Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ لِلُعُ (٨) - الأَنْقال: ١٤١/٦-١٤٤ نفسها، منها المعروش وغير المعروش. وخلق أيضاً النخل والزرع المختلف الطعم واللون والرائحة والشكل. وأفرد النخل بالذكر لكثرته عند العرب، ولجماله، ولما له من منافع كثيرة بكل أجزائه، ولبقاء ورقه دون سقوط في مختلف الفصول، حتى شبِّه المؤمن في الحديث النبوي به. وأنشأ سبحانه الزرع المختلف الأنواع والأكل: وهو الثمر المأكول، والذي به حياة بني آدم، وهو يشمل كل ما يزرع صيفاً وشتاء، وأفرده الله بالذكر كالنخل، كما فيهما من الفضيلة. وقد ذكرت هذه الأنواع على طريق الترقي من الأدنى في التغذية واقتيات الناس إلى الأعلى والأعم، فإن الحبوب هي الغذاء الأساسي. وأنشأ الزيتون والرمان متشابهاً في المنظر وغير متشابه في الطعم والأكل. وكل هذه الأنواع يسقى بماء واحد وفي تربة واحدة، ولكن كل نوع يختلف عن الآخر طعماً ولوناً ورائحة ووقت نضج يتناسب مع حاجة الإنسان في زمن البرد والحر والاعتدال، مما يدل على قدرة الخالق عليها، وإبداع المنشئ المكوِّن لأصنافها، وذلك هو الله الواحد الأحد المتفرد بإمداد الرزق وبالتشريع المناسب. وقد أباحها الله للإنسان وامتن بإنعامه بها عليه، فقال: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِةٍ إِذَا أَثْمَرَ﴾ أي كلوا من ثمرات ما أنبت الله إذا أثمر ولو لم ينضج، وفائدة التقييد بقوله: ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾ الترخيص للمالك في الأكل منه قبل أداء حق الله تعالى وهو الزكاة. ثم جاء التكليف الواجب فيها وهو الزكاة المفروضة، فقال تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ أي وأخرجوا الزكاة المفروضة فيه يوم الحصاد: وهو وقت قطعه بعد تمام نضجه، ويتبعه زمن الدَوْس، لفصل الحب عن التبن، ٤٢٢ لُ (٨) - الأَنْتَمَا: ١٤١/٦-١٤٤ ويدخل في الحصاد: جني العنب وصرم النخل وقطف الفاكهة. والحق المفروض: هو العشر فيما سقي بالمطر، ونصف العشر فيما سقي بالنهر والبئر ونحوهما من الينابيع. ويعطى الحق المقرر شرعاً للمستحقين وهم ذوو القربى واليتامى والمساكين. وللعلماء رأيان في الحق الواجب في الثمر، فقال ابن عباس: إنه الزكاة المفروضة، وهي العشر أو نصفه. وروي عن ابن عباس أيضاً وهو قول سعيد بن جبير: إنه ماكان يتصدق به على المساكين يوم الحصاد. وكان ذلك واجباً من غير تعيين المقدار؛ لأن هذه الآية مكية، والزكاة إنما فرضت بالمدينة، فنسخ هذا الواجب بافتراض العشر ونصف العشر، وهو الزكاة. وقيل: إن الآية مدنية، والحق أن المراد بها هو الزكاة المفروضة، والمعنى: واعزموا على إيتاء الحق واقصدوه واهتموا به يوم الحصاد، حتى لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء. ثم نبّه القرآن إلى منهجه المعروف وهو الوسطية والتوسط في الأمور والاعتدال في كل شيء، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُتَرِفُواْ﴾ أي كلوا مما رزقكم الله من غير إسراف في الأكل، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلَا تُرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١/٧] ولا تسرفوا أيضاً في الصدقة، كما روي عن ثابت بن قيس بن شماس أنه صرم خمس مئة نخلة، ففرق ثمرها كله، ولم يدخل شيئاً إلى منزله، كما قال تعالى: ﴿وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩/١٧]. وقال الزُّهري: المعنى: لا تنفقوا في معصية الله، وروي نحوه عن مجاهد فقد أخرج عنه ابن أبي حاتم أنه قال: لو كان أبو قبيس - جبل بمكة - ذهباً، فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى، لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله ٤٢٣ الجُزْعُ (٨) - الأَنْقال: ١٤١/٦-١٤٤ تعالى كان مسرفاً. ومن هذا الاتجاه قول بعض الحكماء: لا سرف في الخير، ولا خير في الشّرف. والحق: أن الإسراف في كل شيء خيراً كان أو غيره خطأ، سواء في الأكل أو التّصدق؛ لأن على الإنسان واجب الإنفاق على نفسه وعلى أهله وذويه وأولاده، حتى إنه إن لم يكن له أولاد، فادِّخار شيء من دخله أمر محمود، لإنفاقه في حوائج المستقبل، وحتى لا يصبح عالة على الآخرين، ولذا يحجز على السّفيه المبذر شرعاً، ولو كان الإنفاق في سبل الخير. جاء في صحيح البخاري تعليقاً: (كلوا واشربوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة)). ومن تمام فضل الله ونعمته ورحمته أنه أنشأ لكم أيها الناس من الأنعام (وهي الإبل والبقر والغنم) كباراً صالحة للحمل، وصغاراً كالفُصلان، والغنم والمعز، هي كالفرش المفروش عليها، تفرش على الأرض للذّبح، ويتّخذ من شعرها ووبرها الفرش واللباس. