Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ الُعُ (٩) - الأَفَالك: ٣٠/٨-٣١ ﴿ءَايَتُنَا﴾ القرآن. ﴿قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ قاله "النضر بن الحارث؛ لأنه كان يأتي الحيرة يتّجر، فيشتري كتب أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة . ﴿إِنْ﴾ ما. ﴿هَذَا﴾ القرآن. ﴿إِلَّ أَسَطِيرُ﴾ أكاذيب، جمع أسطورة: وهي القصص والأحاديث التي سطرت في الكتب القديمة الأولى بدون تمحيص ولا نظام. سبب النزول: نزول الآية (٣٠): ﴿ وَإِذْ يَمْكُّرُ﴾: أخرج ابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس: أن نفراً من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمعت بما اجتمعتم له، فأردت أن أحضُركم، ولن يعدمكم مني رأي أو نصح، قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، فقال قائل: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير ونابغة، فإنما هو كأحدهم. فقال عدو الله الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله ليخرجن رائد من محبسه إلى أصحابه، فلیوشکن أن یثبُوا عليه حتى يأخذوه من أیدیکم، ثم يمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، فانظروا في غير هذا الرأي. فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم، واستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذه للقلوب بما تسمع من حديثه، والله لئن فعلتم، ثم ٣٢٢ الجزءُ (٩) - الأنفال: ٣٠/٨-٣١ استعرض العرب، ليجتمعُّنَّ عليه، ثم ليسيرُنَّ إليكم حتى يخرجكم من بلادكم، ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله، فانظروا غير هذا. فقال أبو جهل: والله لأشيرنَّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، ما أرى غيره، قالوا: وما هذا؟ قال: تأخذون من كل قبيلة وسيطاً شاباً جَلْداً - قوياً - ثم نعطي كل غلام منهم سيفاً صارماً يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرّق دمه في القبائل كلها، فلا أظن أن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلهم، وإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العَقْل - الدية - واسترحنا وقطعنا أذاه عنا. فقال الشيخ النجدي: هذا والله، هو الرأي، القول ما قال الفتى، لا أرى غيره. فتفرقوا على ذلك، وهم تُجْمعون له؛ فأتى جبريل النبي وَّ في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك في الخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة، يذكّره نعمته عليه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية. هذه أسباب الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. نزول الآية (٣١): ﴿ وَإِذَا ثُتْلَى﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن سعيد بن جبير قال: قتل النبي وَّه يوم بدر صبراً (١) عقبة بن أبي مُعَيْط، وطُعَيْمة بن عدي، والنَّضْر بن الحارث، وكان المقداد أسَر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول الله، أسيري؟ فقال رسول الله وَليقول: ((إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول)). قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا﴾ الآية. (١) القتل صبراً: أن يحبس ويرمى حتى يموت. ٣٢٣ الُرعُ (٩) - الأنفال: ٣٠/٨-٣١ المناسبة: لما ذكَّر الله تعالى المؤمنين نعمه عليهم بقوله: ﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ﴾ كذلك ذكَّر رسوله نعمه عليه، وهو دفع كيد المشركين، ومكر الماكرين عنه. التفسير والبيان: واذكر أيها النبي حينما اجتمع المشركون لتدبير مؤامرة خطيرة عليك وعلى دعوتك، فذلك أمر يستحق الشكر على النعمة، ويدعو للعبرة والعظة، ويدل على صدق دعوتك وتأييد ربك لك في وقت المحنة العصيبة. لقد دبروا لك إحدى مكائد ثلاث: إما الحبس الذي يحول بينك وبين دعوة الناس، وإما القتل بطريق جميع القبائل، وإما الطرد والإخراج من البلاد. إنهم يمكرون ويدبرون في السرّ أمراً مكروهاً لإيقاعه بك من حيث لا تحتسب، ولكن الله عزت قدرته يحبط مكرهم ويبطل تآمرهم ويذهب كيدهم هباء، فقد أخرجك مهاجراً سليماً من بينهم دون أي أذى، من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، والله خير المدبرين وأعلمهم ولا خير في مكرهم. فمعنى قوله: ﴿ وَيَمْكُّرُونَ﴾: يخفون المكايد له، ومعنى: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾: ويخفي الله ما