Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١
الُ (٩) - الأَفَّالَ: ١/٨-٤
نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي
بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار
يتضاغَوْن(١) فيها، فقال: يا حارثة، عرفت فالزم - ثلاثاً)).
هذه صفات المؤمنين، أما المنافقون فقال ابن عباس عنهم: المنافقون لا
يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات
الله، ولا يتوكلون، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر
الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف الله المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
ثم ذكرالله جزاء المؤمنين الموصوفين بما ذكر،
عند ربهم، فقال:
دَرَجَتُ﴾ أي لهم منازل ومقامات ودرجات في الجنات على حسب أعمالهم
ونواياهم، كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
[آل عمران: ١٦٣/٣]. ولهم مغفرة أي يغفر الله لهم السيئات، ويشكر لهم
الحسنات، ولهم رزق كريم: وهو ما أعد لهم من نعيم الجنة. والكريم: وصف
لكل شيء حسن.
قال الضحاك في قوله: ﴿لَّمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾: أهل الجنة بعضهم
فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضْلَه على الذي هو أسفل منه، ولا يرى
الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد، ولهذا جاء في الصحيحين أن رسول
الله وَلّ قال: ((إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم، كما ترون الكوكب
الغابر في أفق من آفاق السماء)) قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا
ينالها غيرهم، فقال: ((بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا
المرسلين)).
(١) يصيحون ويبكون.
٢٦٢
الجُ (٩) - الأَنْفَالَ: ١/٨-٤
وفي الحديث الآخر الذي رواه أحمد وأهل السنن عن أبي سعيد الخدري
قال: قال رسول الله وَ له: ((إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى، كما
تراءون الكوكب الغابر في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأَنْعِمًا».
فالمؤمنون متفاوتو الدرجة في الآخرة، وكذلك الرسل درجاتٍ، بدليل قوله
تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُ مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اَللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣/٢] وفضل الله المهاجرين المجاهدين على غيرهم، فقال:
{الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَيْهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ
[التوبة: ٢٠/٩].
وَأُوْلَّكَ هُ اَلْفَائِزُونَ
وهناك تفاوت أيضاً في درجات الدنيا، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ
خَيِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضِ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَّكُمْ فِى مَآ ءَاتَنكُمْ إِنَّ رَبَّكَ
[الأنعام: ٦ /١٦٥].
١١٢٥
سَرِيعُ الْعِقَابِ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الأحكام التالية:
اً - ليس كل نزاع أو خلاف شراً، فقد يؤدي الخلاف إلى خير، وقد كان
خلاف الصحابة سبباً في بيان حكم الأنفال.
اً - كان الصحابة حريصين على السؤال عما يهم من أمور الدين.
٣ - الله تعالى مصدر الأحكام الشرعية حقيقة، ومرجع إصدار الأحكام
إلى الله أولاً ثم إلى الرسول، لا إلى غيرهما، وقسمة الغنائم فعلاً مفوض أمرها
إلى الرسول وَ﴾. وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ استفتاح كلام، وابتداء بالحق الذي ليس
وراءه مرمى، الكل الله. وقوله: ﴿وَالرَّسُولِ﴾ قيل وهو الأصح عند ابن
العربي: أراد به ملكاً، وقيل: أراد به ولاية قَسْم وبيان حكم. ودليل الأول
قوله {آلير: ((ما لي مما أفاء الله علیکم إلا الخمس، والخمس مردود فیکم)) فهو
مالك له حقيقة، ثم يرده إلى المسلمين تفضلاً.
٢٦٣
الْجُ (٩) - الأَنْفَالَ: ١/٨-٤
٤ - صلاح الجماعة وقوة الأمة وعزتها مرهون بأمور ثلاثة: تقوى الله في
السر والعلن، وإصلاح ذات البين، أي الحال التي يقع بها الاجتماع، وطاعة
الله والرسول.
٥ - امتثال أمر الله تعالى من ثمرات الإيمان، وإن سبيل المؤمن أن يمتثل
أوامر الله.
٩ - آية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ تحريض على
إلزام طاعة الرسول * فيما أمر به من قسمة الغنائم.
لاً - أوصاف المؤمنين الصحيحة:
أولاً - الخوف من الله، لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه،
فسبب الخوف: كمال المعرفة وثقة القلب.
ثانياً - زيادة الإيمان عند تلاوة آي القرآن وقد وصف الله أهل المعرفة عند
. تلاوة كتابه فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ
الذَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣/٥].
ثالثاً - التوكل على ربهم أي لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا
يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه،
ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده
لا شريك له، ولا معقّب لحكمه، وهو سريع الحساب.
رابعاً - إقامة الصلاة: قال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها
ووضوئها ورکوعها وسجودها.
