Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
اِلُعُ (١٠) - الأنفال: ٦١/٨-٦٦
في حق المسلمين. روى عبد الله ابن الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله
عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((إنه سيكون اختلاف أو أمر، فإن استطعت أن
يكون السلم فافعل)).
وأما ما نقل عن ابن عباس وجماعة آخرين من التابعين: أن هذه الآية
منسوخة بآية السيف في براءة ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِلْيَوْمِ
آَخِرِ﴾ [٢٩] ففيه نظر، كما ذكر ابن كثير؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم
إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفاً، فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه
هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي ◌َّ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا
(١)
تخصيص(١).
ثم ذكر الله تعالى نعمته عليه بما أيده من المؤمنين: المهاجرين والأنصار،
فقال: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَيََّكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لا تأبه بمكرهم وخديعتهم،
فإن الله أيدك بنصره ومعونته، وأيدك بالمؤمنين، وجعلهم أمة متآلفة واحدة
على الإيمان بك وعلى طاعتك، وعلى مناصرتك ومؤازرتك، فكان التأييد على
قسمين: تأييد مباشر من الله من غير توسط أسباب معلومة، وتأييد معتمد على
أسباب معتادة معلومة.
ثم أبان الله تعالى كيفية تأييده بالمؤمنين وتوحيد صفوفهم، فقال: ﴿وَأَلَّفَ
بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي إنه تعالى جعلهم أمة واحدة متآلفة، متعاونة في مناصرتك،
بعدما كان بينهم من العداوة والبغضاء إثر منازعات وحروب طويلة في
الجاهلية، كما كان الحال بين الأوس والخزرج من الأنصار، ثم أزال الله كل
تلك الخلافات بنور الإيمان، كما قال تعالى: ﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
كُمْ أَعْدَاءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ، إِخْوَنَا وَكُنتُمْ عَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ
النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِّنْهًا﴾ [آل عمران: ٣/
(١) تفسير ابن كثير: ٣٢٣.٣٢٢/٢

٤٠٢
الُ (١٠) - الأنفال: ٦١/٨-٦٦
ولو أنفقت جميع ما في الأرض من أموال، ما استطعت تأليف قلوبهم،
وجمع كلمتهم، ولكن الله بهدايتهم للإيمان، وتوحيدهم على صراط مستقيم
سوي، أمكنه بقدرته وحكمته التأليف بينهم.
وهذا دليل واضح على أن من أهم أسباب النصر هو التآلف واتحاد الكلمة.
ولم يقتصر التأليف على تسوية المنازعات الجاهلية القديمة، وإنما شمل تسوية
المنازعات الجديدة التي حدثت بعد الإسلام، كما وقع من خلاف بين
المهاجرين والأنصار، حين قسمة الغنائم في حُنَين، جاء في الصحيحين أن
رسول الله وَله، لما خطب الأنصار في شأن غنائم حنين قال لهم: ((يا معشر
الأنصار، ألم أجدكم ضُلالاً، فهداكم الله بي، وعالة(١) فأغناكم الله بي،
وكنتم متفرقين فألفكم الله بي)» كلما قال شيئاً، قالوا: الله ورسوله أمنُ.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمَّ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي إنه
تعالى قوي غالب على أمره، لا يغلبه خداع الخادعين، ولا مكر الماكرين، ولا
يخيب رجاء من توكل عليه، حكيم في أفعاله وأحكامه.
وذكر الحافظ أبو بكر البيهقي عن ابن عباس قال: ((قرابةُ الرحم تُقطّع،
ومنة النعمة تُكْفَر، ولم يُرَ مثل تقارب القلوب)) يقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا
فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾.
وبعد أن وعد تعالى رسوله بالنصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنصر
والظفر في جميع الحالات في الدين والدنيا، فلا تكرار، فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُ
حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ أي إن الله كافيك ما يهمك من شؤونهم وناصرك ومؤيدك على
عدوك، وإن كثرت أعداده، وتزايدت أمداده، ولو قلّ عدد المؤمنين،
وحسبك وكافيك من تبعك وآمن بك من المؤمنين.
(١) أي فقراء.

٤٠٣
المُ (١٠) - الأَنْفَ الِ: ٦١/٨-٦٦
لكن وإن كان يكفيك الله بنصره وبنصر المؤمنين، فلا يعني ذلك تعطيل
الأسباب والأخذ بالوسائل المطلوبة عادة للقتال، فلا تتكل على ذلك وحده،
وإنما عليك أن تحرض المؤمنين على القتال، فإنه تعالى يكفيك بشرط أن يبذلوا
النفس والمال في المجاهدة. والتحريض: الحث على الشيء.
ثم قال: ﴿إِن يَكُنْ مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَيِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنَ﴾ وليس المراد منه
الإخبار، بل المراد الأمر، كأنه قال: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ فليصبروا
وليجتهدوا في القتال حتى ﴿يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنٍ﴾ أي إن يوجد منكم عشرون
صابرون ثابتون في مواقعهم، يغلبوا بإيمانهم وصبرهم وفقههم مئتين من
الكفار ليست عندهم هذه الخصال الثلاث، لذا قال تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
يَفْقَهُونَ﴾ أي إن السبب في هزيمة الكفار أنهم قوم جهلة لا يدركون حكمة
الحرب كما تدركونها، فهم إنما يقاتلون بقصد مجرد التفوق والاستعلاء، وأنتم
تقاتلون لإعلاء كلمة الله، من إصلاح العقيدة، والتطهر من الوثنية، والتحلي
بالأخلاق الفاضلة، وإظهار العبودية لله عز وجل بإقامة الصلاة وإيتاء
الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ
يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ الَّغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦/٤]
وقال: ﴿اٌلَِّينَ إِن ◌َّكْتَّهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ﴾
[الحج: ٤١/٢٢].
ثم إنهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء، وأما أنتم فتنتظرون إحدى الحسنيين من
الغنيمة والنصر أو الشهادة في سبيل الله والظفر بالجنة.
وفي الآية عِدَة من الله وبشارة بأن جماعة المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة
أمثالهم من الكفار بعون الله تعالى وتأييده. وفيها أيضاً أن من شأن المؤمنين أن
يكونوا واعين لأهداف القتال، يعملون لما يرضى الله عز وجل، وأن يكونوا
أعلم من الكافرين بكل ما يصلح حياة البشر وارتقاء الأمم. أما الكفار