أعدّ لهم حتى يأتيهم بغتة، ومكر الله: هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ أي مكره أنفذ من مكر غيره، وأبلغ تأثيراً، وأحق بالفعل المديَّر؛ لأن تدبيره نصر للحق وعدل، ولا يفعل إلا ماهو مستوجَب. وفي هذا دلالة على أن موقف الكفار من النبي ◌َّل ودعوته موقف متميز دائماً بالإساءة والأذى. وبعد أن حكى الله مكرهم لذات محمد، حكى مكرهم لدينه وكتابه، فقال: ﴿وَإِذَا ثُتْلَى﴾ أي إذا تليت آيات القرآن الواضحة، قالوا جهلاً وعناداً وسفهاً واستكباراً: لو نشاء لقلنا مثل هذا، وهو اعتراف ضمني بعجزهم عن ٣٢٤ الجزءُ (٩) - الأنفال: ٣٠/٨-٣١ الإتيان بمثل القرآن، وقد تحداهم للإتيان بأقصر سورة منه، ولكنه التمويه والخداع والإيهام، كما يفعل الضعيف الجبان أمام البطل الشجاع المغوار، يدعي أنه قادر على قتله، وهو مجرد كلام هراء. وكان قائل هذا القول: هو النضر بن الحارث، روي أن النضر بن الحارث خرج إلى الحيرة تاجراً، واشترى أحاديث كليلة ودمنة، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم، فيقرأ عليهم أساطير الأولين، وكان يزعم أنها مثل ما يذكره محمد من قصص الأولين. إنه کان یذهب إلى أرض فارس، فیسمع أخبارهم عن رستم واسفنديار وكبار العجم، ويمرّ باليهود والنصارى، فيسمع منهم التوراة والإنجيل، ثم يأتي ليحدث أهل مكة بما سمع. ثم عللوا قولهم الكاذب بما هو أكذب، فقال: ما هذا القرآن إلا أخبار وأكاذيب وأحاديث الأولين، مثل قصص الأمم السابقين. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًاً [الفرقان: ٥/٢٥] ومعنى ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي كتب المتقدمين ۵ اقتبسها، فهو يتعلم منها ويتلوها على الناس. وهذا هو الكذب البحت، كما أخبر الله عنهم في الآية التالية: ﴿قُلّ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِّ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيًّا (٤) [الفرقان: ٦/٢٥]. والقائل: هو النضر بن الحارث الذي أنزل فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمِ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًّا﴾ [لقمان: ٦/٣١] ج فقد اشترى قَيْنة جميلة تغني الناس بأخبار الأمم، لصرفهم عن سماع القرآن. ويلاحظ أنهم نسبوا آيات القرآن إلى قصص السابقين، ولكنهم لم يقولوا : إن محمداً افتراها أو اختلقها؛ إذ كانوا يعتقدون صدقه وأنه لیس کذاباً، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِعَايَتِ اُللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣/٦]. ٣٢٥ اِلُعُ (٩) - الأَفَاك: ٣٠/٨-٣١ وقد كان زعماء قريش كالنضر بن الحارث وأبي جهل والوليد بن المغيرة يصدون الناس عن سماع القرآن، ثم يحاولون التنصت على النبي ◌َّ﴾ ليلاً، حتى إن الوليد بن المغيرة أعلن كلمته بعد تأثره بآيات القرآن: ((إنه يعلو ولا يعلى عليه، وإنه يحطم ما تحته)) ثم حاول إبطال هذه الكلمة كيلا تسمعها العرب بتأثير زعماء الشرك فقال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤/٧٤]. فقه الحياة أو الأحكام: دلَّت الآية على أن حادث الهجرة كان معجزة ربانية لمحمد المطار، فقد اجتمع المشركون في دار الندوة، واتفقوا على قتله، وانتدبوا من كل قبيلة شاباً وسيطاً جَلْداً قوياً ليقتلوه بضربة رجل واحد، ليتفرق دمه على القبائل، فلا يستطيع قومه بنو هاشم محاربة القبائل كلها. فأمر النبي ◌َّ علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله عز وجل أن يعمي عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم تراباً ونهض. فلما أصبحوا خرج عليهم علي، فأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله وَله قد فات ونجا. والقصة معروفة في السيرة. والحاصل أنهم احتالوا على إبطال أمر محمد، والله تعالى نصره وقواه، فتبدد فعلهم، وظهر صنع الله تعالى. والمراد من قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ مع أنه لا خير في مكرهم أنه أقوى وأشد وأعلم، لينبه بذلك على أن كل مكر، فهو يبطل في مقابلة فعل الله تعالى. وفي الآية إيماء إلى أن شأن الكفار إيذاء دائم للنبي ◌ّ﴾ ومن تبعه. وكما بدد الله مكرهم لشخص محمد چ، بدد مكرهم لدينه وشرعه، فزعموا أنه أساطير الأولين، فردَّ الله عليهم: أن الله الذي يعلم السّر في السماوات والأرض هو منزِّل القرآن. ٣٢٦ الُ (٩) - الأنفال: ٣٢/٨-٣٥ ودلَّ قولهم: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ على أن معارضتهم للقرآن مجرد قول وادعاء، ولم يتمكنوا بالفعل من معارضته، ومجرد القول لا فائدة فيه. وكان هذا وقاحةً وكذباً، وقيل: إنهم توهموا أنهم يأتون بمثل القرآن، كما توقَّمت سحرة موسى، ثم راموا ذلك فعجزوا عنه، وقالوا عِناداً: ﴿إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ اُلْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥/٦ ومواضع أخرى]. وإلقاء مثل هذا الكلام والاتهام الباطل ينم عن الضعف والعجز، وسطحية الجاهل العامي، كما أنه موقف يدعو للسخرية والهزء من القائلين؛ إذ لو كان لديهم دليل عقلي مقبول مفنّد لأعلنوه. طلب المشركين الإتيان بالعذاب كيا الله ومنع تعذيبهم إكراماً للنَّبي وسام وأوضاع صلاتهم عند البيت الحرام ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندَِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيِمِ ﴿٣َ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ وَأَنْتَ فِهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءَهُ: إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا ٣٥ مُكَآءُ وَتَصْدِيَةٌ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُتُمْ تَكْفُرُونَ القراءات: ﴿السَّمَاءِ أَوِ﴾: بإبدال الهمزة الثانية ياء خالصة وصلاً قرأ: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو. ٣٢٧ الْجُزْءُ (٩) - الَفَ ال: ٣٢/٨-٣٥ ﴿أَوِ أَثْتِنَا﴾: بإبدال الهمزة الساكنة ياء ساكنة مدِّيَّة (أوِيتنا) قرأ كل من: ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً. ﴿وَتَصْدِيَةٌ﴾: بإشمام الصاد صوت الزاي، قرأ: حمزة، والكسائي. وقرأ الباقون بالصاد الخالصة. الإعراب: ﴿هُوَ اُلْحَقَّ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، وهو: ضمير فصل بين الوصف والخبر عند البصريين، وعماد عند الكوفيين. وعلى قراءة الرَّفع يكون ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، و﴿ اَلْحَقَّ﴾ خبره، والجملة فيهما خبر ﴿ كَانَ﴾. ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ في موضع الحال. ﴿أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ﴾ أن في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجرّ، وتقديره: من ألا يعذبهم الله. وقيل: تكون زائدة. والأول أوجه . ﴿وَهُمْ يَصُدُونَ﴾ في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿ يُعَذِّبَهُمُ﴾. ﴿مُكَاءُ﴾ خبر ﴿ كَانَ﴾ وهو الصَّفير، وأصله (مكاو) فلما وقعت الواو صرفاً وقبلها ألف زائدة قلبت همزة. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ معناها التَّصفيق، وأصله (تَصْدده) من صدَّى: إذا امتنع، فأبدلوا الدَّال الثّانية ياء. وقد تكون من الصَّدى: وهو الصَّوت الذي يعارض الصَّوت، فتكون الياء أصليّة. البلاغة: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ اُلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءُ وَتَصْدِيَةٌ﴾ أي تصغيراً ٣٢٨ الجُ (٩) - الأَفَالَ: ٣٢/٨-٣٥ وتصفيقاً، جعلوا صلاتهم عند البيت على هذا النحو، مما يدلُّ على جهلهم بمعنى العبادة وعدم معرفة حرمة بيت الله، وكانوا أيضاً يطوفون بالبيت عراةً رجالاً ونساءً، وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون، وكانوا يفعلون ذلك إذا قرأ رسول الله وَّيه في صلاته يخلطون عليه. المفردات اللغوية: ﴿إِن كَانَ هَذَا﴾ الذي يقرؤه محمد. ﴿هُوَ اُلْحَقَّ﴾ المنزل. ﴿أَلِيمِ﴾ مؤلم على إنكاره. قاله النَّضر بن الحارث وغيره استهزاءً وإيهاماً على بصيرة وجزم ببطلانه. ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ بما سألوه. ﴿ وَأَنْتَ فِهِمّ﴾ لأنَّ العذاب إذا نزل عَّ، ولم تعذَّب أمَّة إلا بعد خروج نبيِّها والمؤمنين منها. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ حيث يقولون في طوافهم: غفرانك. ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ بالسَّيف بعد خروجك والمستضعفين، وقد عذّبهم الله ببدر وغيره. ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ يمنعون النَّبِي وَُّ والمسلمين. ﴿عَنِ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أن يطوفوا به . ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ألا ولاية لهم عليه. ﴿مُكَاءَ﴾ صغيراً. ﴿ وَتَصْدِيَةً﴾ تصفيقاً، أي جعلوا ذلك موضع صلاتهم التي ◌ُمروا بها. سبب النزول: نزول الآية (٣٢): ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ﴾: أخرج ابن جرير الطَّبري عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ﴾ قال: نزلت في النَّضر بن الحارث، لما قال: إن هذا إلا أساطير الأولين، قال له النَّبي ◌َّ: ((ويلك إنه كلام ربِّ العالمين)). فقال: اللهم إن كان هذا هو الحقّ. ٣٢٩ ◌ِلُعُ (٩) - الأنفال: ٣٢/٨-٣٥ نزول الآية (٣٣): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: روى البخاري ومسلم عن أنس، قال: قال أبو جهل بن هشام: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمِ﴾ فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اُللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: غفرانك غفرانك، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ الآية. والاستغفار وإن وقع من الفجّار يدفع به ضرب من الشُّرور والإضرار. والخلاصة: اختلف فيمن القائل: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ﴾ فقال مجاهد وسعيد بن جبير: قائل هذا هو النَّضر بن الحارث. وقال أنس بن مالك فيما رواه البخاري ومسلم: قائلہ أبو جهل. ٢ وروي أن معاوية قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملَّكوا عليهم امرأة! فقال: بل أجهل من قومي قومك حين قالوا: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَ﴾ الآية. نزول الآية (٣٥): ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ﴾ أخرج الواحدي عن ابن عمر قال: كانوا يطوفون بالبيت ويصفِّرون ويصفّقون، فنزلت هذه الآية (١). وأخرج ابن جرير الطَّبري عن سعيد بن جبير قال: كانت قريش يعارضون النَّبِيِ وََّ في الطّواف يستهزئون به، ويصفِّرون ويصفّقون، فنزلت. المناسبة: الآيات متّصلة بما قبلها وهي قوله: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا﴾ فلما (١) أسباب النّزول: ص ١٣٥. ٣٣٠ المُرُ (٩) - الأنفال: ٣٢/٨-٣٥ حكى تعالى مكر المشركين بمحمد ذاته، حتى اضطرَّ إلى الهجرة، حكى مكرهم في دين محمد، سواء بادِّعاء القدرة على الإتيان بمثل القرآن، أو بوصفه بأنه أساطير الأولين أي قصص السابقين المسطورة في الكتب دون تمحيص ولا تثُبُّت من صحّتها. التفسير والبيان: واذكر يا محمد حين قالت قريش: اللهم إن كان هذا القرآن هو الحقّ المنزّل من عندك، فعاقبنا بإنزال حجارة ترجمنا بها من السَّماء، كما عاقبت أصحاب الفيل، أو ائتنا بعذاب مؤلم سوى ذلك. وهذا إخبار من الله تعالى عن كفر قريش وعتوّهم وتمرُّدهم وعنادهم وادِّعائهم الباطل حين سماع آيات الله تتلى عليهم أنهم قالوا كما بيَّنا سابقاً: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ وقولهم: إن القرآن أساطير الأولين، وإن هذا مقطوع بكذبه واختلاقه، فلو كان حقّاً لأنزل علينا الحجارة أو العذب الأليم. ومرادهم إنكار كونه حقّاً منزلاً من عند الله، وأنهم لا يتبعونه، وإن كان هو الحقّ المنزل من عند الله، بل يفضلون الهلاك، وأنهم يتهكَّمون بقول من يقول: القرآن حقّ، وهو غاية الجحود والإنكار، وهو من كثرة جهلهم وشدَّة تكذيبهم وعنادهم وعتوّهم، ومثل من أمثال حماقتهم حين طلبوا تعجيل العذاب، وتقديم العقوبة، كقوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى بََّ هُ الْعَذَابُّ وَلَيَأْنِيَهُمُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [العنكبوت: ٥٣/٢٩]، (١)﴾ [ص: ١٦/٣٨]. وقوله: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِلِ لَّنَا قِطَنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ثم ذكر الله تعالى سبب إمهالهم بالعذاب، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ أي وما كان من مقتضى سنَّة الله ورحمته وحكمته أن يعذِّبهم، والرَّسول موجود بينهم؛ لأنه إنما أرسله رحمة للعالمين لا عذاباً ونقمة، وما عذَّب الله أمَّة ونبيُّها فيها، قال ابن عباس: لم يعذِّب أهل قرية، حتى يخرج النَّبِي وَّ منها والمؤمنون، ويلحقوا بحيث أمروا. ٣٣١ لُحُ (٩) - الأنفال: ٣٢/٨-٣٥ وما كان ليعذِّبهم عذاب الاستئصال في الدُّنيا الذي عذّب بمثله بعض الأُمم السَّالفة، وهم يستغفرون. ومن هم المستغفرون؟ قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يقولون في الطّواف: غفرانك. والاستغفار، وإن وقع من الفجّار يُدفع به ضروب من الشُّرور والإضرار. وقيل: إن الاستغفار راجع إلى المسلمين المستضعفين الذين هم بين أظهرهم، أي وما كان الله معذُّبهم، وفيهم من يستغفر من المسلمين، فلما خرجوا عذّبهم الله يوم بدر وغيره. وقيل: إن الاستغفار هنا يراد به الإسلام، أي وهم يسلمون، أي يسلم بعضهم إثر بعض، أو يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه. وبعد أن نفى الله عنهم عذاب الاستئصال في الدُّنيا، أثبت احتمالاً آخر، وهو إمكان تعذيبهم دون عذاب الاستئصال عند وجود المقتضي وزوال المانع، فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ أي ولَمَ لا يعذِّبهم الله بعذاب آخر، وأي شيء يمنع من إنزال عذاب أخف من ذلك العذاب؟ بسبب أنهم يمنعون الناس عن المسجد الحرام ولو لأداء النُّسك؟ فقد كانوا يمنعون المسلم من دخول المسجد الحرام، وأخرجوا النَّبي ◌َّةٍ وصحبه من المسجد الحرام. فهم أهل لأن يعذِّبهم الله، ولكن لم يوقع ذلك بهم؛ لبركة مقام الرَّسول ◌َّه بين أظهرهم. فمن كانت هذه حالته لم يكن وليّاً للمسجد الحرام، فهم أهل للقتل بالسَّيف والمحاربة، فقتلهم الله وعذبهم يوم بدر، حیث قتل رؤوس الکفر کأبي جهل وأسر سراتهم، وأعزَّ الإسلام بذلك. ﴿ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءَهٌ﴾ أي ولاة أمره وأربابه، فإنهم كانوا يقولون: نحن أولياء البيت الحرام، نصدّ من نشاء، وندخل من نشاء، فردَّ الله عليهم بقوله: وما كانوا مستحقِّين للولاية والإشراف عليه، مع شركهم وعداوتهم للتَِّي ◌ِّ. وما أولياؤه وحماته إلا المتَّقون من المسلمين، فليس كلّ مسلم أيضاً ممن يصلح لأن يلي أمره، إنما يستأهل ولايته من كان برّاً تقيّاً، فكيف بالكفرة عبدة الأصنام؟! ٣٣٢ المُعُ (٩) - الأنفال: ٣٢/٨-٣٥ ولكن أكثرهم لا يعلمون بأن المتَّقين أولياؤه، فهم الآمنون من عذابه. ثم بَيَّن الله تعالى سبب عدم أهليتهم لأن يكونوا أولياء البيت، وهو أن صلاتهم عند البيت وتقرُّبهم وعبادتهم إنما كان تصفيراً وتصفيقاً، لا يحترمون حرمة البيت ولا يعظّمونه حقَّ التَّعظيم. قال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت عراةً تصفِّر وتصفّق. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: كانوا يعارضون النَّبِي وَّهِ في الطّواف، ويستهزئون به، ويصفِّرون، ويخلطون عليه طوافه وصلاته. وروي مثل ذلك عن مقاتل. فعلى قول ابن عباس: كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم، وعلى قول مجاهد ومقاتل وابن جبير: كان إيذاء للنَّبِي ◌َ ﴿. قال الرّازي: والأوّل أقِب؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءُ وَتَصْدِيَةً﴾. فذوقوا عذاب القتل والأسر يوم بدر، بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة. وهذا هو العذاب الذي طلبتموه. فقه الحياة أو الأحكام: تضمَّنت الآية بيان مدى الحماقة من المشركين، حين استعجلوا إنزال العذاب، وبيان كرامة النَّبِي بَّه وتعظيمه حيث رفع عن الأمَّة عذاب الاستئصال بسبب وجوده بينهم، أو بسبب الاستغفار الحاصل من بعض الناس، الكفار أو المؤمنين، قال المدائني عن بعض العلماء: كان رجل من العرب في زمن النَّبي ◌َِّ مُشرِفاً على نفسه، لم يكن يتحرَّج؛ فلما أن توفّ النَّبِي وَّ لبس الصُّوف، ورجع عمّا كان عليه، وأظهر الدِّين والنُّسُك. فقيل له: لو فعلت هذا والنَّبِي وََّ حيّ لفرح بك. قال: كان لي أمانان. فمضى واحد وبقي الآخر؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ فهذا أمان، والثاني: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. ٣٣٣ المُرءُ (٩) - الأنفال: ٣٦/٨-٣٧ وقال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبيّ الله والاستغفار، أما النَّبِي ◌َّ فقد مضى، وأمّا الاستغفار فهو باقٍ إلى يوم القيامة. ودَّت الآية على أنَّ الاستغفار أمان وسلامة من العذاب، وأمّا وجود النَّبِي وَّهِ بين القوم فهو حائل من العذاب، لا يختص ذلك بنبيِّنَا وََّ، إلا بعد أن يخرج رسولهم منهم، كما كان في حقِّ هود وصالح ولوط. وتضمَّنت الآية أيضاً استحقاق كفار قريش عذاباً دون عذاب الاستئصال؛ لما ارتكبوا من القبائح والأسباب، ولكن لكل أجل كتاب، فعذّبهم الله بالقتل والأسر يوم بدر وغيره. ثم أبان الله تعالى سلب الولاية والأهلية عن الكفار على المسجد الحرام، لكفرهم وعداوتهم للَّي ◌ِّ، وانتهاكهم حرمة البيت بالتَّصفير والتَصفيق، والطّواف به عراةً، رجالاً ونساء. إهدار ثواب الإنفاق للصَّدِّ عن