Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ ◌ِلُ (٩) - الْأَغَافِ: ١٥٥/٧ واختيارهم، وتهدي بالمحنة أيضاً من تشاء من عبادك، وهم المؤمنون المتثبتون في معرفتك، ولست بالمحابي لهم في توفيقك للهداية، بل هذا متفق مع طبعهم وكسبهم واختيارهم، ولو ترك الفريقان وشأنهم لاختار كل منهم ماهو فيه وما قدر له. وإنما استفاد ذلك موسى عليه السلام من قوله تعالى له: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [طه: ٨٥/٢٠] وجعل ذلك إضلالاً من الله وهدى منه؛ لأن محنته لما كانت سبباً لأن ضلوا واهتدوا، فكأنه أضلهم بها وهداهم، على الاتساع في الكلام. أنت ولينا، أي المتولي أمورنا والمهيمن علينا، فاغفر لنا أي استر ذنوبنا ولا تؤاخذنا بها، وارحمنا وإن قصرنا وفرطنا، وأنت خير الغافرين، أي الساتر ذنوب العباد، العافي عن السيئات، ورحمتك وسعت كل شيء، ومغفرتك ورحمتك بلا سبب ولا علة ولا لمصلحة ولا لعوض، أما غيرك فإنما يغفر لأغراض عديدة كحب الثناء وطلب النفع أو لدفع الضرر، وأنت تغفر محض الفضل والجود والكرم، فهو حقاً وقطعاً ﴿خَيْرُ الْغَمِرِينَ﴾. قال ابن كثير: والرحمة إذا قرنت مع الغفر، يراد بها ألا يوقع العبد في مثل الذنب في المستقبل(١). وقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ يفيد الحصر، ومعناه أنه لا ولي لنا ولا ناصر ولا هادي إلا أنت. وقيل: في تفسير الآية وطلب موسى إهلاكهم وقوله ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْنَتُكَ﴾ : أن الفتنة يراد بها عبادة العجل، وأن طلب الإهلاك حينما عبدوا العجل، وأن الذين عبدوه هم السفهاء وهم الأكثرون، وأما عقلاء بني إسرائيل فلم يعبدوه. (١) تفسير ابن كثير: ٢٥٠/٢ ١٢٢ الُ (٩) - الأَغرافِف: ١٥٥/٧ فقه الحياة أو الأحكام: على المؤمن أن يلتزم الأدب مع الله وألا يسلك مسلك العناد، فطلب القوم رؤية الله عز وجل قياساً منهم على سماع كلامه، أدى بهم إلى إنزال الصاعقة أي الزلزلة الشديدة في الجبل الذي كانوا عليه. وإذا كان هذا سبب الرجفة، فإن عبادة العجل تستحق عذاباً أشد وأنكى. والمراد بالإضلال في قوله: ﴿تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ﴾ ليس الإجبار أو الإكراه على الوقوع في الضلال كما تقول الجبرية؛ لأنه لم يقل: تضل بها من تشاء من عبادك عن الدين، ولأنه تعالى قال: ﴿تُضِلُّ بِهَا﴾ أي بالرجفة، ومعلوم أن الرجفة لا يضل الله بها، فوجب التأويل، وتأويل ذلك أنك تعاقب من تشاء بشرط ألا يؤمن، أو تهلك من تشاء بهذه الرجفة. وكذلك الهداية في قوله: ﴿ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ﴾ يراد بها التوفيق والإرشاد إلى وجوه الهداية ومسالکها. ولا شك أن خالق الداعية إلى الإيمان والكفر إنما هو الله تعالى، والعبد بقدرته الصالحة للإيمان والكفر يرجح أحد الجانبين على الآخر لما خلق الله فيه، وحينئذٍ تكون الهداية من الله تعالى، والإضلال من الله تعالى(١)، أي بالخلق والإيجاد، لا بالكسب والتحصيل، فالأول فعل الله والثاني فعل الإنسان. فبنو إسرائيل هم الذين أظهروا العناد، فطلبوا رؤية الله جهرة، وهم الذين اخترعوا عبادة العجل. (١) تفسير الرازي: ١٩/١٥ ١٢٣ لُ (٩) - الأَغراف: ١٥٦/٧-١٥٧ بقية دعاء موسى عند مشاهدة الرجفة صلى الله وربط الإيمان برسالته برسالة النبي وَسِم وَأَكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الذُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَاً إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِىّ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِئَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ اُلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ١٥٠ النَّبِىَّ الْأُمِنَ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِىِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم ◌ِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اٌلْخَبَِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِذَّ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) القراءات: ﴿ عَذَابِّ﴾ : وقرأ نافع: (عذابيَ). ﴿ النَّبِىِّ﴾ : وقرأ نافع: (النبيء). ﴿إِصْرَهُمْ﴾: وقرأ ابن عامر: (آصارهم). البلاغة: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ وكذا ﴿وَيُحِلُ لَهُمُ ١٢٤ الْجُرُ (٩) - الأَغراف: ١٥٦/٧-١٥٧ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ فيهما ما يسمى بالمقابلة: وهي الإتيان بمعنيين فأكثر، ثم الإتيان بما يقابلها بالترتيب. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ﴾ استعار الإصر والأغلال لتكاليفهم الثقيلة أو الشاقة، فالإصر والأغلال مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة. المفردات اللغوية: ﴿وَأَكْتُبْ﴾ أوجِب ﴿حَسَنَةً﴾ الحسنة في الدنيا: الصحة والغنى عن الناس، والاستقلال، والحسنة في الآخرة: الجنة ونيل الرضوان ﴿هُدْنَا﴾ رجعنا وتبنا، فهو هائد، وقوم هود ﴿مَنْ أَشَاءُ﴾ تعذيبه ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ عمت كل شيء في الدنيا ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أحكم بها في الآخرة، أي سأوجب حصول رحمتي، مِنَّة مني وإحساناً إليهم، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ﴾ [الأنعام: ٥٤/٦]. لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ﴾ أي سأجعلها للمتصفين بهذه الصفات، وهم أمة محمد وَلِّر، وهم الذين يتقون الشرك والعظائم من الذنوب ﴿وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ﴾ أي يخرجون زكاة الأموال التي تتزكى بها نفوسهم. ﴿اَلْنََّّ الْأُمِىَ﴾ النبي لغة مأخوذ من النبوة وهي الارتفاع، ومن النبأ: وهو الخبر المهم العظيم الشأن، وفي الشرع: هو من أوحى الله إليه بشرع ولم يأمره بتبليغه. والرسول: هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه. ولا يشترط الاستقلال بالشرع أو بالكتاب، بل قد يكون تابعاً لشرع غيره كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يتبعون التوراة. والأمي: الذي لم يقرأ ولم يكتب، ولقب العرب بالأميين كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمِِّنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢/٦٢] وحكى تعالى عن أهل الكتاب: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى · اُلْأُمَّيِّئَنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥/٣] والنبي الأمي: هو محمد ◌َّة. ١٢٥ لِلُزُ (٩) - الأَغراف: ١٥٦/٧-١٥٧ ﴿مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَكَةِ وَالْإِنِيلِ﴾ باسمه ووصفه ﴿بِلْمَعْرُوفِ﴾ ما تعارفت العقول السليمة والفطر النقية على حسنه، وذلك موافق لما ورد الأمر به في الشرع. ﴿الْمُنكَرِ﴾ ما تنكره النفوس والشرائع لمصادمته للفطرة والمصلحة. ﴿الطَّيِّبَتِ﴾ ما تستطيبه الأنفس والطباع السليمة من الأطعمة، ومعنى قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيْبَتِ﴾ أي مما حرم في شرعهم ﴿اَلْخَبَيِثَ﴾ ما تستخبثه الطباع السليمة وتنفر منه كالميتة والدم المسفوح، أو يكون سبباً في الضرر البدني كالخنزير الذي يسبب أكله الدودة الوحيدة وغيرها من المضار، أو الضرر الديني كالمذبوح الذي يتقرب به لغير الله. والخبيث من الأموال: ما يؤخذ بغير حق كالربا والرشوة والسرقة والغصب ونحو ذلك من المكاسب الخبيثة. ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه من الحركة لثقله، مثل اشتراط قتل الأنفس بالتقاتل في صحة توبتهم ﴿ وَالْأَعْلَلَ﴾ الشدائد أو التكاليف الشاقة، والأغلال جمع غُل: وهو القيد الذي تربط به يد الجاني إلى عنقه. والمراد هنا: ماكان في شرائعهم من الأشياء الشاقة، مثل إيجاب القصاص في القتل مطلقاً، عمداً كان أو خطأ، من غير شرع الدية، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت أي تحريم العمل فيه. ﴿فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ﴾ منهم ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي أعانوه ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدو، أي حاموا عنه ﴿النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي القرآن، وإنما أنزل مع جبريل، فالمراد: أنزل مع نبوته، وصارت نبوته مصحوبة بالقرآن. التفسير والبيان: هذا من تتمة دعاء موسى عليه السلام عند مشاهدة الرجفة، فأعلن أولاً ١٢٦ الُ (٩) - الََّزرافة: ١٥٦/٧-١٥٧ أنه لا ولي إلا الله بقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ والمتوقع من الولي والناصر أمران: دفع الضرر، وتحصيل النفع، ولما كان دفع الضرر مقدماً على تحصيل النفع، بدأ بطلب دفع الضرر، فقال: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا﴾ ثم أتبعه بطلب تحصيل النفع بقوله: ﴿وَأَكْتُبُ﴾. أي أوجب لنا وأثبت لنا بفضلك ورحمتك حسنة، أي حياة طيبة في الدنيا بتوفير نعمة الصحة والعافية، وسعة الرزق، والتوفيق في العمل، والاستقلال في الأمور العامة، ومثوبة حسنة في الآخرة بدخول جنتك والظفر برضوانك وفيض إحسانك، وذلك كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى اُلْأَخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١/٢]. ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكٌ﴾ أي تبنا ورجعنا وأنبنا إليك، أي ندمنا على ما طلبه قومنا من اتخاذ الآلهة وعبادة العجل ورؤية الله جهرة ونحو ذلك من فعل السفهاء، ورجعنا إلى الإيمان المقرون بالعمل. قال الله: إن عذابي أصيب به من أشاء من الكفار والعصاة، أما رحمتي فقد وسعت كل شيء في العالمين، والعذاب مما يترتب على صفة العدل، ولكن الرحمة أشمل، ولولا عموم الرحمة لهلك الكفار والعصاة عقب كفرهم وعصيانهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَائِبَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥/٣٥] وقال عز وجل: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابِّ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْیلاً ﴾ [الكهف: ٥٨/١٨]. والمراد من آية العذاب هنا: أني أفعل ما أشاء وأحكم ما أريد، ولي الحكمة والعدل في كل ذلك. ثم قرن ذلك بما يطمئن العباد وهو أن الرحمة تسبق الغضب، وهي أعم وأشمل منه، فهذه آية عظيمة الشمول والعموم، كقوله تعالى عن حملة العرش ومن حولهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٤٠/ ٧]. ١٢٧ لِلُ (٩) - الأَغراف: ١٥٦/٧-١٥٧ ثم وصف الله تعالى مستحقي الرحمة وذكر من تثبت لهم: وهم الذين يتصفون بهذه الصفات وهم أمة محمد صل﴾ وهي: ١ - الذين يتقون الشرك والمعاصي أو الذنوب. ٢ - والذين يؤتون الزكاة التي تتزكى بها نفوسهم، وتشمل زكاة الأنفس وزكاة الأموال. وخصت الزكاة بالذكر لعلاج مرض الماديين النفعيين وهم اليهود وأمثالهم، ولأن النفوس شحيحة بها غالباً. ٣ - والذين يؤمنون، أي يصدّقون بآياتنا الدالة على توحيدنا، وكفاية شريعتنا وسموها وصلاحيتها للعمل والتطبيق، وصدق رسلنا. وهؤلاء الموصوفون بهذه الصفات الثلاث هم متبعو ملة محمد رقمية، وهاهي صفاته في كتب الأنبياء، بشروا أممهم ببعثته، وأمروهم بمتابعته، وأوصافه عندهم سبعة وهي: ١ - الرسول النبي الأمي: أي الذي لم يقرأ ولم يكتب، فالأمية آية من آيات نبوته، وأن القرآن المعجز منزل عليه من عند الله، فهو مع أميته أتى بأكمل العلوم وأجداها في العقيدة والعبادة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والأخلاق والأعمال. واتباعه: باعتقاد نبوته والعمل برسالته. وهذه الصفة يمكن أن تتنوع إلى صفات ثلاث: هي الرسول: أي المرسل من الله إلى الخلق لتبليغ التكاليف. والنبي وهو يدل على كونه رفيع القدر عند الله تعالى، والأمي. ٢ - وهو الذي يجدون اسمه وصفته مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لذا آمن به بعض علماء اليهود مثل عبد الله بن سلام، وبعض علماء النصارى مثل تميم الداري. فأما المستكبرون فكانوا يكتمون البشارات به في كتبهم، ويؤولونها. روى الإمام أحمد عن أبي صخر ١٢٨ لُعُ (٩) - الأَغراف :: ١٥٦/٧ -١٥٧ العقيلي قال: حدثني رجل من الأعراب قال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله وَر، فلما فرغت من بيعي قلت: لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه، قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها، يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت، كأجمل الفتيان وأحسنها، فقال رسول الله وَله: ((أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟)) فقال برأسه هكذا، أي لا، فقال ابنه: إي، والذي أنزل التوراة، إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله فقال: ((أقيموا اليهودي عن أخيكم)) ثم تولى كفنه والصلاة عليه(١). وجاء في الباب الثالث والثلاثين في التوراة من سفر تثنية الاشتراع: ((جاء الرب من سينا، وأشرق من ساعير، واستعلى من جبال فاران ومعه ألوف الأطهار، في يمينه قَبَس من نار)) ومجيئه من سينا: إعطاؤه التوراة لموسى عليه السلام، وإشراقه من ساعير: إعطاؤه الإنجيل لعيسى عليه، واستعلاؤه من جبال فاران: إنزاله القرآن؛ لأن فاران من جبال مكة. وجاء في الباب الخامس عشر من إنجيل يوحنا: ((فأما إذا جاء الفارَ قليط الذي أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من الأب ينبثق، فهو يشهد لي، وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء» والفار قليط بالعبرية: معناه أحمد، كما قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: ﴿قُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ النَّوْرَنَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولِ يَأْنِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ: أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦/٦١]. ٣، ٤ - إنه يأمر بالمعروف: وهو ما تعرفه العقول الرشيدة وتألفه الطباع السليمة، وقد ورد به الشرع، وهو ينهاهم عن المنكر: وهو ما تنكره النفوس الصافية. فهو عليه الصلاة والسلام لا يأمر إلا بالخير، ولا ينهى إلا عن (١) قال ابن كثير في تفسيره (٢٥١/٢): هذا حديث جيد قوي، له شاهد في الصحيح عن أنس. ١٢٩ لُعُ (٩) - الأَغْرَافِ: ١٥٦/٧ -١٥٧ الشر، كما قال عبد الله بن مسعود: إذا سمعت الله يقولها: يا أيها الذين آمنوا، فأزعها سمعك، فإنه خیر تُؤمَر به، أو شر تُنهى عنه. ومن أهم ما أمر الله به: عبادة الله وحده لا شريك له؛ ومن أهم ما نهى عنه: عبادة ما سواه، كما أرسل به جميع الرسل قبله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ اُلَّغُونَ﴾ [النحل: ١٦/ ٣٦]. ٥، ٦ - وإنه يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث: أي يحل لهم ما تستطيبه الأنفس من الأطعمة: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾ [البقرة ٢/ ٥٧، ١٧٢، والأعراف ٧/ ١٦٠، وطه ٨١/٢٠] ويحل لهم ما كانوا حرموه على أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحام ونحو ذلك مما كانوا ضيقوا به على أنفسهم، ويحرم عليهم ما تأباه النفوس، كالميتة والخنزير والدم المسفوح، وما يؤخذ من الأموال بغير حق كالربا والرِّشْوة والغصب والخيانة. قال ابن عباس: الخبائث كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله تعالى. قال بعض العلماء: فكل ما أحل الله تعالى من المآكل، فهو طیب نافع في البدن والدین، وکل ما حرمه فهو خبیث ضار في البدن والدین. ٧ - وإنه يضع عنهم الإصر والأغلال: أي يرفع عنهم التكاليف الشاقة، كالقصاص في القتل، العمد أو الخطأ، من غير شرع الدية، وقتل النفس عند التوبة، أي التقاتل وإهدار الدماء، وقطع الأعضاء المذنبة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وتحريم السبت. أي إنه جاء بالتيسير والسماحة، كما ورد في الحديث الذي رواه الخطيب عن جابر: ((بعثت بالحنيفية السمحة)) وقال وسلم لمعاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: ((بشّرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا)). ١٣٠ الُرُ (٩) - الْأَغراف :: ١٥٦/٧ -١٥٧ ومن مظاهر التيسير: قوله وَله في الكتب الستة عن أبي هريرة: ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، مالم تتكلم به، أو تعمل به)). وقوله فيما رواه الطبراني عن ثوبان: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). ولهذا أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا: ﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِتَأْ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِءٌ وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَاْ أَنْتَ مَوْلَنَا فَأَنصُرُنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦/٢]. وثبت في صحيح مسلم أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه: قد فعلت، قد فعلت. أما اليهود فقد شدد الله عليهم في الأحكام الشرعية في العبادة والمعاملة والعقوبة، ثم خفف المسيح عليه السلام في بعض الأمور المادية، وشدد في الأحكام الروحية. فالذين آمنوا بالنبي الأمي وبرسالته، وعزروه أي منعوه من الأعداء، ونصروه أي عظموه ووقروه، وأيدوه باللسان والسِّنان، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أي القرآن والوحي الذي جاء به مبلِّغاً إلى الناس، أولئك هم المفلحون في الدنيا والآخرة، الناجون الفائزون بالرحمة والرضوان، دون من سواهم من حزب الشيطان الذين يخذلهم الله في الدنيا والآخرة. ويدخل في ذلك قوم موسى الذين يتحقق فيهم هذا الوصف العام. فقه الحياة أو الأحكام: بعد أن أقر موسى بأن لا إله إلا الله تعالى، أعلن أن الله ولينا أي القائم بأمورنا والمتولي شؤوننا، والولي يدفع الضر ويجلب النفع، لذا طلب منه المغفرة والرحمة لدفع الضر، المقدم على تحصيل النفع، ثم طلب منه تحقيق النفع وهو سؤاله الحسنة في الدنيا والآخرة. ١٣١ لُ (٩) - الأَغراف :: ١٥٦/٧-١٥٧ ويناسب هذه الأشياء اشتغال العبد بالتوبة والخضوع والخشوع، لذا قال موسى عليه