Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١
الجُرُ (٧) - الْأَنْظُ: ١٠٨/٦-١١٠
النهي عن سب الأصنام والأوثان
﴿ وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدُوًا بِغَيْرِ عِلْمِ كَذَلِكَ
زَيَّنَا لِكُلّ أُمَّدٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِهِم تَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٠٨
وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِمْ لَيِن جَاءَتْهُمْ ءَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَثُ عِندَ اللَّهِ
وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْـ
١٠٩
يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِ طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
القراءات:
﴿أَنَّهَآ إِذَا﴾:
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (إنها إذا).
﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
وقرأ ابن عامر، وحمزة (لا تؤمنون).
الإعراب:
﴿ وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ من قرأ ﴿أَنَّهَا﴾ بالفتح، ففيه
وجهان :
الأول - أن تكون ((أن)) بمعنى لعل، وتقديره: وما يشعركم إيمانَهم، لعل
الآيات إذا جاءت لا يؤمنون. وقد جاءت ((أن)) بمعنى لعل، قالوا: اذهب إلى
السوق أنك تشتري لنا شيئاً، أي لعلك.
والثاني - أنها في موضع نصب بيشعركم، ولا: زائدة، وتقديره:
وما يشعركم أن الآيات إذا جاءت يؤمنون، وهي المفعول الثاني.
٣٤٢
الُ (٧) - الأَنْتُ: ١٠٨/٦- ١١٠
ومن قرأ ((إنها)) بالكسر، جعلها مبتدأ، ووقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا
يُشْعِزَّكُمْ﴾ وجعل ((ما)) استفهامية، وفي ﴿يُشْعِرَّكُمْ﴾ ضمير يعود إلى ((ما)) ويقدر
مفعولاً ثانياً محذوفاً، وتقديره: وما يشعركم إيمانهم. ولا يجوز أن تكون ((ما)) نافية
ههنا على تقدير: وما يشعركم الله إيمانَهم؛ لأن الله تعالى قد أعلمنا أنهم لا يؤمنون
بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الْمَئِكَةَ وَكَلَّمَّهُمُ الْمُوَتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا
كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١/٦]. ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾
﴿ وَنَذَرُهُمْ﴾ عطف على لا يؤمنون، داخل في حكم: ﴿وَمَا يُشْعِزَّكُمْ﴾.
كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: منصوب لأنه ظرف زمان،
والمراد بأول مرة: الدنيا.
المفردات اللغوية:
﴿ يَدْعُونَ﴾ يدعونهم ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي الأصنام، وعبّر عن الأصنام وهي
لا تعقل بالذين مجاراة لمعتقد الكفرة فيها.
﴿عَدْوًا﴾ اعتداء وظلماً ﴿بِغَيْرِ عِلَّمِ﴾ أي جهلاً منهم بالله ﴿كَذَلِكَ﴾ كما
زينا لهؤلاء ماهم عليه ﴿زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ من الخير والشر، فأتوه
تَرْجِعُهُمْ﴾ في الآخرة ﴿فَيُلَّبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فيجازيهم به.
﴿ وَأَقْسَمُواْ﴾ أي كفار مكة ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ أي غاية اجتهادهم فيها
﴿ٌَّ﴾ مما اقترحوا ﴿وَمَا يُشْعِزَّكُمْ﴾ يدريكم بإيمانهم إذا جاءت أي أنتم لا
تدرون ذلك ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لما سبق في علمي.
﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ نحول قلوبهم عن الحق، فلا يفهمونه ﴿ وَأَبْصَرَهُمْ﴾
عنه، فلا يبصرونه ولا يؤمنون ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ﴾ أي بما أنزل من الآيات
﴿وَنَذَّرُهُمْ﴾ نتركهم ﴿فِي ◌ُغْيَِهِمْ﴾ ضلالهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون متحیرین.
