Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
الُ (١٠) - الأَنْفَالَ: ٤٢/٨-٤٤
ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ اُلْأُمُورُ﴾ أي إن إلى الله مصير الأمور
ومردها.
فقه الحياة أو الأحكام:
لقد كانت وقعة بدر أمراً عجباً وقصة مثيرة، فمما لا شك فيه أن عسكر
المسلمين في أول الأمر كانوا في غاية الخوف والضعف، بسبب القلة وعدم
الأهبة، ونزلوا بعيدين عن الماء، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضاً رملية
تغوص فيها أرجلهم.
وأما الكفار فكانوا في غاية القوة بسبب كثرة العَدَد والعُدَد، وكانوا قريبين
من الماء، والأرض كانت صالحة للمشي، وكانت العير خلف ظهورهم،
ويتوقعون مجيء المدد من العير إليهم ساعة فساعة.
ثم تغيرت موازين القوى وانعكست القضية، وجعل الله الغلبة للمسلمين،
والدمار على الكافرين، فصار ذلك من أعظم المعجزات، وأقوى البينات على
صدق محمد رَّة، فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر. فقوله
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ إشارة إلى هذا المعنى، وهو أن الذين هلكوا
إنما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة، والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا
هذه المعجزة القاهرة. والمراد من البينة: هذه المعجزة(١).
وقد أراد الله أيضاً من الفريقين كما دل ظاهر قوله: ﴿لِيَهْلِكَ﴾ العلم
والمعرفة والخير والصلاح.
فإظهار المعجزة وإعلام فريقي المؤمنين والكافرين بالحجة على أحقية
الإسلام وبطلان الشرك هو النوع الأول من النعم التي أنعم الله بها على أهل
بدر.
(١) تفسير الرازي: ١٦٨/١٥

٣٦٢
الزُعُ (١٠) - الأنفال: ٤٢/٨-٤٤
والنوع الثاني من النعم يعرف من قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ وهو: تقليل
الكافرين في أعين المؤمنين، ليقدموا على القتال بروح معنوية عالية، وبحماسة
تحقق النصر والغلبة.
والنوع الثالث من النعم يوم بدر يتبين من قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ وهو أن
التقليل الذي حصل في النوم تأكد بحصوله في اليقظة، فهذا في اليقظة، فقلل
الله تعالى عدد المشركين في أعين المؤمنين، وقلل أيضاً عدد المؤمنين في أعين
المشركين، والحكمة في التقليل الأول: تصديق رؤيا الرسول بَ﴾، وتقوية
قلوب المؤمنين، وازدياد جرأتهم عليهم. والحكمة في التقليل الثاني: أن
المشركين لما استقلوا عدد المسلمين، لم يبالغوا في الاستعداد والتأهب والحذر،
فصار ذلك سبباً لاستيلاء المؤمنين عليهم.
والمقصود من ذكر قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ في
موضعين: في الآية ٤٢، وفي الآية ٤٤: هو أن ذكره في الموضع الأول لبيان
أن الله تعالى فعل تلك الأفعال من أجل نصر المؤمنين على المشركين على وجه
يكون معجزة دالة على صدق الرسول بول38، وللترغيب في اللقاء. وذكره في
الموضع الثاني وهو تقليل عدد المؤمنين في أعين المشركين لتوضيح مراد الله
تعالى الذي فعل ذلك ليكون سبباً في قلة مبالاة المشركين بالمؤمنين، وعدم
مبالغتهم في الاستعداد والحذر، ولإتمام المراد وهو قتل المشركين وإعزاز
الدين.
ونبّه تعالى بقوله: ﴿وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ على أن أحوال الدنيا غير
مقصودة لذواتها، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زاداً ليوم المعاد.
ومن فضل الله ونعمته وهو نوع رابع من النعم أن قوله: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ﴾ كان
في ابتداء القتال، فلما شرعوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا؛
كما قال تعالى: ﴿يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَبْنِ﴾ [آل عمران: ١٣/٣].

◌ِلُرُ (١٠) - الأَفَالَ: ٤٥/٨-٤٧
٣٦٣
ذكر الله والثبات أمام العدو والطاعة وعدم التنازع
نُفْلِحُونَ
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ
وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوّأْ
٤٥
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّيِينَ ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِم بَطَرًا وَرِشَآءَ
النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
٤٧
الإعراب:
﴿فَنَفْشَلُواْ﴾ منصوب بإضمار (أن)، أو مجزوم لدخوله في حكم النهي.
﴿بَطَرًّا﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال، أي بَطرِين مرائين
صادین.
البلاغة:
﴿وَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي قوتكم، وقال الزمخشري: الريح: الدولة، وفيه
استعارة، شبهت القوة أو الدولة في نفوذ أمرها وتمشيه بالريح وهبوبها، فقيل:
هبت رياح فلان: إذا دالت له الدولة ونفذ أمره.
المفردات اللغوية:
﴿فِيَةً﴾ جماعة، والمراد هنا جماعة كافرة ﴿فَأَتْبُتُواْ﴾ لقتالهم ولا تنهزموا
﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ادعوه بالنصر ﴿نُفْلِحُونَ﴾ تفوزون ﴿وَلَا
تَزَعُواْ﴾ تختلفوا فيما بينكم ﴿فَتَفْشَلُواْ﴾ تجينوا ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ قوتكم
ودولتكم ﴿مَعَ الصَِّينَ﴾ بالنصر والعون.
﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِم﴾ ليمنعوا عيرهم ولم يرجعوا بعد