السلام: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي تبنا ورجعنا إليك. فتحقق بهذا مجموع أمرين لابد منهما: وهما تقرير عزة الربوبية، أي كون الله تعالى إلهاً ورباً وولياً، والاعتراف بذل العبودية أي كون العباد له تائبين خاضعين خاشعين. ثم أجاب الله موسى مبيناً أن عذابي أعذب به من أشاء، وليس لأحد علي اعتراض؛ لأن الكل ملكي، ومن تصرف في خالص ملكه، فليس لأحد أن یعترض عليه. وأما رحمتي فهي عامة لا نهاية لها، ولا حد لسعتها، وسعت كل شيء، حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها. روى الإمام أحمد وأبو داود عن جندب بن عبد الله البَجَلي رضي الله عنه قال: جاء أعرابي، فأناخ راحلته، ثم عَقَلها (ربطها بالحبل) ثم صلى خلف رسول الله وَر، فلما صلى رسول الله وَ ل أتى راحلته، فأطلق عِقالها (حبلها)، ثم ركبها، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا تشرك في رحمتنا أحداً، فقال رسول الله يلر: ((أتقولون: هذا أضل أم بعيره، ألم تسمعوا ما قال؟)) قالوا: بلى، قال: ((لقد حظّرت رحمة واسعة، إن الله عز وجل خلق مئة رحمة، فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنّها وإنسها وبهائمها، وأخّر عنده تسعاً وتسعين رحمة، أتقولون: هو أضل أم بعيره)). وروى مسلم عن سلمان الفارسي عن النبي وَل قال: ((إن الله عز وجل مئة رحمةً، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخَّر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة)). ثم ذكر الله تعالى أوصافاً ثلاثة لمن يستحق رحمته، وهم المتقون، المؤتون الزكاة، المؤمنون بآيات الله تعالى. ١٣٢ الُعُ (٩) - الأَّغرافن: ١٥٦/٧ -١٥٧ قال بعض المفسرين: طمع في هذه الآية - أي ﴿وَرَحْمَتِ وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ كل شيء حتى إبليس، فقال: أنا شيء؛ فقال الله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ﴾ فقالت اليهود والنصارى: نحن متقون؛ فقال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِىَّ﴾ الآية. فخرجت الآية عن العموم. وهذه الأوصاف الثلاثة التي خصصت بها الآية شملت كل ما يصدر عن الإنسان وهو التروك والأفعال، أما التروك فهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها، والاحتراز عنها والاتقاء منها، وأما الأفعال فهي إما متوجهة على مال الإنسان أو على نفسه، الأول - الزكاة، والثاني - الإيمان، وهو يدخل فيه ما يجب على الإنسان علماً وعملاً، أما العلم فالمعرفة بالله، وأما العمل فبالإقرار باللسان والعمل بالأركان، ويدخل فيها الصلاة. وأما صفات محمد وَلّ المقررة في التوراة والإنجيل فهي: اً - كونه رسولاً نبياً أمياً: والرسول أخص من النبي، وقدم الرسول اهتماماً بمعنى الرسالة، وإلا فمعنى النبوة هو المتقدم، وکل رسول نبي، ولیس كل نبي رسولاً؛ لأن الرسول والنبي قد اشتركا في أمر عام وهو النبأ، وافترقا في أمر خاص وهي الرسالة. وأميته لإبطال دعاوى اختلاق القرآن من عند نفسه، فكانت من المعجزات، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ وَلَا تَخُعُمُ بِيَمِنِكَ إِذَا لَّأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴿﴾﴾ [العنكبوت: ٤٨/٢٩] ومع أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يكتب وما كان يقرأ، كان يتلو كتاب الله بتعليم الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير، فكان ذلك أيضاً معجزة، كما قال تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَنَسَّ [الأعلى: ٦/٨٧]. وكانت أمة العرب أمّية، روي في الصحيح عن ابن عمر عن النبي وَيّ قال: ((إنا أمةٌ أمّيةٌ، لا نكتب ولا نحسُب)). ١٣٣ الجُزُ (٩) - الأعراف :: ١٥٦/٧-١٥٧ أَ - صفاته موجودة في التوراة والإنجيل: وهذا يدل على أن نعته وصحة نبوته مكتوب في التوراة والإنجيل؛ لأن ذلك لو لم يكن مكتوباً، لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفّرات لليهود والنصارى عن قبول قوله؛ لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم المنفرات، ويترفع عنه العاقل، وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته. ◌َ، م - مهمته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال عطاء: ﴿يَأْمُرُهُم ◌ِالْمَعْرُوفِ﴾ بخلع الأنداد (الشركاء)، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام. (وَيَنْهَُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ عبادة الأصنام، وقطع الأرحام. ويجمع الأمر