٣٤٣
الُ (٧) - الْأَنْتُ: ١٠٨/٦-١١٠
سبب النزول:
نزول الآية (١٠٨):
﴿وَلَا تَسُبُّواْ﴾: قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: كان
المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسبوا - أي الكفار - الله، فأنزل الله:
﴿ وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. وعبارة الواحدي عن قتادة: كان
المسلمون يسبون أوثان الكفار، فيردون ذلك عليهم، فنهاهم الله تعالى أن
يَسْتَسِبُّوا لربهم قوماً جهلة، لا علم لهم بالله.
وقال ابن عباس في رواية الوالبي: قالوا: يا محمد لتنتهين عن سبّك آلهتنا،
أو لنهجونّ ربك، فنهى الله أن يسبوا أوثانهم، فيسبوا الله عدواً بغير علم.
نزول الآية (١٠٩):
﴿ وَأَقْسَمُواْ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القُرَظي قال:
((كلم رسول الله قريشاً، فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب
بها الحجر، وأن عيسى كان يحيي الموق، وأن ثمود لهم الناقة، فأتنا من الآيات
حتى نصدقك، فقال رسول الله وَله: أي شيء تحبون أن آتيكم به؟ قالوا تجعل
لنا الصفا ذهباً، قال: فإن فعلت تصدقوني؟ قالوا : نعم والله، فقام رسول الله
يدعو، فجاءه جبريل، فقال له: إن شئت أصبح ذهباً، فإن لم يصدقوا عند
ذلك لنعذبنهم (أي عذاب الاستئصال)، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب
تائبهم، فقال ◌َ: أتركهم حتى يتوب تائبهم، فأنزل الله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ
جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَجْهَلُونَ﴾)).
المناسبة:
الآية متعلقة بما قبلها من قول المشركين للرسول ◌َله: إنما جمعت هذا من
مدارسة الناس ومذاكرتهم، وحينئذ لا يبعد أن يغضب بعض المسلمين لسماع
٣٤٤
الجزرُ (٧) - الأَنْتُ: ١٠٨/٦- ١١٠
ذلك، فيسبوا آلهة الكفار على سبيل المعارضة، فنهى الله تعالى عن هذا الصنع؛
لأنه متى شتمت آلهتهم، فربما ذكروا الله تعالى بما لا ينبغي من القول.
التفسير والبيان:
ينهى الله تعالى رسوله والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه
مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب
إله المؤمنين، وهو ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كما قال ابن عباس.
لا تسبوا أيها المسلمون آلهة المشركين التي يدعونها من دون الله؛ إذ ربما نشأ
عن ذلك سبهم الله عز وجل عدواناً، أي ظلماً وتجاوزاً منهم للحدّ في السباب
والمشائمة، الإغاظة المؤمنين، جهلاً منهم بِقَدْرِ الله تعالى وعظمته. وهذا يدل
على أن الطاعة أو المصلحة إن أدت إلى معصية أو مفسدة تترك، وقد أمر الله
موسى وهارون باللطف في مخاطبة فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَِّنَا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ
يَخْشَى
[٤٤)) [طه: ٢٠ / ٤٤].
وكما زينا لهؤلاء القوم حب الأصنام والانتصار لها، زينا لكل أمة من
الأمم سوء عملهم من الكفر والضلال، أي أن هذه سنة الله في خلقه،
يستحسنون عاداتهم وتقاليدهم التي ساروا عليهم عن تقليد وجهل، أو عن
معرفة وعناد، والله یترکهم وشأنهم.
وهذا التزيين أثر لاختيارهم دون جبر أو إكراه، لا أن الله خلق في قلوبهم
تزييناً للكفر والشر، كما زين في قلوب آخرين الإيمان والخير، وإلا كان
الإيمان والكفر والخير والشر غريزة، تعد الدعوة إلى الإصلاح بعدها نوعاً من
العبث، والله منزه عنه، وكان الثواب والعقاب وإرسال الرسل وإنزال الكتب
لا معنى له ولا عدل فیه.