٣٦٤
الُ (١٠) - الأَنْفَالَ: ٨ / ٤٥-٤٧
نجاتها ﴿بَطَرًا﴾ البطر: الأشر، والمراد بهما التفاخر بالنعمة، والتكبر
والخيلاء. ﴿ وَرِئَآءَ النَّاسِ﴾ أي رياء، وهؤلاء هم أهل مكة، حين خرجوا
لحماية العير، فأتاهم رسول أبي سفيان، وهم بالجحفة: أن ارجعوا، فقد
سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدراً، نَشْرب بها الخمور،
وتُعزَف علينا القيان، ونطعِم بها من حضرَنا من العرب. فلذلك كان بطرهم
ورئاؤهم الناس بإطعامهم، فوافوها فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر،
وناحت عليهم النوائح مكان القيان، فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم
بطرين طربين مرائين بأعمالهم، وأن يكونوا من أهل التقوى والكآبة والحزن
من خشية الله عز وجل، مخلصين أعمالهم لله.
سبب النزول:
نزول الآية (٤٧):
﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القُرَظي قال:
لما خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله:
﴿ وَلَا تَكُونُواْ﴾ الآية.
وقال البغوي في تفسيره المطبوع على هامش (الخازن): نزلت في المشركين
حين أقبلوا إلى بدر، ولهم بغي وفخر، فقال رسول الله وَّير: ((اللهم هذه قريش
قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادُّك، وتكذِّب رسولك، اللهم فنصرك الذي
وعدتني».
قالوا: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عِيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنما
خرجتم لتمنعوا عِيركم، فقد نجاها الله فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا
نرجع حتى نرد بدراً - وكان موسماً من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل
عام - فنقيم ثلاثاً، فننحر الجزور، ونُطْعَم الطعام، ونُسقى الخمر، وتعزِف

٣٦٥
اِلُعُ (١٠) - الأَفَّالِ: ٤٥/٨-٤٧
علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبداً، فوافوها فسُقُوا
كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان.
فنهى الله عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النية،
والحسبة في نصر دينه، ومؤازرة رسوله ◌َلآ.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أنواع نعمه على رسوله وعلى المؤمنین یوم بدر،
علَّمهم إذا التقوا بفئة (أي جماعة) من المحاربين نوعين من الأدب هما: الثبات
أمام العدو في اللقاء، وذكر الله كثيراً، ثم أمرهم بالتحلي بالطاعة والانقياد،
أي طاعة الله والرسول، ونهاهم عن التنازع والاختلاف حتى لا يفشلوا
(يجبنوا) وتذهب قوتهم ودولتهم.
التفسير والبيان:
هذه الآيات تعليم من الله لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند .
مواجهة الأعداء، وهي قواعد ضرورية في الحروب، وأسس للجندية الحقة
الحازمة.
وأول هذه الآداب والقواعد:
الثبات أمام العدو حين اللقاء معه، بتوطين النفوس على الصمود والصبر
على المبارزة؛ وعدم التحدث بالتولي والفرار، ونظراً لأن هذا العنصر أهم
عناصر المواجهة الحربية، فقد بدأ الله به، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ﴾ أي إذا حاربتم جماعة من أعدائكم الكفار، فاثبتوا
أمامهم في القتال، وإياكم من الفرار من الزحف وتولي الأدبار، فالثبات
ركيزة الحروب وسبب للانتصار، والفرار جريمة كبرى يعاقب عليها الله
تعالى؛ لأنها خطأ فادح في حق الأمة قاطبة.