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْأ ﴿ وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَكَمَّا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ وَإِنَّ [يس: ٧١/٣٦-٧٢]، وقوله : رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ الْأَنْعَمِ فى لَعِبْرَةٌ. ◌ُشْقِيَكُم مِمَّا فِى بُطُونِ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لََّنَا خَالِصًا سَابِغَا لِلشَّرِيِينَ [النحل: ٦٦/١٦]. ثم كرر الله تعالى إباحة الأكل من الأنعام كإباحته من الزّرع، فقال: (كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي كلوا من هذه الأنعام، كما تأكلون من الثمار والزّروع، فكلها خلقها الله، وجعلها رزقاً لكم، وانتفعوا بها بسائر أنواع الانتفاع المباحة شرعاً. ولا تتبعوا خطوات الشَّيطان، أي طريقه وأوامره، كما اتّبعها المشركون الذين حرّموا ما رزقهم الله من الثِّمار والزّروع والأنعام، افتراء على الله، وإيَّكم أن تحرِّموا ما لم يحرِّمه الله عليكم، فذلك إغواء من الشَّيطان، والله قد ٤٢٤ الْجُرُ (٨) - الأَنْقال: ١٤١/٦-١٤٤ أباحها لكم، والله مصدر التَّشريع والتّحريم والتّحليل؛ لأنه هو الخالق المبدع لجميع الكائنات، وهو المتصرِّف فيها، فليس لغيره أن يحرِّم أو يحلِّل برأيه. إن الشَّيطان لكم أيها الناس عدوّ مبين، أي بيِّن ظاهر العداوة، لا يأمر إلا بالسّوء والفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ فَأَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ (٦) : [فاطر: ٦/٣٥]، وقال : ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُّكُمْ بِالسُّوْءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ [البقرة: ١٦٩ ١٦٩/٢]. والأنعام التي هي حمولة وفرش ثمانية أصناف، فإنّ الحمولة: إما إيل وإما بقر، والفرش: إما ضأن وإما معز، وكل قسم من هذه الأربعة: إما ذكر وإما أنثى، وقد أنشأ الله من الضّأن زوجين اثنين: الكبش والنّعجة، ومن المعز زوجين اثنين: التّيس والعنزة، ومن الإبل اثنين: الجمل والنّاقة، ومن البقر اثنين: الثّور والبقرة. قل لمشركي العرب أيُّها الرّسول إنكاراً لصنعهم بتقسيم الأنعام إلى بحيرة وسائبة ووصيلة وحام وغير ذلك مما ابتدعوا فيها: أحرم الله الذّكرين من الكبش والتَّيس؟ أم حرَّم الأنثيين من النّعجة والعنز؟ أم حرّم ما حملت إناث النّوعين؟ يعني هل يشتمل الرّحم إلا على ذكر أو أنثى، فلم تحرمون بعضاً وتحلّون بعضاً؟ أخبروني عن يقين، كيف حرّم الله عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسّائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك؟ أخبروني بيِّنة تدلّ على هذا التَّحريم من كتاب الله، أو خبر نبي من الأنبياء إن كنتم صادقين في ادِّعاء التَّحريم. والحقيقة أنه لا منطق في تقسيم العرب في الجاهلية قبل الإسلام لأنواع الأنعام، فمنها الحرام ومنها الحلال، فإن كان المحرّم منها الذّكر، وجب أن يكون كل ذكورها حراماً، وإن كان المحرّم منها الأنثى، وجب أن يكون كل ٤٢٥ الُ (٨) - الْأَنْتُ: ١٤١/٦-١٤٤ إناثها حراماً، وإن كان المحرّم منها ما حملته الأجنّة في بطون الإناث، وهي تشتمل على الذّكر والأنثى، وجب تحريم الأولاد كلها. والله تعالى ما حرّم عليهم شيئاً من هذه الأنواع، وإنهم لكاذبون في دعوى التّحريم، ولا أحد في الدُّنيا أظلم ممن يفتري الكذب على الله، فيدّعي أنه حرّم شيئاً ولم يحرّمه، ونسب إليه تحريم ما لم يحرم، من أجل إضلال النّاس، وهو عمرو بن ◌ُخَيّ بن قمعة الذي بحر البحائر، وسيّب السّوائب، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، وغيَّر دين الأنبياء، إن الله لا يهدي إلى الحقّ والخير القوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم، فشرعوا ما لم يشرع الله تعالى. ثم شدّد الله تعالى الإنكار عليهم والتّهكم بهم فقال: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ﴾ أي هل كنتم حضوراً شاهدتم ربّكم، فوصّاكم بهذا التّحريم؟ وأمركم فيما ابتدعتموه وافتريتموه من تحريم ما لم يحرّمه الله، وإنما هو محض الافتراء والكذب على الله، ولا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، بقصد الإضلال عن جهل تام، والله تعالى، جزاء لهذا الظلم، لا يوفق للرّشاد من افترى عليه الكذب، ولا يهديه إلى الحقّ والعدل، بل يحجبه عن إدراك الصواب وما فيه المصلحة. فقه الحياة أو الأحكام: الله تعالى خالق الكائنات هو مصدر شيئين أساسيين في هذه الحياة: فهو مصدر بقاء الناس بإمدادهم بالنّعم الكثيرة الوفيرة، ومصدر التّشريع الصالح لكل زمان ومكان، إبقاء على النظام الأصلح، وحفاظاً على مصالح البشر، أفراداً وجماعات. والمقصود من ذلك تقرير التّوحيد، وإثبات الأُلوهيّة والرّبوبيّة الله عزّ وجلّ، فإن في آية: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْشَأَ جَنَّتِ مَّعْرُوشَتٍ﴾ ثلاثة أدلّة: ٠ ٤٢٦ الجُرُ (٨) - الْأَنْتُ: ١٤١/٦-١٤٤ أحدها - أن المتغيّرات لا بدّ لها من مغيِّر. الثاني - الْمِنَّة من الله سبحانه علينا، فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاء، وإذ خلقه ألا يكون جميل المنظر طيِّب الطّعم، وإذ خلقه كذلك ألا يكون سهل الْجَني، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك في ابتداء الخلق؛ لأنه لا يجب عليه شيء. الثالث - إظهار القدرة الإلهيّة في أشياء كثيرة، منها صعود الماء (النسخ) في الشّجر من الأدنى إلى الأعلى، مع أن من شأن الماء الانحدار والهبوط، ومنها تعدُّد أنواع الثِّمار والأشجار والزّروع، وتنوّع أصنافها وألوانها وطعومها وأشكالها. ودلّت آية ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ على وجوب الزكاة المفروضة في الزّروع والثِّمار: العُشْر ونصف العُشْر. وقال جماعة: هو حقّ في المال سوى الزّكاة، أمر الله به ندباً. وقد تمسَّك أبو حنيفة بهذه الآية وبعموم الحديث النّبوي الذي رواه البخاري وأبو داود عن ابن عمر: ((فيما سَقَتِ السَّماء العُشْرِ، وفيما سُقي بنَضْح(١) أو دالية(٢) نصف العشر)) في إيجاب الزّكاة في كل ما تنبت الأرض طعاماً كان أو غيره، إلا الحطب والحشيش والقَضْب (البرسيم) والتين، والسَّعف(٣) وقصب الذريرة(٤)، وقصب السُّكر. ورأى الجمهور أن الحديث لا يدلّ على ذلك، وإنما المقصود منه بيان ما يؤخذ منه العشر وما يؤخذ منه نصف العشر. (١) النّضح: سقي الزّرع وغيره بالسّانية: وهي الّاقة التي يستقى عليها. (٢) الدّالية: النّاعورة يديرها الماء، والأرض التي تسقى بدلو أو بناعورة. (٣) السّعف: جريد النّخل، واحدها سَعَفَة. (٤) الذريرة: قصب يجاء به من الهند. ٤٢٧ الُعُ (٨) - الاَنْقال: ١٤١/٦-١٤٤ قال ابن عبد البر: لا اختلاف بين العلماء فيما علمتُ أنّ الزّكاة واجبة في الحنطة والشعير والتّمر والزّبيب. فيكون للعلماء رأيان في زكاة ما تخرجه الأرض: الرّأي الأول لأبي حنيفة: تجب الزكاة في قليل ما أخرجته الأرض إلا ما استثني سابقاً، ودليله ظاهر الآية والحديث المتقدّم. الرّأي الثاني للجمهور ومنهم صاحبا أبي حنيفة: لا تجب زكاة الزّروع والثِّمار إلا فيما يقبل الاقتيات والادِّخار، وعند الحنابلة: فيما بيبس ويبقى ويكال، ولم يوجب الشَّافعي الزّكاة في الثِّمار غير العنب والتّمر؛ لأن الرّسول والم أخذ الزّكاة منهما، ولا زكاة في الخضروات والفواكه؛ لأنّ الرّسول وَل عفا عنها وقال فيما رواه التّرمذي عن معاذ في الخضروات: ((ليس فيها شيء))، ولا بدّ من بلوغ النّاتج خمسة أوسق (٦٥٣ كغ) لقول النبي ◌َّ فيما رواه مسلم عن جابر: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)). وإنما لا يشترط مضي الحول (العام الزّكوي) في زكاة النّاتج من الأرض؛ لأنه يكمل نماؤه باستحصاده، لا ببقائه، واشترط الحول في غيره من الزّكوات؛ لأنه مظنّة لكمال النّماء في سائر الأموال. ـا والصَّحيح وهو رأي أبي حنيفة وجوب الزّكاة وقت الْجَذَاذ، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والمشهور من مذهب المالكية يوم الطّيب؛ لأن ما قبل الطِّيب يكون علفاً لا قوتاً ولا طعاماً، فإذا طاب وحان الأكل الذي أنعم الله به، وجب الحق الذي أمر الله به. والمعتمد عند الشافعية والحنابلة: وجوب الزّكاة في الثِّمار: ببدو صلاح الثّمر؛ لأنه حينئذٍ ثمرة كاملة، وهو قبل ذلك حصرم وبلح، وفي الحبوب: ببدو اشتداد الحبّ؛ لأنه كما قال المالكية حينئذٍ طعام، وهو قبل ذلك بقل. ٠ ـة لُ (٨) - الأَنْقال: ٦/ ١٤١-١٤٤ لكن خرص الثِّمار أي تخمينها وتقديرها يكون بعد الطيب؛ لحديث عائشة فيما أخرجه الدّارقطني قالت: كان رسول الله وَ﴿ل يبعث ابن رواحة إلى اليهود، فيخرُص عليهم النّخل حين تطيب أوّل التّمرة، قبل أن يؤكل منها، ثم يخيِّر يهوداً يأخذونها بذلك الخرص أو يدفعونها إليه. وإنما كان أمر رسول الله وَله بالخرص لكي تحصى الزّكاة، قبل أن تؤكل الثِّمار وتُفَرَّق. ودلّت آية ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةً﴾ على مقدار نعمة الله بتسخير الأنعام للإنسان للرّكوب والحمل والعمل، وللاستفادة من لحومها وأوبارها وأصوافها وأشعارها. والأنعام كما قال أحمد بن يحيى وهو الأصحّ: كل ما أحلّه الله عزّ وجلّ من الحيوان؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيَّكُمْ﴾ [المائدة: ١/٥]. ومن أجل بقاء نوع الحيوان جعل فيه كالإنسان صنفي الذّكر والأُنثى، للتّوالد