بالمعروف قوله عليه الصلاة والسلام: ((التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله)) والنهي عن المنكر يشمل النهي عن عبادة الأوثان، والقول في صفات الله بغير علم، والكفر بما أنزل الله على النبيين، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين. هَ - ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ﴾: قيل: المراد بالطيبات: الأشياء التي حكم الله بحلها. ومذهب مالك: أن الطيبات هي المحلَّلات، فكأنه وصفها بالطيب؛ إذ هي لفظة تتضمن مدحاً وتشريفاً. ورد الرازي على ذلك باستبعاد هذا القول؛ لأنه يترتب عليه التكرار، فتصير الآية: ويحل لهم المحللات، وبه تخرج الآية عن الفائدة؛ لأنا لا ندري أن الأشياء التي أحلها الله ما هي وكم هي؟ بل الواجب أن يكون المراد من الطيبات: الأشياء المستطابة بحسب الطبع، وذلك لأن تناولها يفيد اللذة، والأصل في المنافع الحل فكانت هذه الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع السليم الحل، إلا لدليل. وهذا مذهب الشافعي أن الطيبات هي من جهة الطعم. واحتج بهذه الآية بعض العلماء الذين ذهبوا إلى أن المرجع في حل المآكل التي لم ينص على تحليلها ولا تحريمها إلى ما استطابته العرب في حال رفاهيتها. وكذا في جانب التحريم إلى ما استخبثته. ١٣٤ لُعُ (٩) - الأَغراف :: ١٥٨/٧ ٩ - ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ): أي يمنعهم من اقتراب المستخبثات وهي كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس، ويكون تناوله سبباً للألم، والأصل في المضار الحرمة. ومقتضاه: أن كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا لدلیل. والخبائث في مذهب مالك هي المحرمات، ويقتضي ذلك أنه أحل المتقذرات كالحيات والعقارب والخنافس ونحوها. وقد عرفنا وجه الضعف في ذلك، وأن مذهب الشافعي هو تحريم المحرمات والمتقذرات، فتحرم العقارب والخنافس والوزغ ونحوها. لاً - ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَاَلْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي يرفع عن بني إسرائيل التكاليف والأحكام الشاقة التي كانت مقررة عليهم، مثل تحريم الغنائم، وتحريم مجالسة الحائض وقرض موضع النجاسة، والقصاص من القاتل بلا دية، وقتل النفس علامة للتوبة، فكانوا إذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها، وإذا حاضت المرأة لم يقربوها، وإذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضه، وروي: وجِلْد أحدهم، فأحل النبي ◌َّ الغنائم، وأباح مجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها، ورخص بغسل البول، وشرع الدية، وقيَّد القصاص في القتل العمد، وجعل التوبة باللسان والقلب مع الله. ودلت الآية على أن من آمن بالنبي ◌ّ وأيده وحماه وعظمه واتبع القرآن فهو من المفلحين أي الفائزين بالمطلوب في الدنيا والآخرة. عموم الرسالة الإسلامية ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِىِ، وَيُمِيتُ فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِثُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١١٥٨) ١٣٥ الجُزءُ (٩) - الأَغَرَافِ: ١٥٨/٧ القراءات: ﴿النَّبِيِّ﴾ : وقرأ نافع: (النبيء). المفردات اللغوية: ﴿قُلْ﴾ خطاب للنبيِ نَّه. ﴿وَكَلِمَتِهِ﴾ القرآن. ﴿تَهْتَدُونَ﴾ ترشدون. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى وجود صفات النبي ◌ّ في التوراة والإنجيل، وذكر أن من يتبعه، فله سعادة الدنيا والآخرة، أوضح مزية الرسالة الإسلامية وهي أنها عامة شاملة، وأن بعثته و 19 للناس كافة، يدعوهم فيها إلى الإيمان به وبرسالته، وأن كل من يتبعه تشمله تلك السعادة. التفسير والبيان: قل يا محمد لجميع البشر من عرب وغيرهم، بيض أو سود: إني رسول الله إليكم جميعاً، لا إلى قومي العرب خاصة، وإلى كل وقت وزمن إلى يوم القيامة، وهذا يقتضي أن يكون مبعوثاً إلى جميع الناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الأنبياء: ١٠٧/٢١] وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨/٣٤] وقال: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنِذِرَّكُم بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩/٦] أي وأنذر كل من بلغه. ومطلع سورة الفرقان يؤكد عالمية الرسالة. وجاءت الأحاديث الثابتة مؤكدة عموم الرسالة النبوية، مثل حديث الصحيحين والنسائي عن جابر بن عبد الله عن النبي ويلتر: ((أعطيت خمساً لم يُعْطَهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرُّعب مسيرة شهر، وجعلت لي ١٣٦ الجُرُ (٩) - الأَغراف: ١٥٨/٧ الأرض مسجداً وطَهُوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلّت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلی قومہ خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)). إني رسول الله الذي له الملك التام والتصرف الكامل في السماوات وفي الأرضين جميعها، وله القدرة التامة على الإحياء والإماتة. وقد تضمنت هذه الآية عناصر العقيدة الثلاثة: وهي توحيد الربوبية بالإيمان، وتوحيد الألوهية بالإيمان والعمل، أي بعبادة الله وحده، ثم الإيمان برسالة النبي محمد رَطير، ثم الإيمان بالبعث بعد الموت، وذلك معنى الإحياء والإماتة. ورتب على ما سبق الدعوة إلى الإيمان فقال: ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ﴾ أي فصدقوا أيها الناس قاطبة بالله الواحد الأحد الفرد الصمد في ربوبيته وألوهيته، وآمنوا برسوله النبي الأمي الذي بعثه إلى الخلق أجمعين. وهو النبي الذي يؤمن بوحدانية الله وكلماته التشريعية التي أنزلها الله لهداية البشر، وكلماته التكوينية الدالة على قدرته وإرادته وحكمته، ويصدق قوله عمله، ويؤمن بما أنزل إليه من ربه. فالمراد من كلماته: ما تضمنته كتبه من التوراة والإنجيل والقرآن من أحكام وإرشادات وأدلة على وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته. وهذا أمر بالإيمان أتبعه بالأمر بالإسلام، أي اتبعوا منهج هذا النبي، واسلكوا طريقه في كل ما جاء به، لتهتدوا إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه، أو رجاء أن تهتدوا بالإيمان واتباع الشرع إلى ما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة. والحق أنه لا هدى صحيحاً ثابتاً إلا في القرآن، ولا خير إلا في الدين، ولا ١٣٧ الُ (٩) - الأَغرافِف: ١٥٨/٧ سعادة إلا باتباع شريعة خاتم النبيين، وبمقدار الالتزام بالشريعة يكون النجاح في الدنيا والآخرة. روى مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى: ((والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمنُ بي إلا دخل النار)). فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على أن محمداً وَ﴿ مبعوث إلى جميع الخلق، وأن رسالته عامة للناس أجمعين، بل لكل العالمين من الإنس والجن. والمراد بالناس: هم المكلفون أي البالغون العقلاء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن علي وعمر: ((رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق)). والمقصود بالناس أيضاً كل من وصل إليه خبر وجوده وخبر معجزاته وشرائعه، وقلَّ أن تجد قوماً لم يبلغهم خبر ظهور محمد عليه الصلاة والسلام. ودلت الآية أيضاً على ما يثبت كونه عليه الصلاة والسلام رسولاً إلى الناس جميعاً، وهو أنه مرسل من خالق العالم المتصف بالحياة والعلم والقدرة والوحدانية، المنزه عن الشريك والوالد والولد، القادر على الحشر والنشر والبعث والقيامة، مالك السماوات والأرضين، المتصرف في الكون كيفما يشاء، وأن الخلق كلهم عبيده، وهو المنعم عليهم بأعظم النعم، وأنه المجازي لهم بعد موتهم، مما يقتضي تكليف الخلق بما يريد. وما على الخلق إلا الإيمان بوحدانية الله وبربوبيته، واتباع كلماته أي تشريعاته، وليس من التشريع أمور الدنيا العادية من تدبير شؤون الزراعة والصناعة والتجارة المباحة والعلوم النافعة، فتلك متروكة لعقول الناس ١٣٨ المُجُرُ (٩) - الأَغرافِ: ١٥٩/٧ - ١٦٠ ومعارفهم وخبراتهم، لما ورد في الحديث الصحيح عند الشيخين: ((أنتم أعلم بأمور دنیاکم». ومن كلمات الله: المعجزات الدالة على كونه نبياً حقاً؛ لأن كل شيء غريب يسمى كلمة، والمعجزات نوعان: معجزات ظهرت في ذاته عليه الصلاة والسلام، وأشرفها وأهمها كونه رجلاً أمياً، لم يتعلم من أستاذ، ولم يطالع كتاباً، ولم يجالس أحداً من العلماء. ومعجزات صدرت عنه مثل انشقاق القمر، ونبوع الماء من بين أصابعه. وبه يكون المراد بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ﴾ أي يؤمن بالله وبجميع المعجزات التي أظهرها الله عليه، وبما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من کتبه ووحیه. اتباع الحق لدى بعض قوم موسى ونعم الله على بني إسرائيل في صحراء التيه وَقَطَّعْتَهُمُ أَثْنَىَّ ١٥٩ ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمَّا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ أَسْتَسْقَنَهُ قَوْمُهُ: أَنِ أُضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرِ فَأَنْبَجَسَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًّا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمَّ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ وَأَنَزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَرَ وَالسَّلْوَىّ كُلُواْ مِنْ طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمُّ وَمَا ظَلَمُوْنَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ الإعراب: ﴿وَقَطَّعْنَهُمُ أَثْنَتَ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمَّا﴾: إنما أنث اثنتي عشرة على تقدير أمة، وتقديره: اثنتا عشرة أمة. و﴿أَثْنَتَّ عَشْرَةَ﴾: حال. و﴿أَسْبَاطًا﴾: بدل ١٣٩ لُعُ (٩) - الأَغراف: ١٥٩/٧ - ١٦٠ منصوب من ﴿أَثْنَتَّ عَشْرَةَ﴾. ولا يجوز أن يكون ﴿أَسْبَاطًا﴾ منصوباً على التمييز؛ لأنه جمع، والتمييز لما عدا العشرة إنما يكون مفرداً. و﴿أُمَمَا﴾: صفة لقوله: ﴿أَسْبَاطًا﴾ كما ذكر ابن الأنباري. وقال الزمخشري عن كلمة ((أمماً)): بدل من ﴿أَثْنَتَّىَّ عَشْرَةَ﴾ بمعنى: وقطعناهم أمماً؛ لأن كل سبط كان أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد. وقال: ﴿أَسْبَاطًا﴾ تمييز، ووجه كونه مجموعاً أنه وضع ﴿أَسْبَاطًا﴾ موضع قبيلة؛ وكل قبيلة أسباط لا سبط. المفردات اللغوية: ﴿أُمَّةٌ﴾ جماعة. ﴿يَهْدُونَ﴾ يرشدون الناس ويدلونهم. ﴿وَبِهِ، يَعْدِلُونَ﴾ في الحكم، أي يحكمون بين الناس بالعدل . ﴿وَقَطَّعْنَهُمُ﴾ فرقنا بني إسرائيل وصيرناهم فرقاً وقطعاً. ﴿أَسْبَاطًا﴾ قبائل، والأسباط: أولاد الأولاد، جمع يسِبْط وهو عندهم كالقبيلة في ولد إسماعيل. وأسباط بني إسرائيل: سلائل أولاده العشرة ما عدا لاوَى، وسلائل ولدي ابنه يوسف وهما إفرايم ومنس؛ لأن سلائل لاوى قامت بخدمة الدين في جميع الأسباط. ﴿إِذِ أَسْتَسْقَنُهُ قَوْمُهُ﴾ طلبوا منه الماء للسقيا في التيه. ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ انفجرت. ﴿أَثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ بعدد الأسباط. ﴿كُلُّ أَنَاسٍ﴾ سبط منهم. ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيَّهِمُ الْغَمَمَ﴾ جعلنا الغمام يظلهم في التيه، والغمام: سحاب رقيق أو أبيض أو السحاب مطلقاً . ﴿اَلْمَنَ﴾ مادة بيضاء تنزل على ورق الشجر وغيره كالندى، حلوة المذاق كالعسل . ﴿وَاُلسَّلْوَىْ﴾ طير يشبه السُّمَانَى، لكنه أکبر منه. المناسبة: بعد أن رغب الله سبحانه بني إسرائيل باتباع ملة محمد فيديو عن طريق إنزال الرحمة عليهم ووصفهم بأنهم المفلحون، ذكر ثلاثة أحوال لهم، الحال الأولى: ١٤٠ لُرعُ (٩) - الأَغَرَافِ: ١٥٩/٧- ١٦٠ أن بعضهم اتبعوا موسى بحق واتبعوا أيضاً محمداً وَله، والتزموا الحق وقضوا به، والحال الثانية: قسمتهم اثنتي عشرة فرقة بعدد أسباطهم الاثني عشر، والحال الثالثة: انفجار الحجر اثنتي عشرة عيناً بقدر عدد الأسباط لما طلبوا السقيا من موسى عليه السلام، وتظليلهم بالغمام، وإنزال المن والسلوى علیھم. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى بأن طائفة من بني إسرائيل يتبعون الحق ويعدلون به، وهم المؤمنون التائبون من بني إسرائيل، آمنوا بموسى عليه السلام، وآمنوا بمحمد ﴾﴾﴾، فهم جماعة قوّموا أنفسهم بالإيمان، وأرشدوا الناس إليه ودلوهم علیه، وهدوهم بالحق الذي جاءهم من عند الله، ويعدلون بالحق بینھم في الحکم، لا يجورون، كما قال تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اُللَّهِ ءَانَآءَ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣/٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٩٩] وقال عز وجل: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا﴾ [آل عمران: ٣/ ٧٥]. والخلاصة: الخبر في هذه الآية متعلق بجماعة مؤمنة من بني إسرائيل في عصر موسى، وبعد عصره، وهم أصناف ثلاثة: صنف أدركوا النبي ◌َّ وآمنوا به، وهم المشار إليهم في آية: ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَوَتِ: أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِءَ﴾ [البقرة: ٢/ ١٢١]. وصنف آمنوا بموسى واتبعوا مَنْ بعده مِنَ الأنبياء، وهم المذكورون في الآية هنا، وصنف محتمل للقسمين، كما في الآية المتقدمة: ﴿يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ﴾. وهذه شهادة عظيمة من الله تعالى تثبت وجود أهل الحق والعدل في كل أمة، وهذه هي الحال الأولى لبني إسرائيل.