Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
الجُرُ (٨) - الْأَنْوقال: ١٢٤/٦
وقالت المعتزلة: ذلك المزين هو الشيطان، الذي أقسم: لأغوينهم أجمعين.
وهذا الرأي غريب وضعيف؛ لأن الله تعالى صرح بأنه هو المزين، ولا مزين
آخر سواه(١).
تعنت المشركين ومطالبتهم بالنبوة
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن تُؤْمِنَ حَتَّى تُؤْقَى مِثْلَ مَآ أُوِىَ رُسُلُ اللَّهِ اَللَّهُ
أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ
١٢٤١
شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ
القراءات:
قے
رِسَالَتَهُ﴾: قرئ:
١- (رسالته) وهى قراءة ابن كثير، وحفص.
٢- (رسالاته) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ﴾ جملة من مبتدأ وخبر، وهو كلام مستأنف للإنكار عليهم،
والإخبار بألا يصطفي للنبوة إلا من علم أنه يصلح لها، وهو أعلم بالمكان
الذي يضعها فيه منهم.
﴿صَغَارُ﴾ فاعل مرفوع لفعل: يصيب.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ﴾ أي أهل مكة. ﴿ءَايَةٌ﴾ أمارة وحجة ودليل قاطع على
(١) تفسير الرازي: ١٧١/١٣

٣٨٢
الجُرُ (٨) - الْأَنْتَفَا: ١٢٤/٦
صدق النبيِ نَّهُ. ﴿حَتَّى نُؤْثَى مِثْلَ مَا أُوِىَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ من الرسالة والوحي
إلينا؛ لأننا أكثر مالاً وأكبر سناً. ﴿حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ مفعول به لفعل
دلَّ عليه أعلم، أي يعلم الموضع الصالح لوضعها فيه، فيضعها، وهؤلاء
ليسوا أهلاً لها. ﴿أَجْرَمُواْ﴾ ارتكبوا جرماً بقولهم ذلك. ﴿صَغَارُ﴾ ذل
وهوان، بسبب الكفر والطغيان. ﴿ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الدارين من الأسر
والقتل، وعذاب النار.
سبب النزول:
نزلت هذه الآية في الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النبوة حقاً، لكنت أولى
بها من محمد؛ لأني أكبر منه سناً، وأكثر منه مالاً وولداً (١).
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى سنته في البشر بأن يكون في كل بلد أو جماعة زعماء
مجرمون يقاومون دعوة الرسل والإصلاح، أوضح أن هذه السنة موجودة في
زعماء مكة الذين دفعهم المكر والحسد إلى أنه متى ظهرت لهم معجزة قاهرة
تدل على نبوة محمد ◌َّله قالوا: لن نؤمن حتى يحصل لنا مثل هذا المنصب من
عند الله.
التفسير والبيان:
إذا جاءتهم، أي المشركين، آية وبرهان وحجة قاطعة من القرآن تتضمن
صدق الرسول وَله في تبليغه وحي ربه، قالوا حسداً منهم وتعنتاً وغروراً وظناً
منهم أن النبوة منصب دنيوي: لن نؤمن حتى يكون لنا مثل محمد منصب عند
الله، وتظهر على أيدينا آية كونية أو معجزة مثلما أوتي رسل الله كفلق البحر
(١) تفسير القرطبي: ٨٠/٧

٣٨٣
الُ (٨) - الْأَنْتُم: ١٢٤/٦
لموسى، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى؛ لأنهم أكثر مالاً
وأولاداً وأعز جانباً ورفعة بين الناس.
وقال ابن كثير: حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة، کما تأتي إلى الرسل،
كقوله جلّ وعلا : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى
رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١/٢٥].
وهكذا يظهر أن مشركي مكة أكابر قريش طمحوا أن تكون النبوة في
بعضهم، كما حكى تعالى عنهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ
اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمِ ﴿٣ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣١/٤٣-٣٢]
والقريتان: مكة والطائف. وفي آية أخرى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ أُمْرِىءٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْثَى
﴾ [المدثر: ٥٢/٧٤].
صُحُفًا مُنَشَرَةَ (ِظَّ
قلے
فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ أي هو أعلم
حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه. فالرسالة منصب ديني له مقومات
خاصة، وفضل من الله يمنحه من يشاء من عباده، لا ينالها أحد بكسب أو
جهد، أو بسبب أو نسب، أو بخصائص دنيوية عادية كالمال والولد والزعامة
والنفوذ، وإنما تؤتى من هو أهل لها لسلامة فطرته، وطهارة قلبه وقوة روحه،
وحسن سيرته، وحبه الخير والحق.
ثم أوعد الله المتخلفين عن الإيمان بدعوة النبي وَّر فقال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ
أَجْرَمُواْ صَغَارٌ﴾ أي سيلحق المجرمين يوم القيامة ذل وهوان دائمان، ويدركهم
العذاب المؤلم الشديد، جزاء بما كانوا يمكرون، وعقوبة لتكبرهم عن اتباع
الرسل، والانقياد لهم فيما جاؤوا به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ
عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٤٠/ ٦٠] أي صاغرين ذليلين
حقیرین.
ولما كان المكر غالباً إنما يكون خفياً وهو التلطف في التحيل والخديعة،