٣٦٦
الجُزْءُ (١٠) - الأنفال: ٤٥/٨-٤٧
ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله وَل انتظر في
بعض أيامه التي لقي فيها العدو، حتى إذا مالت الشمس، قام فيهم فقال:
(يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم
فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)).
ثم قام النبي ◌َّ- وقال: ((اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم
الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)).
وروى عبد الرزاق عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَالخلال: ((لا
تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، واذكروا الله،
فإن صخبوا وصاحوا، فعليكم بالصمت)).
وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن زيد بن أرقم عن النبي وَلقر مرفوعاً
قال: ((إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف،
وعند الجنازة)).
والأدب الثاني:
هو ذكر الله كثيراً: بذكره في القلب واللسان، والتضرع والدعاء بالنصر
والظفر؛ لأن النصر لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى، وذكر الله في أثناء القتال
يحقق معنى العبودية لله، ويشعر بمعنى الإيمان والتفويض لله والتوكل عليه،
ويقوي الروح المعنوية، فبذكره تطمئن القلوب، ويؤمّل النصر والفرج،
وبدعائه تتبدد الكروب والمخاوف، ويحلو الموت في سبيل الله عز وجل.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي هذا الثبات وذكر الله من وسائل الفوز بالأجر
والثواب، والنصر على الأعداء. جاء في الحديث المرفوع: يقول الله تعالى: ((إن
عبدي كل عبدي: الذي يذكرني، وهو مناجز قِرْنه)) أي لا يشغله ذلك الحال
عن ذكري ودعائي واستعانثي، فذكر الله تعالى، وعدم نسيانه، والاستعانة به،

٣٦٧
الُ (١٠) - الأَنْفَالَ: ٤٥/٨-٤٧
والتوكل عليه، وسؤاله النصر على الأعداء، بعد الثبات والصمود والصبر
أساس لتحقيق الفوز والغلبة.
وهذا يدل على أن ذكر الله أمر مطلوب في كل أحوال العبد، سلماً وحرباً،
صحة ومرضاً، إقامة أو حضراً وسفراً.
والأدب الثالث:
هو الطاعة: طاعة الله والرسول في كل ما أُمر العبد به ونهي عنه، فما أمرنا
الله تعالى به ائتمرنا، وما نهانا عنه انزجرنا؛ لأن طاعة الله ورسوله من أسباب
تحقيق الفوز والنصر في القتال وغيره، ولأن الطاعة تحقق الانضباط، وتوفر
النظام، وتقمع الفوضى والتشتت، وظرف الحرب يقتضي الانضباط واحترام
النظام وحبّه في أعلى مستوى وأكمله.
والأدب الرابع:
هو وحدة الصف والكلمة والهدف، وعدم التنازع والاختلاف، فإن
توحيد الصف والكلمة أمر أساسي عند لقاء العدو، والتنازع والاختلاف
مَدْعاة للفشل والجبن والخيبة وتغلب العدو.
فإياكم والتنازع؛ لأنه مهدر للطاقات، ومقوِّض لبنية الجماعات، وسبيل
لإذهاب الحماسة، وتبديد القوة، والعصف بوجود الدولة، وإزالة روح
الإقبال والإقدام، فلقد هلكت الأمم باختلافها وكثرة آرائها واعتراضاتها.
والأدب الخامس:
الصبر على الشدائد والمحن، وتحمل بأس العدو، فإن الصبر سلاح القوي
المقدام، لذا قيل: الشجاعة: صبر ساعة، والله مع الصابرين يمدهم بالعون
والتأييد والنصر.

٣٦٨
الُ (١٠) - الأَفَّان: ٨ /٤٥-٤٧
والخلاصة:
تتضمن الآداب السابقة قواعد حربية ثابتة أساسها الإخلاص في القتال في
سبيل الله وكثرة ذكر الله لربط الجيش بربه.
. قال ابن كثير: وقد كان الصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة،
والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به، وامتثال ما أرشدهم إليه، مالم يكن
لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة
الرسول ونَ﴿ وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقاً وغرباً في
المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم
والفرس، والترك، والصقالبة والبربر، والحبوش، وأصناف السودان،
والقبط وطوائف بني آدم. قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على
سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في
أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم،
إنه كريم وهاب(١).
وكما جرت عادة القرآن في الجمع بين الأمر والنهي والتحذير، أعقب الله
تعالى الأمر بالآداب أو القواعد الحربية السابقة ومنها النهي عن التنازع،
بتحذير المؤمنين من التشبه بصنيع المشركين أهل مكة، فقال: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ
كَأَلَّذِينَ خَرَجُواْ﴾.
. أي لا تتشبهوا بالمشركين أهل مكة حين خرجوا من ديارهم لحماية العير
بطراً أي دفعاً للحق، وإظهار الفخر والاستعلاء بنعمة القوة أو الغنى أو
الزعامة، ومن أجل مراءاة الناس، أي المفاخرة والتكبر عليهم، وعمل ما
يحبون أن يراهم الناس عليه ليعجبوا منه، كما قال أبو جهل لما قيل له: إن
(١) تفسير ابن كثير: ٣١٦/٢