٤٠٤
لُ (١٠) - الأنفال: ٦١/٨-٦٦
والمشركون واليهود والنصارى فهم قوم ماديون يبغون من حروبهم مجرد
التسلط والشهرة وإذلال الشعوب الأخرى.
ووقوف المسلم أمام عشرة من الكفار كان في مبدأ الأمر حيث كان
المسلمون قلة، فطولبوا بالمرتبة العليا من الأفعال الكريمة وهي مرتبة العزيمة،
وأما بعد أن كثر المسلمون، فلم يطالبوا إلا بما هو رخصة وتيسير وسهولة،
لذا جاءت الآية التالية مخففة نوع التكليف، فقال تعالى: ﴿اُلْكَنَ خَفَّفَ اللَّهُ
عَنكُمْ﴾ أي لما أوجب الله على المسلم الواحد مقاومة العشرة والثبات لهم،
وثقل ذلك عليهم، خفف عنهم إلى مرتبة أقل منها، هي مقاومة الواحد
الاثنين، فإن يكن منكم مئة صابرة، بعد أن علم فيكم ضعفاً في البدن من
كثرة الجهاد والعمل، يغلبوا مئتين، وإن يكن منكم ألف صابرون يغلبوا ألفين
بإذن الله وقوته ومشيئته، والله دائماً مع الصابرين بالمعونة والتأييد والرعاية.
روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((لما نزلت: ﴿إِن يَكُنْ
مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَينَ﴾ شقَّ ذلك على المسلمين حين فرض عليهم
ألا يفرَّ الواحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال: ﴿اٌلْكَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنَكُمْ﴾
الآية قال: فلما خفف الله عنهم من العدة، نقص من الصبر بقدر ما خفف
عنهم )).
وفي كلا الحالين يطالب المسلمون القلة بمقاومة الجماعة الأكثر منهم؛ لأن
العبرة بالانضباط والصبر، والحزم والعزم، وصدق الإيمان، واتباع أوامر الله
تعالى. وقوله: ﴿وَاَللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾ تحذير للمؤمنين من الاعتماد على الإيمان
وحده لتحقيق النصر والغلبة، فإنه لا بد مع الإيمان من أوصاف أخرى، أهمها
الصبر والثبات، والإعداد المادي والنفسي الدائم، والمعرفة بحقائق الأمور،
ومقاصد الجهاد.
وقد تكرر الأمر بالثبات فرداً وجماعة والصبر في القرآن الكريم، مثل قوله

٤٠٥
الُ (١٠) - الأنفال: ٦١/٨-٦٦
تعالى في الثبات: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَائْبُتُواْ﴾ [الأنفال: ٨/
٤٥] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ
مَرْصُوصٌ
٤
[الصف: ٤/٦١] وقوله تعالى في الصبر: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
[آل عمران: ٣/
أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٢٠٠] وقوله: ﴿وَلَا تَزَعُوْ فَتَفْشَلُوْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَّأْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الصَّبِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦/٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت آية ﴿وَإِن جَنَحُوْ لِلسَّلِّمِ﴾ على الأمر بقبول عقد الصلح والمهادنة أو
المسالمة إن مال إليه العدو، وعلى الأمر بالتوكل على الله، أي تفويض الأمر
فيما عقد من صلح إلى الله، ليكون عوناً على السلامة، والنصر عليهم إذا
نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء. ونبه تعالى في آخر الآية بقوله: ﴿إِنَُّ هُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ على الزجر عن نقض الصلح؛ لأنه تعالى عالم بما يضمره
العباد، وسامع لما يقولون.
وفي هذا دلالة واضحة على أن الإسلام يؤثر السلم على الحرب، ويوجب
الوفاء بالمعاهدات والمصالحات، ويحرم المبادرة إلى الغدر والخيانة ونقض
العهود.
وقد أثير خلاف حول هذه الآية، هل هي منسوخة أو لا؟ فقال قتادة
وعكرمة: نسخها ﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥/٩] وقوله:
﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦/٩] وقالا: نسخت براءة كل موادعة،
حتى يقولوا: لا إله إلا الله. وقال ابن عباس الناسخ لها: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَنَّدْعُوَأْ
إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥/٤٧].
وقال جماعة: ليست بمنسوخة، لكنها تضمنت الأمر بالصلح إذا كان فيه
المصلحة، فإذا رأى الإمام مصالحتهم، فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة، وإن