٣٨٤
الجُ (٨) - الْأَنْقَا: ١٢٤/٦
قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة جزاء وفاقاً: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ
أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩/١٨].
ومعنى كون العذاب من عند الله: أنه مما اقتضاه حكمه وعدله وسبق به
تقديره، كما قال تعالى: ﴿ كَذَبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَنَنَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ
فَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْىَ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ
٠٠
التّ﴾ [الزمر: ٢٥/٣٩-٢٦].
يَعْلَمُونَ
لَا يَشْعُرُونَ
فقه الحياة أو الأحكام:
النبوة أو الرسالة تمنح لمن هو مأمون عليها وموضع لها، وأقدر على تحمل
أعبائها، وليست هي مثل مناصب الدنيا التي تعتمد على النفوذ والسلطة أو
المال والجاه، أو النسب، أو كثرة الأعوان والأولاد.
وما على الناس إلا الإيمان بما جاء به الأنبياء؛ لأن نبوتهم تثبت بدليل
قاطع، وبمعجزة خارقة للعادة.
فإن لم يؤمنوا أصابهم أمران: صغار وذل وهوان، وعذاب الله الشديد في
الآخرة، بسبب إجرامهم ومكرهم، وحسدهم وحقدهم، وهذا حق وعدل،
تمييزاً بين الطائعين وبين العصاة، وإنما قدم الصغار على ذكر الضرر؛ لأن
القوم إنما تمردوا على طاعة محمد ول# طلباً للعز والكرامة، فقابلهم الله بضد
مطلوبهم.
والمشهور في تفسير الآية أن زعماء مكة أرادوا أن تحصل لهم النبوة
والرسالة، كما حصلت لمحمد عليه الصلاة والسلام، وأن يكونوا متبوعين لا
تابعين.
ولكن الله تعالى أبان لهم أنهم غير أهل للنبوة، وأنهم أيضاً سيتعرضون
للهوان والذل، والإلقاء في جهنم، وهذا عقاب المعرضين عن اتباع الأنبياء،
استكباراً وعتواً وعلواً في الأرض.

٣٨٥
اِلُعُ (٨) - الأَنْقال: ١٢٥/٦-١٢٨
سنّة الله في المستعدّين للإيمان وغير المستعدّين
وجزاء الفريقين بعد بيان الحق ومنهجه
﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ
صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَضَغَدُ فِ السَّمَاءِّ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرَّحْسَ
عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَهَذَا صِرَطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَضَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ
لَهُمْ دَارُ السَّلَمِ عِندَ رَبِهِمٌّ وَهُوَ وَلِيُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يَذَّ كَّرُونَ
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَمَعْشَرَ اُلْجِنّ قَدِ أُسْتَكْثَرْنُم مِّنَ الْإِنِِّ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ
اْإِنِسِ رَبَّنَا أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضِ وَبَلَغْنَا أَجَنَا الَّذِىّ أَجَّلْتَ لَنَّأَ قَالَ النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ
خَلِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
(٢٨)
القراءات:
(ضَيِّقًا﴾:
وقرأ ابن كثير (ضَيْقاً).
﴿حَرَجًا﴾ :
وقرأ نافع (حَرِجاً).
﴿يَصَغَدُ﴾:
وقرأ ابن كثير (يَصْعَد).
(صِرَطُ﴾ :
وقرأ قنبل (سراط).

٣٨٦
لُرُ (٨) - الأَنْق: ١٢٥/٦-١٢٨
﴿يَحْشُرُهُمْ﴾: قرئ:
جوم.
١- (يحشرهم) وهي قراءة حفص.
٢- (نحشرهم) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
ضَيِّقًا﴾ مفعول ثانٍ لـ ﴿يَجْعَلُ﴾. ﴿حَرَجًا﴾ من قرأ بفتح الرّاء جعله
مصدراً، ومن قرأ بكسرها جعله اسم فاعل، وهو صفة منصوب لقوله
﴿ضَيِّقًا﴾. ﴿كَأَنَّمَا يَصَّغَدُ فِ السَّمَاءِ﴾ في موضع الحال من الضمير في
حرج وضيق.
مُسْتَقِيمًا﴾ منصوب على الحال المؤكِّدة من: ﴿صِرَطُ﴾، وإنّما كانت
مؤكّدة؛ لأن صراط الله تعالى لا يكون إلا مستقيماً.
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ ﴿وَيَوْمَ﴾: منصوب بفعل مقدر، تقديره: واذكر
يوم نحشرهم. و(جَمِيعًا﴾: منصوب على الحال من الهاء والميم في
يَحْشُرُهُمْ﴾.
النَّارُ مَثْوَنَكُمْ﴾ يجوز أن يكون المثوى مصدراً بمعنى الثواء وهو الإقامة،
ويجوز أن يكون مكاناً أي مكاناً للإقامة، فإذا كان مصدراً كان هو العامل في
الحال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، وإذا كان مكاناً كان العامل في الحال معنى
الإضافة؛ لأن معناه الْمُضَامَّة والمماسَّة، مثل قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ
صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ إِخْوَنًا﴾ [الحجر: ٤٧/١٥]، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ
مَقْطُوعُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦/١٥] وليس في التّنزيل حال عمل فيها الإضافة
إلا هذه المواضع الثلاثة. ﴿إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ ﴿مَا﴾: في موضع النصب على
الاستثناء المنقطع، فإن جعلت ﴿مَا﴾ لمن يعقل لم يكن منقطعاً.