خامساً - الإنفاق مما رزق الله في سبيل الله، أي طرق الخير والبر
والإحسان.
٠
٢٦٤
الُ (٩) - الأَفَالَ: ١/٨-٤
٨ - دل قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ على أن لكل شيء حقيقة،
وأكد ذلك قصة حارثة. وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد؛ أمؤمن أنت؟
فقال له: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه
ورسله والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا به مؤمن. وإن كنت تسألني عن
قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ -
إلى قوله - ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فوالله ما أدري أنا منهم أم لا.
- زيادة الإيمان ونقصانه: استدل أكثر الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل
وأبي عبيد والبخاري وغيرهم الذين يقولون: إن الإيمان عبارة عن مجموع
الاعتقاد والإقرار والعمل، استدلوا بهذه الآية: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وأشباهها
على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب بزيادة الأعمال الصالحة، ولو كان
الإيمان عبارة عن المعرفة والإقرار، لما قبل الزيادة. واستدلوا على أن الإيمان
هو مجموع الأركان الثلاثة بقوله تعالى في تعداد أوصاف المؤمنين: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ
اَلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وهو يدل على أن كل تلك الخصال داخل في مسمى الإيمان.
ويؤيده الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه
عن أبي هريرة عن النبي وَ ليل أنه قال: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها
قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من
الإيمان)».
٢٦٥
المُ (٩) - الأَفَالك: ٥/٨-٨
كراهية بعض المؤمنين قتال قريش في بدر
كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ
۵
يُجَدِلُونَكَ فِىِ الْحَقِّ بَعْدَمَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَافُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴿ وَإِذْ
يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الَّائِفَنَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ
تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ اٌلْحَقَ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَثِرِينَ
٧
٨
لِيُحِقَ الْحَقِّ وَبُطِلَ اُلْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُجْرِمُونَ
الإعراب:
﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾ الكاف للتشبيه، وفيها ثلاثة أوجه:
الأول - أنها في موضع نصب على أنه صفة لمصدر محذوف دلَّ عليه
الكلام، وتقديره: قل: الأنفال ثابتة الله والرسول ثبوتاً كما أخرجك ربك.
فمحل الكاف صفة مصدر الفعل المقدر في قوله: ﴿لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي الأنفال
تثبت لله والرسول عليه الصلاة والسلام مع كراهتهم، ثباتاً مثل ثبات
إخراجك ربك من بيتك، يعني المدينة، مع كراهتهم.
الثاني - أن تكون صفة لمصدر محذوف، وتقديره: يجادلونك جدالاً كما
أخرجك.
الثالث - أن يكون وصفاً لقوله: ﴿حَقًّا﴾، وتقديره: أولئك هم المؤمنون
حقاً كما أخرجك.
وذكر الزمخشري وجهاً آخر وهو أن يرتفع محل الكاف على أنه خبر لمبتدأ
محذوف تقديره: هذا الحال كحال إخراجك، يعني أن حالهم في كراهة ما
رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهتهم خروجك للحرب . ﴿وَإِنَّ فَرِبقًا
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ﴾ الجملة حال من كاف: ﴿أَخْرَجَكَ﴾.
٢٦٦
الجُرُ (٩) - الأنفال: ٥/٨-٨
﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ إذ: متعلق ومنصوب بفعل مقدر، تقديره: واذكر يا محمد
إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم. و﴿إِحْدَى اُلْطَّابِفَنَيْنِ﴾: مفعول ثانٍ
ليعد، والمفعول الأول كاف ﴿يَعِدُكُمُ﴾. و﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾: بدل من قوله:
﴿إِحْدَى﴾، وهو بدل اشتمال، تقديره: وإذ يعدكم الله أن مِلْك إحدى
الطائفتين لكم، ولا بد من تقدير حذف المضاف؛ لأن الوعد إنما يقع على
الأحداث لا على الأعيان.﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: يفعل ما
فعل.
البلاغة:
كَأَنَّمَا يُسَافُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ تشبيه تمثيلي.
﴿أَنْ يُحِقَ الْحَقَ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
﴿ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ استعارة، استعار الشوكة للسلاح بجامع الشدة والحدة
والوخز بينهما.
{وَيَقْطَعَ دَابِرَ اَلْكَفِرِينَ﴾ كناية عن استئصالهم بالهلاك.