سبيل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنُفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهَّ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ٣٦ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضِ فَيَرْكُمَةُ. جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ القراءات: لِيَمِيزَ﴾: قرئ: ١- (ليُميِّز) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (لَيَمِيزَ) وهي قراءة الباقين. البلاغة: ﴿ اَلْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ كناية عن المؤمن والكافر، وبين اللفظين طباق. ٣٣٤ إِلُ (٩) - الأنفال: ٣٦/٨-٣٧ ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ إشارة بالبعيد إلى الفريق الخبيث، لبيان مدى خسارتهم الفادحة، وبُعْدهم عن الرَّحمة الإلهيّة. المفردات اللغوية: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ﴾ في حرب النَّبِيَِّ. ﴿ثُمَّ تَكُونُ﴾ في عاقبة الأمر. ﴿عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ ندامةً وألماً، لفواتها وتضييعها، وفوات ما قصدوه .﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَُ﴾ في الدُّنيا. ﴿يُحْشَرُونَ﴾ يساقون. ﴿لِيَمِيزَ﴾ متعلِّق بـ ﴿تَكُونُ﴾، ومعناه يفصل ﴿اُلْخَبِيثَ﴾ الكافر ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ المؤمن. ﴿ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾. يجمعه متراكباً بعضه على بعض. سبب النزول: قال محمد بن إسحاق - فيما يرويه عن الزُّهري وجماعة -: لما أصيبت قريش يوم بدر ورجعوا إلى مكّة، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أميَّة، في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم، فكلَّموا أبا سفيان، ومن كان له في ذلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إنَّ محمداً قد وَتَرَكم - نقصكم - وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال - أي مال العير الذي نجا - على حربه، فلعلنا أن ندرك منه ثأراً، ففعلوا. ففيهم كما ذكر ابن عباس أنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ أي إنها نزلت في نفقاتهم لمعركة أُحد. روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أن الآية نزلت في أبي سفيان، وما كان من إنفاقه على المشركين في بدر، ومن إعانته على ذلك في أُحد، لقتال رسول الله گالڑ. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحكم بن عُتَيْبة قال: نزلت في أبي سفيان، أنفق على المشركين أربعين أوقية من ذهب. والأوقية: أربعون مثقالاً من الذَّهب، والمثقال (٢٥.٤ غم). ٣٣٥ الجُرُ (٩) - الأَنْفَالَ: ٣٦/٨-٣٧ وأخرج ابن جرير عن ابن أَبْزى وسعيد بن جبير قالا: نزلت في أبي سفيان، استأجر يوم أُحُد ألفين من الأحابيش، ليقاتل بهم رسول الله وصل سوى من استجاب له من العرب. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في المُطْعِمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلاً من كبار قريش(١). المناسبة: بعد أن بيَّن الله تعالى حالة المشركين في الطاعات البدنية وهي الصَّلاة بقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ﴾ بَيَّن حالهم في الطاعات المالية، سواء في الإنفاق يوم بدر أو أُحُد. التَّفسير والبيان: إنَّ الذين كفروا بالله ورسوله يقصدون من الإنفاق صدّ الناس عن اتِّباع محمد، وهو سبيل الله تعالى. وحين ينفقون تكون عاقبة هذا الإنفاق لحرب النَّبِي وََّ والصَّدّ عنه في النهاية ندماً وحسرةً، فكأن ذاتها تصير ندماً، وتنقلب حسرة، أي إنها لا تحقّق المقصود، وإنما تؤدي إلى عكسه وهو الوقوع في الحسرة والنَّدامة: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِهَا﴾ [الكهف: ٤٢/١٨]. لأنها مال ضائع في سبيل الشَّيطان، ولا تؤدِّي إلى النَّصر، وإنما على العكس مصيرها إلى الهزيمة. فهم يُغلبون وينكسرون، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِّ﴾ [المجادلة: ٢١/٥٨]. (١) وهم أبو جهل بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، ونبيه ومنبه ابنا حجاج، وأبو البحتري بن هشام، والنضر بن الحارث، وحكيم بن حزام، وأُبيّ بن خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نوفل، والعباس بن عبد المطلب، وكلهم من قريش، وكان يطعم كلّ واحد منهم كل يوم عشرة من الجزور. ٣٣٦ لُحُ (٩) - الأنفال: ٣٦/٨-٣٧ هذا عذابهم في الدُّنيا: ضياع المال والهزيمة، وعذابهم في الآخرة