٣٨٧
الجُرُ (٨) - الأَنْتُل: ١٢٥/٦-١٢٨
البلاغة:
﴿قَدِ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ اُلْإِنسِّ﴾ فيه إيجاز بالحذف أي أفرطتم في إضلال
وإغواء الإنس. ومثله ﴿أَسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ أي استمتع بعض الإنس
ببعض الجنّ، وبعض الجنّ ببعض الإنس.
﴿النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ﴾ تعريف الكلمتين لإفادة الحصر.
المفردات اللغوية:
﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ يوسّعه لقبول الإيمان والخير، أو يقذف في قلبه
نوراً، فينفسح له ويقبله، كما ورد في حديث، والمراد جعل النفس مهيأة
لقبول الحقّ فيها. ﴿ضَيِّقًا﴾ ضدّ الواسع. ﴿حَرَجًا﴾ بفتح الرّاء وكسرها:
شديد الضيق، من الحرجة: وهي الشّجر الكثير الملتف بحيث يصعب الدُّخول
فيه. ﴿يَصَعَدُ﴾ أو يصَّاعد أي يتصاعد في السماء، ويسبح في الفضاء، وكأنّما
يزاول أمراً غير ممكن إذا كلف الإيمان، لشدّته عليه. ﴿كَذَلِكَ﴾ الجعل.
﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ أي يسلط الله العذاب أو الشيطان، وأصل الرّجس:
كل ما يستقذر حسّاً أو شرعاً أو عقلاً. ﴿وَهَذَا﴾ منهج محمد ودينه. ﴿صِرَطُ
رَيِّكَ﴾ أي طريقه الذي ارتضاه لخلقه. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا اعوجاج فيه ولا زيغ.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا﴾ بَّنا. ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي يتّعظون، وخصّوا بالذّكر؛ لأنهم
المنتفعون.
﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَمِ﴾ أي دار السّلامة، وهي الجنّة. ﴿وَلِيُّهُم﴾ متولِي أمورهم
وكافيهم ما يهمّهم. ﴿يَمَعْشَرَ﴾ المعشر: القوم والرّهط وهو الجمع من الرجال
فحسب . ﴿قَدِ أُسْتَكْتَرْنُم مِّنَ اُلْإِنِّ﴾ ﴿أُسْتَكْثَرْنُمْ﴾ أخذتم الكثير بإغوائكم.
﴿ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُمْ﴾ الذين أطاعوهم في وسوستهم. ﴿أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾
أي انتفع الإنس بتزيين الجنّ لهم الشّهوات، والجنّ بطاعة الإنس لهم. ﴿ وَبَلَغْنَآَ
أَجَلَنَا﴾ وصلنا يوم البعث والجزاء أو الموت. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الخلود: المكث
الطويل غير المحدد بوقت.

٣٨٨
الُعُ (٨) - الأَنْقَا: ١٢٥/٦-١٢٨
النَّارُ مَثْوَنَكُمْ﴾ مأواكم. ﴿إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ من الأوقات التي يخرجون
فيها لشرب الحميم، فإنه خارجها، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى
الْجَحِيمِ
[الصافات: ٦٨/٣٧] أو ينقلون من عذاب النار إلى عذاب
الزّمهرير. ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه . ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه.
المناسبة:
هذه الآيات استمرار في مناقشة مواقف تعنُّت المشركين والرّدّ عليهم وتفنيد
حججهم وشبهاتهم، وهي الآن تحسم الأمر، فتوضح أنهم ليسوا أهلاً
للإيمان، وغير مستعدِّين لقبوله، كما أوضح في الآية السابقة أنهم غير أهل
للنّبوة. وعلى كل حال: طريق الحقّ قد بان لكل ذي بصيرة، ومنهج الاستقامة
الذي يرضي الله قد تجلّ لكل البشريّة، فمن قبله فله دار السّلامة، ومن أعرض
عنه فله عذاب النار. وقبل هذا الجزاء يوجد الحشر والحساب، وإقامة الحجّة
على الكفار.
التفسير والبيان:
عرف من الآية السابقة أن المشركين سيلقون جزاء عنادهم وغرورهم،
وهنا كلمة الفصل: وهي أن الأمر كله لله، فلا يهتمن أحد، ولا يحزن على
إعراض المشركين عن دعوة الإسلام، فمن يرد الله أن يوفقه للحقّ والخير
والإسلام، ومن كان أهلاً بإرادة الله وتقديره لقبول دعوة القرآن، فإنه يشرح
صدره له، وييسره وينشطه ويسهله لذلك، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اَللَّهُ
صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢/٣٩]، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ
حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧/٤٩].
قال ابن عباس في آية ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾: يقول تعالى: يوسِّع قلبه
للتوحيد والإيمان به. وهو تفسير ظاهر مقبول.