المفردات اللغوية:
يُجَدِلُونَكَ فِ اُلْحَقّ﴾ القتال. ﴿بَعْدَمَا ◌َبَيَّنَ﴾ ظهر لهم. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾
إليه عياناً في كراهتهم له. ﴿إِحْدَى اُلّطَّائِفَتَيْنِ﴾ العير الآتية من الشام أو النفير
التي جاءت من مكة للنجدة. ﴿وَتَوَدُّونَ﴾ تريدون. ﴿الشَّوْكَةِ﴾ البأس
والسلاح الذي فيه الحدة والقوة، وغير ذات الشوكة هي العير. (تَكُونُ
لَكُمْ﴾ لقلة عَددها وعُددها بخلاف النفير. ﴿يُحِقَّ أَلْحَقَ﴾ يظهره. ﴿بِكَلِمَتِهِ،﴾
السابقة، بظهور الإسلام .﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ﴾ يستأصل آخرهم الذي
يأتي من ورائهم، لذا أمرهم بقتال النفير. ﴿يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يعز الإسلام لأنه
الحق. ﴿وَبُطِلَ اُلْبَطِلَ﴾ يمحق الكفر والشرك ويزيله. ﴿ وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُجْرِمُونَ﴾
المشركون ذلك.
٠٠
٢٦٧
الجُرُ (٩) - الأنفال: ٥/٨-٨
سبب النزول:
نزول الآية (٥):
٨٠
(كَمَّآ أَخْرَجَكَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي أيوب
الأنصاري قال: قال لنا رسول الله وَله، ونحن بالمدينة، وبلغه أن عير أبي
سفيان قد أقبلت: ما تَرَوْن فيها، لعلّ الله يغنمناها ويسلمنا؟ فخرجنا، فسرنا
يوماً أو يومين، فقال: ما ترون فيهم؟ فقلنا: يا رسول الله، ما لنا طاقة بقتال
القوم، إنما خرجنا للعير، فقال المقداد: لا تقولوا كما قال قوم موسى: اذهب
أنت وربك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون، فأنزل الله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ
بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ
المناسبة:
تتضح المناسبة بين هذه الآيات وبين ما قبلها من الكاف في ﴿كَمَآ
أَخْرَجَكَ﴾ الذي يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج، وأحسن وجوه الربط تشبيه
كراهية الصحابة لحكم الأنفال وإن رضوا به، بكراهيتهم لخروجك من بيتك
بالحق إلى القتال في بدر، فهم رضوا محکم الأنفال، ولكنهم كانوا کارهین له،
كما أخرجك ربك من بيتك بالحق إلى القتال، وإن كانوا كارهين له.
وفي وجه آخر: الأنفال ثابتة لك، مثل إخراجك ربُّك من بيتك بالحق،
والمعنى: امض لأمرك في الغنائم ونفِّل من شئت، وإن كرهوا.
وقيل: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾ متعلق بقوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَتُ﴾ والمعنى: هذا الوعد
للمؤمنين حق في الآخرة، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له،
فأنجزك وعده، وأظفرك بعدوك، وأوفى لك، فكما أنجز هذا الوعد في الدنيا،
كذا يُنجزكم ما وعدكم به في الآخرة.
٢٦٨
لُ (٩) - الأنفال: ٥/٨-٨
أضواء من السيرة على موقعة بدر:
هاجر النبي ◌َله وصحبه الذين آمنوا به من مكة إلى المدينة، بسبب اشتداد
أذى قريش لهم، وترك المسلمون أموالهم وأرضهم وديارهم للمشركين في مكة.
فلما سمع رسول الله بأن قافلة لقريش محملة بالمؤن والأموال الكثيرة بزعامة
أبي سفيان، قادمة من الشام، مع أربعين نفراً من قريش، انتدب المسلمين
إليهم، وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لعلّ الله أن
ينفّلكموها. فخرج معه ثلاث مئة وبضعة عشر رجلاً، واتجهوا نحو ساحل
البحر على طريق بدر.
وكان أبو سفيان قد بعث حين دنا من الحجاز من يتجسس الأخبار، فعلم
بخروج رسول الله وَّر في طلبه، فبعث ضَمْضَم بن عمرو الغفاري نذيراً إلى
أهل مكة، يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها مع
أصحابه، فنهضوا قريباً من ألف، وتيامن أبو سفيان بالعير إلى سيف البحر
(طريق الشاطئ) محاذياً له، فنجا بالعير والتجارة، وجاء النفير، فوردوا ماء
بدر، وذلك بعد أن جمعوا جموعهم، واستنفر أبو جهل الناس من فوق الكعبة
قائلاً: النجاء، النجاء، على كل صعب وذلول، عيركم وأموالكم، إن أصابها
محمد فلن تفلحوا أبداً. وخرج أبو جهل على رأس النفير، وهم أهل مكة، ثم
قيل له: إن العير أخذت طريق الساحل، ونجت، فارجع بالناس إلى مكة،
فقال: لا، والله، لا يكون ذلك أبداً، حتى ننحر الجزور، ونشرب الخمور،
وتعزف القيان ببدر، فيتسامع جميع العرب بنا، وبخروجنا، وأن محمداً لم
يصب العير.