أنهم يساقون إلى جهنّم، إذا أصرّوا على كفرهم وماتوا وهم كفار؛ لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه. أما المسلمون إذا أنفقوا أموالهم في سبيل الله، فتحقَّق إما النَّصر في الدُّنيا، وإمّا الثَّواب في الآخرة، أو الأمران معاً وسعادة الدَّارين. وقد كتب الله النَّصر للمؤمنين، والهزيمة للكافرين، وضياع أموالهم، وإيقاع الحسرة والألم في قلوبهم، ليميز الفريق الخبيث من الفريق الطَّيب، أي الكافر من المؤمن، فيميز أهل السعادة عن أهل الشَّقاء، ويجعل الخبيث بعضه متراكماً فوق بعض في جهنّم، أولئك هم الخاسرون في الدُّنيا والآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: دلَّت الآيات على ما يأتي: اً - لا يستفيد الكفار من بذل أموالهم في الإنفاق الذي يقصد به الصَّدّ عن سبيل الله، أي منع الناس من دعوة الإسلام، إلا الحسرة والخيبة في الدُّنيا، والعذاب الشّديد في الآخرة، وهو يوجب الزَّجر العظيم عن ذلك الإنفاق. ٣ - إن الغلبة والنَّصر يكونان للمؤمنين، والهزيمة والخذلان للكافرين، وسيكون هؤلاء يوم القيامة مسوقين في حال من الذَّل والصَّغار إلى جهنّم، وبئس المصير. ◌َّ - إن تحقيق الغلبة للمؤمنين، وإيقاع الهزيمة بالكافرين إنما بقصد تمييز الفريق الخبيث من الكفار، عن الفريق الطَّيِّب من المؤمنين، فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض في جهنّم، فيركمه جميعاً. ويكون قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾ متعلّقاً بقوله: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ والمعنى: أنهم يحشرون ليميز الله الفريق الخبيث من الفريق الطَّيِّب. ٣٣٧ الجُرُ (٩) - الأنفال: ٣٨/٨-٤٠ وقيل: المراد تمييز نفقة الكافر على عداوة محمد وَالر، عن نفقة المؤمن في جهاد الكفار، كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام، فيضمّ تعالى تلك الأُمور الخبيثة بعضها إلى بعض، فيلقيها في جهنّم ويعذُّبهم بها، ويكون قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾ متعلَّقاً بقوله: ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾. ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ وهو إشارة إلى الذين كفروا. المغفرة للكفار إذا أسلموا وقتالهم إذا لم يسلموا لمنع الفتنة في الدِّين ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ الدِّينُ كُلُُّ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيْرٌ ﴿ وَإِن تَوَلَّوَأْ فَاعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَئِكُمّ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيُرُ القراءات: ﴿سُنَّتُ﴾: رسمت بالتاء، فوقف عليها بالهاء، ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي. ووقف الباقون بالتاء. المفردات اللغوية: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني أبا سفيان وأصحابه، أي قل لأجلهم هذا القول وهو: ﴿إِن يَنْتَهُواْ﴾ عن الكفر وقتال النَّبي ◌ََّ ومعاداته بالدُّخول في الإسلام، وليس المراد أنك تخاطبهم به، وإلا لقيل: إن تنتهوا يغفر لكم. ﴿ يُغْفِرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ من أعمالهم، و﴿يُغْفَرْ﴾: فعل مضارع مبني للمجهول، والاسم الموصول (ما) هو نائب الفاعل والغافر هو الله. ﴿ وَإِن ٣٣٨ الْجُ (٩) - الَفَالَ: ٣٨/٨-٤٠ يَعُودُواْ﴾ إلى قتاله. ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ اُلْأَوَّلِينَ﴾ أي تقررت سنَّتنا في الذين تحزَّبوا على الأنبياء بالتَّدمير والهلاك، فكذا نفعل بهم. ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ} توجد. ﴿فِتْنَةٌ﴾ لا يوجد فيهم شرك. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وحده ولا يعبد غيره وتضمحلّ عنهم الأديان. ﴿فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ﴾ عن الكفر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيهم به على انتهائهم عن الكفر وإسلامهم. المناسبة: لما بَيَّن الله تعالى صلاة المشركين وعباداتهم البدنيّة، ثم عباداتهم المالية، وصدَّهم عن سبيل الله وقتال رسوله والمؤمنين، أرشدهم إلى طريق الصَّواب، ورغَّبهم في دخول الإسلام، وفتح لهم باب الرَّحمة الواسعة والفضل الكبير، فقال: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ﴾ الآية. التفسير والبيان: قل أيُّها الرَّسول لأجل الذين كفروا كأبي سفيان وأصحابه: إن ينتهوا عما هم فيه من الكفر والعناد ومعاداة النَّبِي وَّ، ويدخلوا في الإسلام والطّاعة والإنابة، يغفر لهم ما قد سلف، أي من كفرهم وذنوبهم وخطاياهم، كما جاء في الصَّحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله وَله قال: ((من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأوَّل والآخر)). وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله وَّه قال: ((الإسلام يَجُبُّ ما قبله، والتوبةُ ◌ُجُبُّ ما كان قبلها)). وروى مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: فلما جعل الله الإيمان في قلبي أتيت النَّبِي وَّهِ، فقلت: ابْسُطْ يدك أُبايعْك، فبسط يده ٣٣٩ لُزْءُ (٩) - الأنفال: ٣٨/٨-٤٠ فقبضت يدي، قال: مالَكَ؟ قلت: أردت أن أشترط. قال: ماذا تشترط؟ قلت: أن يُغْفَرَ لي، قال: ((أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدِم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحجَّ يهدم ما كان قبله؟)). وإن يعودوا إلى حظيرة الكفار والصَّدِّ والعناد والقتال، أي يستمروا على ما هم عليهِ، أجريت عليهم سنَّتي المطردة في تدمير وإهلاك المكذِّبين السَّابقين الذين كذَّبوا أنبيائي وتحزَّبوا ضدَّهم، كما حدث لقریش یوم بدر وغيره، وظهر وعد الله القائل: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ (ها) [غافر: ٤٠ /٥١]. وهذا وعيد شديد لهم بالدَّمار إن لم يتركوا الكفر والعناد. ثم بيَّن الله تعالى حكم هؤلاء الكفار إن عادوا للكفر واستمروا عليه، فهم متوعِّدون بسنَّة الأولين، وحكمهم: أن الله أمر بقتالهم إذا أصرّوا فقال: ﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي وقاتلوا أيها المسلمون قتالاً عنيفاً أعداءكم المشركين، حتى لا يبقى شرك أبداً، ولا يعبد إلا الله وحده، ولا يفتن مؤمن عن دينه، ويخلص التَّوحيد لله، فيقال: لا إله إلا الله، وتضمحل الأديان الباطلة، ولا يبقى إلاّ دين الإسلام، وذلك في أرض مكّة وما حواليها من جزيرة العرب، لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام فيما رواه البيهقي من حديث مالك عن الزهري: ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب))، قال الرّازي: ولا يمكن حمله على جميع البلاد؛ إذ لو كان ذلك مراداً لما بقي الكفر فيها، مع حصول القتال الذي أمر الله به(١). فيكون الغرض من القتال هو التَّمكين من حرية التَّدين، فلا يُكره أحد على ترك عقيدته، كما قال تعالى: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيَّ﴾ [البقرة: ٢٥٦/٢]. (١) تفسير الرازي: ١٦٤/١٥. , ٣٤٠ الجُرُ (٩) - الأنفال: ٣٨/٨-٤٠ فإن انتهوا عن الكفر وعن قتالكم، فكفّوا عنهم وإن لم تعلموا بواطنهم، فإن الله بما يعملون بصير، أي فإن الله عليم بأعمالهم، يجازيهم عليها بحسب علمه. ٠٠ وإن تولوا وأعرضوا عن سماع دعوتكم، ولم ينتهوا عن كفرهم، فلا تهتموا بأمرهم، واعلموا أن الله متولِي أُموركم وناصركم، فلا تبالوا بهم، ومن كان الله مولاه وناصره، فلا يخشى شيئاً، إنه نعم المولى، ونعم النصير، فلا يضيع من تولاه، ولا يُغلَب من نصره الله. ولكن نصر الله مرهون بأمرين: الإعداد المادي والمعنوي للجهاد كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُمْ مَا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠/٨]. ونصرة دين الله وتطبيق شرعه وتنفيذ أحكامه، كما قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن نَنصُرُواْ [محمد: ٤٧ / ٧]. ٧ اللَّهَ يَصُرَّكُمْ وَيُنَبَتْ أَقْدَامَكُمْ أما الاتِّكال على مجرَّد الاتِّصاف بالإسلام قولاً لا عملاً، وطلب النَّصر بخوارق العادات، والأدعية فقط، دون إعداد ولا تحقيق الصفة الإسلامية الحقَّة التي انَّصف بها السَّلف الصالح، فلا يحقق شيئاً من النَّصر المرتجى على العدو في فلسطين وغيرها من بلاد الإسلام المعتدى عليها، أو المحتلّة. فقه الحياة أو الأحكام: دلَّت الآية الأولى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ على مزيد فضل الله وفتح باب رحمته، أمام الكفار، فإنهم إن يسلموا يغفر الله لهم ما سلف من كفر، وما ارتكبوا من ذنوب، وما قصروا من أداء واجبات نحو ربّهم، فلا يطالبون بقضاء العبادات البدنيّة والماليّة، ويبدؤون صفحة جديدة مشرقة بالإسلام النَّقي الظَّاهر، لقوله عليه الصَّلاة والسَّلام فيما رواه ابن سعد عن الزبير وعن جبير بن مطعم: ((الإسلام يجبُّ ما قبله)).