٣٨٩
لُرُ (٨) - الأَنْتُل: ١٢٥/٦-١٢٨
وجاء في حديث رواه عبد الرزاق عن أبي جعفر: وسئل النبي ◌َّ عن هذه
الآية: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ﴾ قالوا: كيف يشرح
صدره يا رسول الله؟ قال: ((نور يقذف فيه، فينشرح له وينفسح)) قالوا: فهل
لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: ((الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار
الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت)).
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري عن أبي جعفر أيضاً قال: قال
رسول الله وَ﴿ل عن هذه الآية: ((إذا دخل الإيمان القلب انفسح له القلب
وانشرح)) قالوا: يا رسول الله، هل لذلك من أمارة؟ قال: ((نعم، الإنابة إلى
دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت))(١).
وإلقاء هذا النور يكون في موضعه: في النفس التي حسنت فطرتها،
وطهرت، وكان فيها استعداد للخير، وميل إلى اتباع الحق.
ومن فسدت فطرته بالشرك، وتدنست بالآثام يجد في صدره ضيقاً شديداً
عازلاً له عن الإيمان، كاتماً له عن نفاذ الخير إليه، مثله كمثل من يصعد إلى
السماء في طبقات الجو العليا حيث يشعر بضيق شديد في التنفس، وكأنما
يزاول أمراً غير ممكن؛ لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد من
الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة.
وكما يجعل الله صدر من أراد إضلاله لفقد استعداده للإيمان ضيقاً حرجاً،
كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله،
فيغويه ويصده عن سبيل الله سبيل الحق(٢). والرجس: كما قال مجاهد: كل ما
لا خير فيه، أو كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: العذاب باعتبار أنه
الفعل المؤدي إلى الرجس، من الارتجاس وهو الاضطراب. وقال الزمخشري:
الرجس يعني الخذلان ومنع التوفيق.
(١) تفسير الطبري: ٢٠/٨
(٢) المرجع السابق: ٢٤/٨

٣٩٠
الُ (٨) - الأَنْفُال: ١٢٥/٦-١٢٨
﴿وَهَذَا صِرَطُ رَيِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ أي وهذا الإسلام الذي يشرح له صدر من
يريد هدايته، هو طريق ربك الذي ارتضاه للناس واقتضته الحكمة، وأكد
ذلك بقوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ أي طريقاً سوياً لا اعوجاج فيه؛ لأن صراط الله
تعالى لا يكون إلا مستقيماً، وغيره من السبل معوج منحرف، كما قال النبي
وَله في حديث أحمد والترمذي عن علي في وصف القرآن: ((هو صراط الله
المستقيم، وحبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، والنور المبين)).
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي قد وضحناها وبيناها وفسرناها
لقوم لهم فهم ووعي يعقلون عن الله ورسوله.
ولهؤلاء القوم الملتزمين طريق الاستقامة دار السلامة والطمأنينة وهي
الجنة؛ لأنهم التزموا منهج الأنبياء ﴿عِندَ رَبِهِمٌّ﴾ أي يوم القيامة. والله وليهم
أي متولي أمورهم وكافيهم، جزاء على صالح أعمالهم.
واذكر يا محمد فيما نقصه عليك وتنذرهم به يوم نحشر الإنس والجن جميعاً،
ونقول: يا جماعة الجن قد استكثرتم من إغواء الإنس وإضلالهم، كما قال
﴾ [يس: ٣٦/
تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ
٦٢]. ويقول الذين أطاعوا الجن واستمعوا إلى وسوستهم وتولوهم، من
الإنس، في جواب الله تعالى: انتفع كل منا بالآخر، انتفع الإنس بالشياطين
حيث دلوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصل إليها، وانتفع الجن بالإنس
حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم.
وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا أي الموت، أو أنهم يعنون يوم البعث. وهذا
الكلام اعتراف بما كان منهم من طاعة الشياطين، واتباع الهوى، والتكذيب
بالبعث، أي أن المقصود من الكلام: أننا في هذا اليوم الرهيب وهو يوم
البعث والجزاء، اعترفنا بذنوبنا، فاحكم فينا بما تشاء، وأنت أحكم
الحاكمين، ولقد أظهرنا الحسرة والندامة على ما كان منا من تفريط في الدنيا.