والتكاثر والتكامل، لذا كان تحريم الذّكور دون الإناث أو بالعكس معارضاً لحكمة الشّرع. وآية ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجَ﴾ احتجاج على المشركين فيما حرَّموه اعتباطاً من البحائر والسّوائب والوصائل والحام وغيرها، كما قالوا: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَىّ أَزْوَجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩/٦]. وذلك دليل على إثبات المناظرة في العلم؛ لأن الله تعالى أمر نبيَّه عليه الصّلاة والسّلام بأن يناظرهم، ويبيِّن لهم فساد قولهم. وفي هذه الآية أيضاً إثبات القول بالنظر والقياس. وفيها دليل على أنّ القياس إذا ورد به النّص بطل القول به، ويروى: ((إذا ورد عليه النّقض)) لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصَّحيحة، وأمرهم بأن ٤٢٨ دائـ" ٤٢٩ لُعُ (٨) - الْأَنْقال: ١٤٥/٦-١٤٧ تكون علّة القياس مطردة في جميع الأشباه والنّظائر. وهذا مستفاد من معنى الآية: قل لهم: إن كان الله حرَّم الذّكور فكل ذكر حرام، وإن كان حرَّم الإناث فكل أُنثى حرام، وإن كان حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأُنثيين يعني من الضّأن والمعز، فكل مولود حرام، ذكراً كان أو أُنثى؛ لأن كلها مولود، فكلها إذن حرام، لوجود العلّة فيها، فبيَّن تعالى بهذه المناظرة أو المناقشة ورود الانتقاض عليهم وفساد قولهم؛ لأن ما فعلوه من ذلك افتراء على الله، فمن أين هذا التحريم المزعوم؟ ولا علم عندهم؛ لأنهم لا يقرؤون الكتب، وهل شاهدتم الله قد حرّم هذا. ولمّا لزمتهم الحجّة أخذوا في الافتراء، فقالوا: كذا أمر الله، فردّ الله عليهم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلَّمٍ﴾ وهو دليل على أنهم كذبوا؛ إذ قالوا ما لم يقم عليه دليل. المطعوم المحرّم على المسلمين والمحرَّم على اليهود ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوَ فِسْقَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الَّهِ بِّ وَعَلَى الَّذِينَ فَمَنِ اضْطُتَ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (® هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى نُفُّرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَاً إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْخَوَايَا أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴿ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ ٤٧ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ القراءات: ﴿إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْنَةً﴾ : قرئ: ١- (إلا أن تكون مَيْتَةٌ) وهي قراءة ابن عامر، على أن ((كان)) تامة. ٤٣٠ لُعُ (٨) - الأَنْقال: ١٤٥/٦-١٤٧ ٢- (إلا أن تكون مَيْتَةً) وهي قراءة ابن كثير. ٣- (إلا أن يكون مَيْتَةً) وهي قراءة الباقين. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: قرئ: ١- (فمنِ اضْطُر) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة. ٢- (فمنُ اضْطُر) وهي قراءة الباقين. ﴿بَأْسُهُ﴾، ﴿بَأَسَنَا﴾: وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (باسه، باسنا). الإعراب: ﴿طَاعٍِ﴾ اسم فاعل من طَعِم يطعَم، وأكثر ما يجيء اسم الفاعل من فعِل يُفعَل إذا كان لازماً على فعِل، ويجيء على فاعل إذا كان متعدِّياً كعَلِم يعلَم فهو عالم. و﴿يَطْعَمُهُ﴾ مضارع طعم. ﴿ مَيْتَةً﴾ خبر ﴿يَكُونَ﴾، واسمها ضمير مستتر، وتقديره: إلا أن يكون المأكول ميتة، ومن قرأ بالرّفع جعل ﴿يَكُونَ لَهُ تامّة، و﴿مَيْنَةً﴾ فاعل مرفوع بها، ولا تفتقر إلى خبر. ﴿أَوِ الْحَوَايَآ﴾ إما مرفوع عطفاً على قوله: ﴿ظُهُورُهُمَا﴾، وإما منصوب عطفاً على ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ﴾. و﴿مَا﴾ في موضع نصب على الاستثناء من الشحوم، وهو استثناء من مُوجَب، أو منصوب عطفاً على قوله: ﴿ شُحُومَهُمَا﴾ وتقديره: حرّمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما. ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾: في موضع نصب؛ لأنه مفعول ثانٍ لجزیناهم، وتقديره: جزیناهم ذلك ببغيهم. ٤٣١ الجُزُ (٨) - الْأَنْقَا: ١٤٥/٦-١٤٧ البلاغة: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ من صيغ المبالغة، أي كثير المغفرة والرّحمة. ﴿رَّبُكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَذُ بَأَسُهُ, عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ﴾ فرّق بين الجملتين، فجعل الأولى جملة اسميّة؛ لأنها أبلغ من الفعليّة، ليناسب وصف الرّحمة، وجعل الثانية فعليّة: ﴿وَلَا يُرَّدُ﴾ لتكون أقل في الإخبار عن وصف العقاب. المفردات اللغوية: (مُحَرَّمًا﴾ شيئاً محظوراً أو ممنوعاً. (طَاِ يَطْعَمُهُ﴾ آكل يأكله. (مَيْنَةً﴾ بهيمة ماتت حتف أنفها . ﴿أَوْ دَمَا مَسْفُوحًا﴾ سائلاً يجري ويتدفّق من المذبوح، بخلاف غيره كالكبد والطّحال. ﴿رِجْسُ﴾ قذر قبيح حرام نجس. ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِّ﴾ ذبح على غير اسم الله، للأصنام، والإهلال: رفع الصّوت .﴿ فَمَنِ اُضْطُرَ﴾ أي دعته ضرورة إلى تناول شيء منه کجوع شديد أو عطش شديد أو غصص. ﴿غَيْرَ بَاعٍ﴾ أي غير قاصد له. ﴿وَلَ عَادٍ﴾ أي متجاوز قدر الضرورة. ﴿ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ اليهود، لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦/٧] أي رجعنا وتبنا . ﴿كُلَّ ذِى تُظُفُرٍ﴾ وهو ما لم تفرق أصابعه كالإبل والنّعام، والظفر للإنسان وغيره مما لا يصيد، والخُلب: لما يصيد. ﴿ شُحُومَهُمَا﴾ الشَّحم: ما يكون على الأمعاء والكرش والكُلى من الدّهن. ﴿ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ أي علقت بها . ﴿أَوِ اُلْحَوَايَآَ﴾ أي حملته الأمعاء، جمع حاوية وحاوياء. ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْهٍ﴾ منه أي من الشّحم، وهو شحم الآلية، فإنه أحل لهم . ﴿ذَلِكَ﴾ التحريم. ﴿جَزَيْنَهُم﴾ به. ﴿يِبَغْيِهِمٌ﴾ أي بسبب ظلمهم. ﴿وَإِنَّا ٤٣٢ لُ (٨) - الأَنْقَظَا: ١٤٥/٦-١٤٧ لَصَدِقُونَ﴾ في أخبارنا ومواعيدنا . ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ﴾ فيما جئت به ﴿فَقُل﴾ لهم: ﴿رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ﴾ حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، وفيه تلظُف بدعوتهم إلى الإيمان.﴿ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ أي عذابه إذا جاء. سبب النزول: نزول الآية (١٤٥): ﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾: أخرج عبد بن حميد عن طاووس قال: إن أهل الجاهلية كانوا يحرّمون أشياء، ويستحلّون أشياء، فنزلت: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَ مُحَرَّمًا﴾ الآية. المناسبة: ردَّ الله تعالى في الآيات السابقة على المشركين الذين كانوا يحرّمون ويحلّلون من الأنعام بحسب أهوائهم، وأبان أن التّحريم والتّحليل لا يثبت إلا بالوحي، ثم أوضح هنا أنّ المطعومات المحرَّمات على الآكلين هي أربعة فقط: الميتة، والدّم المسفوح، ولحم الخنزير فإنه رجس، والفسق: وهو الذي أُهل به لغير الله. التفسير والبيان: بَيَّن الله تعالى في هذه السّورة المكيّة أنه لا محرّم إلا هذه الأربعة، وأتى بها بصيغة الحصر، مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة، وأكَّد ذلك في سورة النّحل فقال: ﴿إِنَّمَا حَزَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِِزِيرِ وَمَآ أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ" فَمَنِ اضْظُرَّ غَيِّرَ بَاخِ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النحل: ١١٥/١٦]. وكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ تفيد الحصر، فدلّت آيتان مكيّتان على حصر المحرّمات في ٤٣٣ الُ (٨) - الأَنْعَظَا: ١٤٥/٦-١٤٧ هذه الأربعة، وكذلك دلّت آية مدنيّة في سورة البقرة أنه لا محرّم إلا هذه الأربعة، فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. وكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ التي تفيد الحصر مطابقة لقوله: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾. ثم ذكر الله تعالى في سورة المائدة قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١/٥]، وأجمع المفسّرون على أن المراد بقوله ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَّكُمْ﴾ هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل، وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاُلَّمُ وَخْمُ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُودَةُ وَاُلْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ اُلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ﴾ وكل هذه الأشياء من أنواع الميتة، وأنه تعالى إنما أعادها بالذّكر؛ لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتّحليل، فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا الحصر. والقصد هو الرّد على مشركي العرب؛ لأنه لما ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرّمات والمحلات إلا بالوحي، وثبت أنه لا وحي من الله تعالى إلا إلى محمد عليه الصّلاة والسّلام، ولم ينزل في الموضوع غير هذه الآية ونظائرها، كان