وبعد تركهم وشأنهم في الدنيا يكون معادهم ومصيرهم بعد الموت وحين
٣٤٥
الُ (٧) - الْأَنْتُ: ١٠٨/٦-١١٠
البعث إلى ربهم ومالك أمرهم، لا إلى غيره، فيجازيهم بأعمالهم، إن خيراً
فخير، وإن شراً فشر. وهذا إنذار وتهديد.
وهؤلاء المشركون حلفوا أيماناً مؤكدة بالله: لئن جاءتهم معجزة مادية
وخارقة للعادة من الآيات الكونية التي يقترحونها، ليصدقن بها أنها من عند
الله، وأنك رسول الله. وفي هذا إشارة إلى أنهم قوم معاندون؛ لأنهم لم يروا أن
هذا القرآن من جنس المعجزات أصلاً، وليس من هدفهم إلا التحكم في طلب
المعجزات.
قل يامحمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تعنتاً وعناداً وكفراً، لا على
سبيل الهدى والاسترشاد: إنما مرجع هذه الآيات إلى الله، وهو القادر عليها،
إن شاء جاءكم بها، وإن شاء ترككم فلا ينزلها إلا على موجب الحكمة، كما
قال: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٧٨/٤٠].
ثم خاطب الله نبيه والمؤمنين الذين تمنوا مجيء آية مما اقترحوا ليؤمنوا:
وما يدريكم إيمانهم؟ أي بتقدير أن تجيئهم هذه الآيات، فهم لا يؤمنون إذا
جاءتهم الآية، لسبق علم الله بعدم إيمانهم، فأنا أعلم أنها إذا جاءت لا
يؤمنون بها، وأنتم لا تدرون بذلك.
﴿وَنُقَلِبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ أي وما يشعركم أنا نحوّل قلوبهم عن إدراك الحق
والإيمان وأبصارهم عن إبصاره، ونحوُل بينهم وبينه، فلا يدركونه، ولو
جاءتهم كل آية. فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة حين أتتهم
الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره؛ لتمام إعراضهم عن
إدراك الحقائق، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ
ف ﴾ [الحجر:
يَعْرُجُونٌ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ أَبْصَرَنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْخُورُونَ
١٤/١٥-١٥].
والحقيقة أن من لم يقنعه ما ورد في القرآن من الأدلة العقلية والبراهين
العلمية، لا تقنعه الآيات الحسية التي يشاهدها.
٣٤٦
الُ (٧) - الْأَنْقَظَا: ١٠٨/٦- ١١٠
وما يشعركم أيضاً أنا نذرهم في طغيانهم، أي نخليهم وشأنهم، لا نكفهم
عن الطغيان أي تجاوز الحد، ونتركهم يترددون في طغيانهم متحيرين فيما
سمعوا ورأوا من الآيات، أهو الحق المبين أم السحر الخادع؟
فقه الحياة أو الأحكام:
المؤمنون منهيون عن مجاراة الكفار ومبادلتهم السباب والشتم والقبائح،
سداً لذرائع الفساد، ومنعاً من الوقوع في المفسدة، وإن كانت هناك مصلحة
مرتجاة، وقصد ثواب، فذلك مرجوح وقليل أمام الجرم الأعظم وهو سب
الله، والمفسدة الأغلب. وفي هذا تهذيب أخلاقي، وسمو إيماني، وترفع عن
مجاراة السفهاء الذين يجهلون الحقائق، وتخلو أفئدتهم من معرفة الله وتقديسه.
وحكم الآية - كما ذكر العلماء - باق في الأمة على كل حال، فمتى كان
الكافر في مَنَعة وغير خاضع لسلطان الإسلام والمسلمين، وخيف أن يسبَّ
الإسلام أو النبي ◌َّ أو الله عز وجل، فلا يحل لمسلم أن يسبَّ صلبانهم ولا
دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك؛ لأنه فعل بمنزلة
التحريض على المعصية.
وهذا نوع من الموادعة، ودليل على وجوب الحكم بسدّ الذرائع، وفي الآية
دليل أيضاً على أن المحقّ قد يكف عن حق له إذا أدّى إلى ضرر يكون في الدِّين.