٣٦٩
المُرُ (١٠) - الأنفال: ٤٥/٨-٤٧
العیر قد نجت فارجعوا، فقال: لا والله، لا نرجع حتى نرد ماء بدر، وننحر
الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، وتتحدث العرب بمكاننا فيها
يومنا أبداً ..
فامتثلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه، واحذروا التشبه بأعدائكم
المشركين بطِرين مترفعين بالنعمة، مرائين الناس، فتبدل الحال كله عليهم،
فتجرعوا كأس المنون، وانقلبوا أذلة صاغرين، في عذاب سرمدي أبدي.
وأرادوا بخروجهم المنع عن سبيل الله، أي حجب الناس عن الإسلام
والحيلولة بينهم وبين تبليغ الدعوة الإلهية.
وهذه الأفعال التي لا تصدر عادة إلا من أناس امتلأت قلوبهم بالكفر،
والجهل، والحقد، هي كلها عوامل دمار وهدم وفناء. لذا تضمنت الآية
الزجر والتهديد بخصال الكفار وهي الرياء والبطر والكبر ودفع الحق
ومعاداته.
والله بما يعملون محيط، أي عالم بما جاؤوا به ولأجله، فيجازيهم عليه شر
الجزاء في الدنيا والآخرة، بمقتضى سنته في ترتيب الجزاء على الأعمال.
وفي هذا حض على إخلاص النية والعمل، والترغيب في نصرة النبي وَ ل
ومؤازرة الدين الذي جاء به من عند الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
تأمر الآيات بقواعد حربية هي عُمُد ثوابت في نظام الحروب بنحو دائم،
ولا يمكن لجيش قديم أو حديث أن يتخلى عن هذه النصائح التي تكون سبباً في
إحراز النصر والتقدم والغلبة.
وهذه القواعد والنصائح هي الثبات عند اللقاء، وذكر الله والتضرع إليه

٣٧٠
لُ (١٠) - الأَنَفَالَ: ٨ /٤٥-٤٧
واللجوء إلى جنابه، وطاعة الله والرسول، أي طاعة التوجيه الإلهي والقائد
الحربي الذي لا يأمر عادة إلا بالصواب والحق والمصلحة العامة، وعدم
التنازع والاختلاف، والصبر عند الشدائد، وعدم البطر والرياء والكبر
والخيلاء.
أما الثبات عند قتال الكفار: فهو كما في الآية المتقدمة التي تنهى عن
الفرار عنهم، فالتقى الأمر والنهي على هدف واحد، وهو الصمود في المعركة.
وأما ذكر الله في القلب واللسان والدعاء فهو مما يعين على الهدف السابق
وهو الثبات على الشدائد، فيقول المجاهد ما قاله أصحاب طالوت: ﴿رَبَّنَاً
أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾ [البقرة:
٢٥٠/٢] . وهذه الحالة لا تكون - كما ذكر القرطبي - إلا عن قوة المعرفة،
واتّقاد البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة بين الناس. ثم قال القرطبي:
والأظهر أنه ذكر اللسان الموافق للجنان.
وأما طاعة الله ورسوله فهي الواجبة في كل أحوال المسلم، وبخاصة وقت
الحرب والقتال؛ لأن طاعة القائد الحربي أساس لتماسك الجيش، وضمان
لتقدمه وتوجيهه الوجهة التي يخطط لها القائد تخطيطاً سليماً. والطاعة العمياء
للقائد من أصول الجندية الحديثة المعروفة.
وأما التنازع والاختلاف بين الآراء ووجهات النظر فهو أداة انقسام
الجيش، وإنذار بالهزيمة والتراجع، وذهاب القوة والنصر والدولة.
وأما الصبر فهو محمود في كل المواطن، وبخاصة موطن الحرب؛ كما قال
تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ﴾ وقال أيضاً: ﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُوا﴾
[آل عمران: ٢٠٠/٣] والله مع الصابرين، والمراد بهذه المعية: النصرة والمعونة.
وأما البطر (الفخر والاستعلاء والتكبر) والمراءاة فهما مرض خطير ينخر
في تكوين شخصية الإنسان، ويعجل في تدمير كيان صاحبه.

٣٧١
لُعُ (١٠) - الأَقَالَ: ٤٥/٨-٤٧
وأما الصد عن سبيل الله، أي إضلال الناس فهو أشد إثماً من الكفر؛ لأن
كفر الكافر مقصور على نفسه، والصد یتجاوز الإنسان إلى غيره، وقد تکرر ذم
الصد عن سبيل الله في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وكان الصدّ ملازماً
لكفر أهل مكة، كما قال تعالى: ﴿﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ
١
[محمد: ٤٧ /١] .
ولما كان أبو جهل وعصبته مجبولين على البطر والمفاخرة والعجب، وكان
صدهم عن سبيل الله حاصلاً في زمان نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، ذكر
البطر والرئاء بصيغة الاسم، وذكر الصد عن سبيل الله بصيغة الفعل.
والخلاصة:
أمر الله المؤمنين عند لقاء العدو بالثبات والاشتغال بذكر الله، ومنعهم أن
يكون الباعث لهم على الثبات هو البطر والرئاء، وإنما الواجب أن يكون
الباعث عليه هو طلب عبودية الله تعالى.
وشأن المؤمن إرضاء الرحمن وإظهار العبودية الخالصة لله، وهو هدف
القرآن، والمعصية مع الحياء والتذلل والانكسار أقرب إلى الإخلاص من
الطاعة مع الافتخار.
وضماناً للإخلاص في طلب مرضاة الله ختمت الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا
يَعْمَلُونَ مُحِيِّظٌ﴾ لأن الإنسان ربما أظهر الإخلاص، والحقيقة بخلافه، فيكون
الله أعلم بما في القلوب. وهذا كالتهديد والزجر عن الرياء والتصنع.
وقد احتج نفاة القياس على عدم مشروعيته بآية ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ﴾
لأن القياس يؤدي إلى الاختلاف في الأحكام بسبب اختلاف الأقيسة، ويردّ
عليهم بأنه ليس كل قياس بوجب المنازعة، والآية في أمور السياسة العامة
والمصالح الكبرى التي لا مجال للاختلاف فيها في تقدير المخلصين، أما القياس