٣٩١
الُرُ (٨) - الأَنْقال: ١٢٥/٦-١٢٨
فأجابهم الحق تعالى: النار مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم، وأنتم
ماكثون فيها مكثاً مخلداً الأبد كله، إلا ما شاء الله من الخروج خارج النار
لشرب الحميم أو الانتقال من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير، وكل من
الحالين انتقال من عذاب إلى عذاب، روي أنهم يدخلون وادياً فيه من
الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض، فيتعاوون، ويطلبون الرد إلى
الجحيم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ﴾ فيما يجازي به الناس ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يستحقه كل
فریق.
وهي نظير قوله تعالى: ﴿خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَثُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا
شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ
[هود: ١١ / ١٠٧].
ويحسن الأخذ في تفسير هذه الآية وما هنا بما رواه ابن جرير الطبري وابن
أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ ابن حيان عن ابن عباس قال: ((إن هذه الآية
آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا يُنْزِلهم جنة ولا ناراً)) (١).
فقه الحياة أو الأحكام:
آية: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ تدل على إثبات الإرادة لله عز وجل في
هداية الإنسان وتوفيقه للإيمان والحق والخير.
وتمسك أهل السنة بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من الله تعالى،
أي بخلقه وإيجاده، بمعنى أن العبد قادر على الإيمان، وقادر على الكفر، فقدرته
بالنسبة إلى هذين الأمرين حاصلة على السوية، لكن هذه القدرة منوطة بحصول
باعث في النفس، وداعية في القلب تدعو إما إلى الإيمان، وإما إلى الكفر،
وذلك الباعث أو الداعية هو علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل
مشتملاً على مصلحة أو ضرر، فإن تكوَّن في قلبه الميل إلى المصلحة أو المنفعة،
(١) تفسير الطبري: ٢٦/٨

٣٩٢
الجُرُ (٨) - الأَنْقَا: ١٢٥/٦-١٢٨
فعل الشيء، وإن تكوّن في قلبه الميل إلى الضرر أو المفسدة، ترك الشيء،
وحصول هذه الميول أو الدواعي لا يكون إلا من الله تعالى، ومجموع القدرة
البشرية مع الداعي الإلهي يوجب الفعل.
وعلى هذا لا يصدر الإيمان عن العبد إلا إذا خلق الله في قلبه اعتقادَ أن
الإيمان راجح المنفعة زائد المصلحة أي تكوين القناعة الذاتية، وإذا حصل في
القلب هذا الاعتقاد، مال القلب، ورغب في تحصيله، وهذا هو انشراح
الصدر للإيمان(١).
وهذا متفق مع ما ذكرت في تفسير الآية من حديث النبي ◌َّر عن شرح
الصدر إذ قال: ((هو نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح)).
وقد ضرب الله تعالى مثلاً في هذه الآية: وهو تشبيه المتلكئ عن الإيمان،
المتثاقل عن الإسلام بمنزلة من يصَّعد في السماء، فقد شبه الله الكافر في نفوره
من الإيمان وثقله عليه بمنزلة من تكلف مالا يطيقه، كما أن صعود السماء لا
يطاق، أو أن الكافر إذا طولب بالإيمان تضايق وكان حاله كحال الصاعد في
السماء، كلما ارتفع وخف الضغط الجوي عليه، ضاق نفسه، وهذه نظرية
علمية حديثة معروفة الآن فقط، وقد أشار إليها القرآن.
ومثل جعل صدر الكافر شديد الضيق، كذلك يلقي الله العذاب
والخذلان، أو اللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة على الذين لا يؤمنون
بآيات الله تعالی.
والثابت المقرر المقطوع به: أن ما أنت عليه يا محمد والمؤمنون بك هو
صراط الله المستقيم أي دين ربك لا اعوجاج فيه.
(١) تفسير الرازي: ١٣/ ١٧٧ - ١٧٨