ومن هذا المعنى ماروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا تبتوا
الحكم بين ذوي القرابات مخافة القطيعة. قال ابن العربي: إن كان الحق واجباً
فيأخذه بكل حال، وإن كان جائزاً ففيه يكون هذا القول(١).
ويؤكد مدلول الآية: قول النبي ◌َلقه فيما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود
عن عبد الله بن عمرو: ((لعن الله الرجل يسبّ أبويه، قيل: يارسول الله؛
(١) أحكام القرآن: ٧٣٥/٢
٣٤٧
الجُزءُ (٧) - الْأَنْفَظُ: ١٠٨/٦-١١٠
وكيف يسبّ أبويه؟ قال: يسبّ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه))
قال ابن العربي: فمنع الله تعالى في كتابه أحداً أن يفعل فعلاً جائزاً يؤدي إلى
محظور. وبهذا تمسك المالكية في سد الذرائع: وهو كل عقد جائز في الظاهر
یؤول أو يمكن أن یتوصّل به إلى محظور.
وأما المعاندون مشركون أو غيرهم فلن يؤمنوا مهما جاءتهم الآيات، وقد
طلب مشركو قريش من الرسول معجزات مادية، وحلفوا أنها لو ظهرت
لآمنوا، فبيَّن الله تعالى أنهم وإن حلفوا على ذلك، فالله تعالى عالم بأنها لو
ظهرت لم يؤمنوا.
انتهى الجزء السابع ولله الحمد
** 43
النَّفْسَةُ المْرَ
في العقيدة والشريعة والمنج
المُجْزُ الثَّامِّن
٣٥١
الُرُ (٨) - الأَنْتُ: ١١١/٦-١١٣
من مظاهر تعنُّت المشركين
والإياس من إيمانهم
وَلَوْ أَنَا نَزَّْنَا إِلَيهِمُ الْمَلَئِكَةَ وَكَلَّمَّهُمُ اُلْمَوْقَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ
وَكَذَلِكَ
قُبُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ
اَلْقَوّلِ غُرُورًاً وَلَوَّ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَّةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (49)
وَلِنَصْغَى إِلَيْهِ
أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم ◌ُقْتِفُونَ
القراءات:
﴿إِلَيْهِمُ الْمَلَبِطَةَ﴾: قرئ:
١- (إليهِم الملائكة) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (إليهُمُ الملائكة) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
٣- (إليهِمُ الملائكة) وهي قراءة الباقين.
﴿قُبُلًا﴾: قرئ:
١ - (قِبَلاً) بكسر القاف وفتح الباء، أي: مقابلة وعياناً، وهي قراءة نافع،
وابن عامر.
٢- (قُبُلاً) بضم القاف، والباء، وهي قراءة باقي السبعة.
﴿نَبِيّ﴾:
وقرأ نافع (نبيء).
٣٥٢
الجُزْعُ (٨) - الأَنْتُ: ١١١/٦-١١٣
الإعراب:
ـلَّ﴾ مفعول ﴿وَحَشَرْنَا﴾. ﴿قُبُلًا﴾ حال من ﴿كُلَّ شَىْءٍ﴾. ﴿إِلََّ أَن يَشَآءَ
اللهُ﴾ أن وصلتها في موضع نصب؛ لأنه استثناء منقطع . ﴿شَيَطِينَ﴾ منصوب
إما لأنه بدل من ﴿عَدُوًّا﴾ أو لأنه مفعول ثانٍ لجعلنا. ﴿غُرُورًا﴾ منصوب إما
لأنه مصدر في موضع الحال، أو بدل من قوله ﴿نُخْرُفَ﴾ الذي هو مفعول
يوحي، أو لأنه مفعول لأجله، أي لغرور.
﴿وَلِنَصْغَى﴾ معطوف على فعل مقدر دلّ عليه قوله تعالى: ﴿زُخْرُفَ الْقَوّلِ
غُرُورًا﴾ وتقديره: ليغروه ولتصغى إليه، فحمل على المعنى. وقيل: اللام لام
قسم، وتقديره: ولتصغين إليه أفئدة الذين، فلما كسرت اللام حذفت النون.