٤٠٦
المُعُ (١٠) - الأَفَالَ: ٦١/٨-٦٦
كانت القوة للمشركين، جاز مهادنتهم للمسلمين عشر سنين، ولا يجوز
الزيادة عليها، اقتداء برسول الله وَلتر، فإنه هادن أهل مكة عشر سنين، ثم إنهم
نقضوا العهد قبل كمال المدة.
وصالح أصحاب رسول الله وسلّ في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
ومن بعده من الأئمة كثيراً من بلاد العجم؛ على ما أخذوه منهم، وتركوهم
على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم.
وصالح رسول الله وي لو أهل خيبر على شروط نقضوها، فنقض صلحهم.
وقد صالح الضَّمْري (مخشي بن عمرو، من بني ضمرة بن بكر، في غزوة
الأبواء) وأُكَيْدِر دُومَة (أكيدر بن عبد الملك، من كندة، ودومة: هي دومة
الجندل، مدينة قريبة من دمشق) وأهل نجران. وقد هادن قريشاً لعشرة أعوام
حتى نقضوا عهده.
وما زال الخلفاء والصحابة على هذه السبيل عاملة وسالكة.
والخلاصة كما ذكر ابن العربي: إذا كان للمسلمين قوة وعزة ومنعة فلا
صلح، وإن كان لهم مصلحة في الصلح، لنفع يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه فلا
بأس بالصلح.
وقد نقلت سابقاً عن ابن كثير ترجيحه أن الآية غير منسوخة وغير
مخصصة، ولا منافاة بينها وبين أوامر القتال، فهذه الأوامر عند الاستطاعة،
والصلح عند العجز وقوة العدو وعدم التكافؤ بين قوتنا وقوته. وكذلك قال
الجصاص: قد كان النبي ◌ّ﴿ عاهد حين قدم المدينة أصنافاً من المشركين منهم
النضير وبنو قينقاع وقريظة، وعاهد قبائل من المشركين، ثم كانت بينه وبين
قريش هدنة الحديبية إلى أن نقضت قريش ذلك العهد بقتالها خزاعة حلفاء
النبي ◌َّر، ولم يختلف نقلة السير والمغازي في ذلك، وذلك قبل أن يكثر
المسلمون. فلما كثر المسلمون لم يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو

٤٠٧
لُعُ (١٠) - الأَفَّال: ٦١/٨-٦٦
السيف بقوله تعالى: ﴿فَقْنُلُوْ اُلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ ويقاتل أهل
الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية بقوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾(١). وما ذكر من الأمر بالمسالمة إذا مال المشركون إليها حكم
ثابت أيضاً.
وعقد الصلح جائز غير لازم للمسلمين باتفاق العلماء، فيجوز نبذه إذا
ظهرت أمارات الخيانة والنقض والغدر.
ويجوز - كما ذكر ابن العربي - عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال،
يبذلونه للعدو، بدليل موادعة النبي وَ الله لعيينة بن حِصْن وغيره يوم الأحزاب،
على أن يعطيه نصفَ تمر المدينة، فقال له السعدان: إن كان هذا الأمر من قِبَل
الله فامْضٍ له، وإن كان أمراً لم تؤمر به، ولك فيه هوى، فسمع وطاعة، وإن
كان الرأي والمكيدة، فأعلِمْنا به، فقال النبي وَطّ: إنما هو الرأي. والمكيدة؛
لأني رأيت العرب قد رَمَتْكم بقوس واحدة، فأردت أن أدفعها عنكم إلى يوم.
فقال السعدان: إنا كنا كفاراً، وما طمعوا منّا بتمرة إلا بشراء أو بقِرى، فإذ
أكرمنا الله بك، فلا نعطيهم إلا السيف، وشقّا الصحيفة التي كانت كتبت(٢).
ودلت آية: ﴿وَإِن يُرِيدُوْ أَنْ يَخْدَعُوَكَ﴾ على حكم من أحكام الصلح، وهو
أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة، وجب قبول ذلك الصلح؛ لأن الحكم
يبنى على الظاهر، كما يبنى الإيمان على الظاهر.
وأرشدت آية ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ﴾ إلى أن تألف القلوب الشديدة في العرب
من آيات النبي وَّر ومعجزاته؛ لأن أحدهم كان يُلْطَم اللطمة، فيقاتل عنها
حتى يستقيدها، وكانوا أشد خلق الله خَمِيّة، فألف الله بالإيمان بينهم، حتى
قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدِّين.
(١) أحكام القرآن: ٦٩/٣
(٢) أحكام القرآن لابن العربي: ٨٦٥/٢