فأخبر رسول الله صل# الناس بما حدث واستشارهم، فقام أبو بكر رضي
الله عنه فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو،
فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله به، فنحن معك، والله لا نقول لك
٢٦٩
الجُ (٩) - الأَفَاك: ٥/٨-٨
كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا
فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤/٥] ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما
مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى بَرْك الغِماد (مدينة باليمن)
لجالدنا معك من دونه، حتی نبلغه.
فقال رسول الله وَله خيراً، ودعا له بخير. وقال الأنصار: فتمنينا معشر
الأنصار أن لو قلنا كما قال المقداد، أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم.
ثم قال الرسول: ((أشيروا علي أيها الناس)) وكأنه يريد الأنصار، إذ كانت
بيعة العقبة معهم أن ينصروه ويدافعوا عنه في دارهم بالمدينة، وتخوّف ألا
ينصرونه خارج المدينة، كما شرطوا ذلك في عهدهم، فقال سعد بن معاذ:
والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجَلْ، فقال: قد آمنا بك وصدقناك،
وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على
السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق، لئن
استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل
واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصُبُر عند الحرب، صُدُق عند
اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقَرُّ به عينُك، فسر بنا على بركة الله. فسُرَّ رسول
الله وَّ لقول سعد، ونشّطه ذلك ثم قال:
(سيروا على بركة الله، وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين: العير
القادمة من الشام، وعلى رأسها أبو سفيان، أو النفير الآتي من مكة،
لنجدتهم، وعلى رأسهم أبو جهل، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع
(١)
القوم))(١).
(١) هذا ما رواه محمد بن إسحاق في سيرته عن عبد الله بن عباس (انظر تفسير ابن كثير: ٢٨٨/٢
وما بعدها).
٢٧٠
الجُءُ (٩) - الأنفال: ٥/٨-٨
التفسير والبيان:
إن حال الصحابة في كراهة تنفيل المقاتلة وقسمة الغنائم بالسوية مثل حالهم
في كراهة خروجك للحرب من بيتك بالمدينة أو المدينة نفسها؛ لأنها موضع
هجرته ومسكنه، أو لأن بيته فيها، وكان إخراجاً بالحق، أي متلبساً بالحكمة
والصواب، وكان فريق من المؤمنين يكرهون الخروج، لعدم استعدادهم
للقتال، لذا فإنه أخرجك في حال كراهيتهم الخروج، فالتشبيه بين الحالتين في
مطلق الكراهة؛ لأن بعض المسلمين في بدر كرهوا أمرين:
أولهما - كرهوا قسمة الغنيمة بينهم بالتساوي، وكانت تلك الكراهة من
الشبان فقط؛ لأنهم هم الذين قاتلوا وغنموا.
وثانيهما - كرهوا قتال قريش؛ لأنهم خرجوا من المدينة بقصد الغنيمة ولم
يستعدوا للقتال.
ولكن الله تعالى قال لهم في الأمرين: كما أنكم اختلفتم في المغانم وتنازعتم
فيها، فانتزعها الله منكم، وجعل قسمتها على يد الرسول وَله، فقسمها على
العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامة لكم، كذلك لما كرهتم الخروج
إلى الأعداء وقتال ذات الشوكة وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم وإحراز
غيرهم، فكان عاقبة كراهتكم للقتال بأن قدره لكم، وجمع به بينكم وبين
عدوكم على غير ميعاد، رشداً وهدى، ونصراً وفتحاً.
والنتيجة من الأمرين: أن امتثال أمر النبي ◌َّ في كل منهما هو الخير
والمصلحة والرشاد.
يجادلك المؤمنون في الحق والرأي السديد وهو تلقي النفير، الإيثارهم عليه
أخذ العير، بسبب قلة الرجال وكثرة المال، والخوف من قتال المشركين الأكثر
عَدَداً وعُدَداً، يجادلونك بعدما تبين لهم الحق وظهر الصواب، بإخبارك أنهم
٢٧١
الجُزُ (٩) - الأنفال: ٥/٨-٨
سينتصرون على كل حال، وأن الله وعدك إحدى الطائفتين: العير أو النفير،
وبما أن العير قد نجت، فلم يبق إلا النفير، ولا داعي للقول بأننا لم نستعد
للقتال، ولا وجه للجدل بعدما تبين الحق وهو إعلام رسول الله وقالقول بأنهم
ينصرون، وحينئذ لا عذر لهم إلا خوفهم من القتال وجبنهم عن مقابلة
الأعداء.
ثم شبَّه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم، وهم سائرون إلى الظفر والغنيمة
بحال من يساق صاغراً إلى الموت المتيقن، وهو مشاهد أسبابه، ناظر إليها، لا
یشك فيها.