البلاغة:
﴿ وَلَوَّ شَآءَ رَبُّكَ﴾ ربط المشيئة بالرّبوبية، والإضافة إلى الضمير العائد إلى
النَّبِي وَله، لتشريف مقامه، والعناية به، وتطييب خاطره وتسليته عليه الصّلاة
والسّلام.
المفردات اللغوية:
﴿وَحَشَرْنَا﴾ جمعنا. ﴿قُبُلًا﴾ أي مواجهة ومقابلة ومعاينة. ﴿عَدُوًّا﴾ العدو:
ضد الصّديق، ويستعمل للواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ﴿شَيَاطِينَ﴾ جمع
شيطان، والشياطين: المردة، قال ابن عباس: كل عاتٍ متمرّد من الجنّ
والإنس فهو شيطان. ﴿يُوحِى﴾ يوسوس به الشّيطان، والإيحاء: الإعلام مع
الخفاء والشرعة كالإيماء.﴿نُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ أي الكلام المزين الذي يبدّل
الحقائق أوهاماً، ويطلق لفظ الزخرف على كل زينة، كالذهب للنّساء،
والورود والأزهار للرِّياض وغيرها. ﴿غُرُورًا﴾ خداعاً باطلاً. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ دع
الكفار. ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ من الكفر وغيره مما زين لهم. ﴿ وَلِنَصْغَى﴾ تميل،
٣٥٣
لُ (٨) - الْأَنْقال: ١١١/٦-١١٣
يقال: صَغِي إليه: مال. ومضارعه: يَصْغَى، مثل رضي يرضى، وصَغْي فلان
وصَغْوه: أي ميله وهواه. ﴿إِلَيْهِ﴾ الزخرف. ﴿أَفْئِدَةُ﴾ قلوب. ﴿وَلِيَقْتِفُواْ﴾
يكتسبوا، يقال: اقترف المال: اكتسبه، واقترف الذّنب: اجترحه.
سبب النّزول:
روي عن ابن عباس أن رسول الله و لل أتى جماعة من كفار مكة وزعمائها
فقالوا له: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله، أو ابعث لنا بعض موتانا
حتى نسألهم، أحقّ ما تقول أم باطل؟ أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً، فنزلت
الآية.
المناسبة:
هذا تفصيل لما ذكر على سبيل الإجمال بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا
جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فبيَّن تعالى أنه لوأعطاهم ما طلبوه من إنزال الملائكة،
وإحياء الموتى حتى يكلموهم، بل لو زاد في ذلك بأن يحشر عليهم كل شيء قُبُلاً
يشهد بصدق الرّسول، ما كانوا ليؤمنوا لتأصُّلهم في الضّلال إلا أن يشاء الله.
التفسير والبيان:
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنََّا نَزَّْنَآ إِلَهِمُ الْمَلَكَةَ﴾: وهم أهل
الشقاوة، ثم قال: ﴿إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾: وهم أهل السعادة الذين سبق لهم في
علمه تعالى أن يدخلوا في الإيمان(١).
والمعنى: ولوأننا أجبنا سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن
جاءتهم آية ليؤمُنَّ بها، فنزلنا عليهم الملائكة، تخبرهم بالرّسالة من الله،
بتصديق الرّسل كما سألوا، فقالوا: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء:
(١) تفسير الطبري: ٢/٨ - ٣
٣٥٤
الجُ (٨) - الْأَنْفُ: ١١١/٦-١١٣
٩٢/١٧] و﴿قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى تُؤْقَى مِثْلَ مَآ أُوْنِىَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤/٦]
ما آمنوا بمحمد رَله وبالقرآن.