٤٠٨
الجُزْءُ (١٠) - الأنفال: ٦١/٨-٦٦
والله تعالى أيَّد نبيه بمناسبة الصلح مع المشركين في حالين: خاصة وعامة،
وليس ذلك من قبيل التكرار، ففي الآية الأولى: ﴿وَإِن يُرِيدُوَأْ أَنْ يَخْدَعُوَكَ
فَإِنََّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كفاية خاصة، وهي حال الخديعة، أي وعده بالنصر عند
مخادعة الأعداء. وفي الآية الثانية: ﴿يَأَيُّهَا النَبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ كفاية عامة أي
حسبك الله وکافیك وناصرك في كل حال.
واستدل أهل السنة بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ على أن
أحوال القلوب والعقائد والإرادات والكرامات، كلها من خلق الله تعالى،
بسبب الإيمان ومتابعة الرسول عليه الصلاة والسلام(١).
ودلت هذه الآية أيضاً على أن العرب كانوا قبل الإسلام في خصومة دائمة
ومحاربة شديدة، يقتل بعضهم بعضاً، ويغير بعضهم على بعض، فلما آمنوا
بالله ورسوله واليوم الآخر، زالت الخصومات، وحصلت المودة التامة والمحبة.
الشديدة.
وقد أيد الله رسوله بمعونته ونصرته وبالمؤمنين من المهاجرين، وهذه آية
ربانية ومعجزة أخرى للنبي ◌َل # الذي كان فرداً وحده يدعو إلى الإسلام،
فأيده الله بتوفيقه، وحماه بالمؤمنين التابعين من حوله، في مكة والمدينة.
وأرشدت آية: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ إلى أن الواجب
على المسلمين الإقدام على الجهاد بروح وثابة عالية، وشجاعة فائقة، وصبر
شديد، وعزيمة لا تلين، حتى إنه كان المسلم مطالباً في مبدأ الأمر بالصمود
أمام العشرة من الأعداء، ثم خفف الله عنه، فاكتفي بمطالبته بالثبات أمام
اثنين فقط.
وهذا بدليل قول ابن عباس المتقدم، فإن الثبات أمام العدو فرض على
(١) تفسير الرازي: ١٨٩/١٥

٤٠٩
اِلُعُ (١٠) - الأَفَالك: ٦١/٨-٦٦
المسلمين، لا اختيار لهم فيه، ويحرم عليهم الانهزام أمام ضعفي العدد؛ لأن
قوله تعالى: ﴿اَلْكَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنَكُمْ﴾. وإن ورد بصيغة الخبر، فالمراد به الأمر،
والأمر يقتضي الوجوب؛ لأن التخفيف إنما يكون في المأمور به، لا في المخبر
عنه. ونظراً لوجود التخفيف، فلا محالة - كما قال الجصاص - قد وقع النسخ
عن المسلمين فيما كلفوا به أولاً، ولم يكن أولئك القوم قد نقصت بصائرهم،
ولا قلّ صبرهم، وإنما خالطهم قوم لم يكن لهم مثل بصائرهم ونياتهم، وهم
المعنيون بقوله تعالى: ﴿وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾(١).
ودل قوله: ﴿بِإِذْنِ اٌللَّهِ﴾ على أنه لا تقع الغلبة إلا بإذن الله، أي إرادته.
ودل قوله: ﴿وَاَللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ على تأييد الله الصابرين وإعانتهم.
ودل قوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ على وجود فوارق بين قتال
المسلمين وقتال الأعداء، وتلك الفوارق توضح علة الغلبة والنصر وهي:
اً - من حيث الهدف: إن هدف غير المؤمن بالله وبالمعاد هو مجرد
الاستمتاع بالحياة الدنيا والسعادة فيها، فيكون متمسكاً بها، حريصاً عليها،
هياباً من الموت. أما المؤمن فيعتقد ألا سعادة في هذه الحياة، وأن السعادة لا
تكون إلا في الآخرة، فلا يبالي بالحياة الدنيا، ويقدم على الجهاد بقلب قوي
وعزم صحيح، حتى إنه يقاوم العدد الكثير.
اً - من حيث الوسيلة: يعتمد الكفار على قوتهم وشوكتهم، ويستعين
المسلمون بربهم بالدعاء والتضرع، فيكون النصر والظفر لهم أولى.
◌َّ - من حيث الباعث: إن قلب الكافر خاوٍ من نور الله والإيمان به والعلم
والمعرفة، فيكون جباناً ضعيفاً عند القتال. وأما قلب المؤمن فيستضيء بنور الله
ومعرفته، فيقوى قلبه وتكمل روحه، فيُقدم على القتال بروح عالية لا تعرف
التردد والضعف.
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٧١/٣

٤١٠
الزرعُ (١٠) - الأنفال: ٦٧/٨-٧١
شرط اتخاذ الأسرى
وقبول الفداء منهم وإباحة الانتفاع به
﴿مَا كَانَ لِنِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِىِ اْأَرْضَِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ
الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الَْخِرَةً وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ لَّوْلَا كِنَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ
لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَا طَيِبَأْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ
يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىّ أَيْدِيكُمْ مِّنَ الْأَسْرَىِّ إِن
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ()
يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمُّ وَاللَّهُ عَلِيهُ
رَحِيمٌ فِّ
حَكِيمُ
القراءات:
﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمْ﴾ :
وقرأ أبو عمرو (أن تكون له).
[النَّبِىُّ﴾ :
وقرأ نافع (النبيء).
﴿مِّنَ الْأَسْرَىّ﴾:
وقرأ أبو عمرو (من الأُسارى).
الإعراب:
﴿لَّوْلَا كِتَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ ﴿كِنَبٌ﴾: مبتدأ مرفوع، ﴿مِّنَ اَللَّهِ﴾: صفة
له، تقديره: ثابت من الله، و﴿سَبَقَ﴾: فعل ماض، محله إما مرفوع على أنه