لكن الله تعالى وعد رسوله والمؤمنين بالنصر، ووعده لا يتخلف، أما
الحساب الظاهري لميزان القوى، فكثيراً ما يظهر عكسه، إذ كم من فئة قليلة
غلبت فئة كثيرة بإذن الله.
واذكروا حين وعدكم الله ملك إحدى الطائفتين: العير أو النفير، لكي
تكون السلطة والغلبة لكم.
وتتمنون أن تكون غير ذات الشوكة أي السلاح والقوة والمنعة وهي العير
(القافلة) لكم؛ لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارساً. وقد عبر عنها بذلك
تعريضاً لكراهتهم القتال وطمعهم في المال. والشوكة كانت في النفير لكثرة
عددهم وتفوق عدتهم وأسلحتهم.
ويريد الله لكم غير هذا وهو مقابلة النفير الذي له الشوكة والقوة، لينهزم
المشركون، وينتصر المؤمنون، ويثبت الله الحق ويعليه بكلماته، أي بآياته المنزلة
على رسوله في محاربة المشركين ذوي الشوكة، وبما أمر الملائكة من نزولهم
لنصرة المسلمین، وبما قضی من أسرهم وقتلهم، وطرحھم في قلیب (بئر) بدر.
ويريد الله أن يهلك المعاندين، ويستأصل شأفة المشركين، ويمحق قوتهم،
ويبدد آثارهم.
٢٧٢
الجُرُ (٩) - الأنفال: ٥/٨-٨
وقد فعل الله ما فعل، ووعد بما وعد، وأنجز النصر للمؤمنين، ليحق
الحق، أي يثبت الإسلام ويظهره، ويبطل الباطل أي يمحق الكفر والشرك
ويزيله، ولو كره المجرمون، أي المعتدون الطغاة. ولا يكون ذلك بمجرد
الاستيلاء على العير، بل بقتل أئمة الكفر وزعماء الشرك . ...
وبما أن الحق حق لذاته، والباطل باطل لذاته، وما ثبت للشيء لذاته، فإنه
يمتنع تحصيله بجعل جاعل، فيكون المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل إظهار
كون ذلك الحق حقاً، وإظهار كون ذلك الباطل باطلاً، إما بإظهار الدلائل
والبينات، وإما بتقوية رؤساء الحق، وقهر رؤساء الباطل.
وليس هذا تكريراً لما سبق من إحقاق الحق؛ لأن المعنيين متباينان؛ لأن
الأول لبيان مراد الله وأن هناك تفاوتاً بينه وبين مرادهم، أي الصحابة،
والثاني بيان الداعي والغرض فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم
ونصرتهم عليها، وأنه ما نصرهم ولا خذل أولئك إلا لهذا الغرض، وهو
التغلب على صاحبة القوة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
اَ - الخير والمصلحة فيما أمر الله به، وليس فيما يرى الإنسان، فقد يرى
ما هو ضار نافعاً، وما هو نافع ضاراً.
أَ - فعل العبد يخلق الله تعالى في رأي أهل السنة، بدليل قوله تعالى:
﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ فإنه روي أنه وََّ إنما خرج من بيته
باختيار نفسه، ثم إنه تعالى أضاف ذلك الخروج إلى نفسه، ليدل على أنه خالق
أفعال العباد.
والمعنى عند المعتزلة: أنه حصل ذلك الخروج بأمر الله تعالى وإلزامه،
فأضيف إليه. لكن هذا مجاز، والأصل حمل الكلام على الحقيقة.
٢٧٣
الُ (٩) - الأَنْفَالَ: ٥/٨-٨
وتمسك أهل السنة أيضاً في مسألة خلق الأفعال بقوله تعالى: ﴿لِيُحِقّ
اٌلْحَقَّ﴾ أي أنه يوجد الحق ويكونه، والحق ليس إلا الدين والاعتقاد، فدلَّ
هذا على أن الاعتقاد الحق لا يحصل إلا بتكوين الله تعالى وخلقه.
وتمسك المعتزلة بعين هذه الآية على صحة مذهبهم، فقالوا: هذه الآية تدل
على أنه تعالى إنما يريد أبداً تحقيق الحق وإبطال الباطل، وأنه لا صحة لقول من
يقول: إنه لا باطل ولا كفر إلا والله تعالى مريد له.
وردّ أهل السنة على ذلك بأن المقرر في أصول الفقه أن المفرد المحلى بالألف
واللام ينصرف إلى المعهود السابق، أي أنه تعالى أراد تحقيق الحق وإبطال
الباطل في هذه الصورة.
٣ - الحق حق أبداً، ولكن إظهاره تحقيق له؛ لأنه إذا لم يظهر أشبه الباطل.