٣٧٢
الُءُ (١٠) - الأَقَالَ: ٤٨/٨-٤٩
في مجال الاجتهاد في الفروع الفقهية، وجزئيات الأحكام، فلا عيب فيه، وهو
أمر محمود مطلوب شرعاً، وإن أدى إلى الاختلاف؛ لأن المجتهد يجب عليه
شرعاً العمل بما غلب على ظنه.
تبرؤ الشيطان من الكفار وقت أزمة بدر
وحين تهكم المنافقين بالمؤمنين
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ
وَإِنَِّ جَارٌ لَكُمٌّ فَلَمَّا تَرَآءَتِ اُلْفِتَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِلَّىِ بَرِىٌَّ
مِّنكُمْ إِنَّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) إِذْ
يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ
عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ ﴾
القراءات:
﴿إِنِّ أَرَى﴾. ﴿إِنَّ أَخَافُ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إنيّ).
الإعراب:
﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ﴾ ﴿لَا﴾: نافية للجنس، و﴿غَالِبَ﴾: اسمها
المنصوب، و﴿لَكُمُ﴾: في موضع رفع خبر ﴿لَا﴾ وتقديره: لا غالب كائن
لكم. و﴿اَلْيَوْمَ﴾: منصوب على الظرف، والعامل فيه ﴿لَـ
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ زَيَّنَ﴾ واذكر إذ زين لهم إبليس أعمالهم بأن وسوس لهم وشجعهم
على لقاء المسلمين لما خافوا الخروج من أعدائهم بني بكر . ﴿وَإِنَّى جَارٌ

٣٧٣
الُرُ (١٠) - الأنفال: ٤٨/٨-٤٩
لَكُمْ﴾ أي مجير لكم من كنانة، وكان أتاهم في صورة سراقة بن مالك بن
جُعْشُم سيد تلك الناحية . ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ اٌلْفِئَتَانِ﴾ التقت واقتربت الجماعة
المسلمة والكافرة، كل منهما من الأخرى ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ رجع هارباً
على عقبيه أي رجع القهقرى وتولى إلى الوراء، والمراد: أحجم ﴿وَقَالَ﴾ لما
قالوا له: أتخذلنا على هذه الحال؟: ﴿إِنِ بَرِىٌّ مِّنكُمْ﴾ من جواركم ﴿إِنِّ
أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ من الملائكة ﴿إِنِّ أَخَافُ اللَّهَ﴾ أن يهلكني.
﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ﴾ أي زين لهم الشيطان حين قال المنافقون بالمدينة،
والمنافق: من يُظهر الإسلام ويبطن الكفر ﴿ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ﴾ هم
ضعاف الإيمان الذين تملأ قلوبهم الشبهات والشكوك ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾
يعنون أن المسلمين اغتروا بدينهم وأنهم يتقوون به وينصرون من أجله،
فخرجوا مع قلتهم وهم ثلاث مئة، وبضعة عشر، يقاتلون الجمع الكثير وهم
زهاء ألف، توهماً أنهم ينصرون بسبب دينهم، فأجابهم الله بقوله: ﴿وَمَنْ
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي من يثق به يَغْلِب ﴿فَإِنَ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره،
يسلط القليل الضعيف على الكثير القوي ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعِهِ.
سبب النزول:
نزول الآية (٤٨):
﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَئِنُ﴾: روي أن الشيطان تمثّل لهم يومئذ في صورة
سراقة بن مالك بن جُعْشُم، وهو من بني بكر بن كنانة، وكانت قريش تخاف
من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم؛ لأنهم قتلوا رجلاً منهم. وقد وصف الله
تعالى ماقال الشيطان لهم. قال الضحاك: جاءهم إبليس يوم بدر برايته
وجنوده، وألقى في قلوبهم أنهم لن يهزموا، وهم يقاتلون على دين آبائهم.
وذكر البيهقي وغيره عن ابن عباس قال: أمدَّ الله نبيه محمداً مَله والمؤمنين