٣٩٣
الُ (٨) - الأَنْتيا: ١٢٥/٦-١٢٨
وللمتذكرين آيات الله، والمتدبرين براهينه بعقولهم، والمؤمنين المعتبرين
المنتفعين بالآيات: دار السلام أي الجنة، التي يسلم فيها المؤمن من الآفات،
كما سلم من الاعوجاج في الدنيا، ومعنى ﴿عِنْدَ رَبِهِمٌّ﴾ أنها مضمونة لهم
عنده، يوصلهم إليها بفضله، والله هو وليهم أي ناصرهم ومُعينهم.
وفي يوم الحساب تتبدد وتتقطع صلات الوصل والمنافع بين الإنس والجن
الذين ينتفع كل منهم بالآخر، فاستمتاع الجن من الإنس: أنهم تلذذوا بطاعة
الإنس وإياهم، واستمتاع الإنس من الجن: قبولهم وساوس الشياطين
وإطاعتهم لهم حتى زَنَوْا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم. ومعنى الآية هنا:
تقريع الضالين والمضلين وتوبيخهم في الآخرة على أعين العالمين.
وأما خلود الكفار في النار فمرجعه إلى مشيئة الله، هذا ما أرجحه، أي أن
خلودهم بمشيئة الله. وقد قيل في استثناء ﴿إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ أقوال كثيرة،
رجح الزجاج والطبري منها: استثناء أوقات المحاسبة؛ لأن في تلك الأحوال
ليسوا بخالدين في النار؛ لأن معنى الاستثناء إنما هو من يوم القيامة، أي
خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم، ومقدار مدتهم
في الحساب، فالاستثناء منقطع.
والقول الثاني - المراد الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب
الزمهرير، روي أنهم يدخلون وادياً فيه برد شديد، فهم يطلبون الرد من ذلك
البرد إلى حر جهنم.
والقول الثالث لابن عباس: الاستثناء لأهل الإيمان، استثنى الله تعالى
قوماً سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي ◌َّ، وعلى هذا القول يجب
أن تكون ﴿مَا﴾ بمعنى ((من)) ولا يكون الاستثناء منقطعاً.
۔۔۔۔

٣٩٤
الْجُرْعُ (٨) - الأَنْقال: ١٢٩/٦-١٣٢
تولية الظلمة على بعضهم
وتقريع الكافرين على عدم إيمانهم
يَمَعْشَرَ الْجِنّ
٢٩
وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ الَّلِينَ بَعْضَا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
وَالْإِسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُضُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِى وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ
هَذَا قَالُوْ شَهِدْنَا عَلَّ أَنفُسِنّاً وَغَرَّتْهُمُ الْحَوَةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ
ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُّن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظَلْمٍ وَأَهْنُهَا غَفِلُونَ
كَفِينَ
وَلِكُلٍ دَرَجَتُ مِّمَا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
القراءات:
﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾:
وقرأ ابن عامر (عما تعملون).
الإعراب:
﴿يَقُضُونَ﴾ و﴿ وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾: كل منهما جملة فعلية في موضع رفع؛ لأنها
صفة لرسل.
﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنْ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الأمر ذلك.
و﴿أَنْ﴾ في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: لأن لم يكن
ربك، فلما حذف حرف الجر انتصب، فاللام مقدرة، وأن مخففة من الثقيلة
أي لأنه.
البلاغة:
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾ استفهام توبيخ وتقريع.

٣٩٥
الُ (٨) - الْأَنْقَا: ١٢٩/٦-١٣٢
﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ﴾ أي لكل من العاملين، فالتنوين عوض عن محذوف
هم.
المفردات اللغوية:
﴿ وَكَذَلِكَ﴾ أي كما متعنا عصاة الإنس والجن بعضهم ببعض ﴿نُوَلِ﴾ من
الولاية والإمارة، أو نجعل بعضهم أنصار بعض ﴿بَعْضَ اٌلَّلِينَ بَعْضًَا﴾ أي
على بعض ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من المعاصي ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ﴾ أي من
مجموعكم، ويصدق ذلك على بعض الإنس؛ لأن الرسل من الإنس، ولم يكن
من الجن رسول، فهذا من باب التغليب، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤُلُؤُ
[الرحمن: ٢٢/٥٥] وإنما يخرجان من البحر المالح لا العذب.
وَاُلْمَرْجَاثُ
يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ﴾ يخبرونكم بها مع التوضيح والتبيان.
﴿شَهِدْنَا عَلَىَّ أَنْفُسِنَّا﴾ أن قد بُلِّغنا ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَوَةُ الدُّنْيَا﴾ أي خدعتهم
الدنيا بزخارفها فلم يؤمنوا.
﴿ذَلِكَ﴾ أي إرسال الرسل ﴿وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ﴾ لم يرسل إليهم رسول يبين
لهم.
﴿وَلِكُلٍ﴾ من العاملين ﴿دَرَجَتُ﴾ مراتب جزاء على وفق أعمالهم
﴿مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ من خير أو شر.
المناسبة:
لما حكى الله تعالى عن الجن والإنس أن بعضهم يتولى بعضاً، بيَّن أن ذلك
إنما يحصل بتقديره وقضائه، فقال: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ اٌلَّلِينَ بَعْضَا﴾ أي مثل
ما ذكر من استمتاع الجن والإنس ببعضهم في الدنيا، لتماثلهم في الاتجاه
والوسائل والغايات والأعمال، نولي بعض الظالمين ولاية بعض، فنجعلهم
أمراء عليهم، أو أنصاراً لهم.