هذا مبالغة في بيان انحصار التّحريم في هذه الأربعة فقط. المعنى: يقول الله تعالى آمراً رسوله: قل يا محمد لهؤلاء الذين حرّموا ما رزقهم الله، افتراء على الله: لا أجد محرّماً على آكل يأكله سوى هذه الأمور الأربعة وهي ما يلي: الميتة: وهي التي ماتت حتف أنفها بغير ذبح شرعي، وذلك يشمل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ونحوها. وتحريمها لمضرّتها، وانحباس الدم فيها، مما يؤدي إلى تسممها، وتفسُّخ لحمها، وإيذاء من تناول شيئاً منها. والدّم المسفوح: أي الدّم المهراق السائل الذي يجري ويتدفق من عروق ٤٣٤ لُرُ (٨) - الأنغام: ١٤٥/٦-١٤٧ المذبوح. وهذا يدلّ على أنّ المحرّم من الدّم ما كان سائلاً، قال ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذّبح، فلا يدخل فيه الدّم الجامد كالكبد والطّحال لجمودهما، ولا الدّم المختلط باللحم في المذبح، ولا ما يبقى في العروق من أجزاء الدّم، فإن ذلك كله ليس بسائل. وقال عكرمة في قوله: ﴿أَوْ دَمَّا مَّسْفُوحًا﴾: لولا هذه الآية لتتبع الناس ما في العروق كما تتبعه اليهود. وجاء في الحديث الذي يرويه البيهقي في سننه والحاكم عن ابن عمر: ((أُحلَّت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد - أو السمك والجراد - وأما الدّمان: فالكبد والطحال)). وسبب تحريم الدّم المسفوح: اشتماله على أنواع الجراثيم والميكروبات؛ لأن الدّم بيئة صالحة لتفريخ الميكروبات ومباءة للجراثيم. ولحم الخنزير: ومثله شحمه وسائر أجزاء جسده، ومثله أيضاً الكلب، فكل ذلك كالميتة والدّم رجس وقذر، تعافه النفوس الطيبة والطباع السليمة، وهو ضار بالبدن. واستدلّ الشافعية بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ على نجاسة الخنزير، بناء على عود الضمير إليه؛ لأنه أقرب مذكور. والفسق: وهو ما أُهل لغير الله أي ما ذبح لغير الله ولم يذكر عليه اسم الله، أي ما يتقرب به إلى غير الله تعبُّداً، ويذكر اسمه عليه عند ذبحه، وهو المذبوح على النّصب وعند الأوثان، أو بعد المقاسمة عليه بالأزلام أي القمار. ثم استثنى الله تعالى حال الضرورة، فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَ ي أي فمن كان في حال ضرورة الجوع الملجئة بسبب فقدان الحلال، مما دعاه إلى أكل شيء من هذه المحرّمات، حال كونه غير قاصد له، ولا متجاوز حدّ الضرورة، فإن الله يغفر له ويرحمه حفاظاً على حقّ الحياة، فلا يؤاخذه بأكل ما يسدّ به الرّمق، ويدفع عنه ضرر الهلاك. ٤٣٥ الُرُ (٨) - الأَنْتَهَا: ١٤٥/٦-١٤٧ والخلاصة: إنّ الغرض من هذه الآية الكريمة الرّد على المشركين الذين ابتدعوا تحريم المحرّمات على أنفسهم بآرائهم الفاسدة، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر الله رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرّم، وإنما حرّم أربعة أشياء هي: الميتة، والدّم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أُهلّ لغير الله به، لما فيها من الضَّرر المادي أو المعنوي الذي يمسّ العقيدة وعبادة الله، ولأن لحومها خبيثة، ومن مهام هذا النَّبي إباحة الطيبات وتحريم الخبائث: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اُلْخَبَيِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ اُلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٧] ١٥٧]. لكن الحصر المستفاد من هذه الآية وأمثالها أمر نسبي لا مطلق، وهذه الآية مخصوصة بالآيات والأخبار الدّالّة على تحريم ما حرّم من غير الأربعة، مثل قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيْثَ﴾ فهو يقتضي تحريم كل الخبائث المستقذرة كالنّجاسات وهوام الأرض، ومثل ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن جابر رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله وَل يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية))، وما روياه عن أبي ثعلبة الخشني: ((أن النَّبِي وَّ نهى عن أكل كل ذي ناب من السِّباع»، وفي رواية ابن عباس: ((وأكل كل ذي مخلب من الطَّر))، وما روياه عن عائشة وحفصة وابن عمر من قوله وَلّى: ((خمس فواسق من الدّواب كلهن فاسق، يقتلن في الحلّ والحرم: الغراب، والْجِدَأة، والعقرب، والفأر، والكلب العقور))، ففي الأمر بقتلهنّ دلالة على تحريم أكلهنّ؛ لأن القتل إنما يكون بغير ذبح شرعي، فثبت أنها غير مأكولة، ولأن ما يؤكل لا ينهى عن قتله. وخصّص الشافعية الآية أيضاً بما روي عنه وَلي أنه قال: ((واستخبثته العرب، فهو حرام))، ومضمون رأيهم أن الحيوان الذي لم يرد فيه نص بخصوصه بالتّحليل أو التّحريم، ولم يؤمر بقتله، ولم ينه عن قتله، فإن استطابته ٤٣٦ الُرعُ (٨) - الأَنْغام: ١٤٥/٦-١٤٧ العرب، فهو حلال، وإن استخبثته العرب فهو حرام. ودليلهم قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧/٧]، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ﴾ [المائدة: ٤/٥]، قالوا: وليس المراد بالطّيب هنا: الحلال؛ إذ لا معنى له، لأن تقديره: أُحِلَّ لكم الحلال، وإنما المراد بالطّبات: ما يستطيبه العرب. والمراد بالخبائث: ما يستخبئونه، ويراعى في ذلك عاداتهم العامة في الاستيطاب والاستخباث، ولا ينظر إلى الأعراف الخاصة؛ لأنه يؤدي إلى اختلاف الأحكام في الحلال والحرام. واحتجّ كثير من السَّلف بظاهر الآية، فأباحوا ما عدا المذكور فيها، فقد أخرج أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن أكل القنفذ، فقرأ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وغيره بسند صحيح عن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن أكل كل ذي ناب من السِّباع ومخلب من الطَّر، قالت: ﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾ إلخ. وروي عن ابن عباس أنه قال: ليس من الدّواب شيء حرام إلا ما حرّم الله تعالى في كتابه: ﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾ الآية. واستدلّ بقوله سبحانه: ﴿عَلَى طَاعٍِ يَطْعَمُهُ﴾ على أنه إنما حرّم من الميتة ما يأتي فيه الأكل منها، فلم يتناول الجلد المدبوغ والشعر ونحوه، وقد فهم النَّبي ◌َِّ من النّظم الكريم ذلك، أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة، وفي رواية: لميمونة، فقال رسول الله وَلّ: ((لوأخذتم مَسْكها - جلدها -)»، فقالت: نأخذ مَسْك شاة قد ماتت، فقال ◌َله: ((إنما قال الله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمِ يَطْعَمُهُ: إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ وإنّكم لا تطعمونه، إن تدبغوه تنتفعوا به)). ثم أخبر الله سبحانه عما حرّمه على بني إسرائيل خاصة، عقوبة لهم، على ٤٣٧ الجُزُ (٨) - الأَنْتُ: ١٤٥/٦-١٤٧ سبيل المقارنة بما شرعه القرآن للمسلمين، فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي وحرّمنا على اليهود دون غيرهم كل ذي ظفر: وهو كل ما ليس منفرج الأصابع، أو مشقوق الأصابع من البهائم والطير، كالإبل والنّعام والإوَزّ والبط، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير. وحرّمنا عليهم من البقر والغنم دون غيرهما شحومهما الزائدة التي تنتزع بسهولة، لعدم اختلاطها بلحم ولا عظم، وهي ما على الْكَرِش والْكُلى فقط، أما شحوم الظّهر والذَّيل فحلال؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُ هُمَا﴾ وإلا ﴿اَلْحَوَايَآَ﴾: ما حملته الأنعام، وإلا ﴿مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ﴾، فكل هذه الشحوم أحللناه لهم. ذلك التّحريم الذي حرّمناه عليهم بسبب بغيهم، وعقوبة لهم، لقتلهم الأنبياء بغير حقّ، وصدّهم عن سبيل الله، وأخذهم الرِّبا، واستحلالهم أموال النّاس بالباطل. وفي ذكر هذا تكذيب لليهود في قولهم: إن الله لم يحرّم علينا شيئاً، وإنما حرمنا على أنفسنا ما حرّمه إسرائيل على نفسه. ولما كان هذا إخباراً عما حكم الله به على اليهود في الماضي، ولم يكن لأحد به علم، وردّاً على قولهم: لم يحرّم علينا شيء، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ قال الطّبري: أي الصادقون في إخبارنا بهذه الأخبار من تحريمنا ذلك عليهم لا كما زعموا، من أن إسرائيل هو الذي حرّمه على نفسه، ومن أصدق من الله حديثاً، وقال ابن كثير: أي وإنا لعادلون فيما جازيناهم به. فإن كذَّبوك يا محمد بعد هذا أي اليهود، كما قال مجاهد والسّدِّي، أو مشركو مكة، والصواب: فإن كذَّبك يا محمد مخالفوك من المشركين واليهود وأشباههم في ادِّعاء النّبوة والرِّسالة، وفي تبليغ الأحكام ﴿فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ﴾ وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتِّباع رسوله، ٤٣٨ الجُزُ (٨) - الأَنْقَمَا: ١٤٥/٦-١٤٧ ﴿ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ, عَنِ الْقَوْمِ اَلْمُجْرِمِينَ﴾ أي لا يردّ عذابه عن كل مجرم، وهذا ترهيب لهم من مخالفتهم الرّسول خاتم النَّبِين ◌َله. وكثيراً ما يقرن الله تعالى بين التّرغيب والتّرهيب في القرآن، كما قال تعالى في آخر هذه السّورة ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت آية: ﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾ على تحريم أربعة أشياء، هي: الميتة، والدّم المسفوح، ولحم الخنزير، والمذبوح للأصنام تعبُّداً. وبما أن الآية مكية فمعناها وما يستفاد منها مقصور على هذه الأربعة، أي ﴿قُل﴾ يا محمد، ﴿لَّ أَجِدُ فِ مَا أُوحِىَ إِلَ﴾ إلا هذه الأشياء، لا ما تحرِّمونه بشهوتكم، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرّم غير هذه الأشياء، كما قال القرطبي، ثم نزلت سورة [المائدة] بالمدينة. وزيد في المحرّمات من أصناف الميتة المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة ونحوها، كما زيد تحريم الخمر. وحرّم رسول الله وَ الّ بالمدينة أكل كل ذي ناب من السِّباع وكل ذي مُخْلِب من الطّیر. وأكثر أهل العلم أن كل محرَّم حرّمه رسول الله وَّر، أو جاء في القرآن مضموماً إلى هذه المحرّمات، فهو زيادة حكم من الله عزّ وجلّ على لسان نبيِّه عليه الصّلاة والسّلام. مثل زواج المرأة على عمتها وعلى خالتها، مع قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤/٤]، وحكمه عليه الصّلاة والسّلام باليمين مع الشاهد مع قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُوْنَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢/٢]. وآية: ﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾ هي جواب لمن سأل عن شيء بعينه، فوقع الجواب مخصوصاً. وقال مالك: لا حرام بيِّن إلا ما ذُكر في هذه الآية، ولهذا قال بعض المالكية: إن لحوم السباع وسائر الحيوان ما سوى الإنسان والخنزير مباح. ٤٣٩ الُعُ (٨) - الأَنْتَظَا: ١٤٥/٦-١٤٧ ودلّت الآية أيضاً على حكم استثنائي وهو حال الضرورة، فعند الاضطرار يزول تحريم المحرمات، لدفع خطر الهلاك، وحفاظاً على حقّ الحياة. وأما آية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ﴾ فتدلّ على أنّ الله تعالى حرّم على اليهود عقوبة لهم أشياء أخرى سوى هذه الأربعة المذكورة في الآية السابقة، وهي نوعان، ولم يحرمهما على المسلمين. النّوع الأوّل - كل ذي ظفر غير مشقوق الأصابع، كالإبل والنّعام والإوَزّ والبط. والنّوع الثاني - شحوم البقر والغنم: وهي الشحوم الرقيقة التي تكون على الْكَرِش والْكُلى. واستثنى الله تعالى من الشحوم ثلاثة أنواع لم يحرّمها عليهم وهي: ما علق بالظهر ﴿حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾، و﴿اَلْحَوَايَآَ﴾: قال الواحدي: وهي المباعر والمصارين، والمختلط بالعظم ﴿مَا آَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ﴾: وهو شحم الأَّلية في قول جميع المفسّرين. قال ابن جريج: حرّم عليهم كل شحم غير مختلط بعظم أو على عظم، وأُحلّ لهم شحم الجنب والأَلْية؛ لأنه على العُضْعُص. وقد احتجّ الشافعي بهذه الآية في أن من حلف ألا يأكل الشحم، حَنِث بأكل شحم الظُّهور؛ لاستثناء الله عزّ وجلّ ما على ظهورهما من جملة الشّحم. والصحيح مذهب عامة العلماء: أن اليهود لو ذبحوا أنعامهم، فأكلوا ما أحلَّ الله لهم في التّوراة، وتركوا ما حَرَّم عليهم، لم يكن عليهم بأس؛ فإنها محلَّلة لنا؛ لأن الله عزّ وجلّ رفع ذلك التّحريم بالإسلام، واعتقادهم فيه لا يؤثر؛ لأنه اعتقاد فاسد، ويؤيده أنّ النَّبِي بَّهِ أقرّ عبد الله بن مُغَفَّل على الأكل من جراب شحم أصابه یوم خيبر. وقيل في رواية عن مالك: هي محرَّمة؛ لأنهم يدينون بتحريمها، ولا ٤٤٠ الجُزْءُ (٨) - الأَنْفُل: ١٤٨/٦ - ١٥٠ يقصدونها عند الذّكاة (الذّبح الشّرعي) فكانت محرَّمة كالدّم. وهو مذهب كبراء أصحاب مالك. نسبة المشركين الشرك والتحريم إلى الله تعالى وإقامة الحجة عليهم ﴿َسَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوْ لَوَّ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَّءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَّا قُلْ هَلْ عِندَكُمْ مِّنْ عِلِّمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴿ قُلٌّ فَلَّهِ قُلّ هَلُمَ شُهَدَآءَ كُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ أَنَّ اللَّهَ حَزَّمَ هَذَأْ فَإِن شَهِدُوْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمَّ وَلَا تَنَبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَاُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ١٥٠ الإعراب: ﴿هَلُمَّ﴾ اسم فعل أمر بمعنى هاتوا، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث عند الحجازيين، وبنو تميم تؤنث وتجمع. البلاغة: ﴿وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَِنَا﴾ وضع الظاهر موضع المضمر بأن يقال: ولا تتبع أهواءهم، للدلالة على أن من كذب بآيات الله وعدل به غيره، فهو متبع للهوى لا غير؛ لأنه لو اتبع الدليل، لم يكن إلا مصدّقاً بالآيات، موحداً لله تعالى. المفردات اللغوية: ﴿مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شٍَّ﴾ أي أن إشراكنا وتحريمنا