والإسلام هو الحق، وهو الذي يريد الله إظهاره وإعزازه، كما قال تعالى:
﴿ ◌ِظْهِرَةُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: ٩/٦١] وقال: ﴿بَلِّ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَطِلِ
فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨/٢١].
٤ - لا قرار للباطل، ولكن لا بد من إبطاله وإعدامه، كما أن إحقاق
الحق إظهاره، والكفر والشرك هو الباطل، فيريد الله استئصال أهله الكافرين
بالهلاك.
٥ - أراد الله في بدر أن يجمع بين المؤمنين القلّة وبين الكافرين الكُثُر أهل
الشوكة والقتال، لينصرهم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الإسلام،
ويجعله غالباً على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي يحسن
التدبير لعباده المؤمنين، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم،
كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرُّهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا
وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمِّ وَعَسَى أَنْ تُحِبُواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَّكُمُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ (ََّ﴾ [البقرة: ٢١٦/٢].
٢٧٤
الجُزُ (٩) - الأَفَّالآ: ٩/٨-١٤
٩ - دلَّ خروج النبي وَ لّ ليلقى العير قبل معركة بدر على جواز النفير
للغنيمة؛ لأنها كسب حلال، والله وعد المؤمنين إحدى الطائفتين: العير أو
النفير.
الإمداد بالملائكة في معركة بدر
وإلقاء النعاس وإنزال المطر
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِي مُعِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ اُلْمَتَبِكَةِ
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ، قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا
مُرْدِفِين
مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيَُّزِلُ
عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى
قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴿﴿ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَنَبِتُواْ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ
وَأَضْرِبُوْ مِنْهُمْ كُلّ بَنَانِ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
ذَالِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَفِرِينَ
عَذَابَ النَّارِ (1)
القراءات:
﴿مُرْدِفِينَ﴾:
وقرأ نافع (مردّفين).
﴿ يُغَشِيَكُمُ﴾: قرئ:
١- (يُغْشِيكم) وهي قراءة نافع.
٢- (يَغْشَاكم) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.
١
٢٧٥
الجُزُ (٩) - الَفَاك: ٩/٨-١٤
٣- (يُغَشِّيكم) وهي قراءة الباقين.
وَيُقِلُ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (ويُثْزل).
﴿ الرُّعْبَ﴾: قرئ:
١- (الرُّعُب) وهي قراءة ابن عامر، والكسائي.
٢- (الرُّغْب) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ بدل من ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾. ﴿ِأَلْفٍ﴾
منصوب بـ ﴿مُمِدُكُمْ﴾. وقرئ ((بآَ لُف)) جمع ألف؛ لأن فَعْلاً يجمع على أفعُل،
نحو فَلْس وأفلس، وكلب وأكلب، ويؤيد هذه القراءة قوله تعالى: ﴿بِخَمْسَةِ
ءَالَفٍ﴾ [آل عمران: ١٢٥/٣] وآلف: جمع ألف لما دون العشرة، ويقع على خمسة
آلاف ﴿مِّنَ الْمَلَبِكَةِ﴾ صفة للألف. ﴿مُرِْفِينَ﴾ بالكسر: وصف لألف،
على أنهم أردفوا غيرهم، أي أردف كل ملَك ملكاً. (مرْدَفين) بالفتح مع
التخفيف: إما منصوب على الحال من الكاف والميم في ﴿مُمِدُّكُمْ﴾ وإما في
موضع جر؛ لأنه صفة لألف، أي مُتْبَعين بأَلْف. وقرئ (مُرَدَّفين).
﴿ إِذْ يُغَشِّيَكُمُ النُّعَاسَ﴾ بدل ثانٍ من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾ أو منصوب بكلمة
(النَّصْرُ﴾ أو بإضمار: اذكر. والفاعل هو الله عز وجل، و﴿اُلتُّعَاسَ﴾:
مفعول به و﴿أَمَنَةً﴾ مفعول لأجله، والمعنى إذ تنعسون أمنة بمعنى أمناً أي
لأمنكم. و﴿مِّنْهُ﴾ صفة لكلمة ﴿أَمَنَةُ﴾ أي أمنة حاصلة لكم من الله عز
وجل.
﴿إِذْ يُوحِى﴾ بدل ثالث من: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾، ويجوز أن ينتصب بيثبت.
و﴿أَنِ مَعَكُمْ﴾ : مفعول يوحي.
٢٧٦
الُ (٩) - الأَنَفَاك: ٩/٨-١٤
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ اللَّهَ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، أو خبر مبتدأ. وتقديره:
ذلك الأمر، أو الأمر ذلك.
﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ خبر مبتدأ مقدر، تقديره: والأمر ذلكم. ﴿ وَأَنَّ
لِلْكَفِرِينَ﴾ عطف على ﴿ذَلِكُمْ﴾ وتقديره: والأمر أن للكافرين عذاب
النار.
البلاغة:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ أتى بصيغة المضارع عن الماضي لاستحضار الصورة في
الذهن.
﴿وَيُنَزِلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾ تقديم الجار والمجرور على المفعول به،
للاهتمام بالمقدم، والتشويق إلى المؤخر.
المفردات اللغوية:
﴿ إِذْ تَسْتَغِيئُونَ رَبَّكُمْ﴾ تطلبون منه الغوث بالنصر عليهم . ﴿أَنِ﴾ بأني.
﴿مُمِدُّكُمْ﴾ معينكم. ﴿مُرْدِفِينَ﴾ متتابعين، يردف بعضهم بعضاً، مأخوذ من
الإرداف: وهو الركوب وراءه، وعدهم أولاً بألف من الملائكة، ثم صارت
ثلاثة، ثم خمسة، كما ذكر في آل عمران [١٢٤، ١٢٥]. ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي
الإمداد. ﴿ وَلِتَطْمَيِنَّ﴾ تسكن بعد ذلك الاضطراب والخوف الذي عرض لكم
إجمالاً. ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره. ﴿حَكِيمُ﴾ يضع الشيء في موضعه.
﴿ يُغَشِيَكُمُ﴾ يجعله عليكم كالغطاء، من حيث اشتماله عليكم.
﴿النُّعَاسَ﴾ فتور في الحواس والأعصاب يعقبه النوم، فهو مقدمة له، وهو
يضعف الإدارك، والنوم يزيله. ﴿أَمَنَةً﴾ أمناً مما حصل لكم من الخوف.
﴿مِّنْهُ﴾ من الله تعالى.
٦
م
٢٧٧٠
الُ (٩) - الأَفَالَ: ٩/٨-١٤
﴿وَطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ من الأحداث والجنابات. ﴿رِجْزَ الشَّيْطَنِ﴾ وسوسته لكم
بأنكم لو كنتم على الحق ما كنتم ظمأى محدثين، والمشركون على الماء.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ يحبس، أي ليثبت القلوب ويحملها على الصبر
واليقين . ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ أن تسوخ في الرمل.
﴿فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالإعانة والتبشير. ﴿الرُّعْبَ﴾ الخوف الشديد.
(فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ أي الرؤوس. ﴿كُلَّ بَنَانٍ﴾ أي أطراف الأصابع من
اليدين والرجلين . ﴿ ذَلِكَ﴾ العذاب الواقع بهم. ﴿بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ﴾ خالفوا
وعادوا، وسميت العداوة مشاقة؛ لأنها تجعل كل طرف في شق أو جانب غير
الآخر. ﴿ ذَلِكُمْ﴾ العذاب. ﴿فَذُوقُوهُ﴾ أيها الكافرون في الدنيا. ﴿وَأَنَّ
لِلْكَفِينَ﴾ في الآخرة.
سبب النزول:
روى أحمد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر النبي ◌َّ إلى أصحابه، وهم ثلاثمائة ونيف
أو (وبضعة عشر رجلاً)، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل
النبي وَّ القبلة وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم
إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، فلا تعبد في الأرض أبداً)) قال: فما
زال یستغیث ربه ويدعوه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ
رداءه فرداه (أو فألقاه على مَنْكبيه) ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله،
كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِذْ
تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِ مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ
٩
فلما كان يومئذ، التقوا، فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلاً،
وأسر منهم سبعون رجلاً(١).
(١) تفسير الرازي: ١٣٩/١٥، تفسير ابن كثير: ٢٨٩/٢
٢٧٨
لُ (٩) - الأنفال: ٩/٨-١٤
وروى البخاري عن ابن عباس قال: قال النبي وَ لّر يوم بدر: ((اللهم إني
أنشُدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تُعْبَد)» فأخذ أبو بكر بيده، فقال:
[القمر: ٥٤/
٤٥
حسبك، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
٤٥].
فعلى هذا كانت الاستغاثة من الرسول وص له، وهو المشهور. ولما اصطف
القوم، قال أبو جهل: ((اللهم، أولانا بالحق فانصره)) ورفع رسول الله يده
بالدعاء المذكور.
وهناك قول ثانٍ أن الاستغاثة كانت من جماعة المؤمنين؛ لأن خوفهم كان
أشد من خوف الرسول.
والأقرب أنه دعا عليه الصلاة والسلام وتضرع، على ما روي، والقوم
كانوا يُؤَمِّنون على دعائه، تابعين له في الدعاء في أنفسهم، فنقل دعاء الرسول
ولم ينقل دعاء القوم.
المناسبة:
لما بيّن الله تعالى في الآية السابقة أنه يحق الحق ويبطل الباطل، بين أنه تعالى
نصرهم عند الاستغاثة.