٣٩٦
لُ (٨) - الْأَنْتُ: ١٢٩/٦-١٣٢
التفسير والبيان:
مثل تولي الجن والإنس بعضهم لبعض نولي الظالمين بعضهم ببعض، بأن
نجعل بعضهم أنصار بعض بمقتضى التقدير والسنة الكونية، كما أن المؤمنين
بعضهم أولياء بعض، كما قال تعالى: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١/٩] وقال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِ﴾
[الأنفال: ٨/ ٧٣].
قال قتادة في تفسير الآية: إنما يولي الله الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن
أين كان، وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، ليس
الإيمان بالتمني ولا بالتحلي. واختاره الطبري، ويكون معنى الآية: وكما
جعلنا بعض هؤلاء المشركين من الجن والإنس أولياء بعض، يستمتع بعضهم
ببعض، كذلك نجعل بعضهم أولياء بعض في كل الأمور، بما كانوا يكسبون
من معاصي الله ويعملون(١).
وقال السيوطي في الإكليل: الآية في معنى حديث ((كما تكونوا يولّ
عليكم))(٢) وقال الفضيل بن عياض: إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم، فقف
وانظر متعجباً. وروى أبو الشيخ ابن حيان عن منصور بن أبي الأسود،
قال: سألت الأعمش عن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِى بَعْضَ الظَّلِينَ بَعْضًا﴾
ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم يقولون: إذا فسد الناس أُمّر عليهم
شزارهم، أي أن الولاية والإمارة تكون الأشرارهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا
أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبهَا فَفَسَقُواْ فِهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرًا
﴾ [الإسراء: ١٦/١٧].
(١) تفسير الطبري: ٢٦/٨، تفسير ابن كثير: ١٧٦/٢
(٢) رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أبي بكرة، ورواه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي
إسحاق السبيعي مرسلاً، وهو حديث ضعيف.

٣٩٧
لُ (٨) - الأَنْقال: ١٢٩/٦-١٣٢
أي أن التولية بين الظالمين إما بالتعاطف والتناصر فيما بينهم، وإما بتسلط
بعضهم على بعض وتأمّرهم عليهم، فما من ظالم إلا سيبلى بأظلم منه. والظلم
عام يشمل الظالمين لأنفسهم، والظالمين للناس من الحكام وغيرهم، فكل
فريق يتولى شبهه في الخلق والعمل، وينصره على غيره. قال ابن عباس: ((إذا
رضي الله على قوم ولى أمرهم خيارهم، وإذا سخط على قوم ولى أمرهم
شرارهم)).
وهذا تهديد عام لكل ظالم في الحكم والسلطة أو غير ذلك.
وتابع الله تقريع الظالمين وتهديد كافري الجن والإنس، وبيان حالهم يوم
القيامة، حيث يسألهم، وهو أعلم، هل بلَّغتهم الرسل رسالاته، وهذا
استفهام تقرير وتقريع وتوبيخ، فقال: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنْ وَاُلْإِنسِ﴾ أي يا جماعة
الجن والإنس، ألم يأتكم رسل منكم؟ أي من جملتكم، والرسل من الإنس
فقط، وليس من الجن رسل، كما قرر جمهور السلف والخلف، وقد عبر بذلك
من باب التغليب، كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُّؤْلُقُ وَاُلْمَرْحَانُ
٢٢
[الرحمن: ٢٢/٥٥] واللؤلؤ والمرجان إنما يستخرجان في عرف المتقدمين من المالح،
لا من الحلو، ثم ثبت أن بعض الأنهار الحلوة الماء قد استخرج منها اللؤلؤ.
ويمكن أن يكون المراد رسل الإنس المعروفين، ورسل الجن: وهم الذين
كانوا يستمعون إلى النبي وَّ، ثم يذهبون لإنذار قومهم بما سمعوا: ﴿ وَلَّوْاْ إِلَى
قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩/٤٦] ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنّ
فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرُغَنَا عَجَبًا (®َ﴾ [الجن: ١/٧٢].
ومهمة هؤلاء الرسل: أنهم يتلون على أقوامهم آيات الإيمان والأحكام
والآداب، وينذرونهم لقاء يوم الحشر وما فيه من الحساب والجزاء لمن یکفر بها
ويجحدها.
فأجابوا عن السؤال، وقالوا يوم القيامة: أقررنا بأن الرسل قد بلغونا

٣٩٨
لِجُرُ (٨) - الْأَنْظُ: ١٢٩/٦-١٣٢
رسالاتك، وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة، ونظير الآية قوله
تعالى: ﴿قَالُواْ بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيْرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اُللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ [الملك: ٩/٦٧].
وخدعتهم الحياة الدنيا بزينتها ومتاعها من الشهوات والأموال والأولاد
وحب السلطة ورفعة الجاه، ففرطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم
الرسل، وإنكار المعجزات، كبراً وعناداً.
وشهدوا على أنفسهم يوم القيامة أنهم كانوا كافرين في الدنيا، بما جاءتهم
به الرسل عليهم السلام.
ذلك أي إرسال الرسل وإنذارهم الناس، وإنزال الكتب، بسبب أن من
سنة الله ألا يؤاخذ أحد بظلمه إذا لم تبلغه الدعوة، وألا تهلك الأمم بعذاب
الاستئصال، إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا
خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤/٣٥] وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ
رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ اُلْطَّغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦/١٦] وقال عز وجل:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥/١٧].
وقوله تعالى: ﴿بُظُلْمٍ﴾ يحتمل - كما ذكر الطبري - وجهين: الأول -
بشرك ونحوه، أي أن الظلم فعل للكفار. والثاني - لا يكون الهلاك ظلماً بغير
حق دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر، أي أن ذلك عائد إلى فعل
الله تعالى والوجه الأول أقوى، كما قال الطبري(١) والرازي وغيرهما،
والخلاصة: إن الله لا يظلم أحداً من خلقه، ولكن الناس أنفسهم يظلمون،
فكل ما نزل وينزل بالمسلمين إنما هو لسوء أعمالهم، وتركهم دينهم، والعيب
فيهم لا في نظام شرعهم.
ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله، يبلغه الله
إياها، ويثيبه بها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
(١) تفسير الطبري: ٢٨/٨

٣٩٩
الُ (٨) - الأَنْتَا: ١٢٩/٦-١٣٢
والله مطلع على كل الأعمال، فما من عمل لهم إلا يعلمه، وهو محصيه
ومثبته لهم عنده، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه، ومعادهم إليه.
وهذا دليل على أن مناط السعادة والشقاء: هو عمل الإنسان ومشيئته، أو
كسبه وإرادته واختياره.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدل آية: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِ﴾ على أن الرعية متى كانوا ظالمين، فالله تعالى يسلط
عليهم ظالماً مثلهم، فإن أرادوا التخلص من ذلك الأمير الظالم، فليتركوا
الظلم.
وتدل الآية أيضاً على أنه لابد للناس من أمير وحاكم؛ لأنه تعالى إذا كان
لا يخلي أهل الظلم من أمير ظالم، فبأن لا يخلي أهل الصلاح من أمير يحملهم
على زيادة الصلاح، كان أولى. قال علي رضي الله عنه: ((لا يصلح للناس إلا
أمير عادل، أو جائر)) فلما أنكروا قوله: ((أو جائر)) قال: ((نعم يؤمن السبيل،
ويمكن من إقامة الصلوات، وحج البيت)).
وتذكر الآية سنة من سنن الله في الناس، وهي أنه لما كان تعالى ولي المؤمنين
أي حافظهم وحارسهم ومعينهم وناصرهم وأن لهم دار السلام، أبان أن أهل
النار بعضهم أولياء بعض، أي أن نصراءهم من يشبههم في الظلم والخزي
والنكال.
ومهمة الرسل عليهم السلام: تلاوة الآيات الإلهية وتأويلها وتوضيحها،
وإنذار الناس وتخويفهم عذاب يوم القيامة.
ولم يجد الكفار بداً من الاعتراف بذلك، ولكن الحياة الدنيا خدعتهم
وظنوا أنها تدوم، وخافوا زوالها عنهم إن آمنوا، واعترفوا بكفرهم.

٤٠٠
الجُرعُ (٨) - الأَنْتُ: ١٣٣/٦-١٣٥
والله عادل أتم العدل وأكمله، لذا فإن عذاب الكفار عدل وحق وواجب،
فلا يعذبهم إلا بعد بيان وإنذار، ولا يعاقبهم إلا بعد بعثة الأنبياء والرسل
إليهم. وإرسال الرسل أمر حتمي ضروري؛ لأن من خصائص الله وصفاته أنه
لا يهلك أهل القرى بشركهم قبل إرسال الرسل إليهم، فيقولوا: ما جاءنا من
بشير ونذير.
ولكل العاملين من الجن والإنس مراتب بحسب أعمالهم، فلمن عمل
بطاعة الله درجات في الثواب، ولمن عمل بمعصيته دركات في العقاب، والله
ليس بغافل ولا لاهٍ ولا ساهٍ عن كل عمل، قليل أو كثير.
ودلت آية: ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظَلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ
(*) على أنه لا تكليف ولا إيجاب قبل ورود الشرع، وأن العقل المحض لا
يدل على التكليف والإيجاب أصلاً.
التهديد بعذاب الاستئصال والإنذار بعذاب القيامة
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ
إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍّ
مَا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ ،َآخَرِينَ
وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ ﴿ قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِ عَامِلٌ فَسَوَّفَ
تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
١٢٥
القراءات:
﴿﴿ مَنْ تَكُونُ﴾ :
وقرأ حمزة والكسائي (من يكون).
الإعراب:
﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَتِّ﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول بمعنى الذي في موضع