2
٤١١٠
الجُرُ (١٠) - الأَفَالَ: ٦٧/٨-٧١
صفة أخرى لكتاب، وإما منصوب على أنه حال من الضمير الذي في الظرف
أي ﴿مِّنَ اَللَّهِ﴾. وخبر المبتدأ محذوف تقديره: لولا كتاب بهذه الصفة
تدارككم، لمسَّكم. ولا يجوز جعل ﴿سَبَقَ﴾ خبر المبتدأ؛ لأن الخبر بعد
﴿لَّوْلَا﴾ لا يجوز إظهاره.
حَلًا طَيِّبَّأَ﴾ ﴿حَلًا﴾: منصوب على الحال من ﴿مِمَا﴾ أي المغنوم، أو
صفة للمصدر، أي أكلاً حلالاً، وفائدته: إزاحة ما وقع في نفوسهم منه
بسبب تلك المعاتبة، أو حرمتها على الأولين، ولذلك وصفه بقوله: ﴿طَيِّبَّأَ﴾.
وقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ أي من الفدية؛ فإنها من جملة الغنائم، والفاء
للتسبب، والسبب محذوف تقديره: أبحت لكم الغنائم فكلوا. وهو دليل لمن
قال: إن الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة.
المفردات اللغوية:
﴿مَا كَانَ لِنَبِ﴾ ما صح وما ينبغي له وما شأنه. ﴿يُتْخِنَ﴾ يكثر القتل
ويبالغ فيه . ﴿تُرِيدُونَ﴾ أيها المؤمنون. ﴿عَرَضَ الذُّنْيَا﴾ حطامها بأخذ الفداء
من الأسرى. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْأَخِرَةَ﴾ يريد لكم ثواب الآخرة بقتلهم. ﴿وَاللَّهُ
عَزِيزٌ﴾ قوي لا يُغلب وإنما يغلب أولياءه على أعدائه. ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه
وحكمه يعلم ما يليق بكل حال ويخصه بها . ﴿الَّوْلًا كِنَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لولا
حكم من الله سبق إثباته في اللوح وهو ألا يعذب المخطئ في اجتهاده، أو ألا
يعذبكم والرسول فيكم وأنتم تستغفرونه من ذنوبكم، أو بإحلال الغنائم
والأسرى لكم. ﴿لَمَسَّكُمْ فِيْمَآ أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء.
﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ إيماناً وإخلاصاً. ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّاً أُخِذَ
مِنكُمْ﴾ من الفداء بأن يعوضكم عنه في الدنيا ويثيبكم في الآخرة. ﴿ وَيَغْفِرْ
لگمْ﴾ ذنوبکم.
:

٤١٢
الْجُزْءُ (١٠) - الأنفال: ٦٧/٨-٧١
﴿وَإِن يُرِيدُواْ﴾ أي الأسرى. ﴿خِيَانَتَكَ﴾ بما أظهروا من القول . ﴿مِن
قَبْلُ﴾ قبل بدر بالكفر. ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ ببدر قتلاً وأسراً، فليتوقعوا مثل ذلك
إن عادوا. ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه. ﴿حَكِيمُ﴾ في صنعه.
سبب النزول:
نزول الآية (٦٧):
﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ﴾: روى أحمد وغيره عن أنس قال: استشار النبي وَّ في
الأسارى يوم بدر، فقال: إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب
فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه، فقام أبو بكر فقال:
نرى أن نعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء،
فأنزل الله: ﴿لَّوْلَا كِنَبُ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية.
وروى أحمد والترمذي والحاكم عن ابن مسعود قال: لما كان يوم بدر،
وجيء بالأسارى، قال رسول الله وَله: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟
الحديث. وفيه: فنزل القرآن بقول عمر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَن يَكُونَ لَهُ: أَسْرَى﴾
الآيات.
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النبي وّ قال: لم تحل الغنائم، لم تحل
لأحد سود الرؤوس من قبلكم، كانت تنزل نار من السماء، فتأكلها، فلما
كان يوم بدر وقعوا في الغنائم قبل أن تحل لهم، فأنزل الله: ﴿لَوْلَا كِنَبُ مِّنَ اللّهِ
٦٨
سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
وأخرج ابن المنذر عن نافع عن ابن عمر قال: اختلف الناس في أسارى
بدر، فاستشار النبي ◌َّ أبا بكر وعمر، فقال أبو بكر: فادِهم، وقال عمر:
اقتلهم، فقال قائل: أرادوا قتل رسول الله وَلُّ وهَدْم الإسلام، ويأمره أبو
بكر بالفداء، وقال قائل: لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمَرَ بقتلهم.

٤١٣
لُمْعُ (١٠) - الأَفَالك: ٦٧/٨-٧١
فأخذ رسول الله وَ﴿ بقول أبي بكر، ففاداهم فنزل: ﴿لَّوْلَا كِنَبُ مِّنَ اللَّهِ
سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ فقال رسول الله: ((إن كاد ليمسُّنا
في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت إلا عمر)).
فهذه الروايات تدل بالاتفاق على أن النبي ويالر أخذ برأي أبي بكر، وقبل
الفداء من أسرى بدر، وتذكر الرواية الثانية والرابعة أن القرآن نزل تشريعه
موافقاً لرأي عمر، وتنفرد الرواية الثانية عند الترمذي أن نزول الآية كان
بسبب أخذ الغنائم قبل أن تحل لهم.
وفي رواية خامسة عند ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن
الأعمش عن ابن مسعود توضيح أكثر، يجعل الآراء ثلاثة، قال: لما كان يوم
بدر وجيء بالأسرى، قال رسول الله وَ له: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟
فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومُك وأصلك استبقهم واستأن بهم لعل الله عز
وجل يتوب عليهم. وقال عمر: كذبوك وأخرجوك، فقدمهم فاضرب
أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب،
فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم ناراً، فقال العباس: قطعت رحمك، فسكت
رسول الله ◌َه ولم يحبهم.
ثم دخل، فقال ناس : يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر،
وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله، ثم خرج عليهم فقال: إن الله عز وجل ليُلين
قلوبَ رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله عز وجل ليشدِّد قلوبَ
رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة. وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم
قال: ﴿فَمَنْ تَبِّعَنِى فَإِنَُّ مِنِّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦/١٤]
وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ
{﴾ [المائدة: ١١٨/٥]. وإن مثلك يا عمر كمثل
فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
موسى قال: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَىَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨/١٠]

٤١٤
الْجُعُ (١٠) - الأنفال: ٦٧/٨-٧١
ومثلك يا عمر كمثل نوح قال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾
[نوح: ٢٦/٧١] .
ثم قال رسول الله ويثور: أنتم اليوم عالة، أنتم اليوم عالة، فلا ينفلتن منهم
أحد، إلا بفداء أو ضرب عنق؟ قال ابن مسعود: فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا
كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧/٨]
الآيات(١).
وتنفرد رواية سادسة ذكرها مسلم وأحمد عن عكرمة بن عمارة عن ابن
عباس في وصف حال النبي ◌َلّه وصاحبه أبي بكر بعد نزول الآية، وتصرح
بأن الذين اختاروا الفداء كثيرون، قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان
يوم بدر والتقوا، فهزم الله المشركين، وقتل منهم سبعون رجلاً، وأسر سبعون
رجلاً، استشار رسول الله وَل# أبا بكر وعمر وعلياً، فقال أبو بكر: يا رسول
الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية،
فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم، فيكونوا لنا
عضداً. فقال رسول الله وَلهو: ما ترى يا ابن الخطاب؟
قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أن تمكنني من فلان
قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكّن علياً من عَقيل فيضرب عنقه، وتمكِّن حمزة
من فلان أخيه، فيضرب عنقه، حتى يعلم الله عز وجل أنه ليس في قلوبنا
موادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، فهوي رسول الله رَلآ ما
قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء.
فلما كان من الغد، قال عمر: غدوت إلى النبي ◌َّرَ، فإذا هو قاعد، وأبو
بكر الصديق، وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني، ماذا يبكيك
أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت؟.
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٣٦ وما بعدها.

٤١٥
◌ِلُعُ (١٠) - الأَفَالَ: ٨ /٦٧-٧١
فقال النبي ◌َّ: أبكي للذي عُرض على أصحابك من الفداء، لقد عُرض
علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة، وأنزل الله عز وجل: ﴿مَا
كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ, أَسْرَى حَتَّى يُتْخِنَ فِ اْأَرْضِّ﴾ إلى قوله: ﴿لَّوْلَا كِنَبُ
مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ أي من الفداء وهذه
الرواية أجمع الروايات وأصحها وأولاها بالاحتجاج بها.
والخلاصة: كان الأولى قتل الأسرى، وكان أخذ الفداء باجتهاد النبي
وَ*، وكل اجتهاد عرضة للخطأ والصواب، لكن اجتهاد المصطفى لا يقر فيه
على الخطأ.
روى ابن المنذر عن قتادة قال: أراد أصحاب محمد الفداء يوم بدر،
ففادَوْهم بأربعة آلاف، أربعة آلاف. وفي مصنف أبي داود عن ابن عباس رضي
الله عنه أن النبي وَل جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربع مئة.
نزول الآية (٧٠):
﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَنْ فِيِّ أَيْدِيكُمْ﴾: روى الطبراني في الأوسط عن ابن
عباس قال: قال العباس: فيَّ والله نزلت حين أخبرت رسول الله وَلـ
بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي وُجدت معي، فأعطاني بها
عشرين عبداً، كلهم تاجر بمالي في يده، مع ما أرجو من مغفرة الله.
وفي رواية أخرى أكثر إيضاحاً، قال الكلبي في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل.
لِّمَن فِيّ أَيَدِيكُمْ مِّنَ الْأَسْرَى﴾ الآية: نزلت في العباس بن عبد المطلب،
وعقيل بن أبي طالب، ونَوْفل بن الحارث، وكان العباس أسر يوم بدر، ومعه
عشرون أوقية من الذهب، كان خرج بها معه إلى بدر ليطعم بها الناس، وكان
أحد العشرة الذين ضمنوا إطعام أهل بدر، ولم يكن بَلَغَتْهُ التَّوْبة حتى أسر،
فأخذت معه وأخذها رسول الله وَ له منه، قال:

٤١٦
لِلُ (١٠) - الأَنْفَالَ: ٦٧/٨-٧١
فكلمت رسول الله ﴿ أن يجعل لي العشرين أوقية الذهب التي أخذها مني
من فدائي، فأبى علي وقال: أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا، وكفلني
فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية من فضة، فقلت له: تركتني
والله أسأل قريشاً بكفي، والناس، ما بقيت. قال: فأين الذهب الذي دفعته
إلى أم الفضل مخرجَك إلى بدر، وقلت لها: إن حدث بي حدث في وجهي هذا،
فهو لك ولعبد الله والفضل وقُثَم، قال: قلت: وما يدريك؟ قال: أخبرني الله
بذلك، قال: أشهد أنك لصادق، وإني قد دفعت إليها ذهباً، ولم يطلع عليها
أحد إلا الله، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.
قال العباس: فأعطاني الله خيراً مما أُخذ مني، كما قال: عشرين عبداً،
كلهم يضرب بمال كبير، مكان العشرين أوقية، وأنا أرجو المغفرة من ربي(١).
وروى أبو الشيخ ابن حيان عن ابن عباس: أن العباس وأصحابه قالوا
للنبي وَله: آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، فنزل: ﴿إِن يَعْلَمِ اَللَّهُ فِى
قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ الآية.
المناسبة:
الآيات متصلة بما قبلها في بيان الأحكام الحربية بمناسبة غزوة بدر، فهي
لتبيان حكم آخر من أحكام الجهاد في حق النبي نَّ، وهو حكم الأسرى في
مبدأ قيام الدولة الإسلامية وهو القتل.
التفسير والبيان:
ما صح لنبي وما استقام له وما كان شأنه الذي ينبغي أن يكون له أسرى
يختار فيهم إما المنّ أو الفداء في مبدأ أمره حتى يكثر القتل في الكفار ويبالغ
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٣٨

٤١٧
الجُمْعُ (١٠) - الأنفال: ٦٧/٨-٧١
فيه، لإظهار عزة الإسلام والمسلمين. وإرهاب الدولة أعداءها، واشتداد
أمرها، فلا يتجرأ على النيل منها أحد، ولا يقدم على إضعافها والتجسس
عليها أحد من الأسرى الذين تركوا يعودون لديارهم بفداء مالي.
فالذين يرون قبول الفداء إنما يريدون الحصول على عرض الدنيا (١) أي
حطام الدنيا الفاني، والله يريد لكم ثواب الآخرة الدائم وما هو سبب الجنة
بما يشرعه لكم من الأحكام المؤدية إليه، ومنها الإثخان في القتل في الأرض،
وإعزاز الدين، والقضاء على الأعداء، لإعلاء كلمة الحق، وإقامة العدل،
وإقرار النظام الأصلح للبشرية.
والله عزيز يغلِّب أولياءه على أعدائه، ويمكنهم منهم قتلاً وأسراً، حكيم في
أفعاله وأوامره، يشرع لكل حال ما يليق به، ويخصه به، كالأمر بالإثخان
ومنع أخذ الفداء حين كانت الشوكة والقوة للمشركين، وبذلك تتحقق عزة
المؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨/٦٣].
لولا كتاب من الله سبق أي لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح
المحفوظ(٢): وهو أنه لا يعاقب المخطئ في اجتهاده؛ لأن أصحاب هذا الرأي
نظروا ورأوا أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وتوبتهم، وأن فداءهم
يتقوّى به على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام،
وأهيب لمن وراءهم، وأضعف لشوكتهم.
وقيل: إن الحكم الذي سبق هو ألا يعذب أهل بدر فهم مغفور لهم، أو
ألا يعذب قوماً إلا بعد تأكيد الحجة والبيان، والتصريح المتقدم بالنهي عن
الفداء، ولم يكن قد تقدم نهي عن ذلك، أو أنهم استعجلوا في استباحة
الغنائم، ولم تكن قد أحلت لهم، والله تعالى سيحلها لهم.
(١) إنما سميت منافع الدنيا ومتاعها عوضاً؛ لأنه لا ثبات له ولا دوام، فكأنه يعرض ثم يزول.
(٢) جواب (لولا)) سيأتي في الأسطر الآتية.

٤١٨
الجُعُ (١٠) - الأفاك: ٦٧/٨-٧١
لولا هذا الحكم الإلهي السابق إبرامه لنالكم أيها المؤمنون فيما أخذتم من
الفداء عذاب عظيم وقعه، شديد هوله. وفي هذا تهويل لخطر ما فعلوا.
وبعد أن عاتبهم الله تعالى على أخذ الفداء، أباحه لهم وجعله من جملة
الغنائم المباحة التي أبيحت لهم في مطلع السورة، فقال: ﴿فَكُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾
أي أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم من الفدية، حال كونه حلالاً لكم،
طيباً بنفسه لا حرمة فيه لذاته، كحرمة الدم ولحم الخنزير، أو كلوه أكلاً
حلالاً لا شبهة فيه. والفائدة إزاحة ما وقع في نفوسهم من أكل الفداء بسبب
تلك المعاتبة أو حرمة الغنائم على الأولين.
واتقوا الله في مخالفة أوامره، ولا تعودوا لشيء من المخالفة لأمره ونهيه، ولا
ترتكبوا المعاصي بعد ذلك، إن الله غفور لذنوبكم بأخذ الفداء، رحيم بكم
بإباحته لكم ما أخذتم، ومن رحمته: قبوله التوبة عن عباده وعفوه عن
السيئات.
والخلاصة: أن مفاداة الأسرى أو المنَّ عليهم بإطلاق سراحهم لا يكون
إلا بعد توافر الغلبة والسلطان على الأعداء، وإظهار هيبة الدولة في وجه
الآخرین.
وبعد أن أخذ النبي ◌َّ الفداء من الأسرى، وشق عليهم أخذ أموالهم
منهم، أنزل هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَن فِيّ أَيْدِيكُم﴾ استمالة لهم،
وترغيباً لهم في الإسلام ببيان ما فيه من خيري الدنيا والآخرة، وتهديداً
وإنذاراً لهم إذا بقوا على الكفر.
ومعنى الآية: يا أيها النبي قل لمن وقع في أيديكم من أسرى المشركين الذين
أخذتم منهم الفداء: إن يعلم الله في قلوبكم الآن أو في المستقبل إيماناً
وإخلاصاً وحسن نية وعزماً على طاعة الله والرسول في جميع التكاليف،
والتوبة عن الكفر، وعن جميع المعاصي، ومنها العزم على نصرة الرسول