٣٧٤
الُ (١٠) - الأنفال: ٤٨/٨-٤٩
بألف من الملائكة؛ فكان جبريل عليه السلام في خمس مئة من الملائكة
مُجُنِبة(١)، وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مُجِنِّة. وجاء إبليس في جند من
الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مُدْلج، والشيطان في صورة سراقة
ابن مالك بن جُعْشم. فقال الشيطان للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ
مِنَ النَّاسِ وَإِنَّى جَارٌ لَّكُمْ﴾. فلما اصطفّ القوم قال أبو جهل: اللهم
أَوْلانا بالحق فانصره، ورفع رسول الله وَلّل يده فقال: ((ياربّ إنك إن تهلك
هذه العصابة، فلن تُعبد في الأرض أبداً)) فقال جبريل: ((خذ قبضة من
التراب)) فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها وجوههم؛ فما من المشركين من
أحد إلا أصاب عينيه ومِنْخريه وفمه. فولوا مدبرين، وأقبل جبريل عليه
السلام إلى إبليس، فلما رآه كانت يده في يد رجل من المشركين - قيل: كانت
يده في يد الحارث بن هشام -، انتزع إبليس يده، ثم ولى مدبراً وشِيعَته؛ فقال
له الرجل: ياشراقة، ألم تزعم أنك لنا جار؟ قال: ﴿إِنِّ بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِنَّ
أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾.
وفي موطأ مالك عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله وَلّ قال:
((مارأى الشيطان نفسه يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في
يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب
العظام إلا ما رأى يوم بدر. قيل: وما رأى يوم بدر يارسول الله؟ قال: أما إنه
رأى جبريل يَزَع(٢) الملائكة)).
نزول الآية (٤٩):
﴿إِذْ يَقُولُ اَلْمُنَفِقُونَ﴾: روي عن مجاهد أنه قال: هم فئة من قريش:
قَيْسُ بن الوليد بن المغيرة، والحارث بن زَمْعَة بن الأسود بن الْمُطْلِب، ويعلى
(١) مجنبة الجيش: هي التي تكون في الميمنة والميسرة، وهما مجنبتان.
(٢) يزع الملائكة: أي يرتبهم ويسوّيهم ويصفهم للحرب.

٣٧٥
لُ (١٠) - الأنفال: ٤٨/٨-٤٩
ابن أمية، والعاص بن مُنّبِّه، خرجوا مع قريش من مكة، وهم على الارتياب،
فحبسهم ارتيابهم، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله وَّل قالوا: غرَّ هؤلاء
دينهم، حتى أقدموا على ما أقدموا عليه، مع قلة عَدَدهم، وكثرة عُدَد قريش.
المناسبة:
ما تزال الآيات تعرض مواقفاً وعبراً من مشاهد يوم بدر، وهنا تذكر
موقفين: موقف الشيطان كيف تخلص من المشركين وقت اشتداد المحنة،
وموقف المنافقين الذين سخروا من المؤمنين لتهورهم، قائلين: غرّ هؤلاء
دینهم.
التفسير والبيان:
اذكر أيها الرسول حين زين الشيطان للمشركين أعمالهم بوسوسته،
وأوهمهم أنهم لا يُغْلَبون أبداً لكثرة عَددهم وعُدَدهم، وأن اتباع خطوات
الشيطان وطاعته مما يجيرهم، وأزال مخاوفهم من إتيان عدوهم بني بكر في
ديارهم، وقال: ﴿إِنِّ أَخَافُ اللَّهَ﴾ أي مجير لكم من بني كنانة، وذلك أنه
تبدّى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشم سيد بني مُذْلج كبير تلك الناحية.
والجار: المدافع عن صاحبه، والذائد عنه أنواع الضرر، كما يدفع الجار عن
جاره. وكل ذلك من الشيطان كما قال تعالى عنه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمٌّ وَمَا
﴾ [النساء: ١٢٠/٤].
يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا
فلما تلاقى الفريقان المتقاتلان نكص الشيطان على عقبيه، أي تراجع
مدبراً، وولّ هارباً، وتبرأ منهم، أي بطل كيده حين نزلت جنود الله، وأيس
من حالهم لما رأى إمداد الملائكة للمسلمين، وأظهر أنه يخاف الله، والله شدید
العقاب في الدنيا والآخرة. وكان خوفه من الملائكة حتى لا تحرق جنوده.
وهكذا كان جند الشيطان في مبدأ الأمر مع المشركين يوسوسون لهم