التفسير والبيان:
اذكروا أيها المؤمنون وقت استغاثتكم ربكم، لما علمتم أنه لا بد من
القتال، داعين: ((إي ربنا انصرنا على عدوك، يا غياث المستغيثين أغثنا)).
والمراد تذكيرهم بنعمة الله عليهم الذي أجاب دعاءهم، ليشكروا، وليعلموا
مدی فضل الله عليهم، ورحمته بهم.
فاستجاب لكم، أي فأجاب دعاءكم بأني ممدكم بألف من أعيان
٢٧٩
لُ (٩) - الأَفَاك: ٩/٨-١٤
الملائكة، مردِفين أي يردف بعضهم بعضاً ويتبعه، فيتقدم بعضهم ويعقبه
الآخر، وهكذا تتابع الملائكة، وهذه هي الطليعة، ثم تبعها آخرون، فصاروا
ثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف، كما قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿ بِثَلَثَةِ
ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ [١٢٤] ثم قال: ﴿بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم
مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ
١١٢٥
[١٢٥].
وما جعل الله إرسال الملائكة وإعلامه إياكم بهم إلا بشرى لكم بأنكم
منصورون، ولتسكن به قلوبكم من الاضطراب الذي عرض لكم، وإلا فهو
تعالى قادر على نصركم على أعدائكم.
وليس النصر الحقيقي في الحروب إلا من عند الله، دون غيره من الملائكة
أو سواهم من الأسباب الظاهرية، إن الله عزيز لا يغلب، حكيم لا يضع
شيئاً في غير موضعه، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَأَنَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن
لِيَبْلُواْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤/٤٧].
وهل قاتلت الملائكة بالفعل يوم بدر؟ يرى بعضهم أن الملائكة لم يقاتلوا،
وإنما كان لهم تقوية معنوية، فكانوا يكثرون السواد، ويثّبِّتون المؤمنين، وإلا
فمَلَك واحد كافٍ في إهلاك أهل الدنيا كلهم، فإن جبريل أهلك بريشة من
جناحه مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ثمود قوم صالح بصيحة واحدة. وقد أخذ
بهذا الرأي الشيخ محمد عبده ومدرسته.
وقال جمهور العلماء: نزل جبريل في يوم بدر في خمس مئة ملك على الميمنة،
وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمس مئة على الميسرة، وفيها علي بن أبي طالب في
صور الرجال، عليهم ثياب بيض وعمائم بيض، وقد أرْخَوْا أذنابها بين
أكتافهم فقاتلت.
وهذا هو المشهور، المروي عن ابن عباس قال: وأمد الله نبيه هل﴾ والمؤمنين
٢٨٠
الُ (٩) - الأَفقال: ٩/٨-١٤
بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمس مئة من الملائكة مجنّبة، وميكائيل في
خمس مئة مجنّبة.
وهذا هو الراجح المؤيد في السنة النبوية بالروايات الصحيحة، روى ابن
جرير ومسلم عن ابن عباس عن عمر الحديث المتقدم. ورويت أحاديث
أخرى. ولولا الأحاديث لكان للرأي الأول اعتبار واضح.
وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان الصوت الذي كنا
نسمع، ولا نرى شخصاً؟ قال: هو من الملائكة، فقال أبو جهل: هم غلبونا
لا أنتم.
ومن المتفق عليه أن الملائكة لم يقاتلوا يوم أحد؛ لأن الله وعدهم بالنصر
وعداً معلقاً على الصبر والتقوى، فلم يحققوا هذا الشرط.
وقتال الملائكة مع المؤمنين لا يقلل من أهمية قيام المؤمنين بواجبهم في
القتال على أتم وجه وأكمله، فإنهم قاتلوا قتالاً مستميتاً استحقوا به كل تقدير،
جاء في الصحيحين أن رسول الله وَ ◌ّليل قال لعمر - لما شاوره في قتل حاطب بن
أبي بلتعة: ((إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر،
فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)).
وكان وقع المعركة على قريش شديداً جداً بسبب ما لاقوه من قتل زعمائهم
بأسياف المسلمين ورماحهم وعلى يد شبانهم، مع أنهم الفرسان المشاهير،
فكان هذا هو عقاب كفرهم وعنادهم، والله تعالى يعاقب الأمم السالفة
المكذبة للأنبياء بالقوارع التي تعم الأمم المكذبة، كما أهلك قوم نوح
بالطوفان، وعاداً الأولى بالدبور (الريح الصرصر العاتية)، وثمود بالصيحة
(الصوت الشديد المهلك) وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجيل (من
جهنم) وقوم شعيب بيوم الظلة، وفرعون وقومه بالغرق في الیم.