذي.
مناسبتها لما قبلها:
هناك شبه بين سورة براءة وسورة الأنفال قبلها، فهي كالمتممة لها في وضع
أصول العلاقات الدولية الخارجية والداخلية، وأحكام السلم والحرب،
وأحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمنافقين، وأحكام المعاهدات والمواثيق،
إلا أن في الأنفال بيان العهود والوفاء بها وتقديسها، وفي براءة نبذ العهود،
وذكر في السورتين صدُّ المشركين عن المسجد الحرام، والترغيب في إنفاق المال
في سبيل الله، وتفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب وبيان أوضاع
المنافقين.
(١) تفسير الرازي: ٢١٦/١٥
(٢) تفسير القرطبي: ٦٣.٦٢/٨
٤٣٩
المُ (١٠) السورة (٩) الثَّوَّةِ)
وبالرغم من هذا الشبه الموضوعي في السورتين، وأنهما تُدْعيان القرينتين،
وأنهما نزلتا في القتال، فإنهما في الأصح سورتان مستقلتان، فليست براءة
جزءاً من الأنفال، بدليل كثرة أسمائها المميزة لها، وفصلها عما سبقها،
واستقر على ذلك ترتيب السور والآيات، وتناقل المسلمون هذا الفصل في
المصحف من عهد الصحابة لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان.
قال عثمان رضي الله عنه: قُبض رسول الله وَليه، ولم يبين لنا أنها منها. وفي
قوله هذا دليل على أن السور كلها انتظمت بقوله وتبيينه، وأن براءة وحدها
ضمت إلى الأنفال من غير عهد من النبي ◌َّ؛ لما عاجله من الحِمام قبل تبيينه
ذلك. وكانتا تُدعيان القرينتين، فوجب أن تُجمعا وتضم إحداهما إلى الأخرى؛
للوصف الذي لزمهما من الاقتران، ورسول الله ◌َلے حيّ(١).
قال ابن العربي: هذا دليل على أن القياس أصل في الدين، ألا ترى إلى
عثمان وأعيان الصحابة كيف لجؤوا إلى قياس الشَّبَه عند عدم النص، ورأوا
أن قصة ﴿بَرَآءَةٌ﴾ شبيهة بقصة ﴿الْأَنْفَالِ﴾ فألحقوها بها، فإذا كان الله قد بيَّن
دخول القياس في تأليف (أي جمع) القرآن، فما ظنك بسائر الأحكام (٢)؟!
تاريخ نزولها:
كانت ﴿اُلْأَنْفَالِ﴾ من أوائل ما أنزل بعد الهجرة، و﴿بَرَآءَةٌ﴾ من آخر
مانزل من القرآن، نزلت في السنة التاسعة من الهجرة، وهي السنة التي حدثت
فيها غزوة تبوك، وهي آخر غزواته وَله، خرج فيها لغزو الروم، وقت القيظ
والحر الشديد، زمن العسرة، حين طابت الثمار، فكانت ابتلاء لإيمان
المؤمنين، وافتضاحاً لنفاق المنافقين. وقد نزل أولها بعد فتح مكة، فأرسل النبي
وَ ير علياً ليقرأها على المشركين في موسم الحج.
(١) تفسير القرطبي: ٦٣/٨
(٢) أحكام القرآن: ٨٨١/٢
٤٤٠
١
الُ (١٠) السورة (٩) التَّوَّةِ)
روى البخاري عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ
اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾ وآخر سورة نزلت: ﴿بَرَآءَةٌ﴾.
ما اشتملت عليه السورة:
افتتحت السورة بالبراءة من المشركين، ومنحهم مدة أمان أربعة أشهر، ثم
إعلان الحرب عليهم بسبب جرائمهم، ثم منعهم من دخول المسجد الحرام إلى
الأبد. ثم مجاهدة أهل الكتاب حتى يؤدوا الجزية أو يسلموا. وتضمنت السورة
في قسمها الأول حتى نهاية الآية [٤١] الحث على الجهاد والنفير العام في سبيل
الله بالأموال والأنفس. ثم تحدثت عن أوصاف المنافقين ومخاطرهم في القسم
الثاني إلى آخر السورة، وتخلل ذلك الإشارة إلى تخلف الأعراب عن الجهاد،
وعدم قبول تخلف أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب عن المشاركة في
الجهاد، وختمت السورة بمقارنات واضحة تميز بين المؤمنين والمنافقين،
وجعل الجهاد فرض كفاية، وتخصيص فئة أخرى للتفقه في الدين.
فكان محور السورة يدور حول أمرين:
الأول - أحكام جهاد المشركين وأهل الكتاب.
الثاني - تمييز المؤمنين عن المنافقين بصدد غزوة تبوك.
أما أحكام الجهاد فقد مهد لها القرآن الكريم في هذه السورة بنبذ العهود
والأمان بالنسبة إلى المشركين، وإنهاء المعاهدات التي كانت قائمة بين المسلمين
وأهل الكتاب؛ لأن كلاً من المشركين والكتابيين نقضوا العهود، وتواطأت
طوائف اليهود من بني النضير وبني قريظة وبني قينقاع مع المشركين على محاربة
المسلمين ومحاولة القضاء عليهم. وتحدثت حوالي عشرون آية عن أحقاد اليهود
ودسائسهم ومؤامراتهم، وخبثهم وكيدهم، فلا عهد ولا أمان، ولا سلم ولا
مصالحة بعد انتهاء أمد الأمان، ونقض العهود من غير المسلمين.