٤١٩
الجُزُ (١٠) - الأنفال: ٦٧/٨-٧١
والتوبة عن محاربته، يؤتكم خيراً مما أخذ منكم من الفداء، ويغفر لكم ما
كان منكم من الشرك والسيئات، والله غفور لمن تاب عن المعاصي، رحيم
بالمؤمنين، فهو يمدهم بعنايته وتوفيقه وإسعاده.
قال ابن عباس: الأسرى في هذه الآية العباس وأصحابه، قالوا للنبي
وَله: آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحنَّ لك على قومك،
فنزلت هذه الآية.
وفي هذا حض على إعلان الإسلام وقبول دعوته. وإن يريدوا أي الأسرى
خيانتك يا محمد بإظهار الإسلام والمسالمة، ثم نقض ما عاهدوك عليه، فلا
تخف من خيانتهم، فإنهم قد خانوا الله من قبل بدر بالكفر، ونقض ميثاقه
الذي أخذه على البشر في قوله: ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢/٧]،
وأقام الأدلة الكونية والعقلية عليه، وآتاهم من العقل الذي يرشد المتأمل بحق
إلى الإقرار بوحدانية الله تعالى.
فأمكن منهم، أي فأمكنك منهم يوم بدر، وإن عادوا إلى الخيانة فسيمكّنك
منهم، ويسلطك عليهم فتهزمهم.
والله عليم بنواياهم، حكيم في تدبيره وصنعه، فينصر المؤمنين على
الكافرين.
وفي هذا تسلية للنبي ◌ّ بوعده بالنصر، ووعيده لهم بالهزيمة؛ لأن الله
مطلع على كل شيء في الوجود، ومهيمن على جميع البشر، وقادر على تحقيق ما
یرید.
فقه الحياة أو الأحكام:
آية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ﴾ نزلت يوم بدر، عتاباً من الله عز وجل لأصحاب
نبيه وَة. والمستفاد منها أنه ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي
أوجب أن يكون للنبي أسرى قبل الإثخان أي القتل والتخويف الشديد.

٤٢٠
الُءُ (١٠) - الأنفال: ٨/ ٦٧-٧١
وهذه الآية إحدى موافقات الوحي لرأي عمر، وقد بلغت بضعاً وثلاثين.
ولقد كان هذا الحكم مناسباً لبدء قيام الدولة الإسلامية، ولا شك أن لكل
دولة في بداية تأسيسها أحكاماً وظروفاً وقتية، تستدعيها المصلحة واستكمال
قيام الدولة، وهذا الحكم القتل المشروع للأسرى من الأعداء مجرمي الحرب،
وليس التقتيل الداخلي للشعب بعد قيام الثورة مثلاً.
ولم يكن فعل النبي وَله إلا اجتهاداً واختياراً لأحد أمرين مشروعين: هما
القتل وأخذ الفداء. فهو فعل لخلاف الأولى، وليس في ذلك مساس أصلاً
بعصمة الأنبياء عليهم السلام كما فهم بعضهم؛ لأن المساس بالعصمة يحصل
إذا خالف النبي نصاً صريحاً أو أمراً قائماً، ولم يكن هناك نص أو أمر سابق
بالقتل، بدليل مشاورة الصحابة، إذ لا يجوز له بحال ترك حكم النص، وطلب
الحكم من مشاورة الصحابة.
وأما بكاء النبي ◌َ﴿ فيحتمل أن يكون بسبب الخطأ في الاجتهاد، وحسنات
الأبرار سيئات المقرَّبين، وقد أقدم على البكاء لأجل هذا المعنى، بسبب
حرصه الشديد على الإصابة فيما ارتآه، وموافقة اجتهاده حكم الله في المسألة.
وعلى كل حال، فقد قتل بعض أسرى بدر وهم اثنان أو ثلاثة وهم: النضر
ابن الحارث وعقبة بن أبي مُعَيط وطُعيمة بن عدي، لكنه لم يحقق الإثخان في
الأرض، وحاول بعض المستشرقين الطعن بذلك، فكيف لو قتل جميع
الأسرى، وكان عددهم سبعين، فيهم العباس عم النبي وعقيل بن أبي طالب
ابن عمه؟!
أسند الطبري وغيره أن رسول الله وَلّ قال للناس: ((إن شئتم أخذتم فداء
الأسارى، ويُقتل منكم في الحوب سبعون على عددهم، وإن شئتم قُتلوا
وسلمتم)) فقالوا: نأخذ الفداء، ويستشهد منا سبعون.
٠