٣٧٦
الجُ (١٠) - الَفَالَ: ٤٨/٨-٤٩
ويضللونهم، وكان الملائكة جند الرحمن مع المؤمنين يثبتون قلوبهم ويؤيدونهم
ويعدونهم بنصر الله تعالى. وقوله: ﴿وَاَللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يجوز أن يكون من
كلام إبليس ويجوز أن ينقطع كلامه عند قوله: ﴿أَخَافُ اَللَّهَ﴾ ثم قال تعالى
ذاك.
أما السبب في تغيير صورة إبليس إلى صورة سراقة، فلإظهار المعجزة
العظيمة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن كفار قريش، لما رجعوا إلى مكة،
قالوا: هزم الناسَ سراقةُ، فبلغ ذلك سراقة، فقال: والله ما شعرتُ
بمسيركم، حتى بلغتني هزيمتكم. فعندئذ تبين للقوم أن ذلك الشخص ماكان
سراقة، بل كان شيطاناً(١).
هذا موقف الشيطان، ثم ذكر الله تعالى موقف المنافقين، فقال:
﴿إِذّ
يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ﴾ أي اذكر أيها النبي حين قال المنافقون ومرضى القلوب،
أي ضعفاء الاعتقاد والإيمان، وقد رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين: ﴿غَرَّ
هَؤُلَاءٍ دِينُهُمْ﴾ أي أن المسلمين اغتروا بدينهم، وتقووا به، وظنوا أنهم
ينصرون من أجله، فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف. وهذا
صحيح في موازين القوى العسكرية، وتقدير مدى تكافؤ الجيشين في أنظار
الناس عادة، ولكنه في ميزان الله وتقديره غير يقيني: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ
قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِتَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩/٢]
لذا قال تعالى في ختام الآية: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي ومن يفوض أمره
إلى الله، ويثق به، ويلجأ إليه، فهو حسبه وناصره ومؤيده، والله عزيز غالب
لا يدرَك، حكيم في فعله وصنعه، عليم بخلقه، ينصر من يشاء، وبخاصة
اقتضت سنته أن ينصر الحق على الباطل، ويسلط القليل الضعيف على الكثير
القوي. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾ يجوز أن يكون من صفات
(١) تفسير الرازي: ١٧٤/١٥. ١٧٥

٣٧٧
الُ (١٠) - الأَنَفَقَالَ: ٨ /٤٨-٤٩
المنافقين، وأن يراد بهم الذين ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام، كالمؤلفة
قلوبهم، والأولى أنهما صنف واحد.
فقه الحياة أو الأحكام:
ما أشبه موقف المنافقين بموقف الشيطان، إنه موقف المتخاذل المتفرج،
المحرِّض على الشر، ثم المتخلي عن المؤازرة وقت الشدة والمحنة.
أما الشيطان: فيوسوس بالباطل لأعوانه، ثم يحجم عن الشيء الذي زين
به، وحبّب فيه، وأغرى الناس عليه. فالواجب على العاقل الحذر منه،
والتفكير في عواقب الأمور، وعدم الانسياق في تيار الأهواء والوساوس
الشيطانية، فمن انجرف في سيل الشيطان فإن الله يعاقبه أشد العقاب.
وأما المنافقون (الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر) والذين في قلوبهم
مرض (الشاكون، وهم دون المنافقين؛ لأنهم حديثو عهد بالإسلام، وفيهم
ضعف النية والاعتقاد) فيصطادون عادة في الماء العكر، وينتهزون، الفرص،
ويوقعون الفتنة، وينتظرون الانحياز للغالب ويشككون في قوة المؤمنين،
ويتهمونهم بالتهور والطيش؛ لقلتهم عَدَداً وعُدَداً أمام الكثرة في العَدَد والعُدَد.
وقد خيَّب الله الفريقين: الشيطان والمنافقين، فنصر الفئة المؤمنة القليلة على
الفئة الكافرة الكثيرة، والله يؤيد بنصره من يشاء؛ لأن من يتوكل على الله،
ويفوض أمره إليه، ويثق به، ويلجأ إليه، فإن الله حسبه وناصره ومؤيده.

٣٧٨
لُ (١٠) - الأنفال: ٥٠/٨-٥٤
إهلاك الكفار المشركين لسوء أعمالهم
كإهلاك آل فرعون
﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ
ـ) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ
٥٠
وَذُوقُواْ عَذَابَ اٌلْحَرِيقِ
لِلْعَبیدِ
كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَفَرُواْ بِهَايَتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ
٥١
اللَّهُ بِذُنُوبِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ،
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِرًا نِعْمَةً
٥٢
أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُوْ مَا بِأَنفُسِهِمٌّ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
كَدَأْبِ ءَالٍ
٥٣
فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ رَبِهِمْ فَهْلَكْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ
٥٤
فِرْعَوْنَّ وَكُلُ كَانُواْ ظَلِمِينَ
القراءات:
﴿إِذْ يَتَوَلَى﴾ :
وقرأ ابن عامر (إذ تتوفى).
﴿ كَدَأْبِ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (كداب).
الإعراب:
﴿يَضْرِبُونَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من ﴿اٌلْمَلَبِكَةُ﴾ ولو
جعل حالاً من ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ لكان جائزاً.
﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ اُلْحَرِيقِ﴾ أي يقولون: ذوقوا عذاب الحريق، وحذف
القول كثير في كلام الله تعالى وكلام العرب.

٣٧٩
الُعُ (١٠) - الأنفال: ٥٠/٨-٥٤
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ إنما قال: ذلك، على خطاب الواحد، ولم
يقل: ذلكم، على قياس اللغة الأخرى بأن يقال: (ذلكم بما قدمت أيديكم)
لأنه أراد به الجمع، فكأنه قال: ذلك أيها الجمع، والجمع بلفظ الواحد، وهما
لغتان جيدتان نزل بهما القرآن.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ إما بالجر عطفاً على ﴿بِمَا﴾ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ"
أَيْدِيكُمْ﴾ وإما بالنصب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: وبأن الله،
وإما بالرفع بالعطف على ﴿ذَلِكَ﴾ أو على تقدير ﴿ذَلِكَ﴾.
﴿كَدَأْبٍ﴾ الكاف صفة لمصدر محذوف، وتقديره: فعلنا ذلك بهم فعلاً مثل
عادتنا في آل فرعون.
المفردات اللغوية:
﴿ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ ظهورهم ﴿اُلْحَرِيقِ﴾ النار، وجواب ﴿وَلَوْ﴾: لرأيت أمراً
عظيماً. ﴿ذَلِكَ﴾ التعذيب ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ عبر بالأيدي دون غيرها؛
لأن أكثر الأفعال تزاول بها ﴿لَيْسَ بِظَلَّمٍ﴾ أي بذي ظلم، فلا يعذب العبيد
بغير ذنب . ﴿كَدَأَبٍ﴾ كعادة مستمرة، أي عادة هؤلاء كعادة قوم فرعون.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ أي تعذيب الكفرة بسبب أن الله ﴿مُغَيِرًا نِعْمَةً﴾ مبدلاً لها
بالنقمة ﴿حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمٌ﴾ سيبدلوا نعمتهم كفراً كتبديل كفار مكة
إطعامهم من جوع، وأمنهم من خوف . ﴿وَكُلُّ كَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ وكل من الأمم
المكذبة.
المناسبة:
لما شرح الله تعالى أحوال مشركي مكة من خروجهم إلى قتال المؤمنين بطراً
ورياء، ومن تزيين الشيطان لهم أعمالهم، وتثبيط المنافقين للمؤمنين، شرح
أحوال موتهم، والعذاب الذي يلقونه في ذلك الوقت.
التفسير والبيان:
ولو عاينت يا محمد حال الكفار حين تتوفاهم الملائكة، لرأيت أمراً عظيماً

٣٨٠
الجزءُ (١٠) - الأنفال: ٥٠/٨-٥٤
هائلاً فظيعاً لا يكاد يوصف، فهم يضربون وجوههم وظهورهم بمقامع من
حديد، وينزعون أرواحهم من أجسادهم بشدة وعنف، قائلين لهم: ذوقوا
عذاب الحريق أي عذاب النار في الآخرة، وهذا إنذار لهم بذلك العذاب.
ذلك العذاب الشديد والضرب الأليم بسبب ما قدمتم من أعمال سيئة،
وارتكبتم من منكرات كالكفر والظلم في حياتكم الدنيا. ونسب ارتكاب
المعاصي إلى الأيدي مع أنها تقع بغيرها كالأرجل وسائر الحواس؛ لأن أكثر
الأعمال تقع بها.
جازاكم الله بها هذا الجزاء عدلاً لا ظلماً؛ لأن الله لا يظلم أحداً من
خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور أبداً، ويضع الموازين القسط ليوم
القيامة، ويعطي كل ذي حق حقه، فلا تظلم نفس شيئاً. جاء في الحديث
القدسي الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله وله
قال: ((إن الله تعالى يقول: ياعبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته
بينكم محرماً، فلا تَظَالموا .. ياعبادي إنما هي أعمالكم أحصیها لكم، فمن وجد
خیراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)).
ثم عقد الحق تبارك وتعالى مقارنة، وأعطى شّبَهاً ومثلاً لعذاب المشركين،
فقال: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَُ﴾ أي إنه تعالى فعل بهؤلاء المشركين المكذبين
برسالة محمد ردة وكفرهم بها، كما فعل بالأمم المكذبة قبلهم، فعادة هؤلاء في
كفرهم كعادة آل فرعون (أي قومه) في كفرهم، فجوزي هؤلاء بالقتل
والسبي، كما جوزي أولئك بالإغراق، كفر هؤلاء المشركون والكفار بآيات
ربهم، فأهلكهم الله بسبب ذنوبهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فالسنة
والعادة في الفريقين واحدة، والجزاء من جنس العمل.
﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي إن الله قوي لا يغلبه غالب، ولا يفوته
هارب. روى البخاري ومسلم وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري رضي الله
عنه أن النبي وَّ قال: ((إن الله تعالى ليُمْلي للظالم حتى إذا أخذه لم يُقْلته)).