وبعبارة أخرى: لوأنّنا نزّلنا إليهم الملائكة، فرأوهم بأعينهم مرة بعد
أخرى، وسمعوا شهادتهم لك بالرِّسالة؛ ولو كلمهم الموتى بأن نحييهم،
فيخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرُّسل كما طلبوا: ﴿فَأَتُواْ بِتَابَآيِنَا﴾ [الدخان:
٣٦/٤٤]، وحشرنا، أي وجمعنا كل شيء من الآيات والدّلائل معاينة
ومواجهة، فيخبرونهم بصدق الرُّسل فيما جاؤوا به، وقيل: ﴿قُبُلًا﴾ كفلاء
بصحّة ما بشّرنا به وأنذرنا، أو جماعات تعرض عليهم كل جماعة بعد أخرى،
ما كان شأنهم أن يؤمنوا، وليس عندهم الاستعداد أن يصدّقوا؛ لأنهم لا
ينظرون في الآيات نظر تأمُّل وهداية وعظة، وإنما ينظرون إليها نظر معاداة
واستهزاء، لا يؤمنون إلا بمشيئة الله، أي لا يؤمنون ما داموا على صفاتهم،
إلا أن يزيلها الله تعالى إن شاء، فالهداية مقدور عليها من الله، ولكنه تعالى
يتركهم وشأنهم بعد أن بصَّرهم بطرق الخير والانتفاع بهدي القرآن.
فالمراد بقوله: ﴿مَا كَانُوْ لِيُؤْمِنُواْ﴾ أي ما كانوا ليؤمنوا على سبيل الاختيار،
والمراد من قوله: ﴿إِلََّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ هو الإيمان الاختياري، وليس الإيمان
الاضطراري، كما قال الرّازي؛ لأن المستثنى يجب أن يكون من جنس
المستثنى منه، والإيمان الحاصل بالإلجاء والقهر ليس من جنس الإيمان
الاختياري(١).
ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أن الإيمان إليهم والكفر بأيديهم، متى
شاؤوا آمنوا ومتى شاؤوا كفروا، وليس ذلك كما يظنون، لا يؤمن منهم إلا
(١) تفسير الرازي: ١٥٠/١٣ - ١٥٢
٣٥٥
لُ (٨) - الَنْتُ: ١١١/٦-١١٣
من هديته له فوفقته، ولا يكفر إلا من خذلته عن الرّشد فأضللته. هذا ما يراه
الطبري(١) وهو الظاهر الرّاجح.
ويرى الزّمخشري: ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن
يضطرهم الله، فيطمعون في إيمانهم إذا جاءت الآية المقترحة (٢). يعني أن
المعتزلة يرون أن المستثنى هو الإيمان الاضطراري، وأن الضمير في قوله:
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ عائد في رأي الزمخشري إلى المسلمين لا إلى الكفار،
والمعتزلة يقولون: المراد: أنهم أي المشركون جهلوا أنهم يبقون كفاراً عند
ظهور الآيات التي طلبوها، والمعجزات التي اقترحوها، وكان أكثرهم يظنون
ذلك. وأهل السُّنّة يقولون: المراد: يجهلون بأنّ الكل من الله وبقضائه
وقدره(٣).
قال ابن عباس: المستهزئون بالقرآن كانوا خمسة: الوليد بن المغيرة
المخزومي، والعاصي بن وائل السَّهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري،
والأسود بن المطلب، والحارث بن حنظلة، أتوا الرّسول وَلو في رهط من أهل
مكة، وقالوا له: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله، أو ابعث موتانا حتى
نسألهم، أحقّ ما تقوله أم باطل؟ أو ائتنا بالله والملائكة قبيلاً، أي كفيلاً على
ما تدّعيه، فنزلت الآية (٤).
ثم أراد الله تعالى التّخفيف على نبيِّه ومواساته وتسليته، فأبان أنّ سنّته في
الخلق أن يكون للأنبياء عدوّ من الجنّ والإنس، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا﴾ أي
وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك، جعلنا لكل
(١) تفسير الطبري: ٢/٨
(٢) الكشّاف: ٥٢٤/١
(٣) تفسير الرازي: ١٥٢/١٣
(٤) المرجع السابق: ١٤٩/١٣ - ١٥٠
٠
-**
٣٥٦
لُرُ (٨) - الأَنْقال: ١١١/٦-١١٣
نبيٍّ من قبلك أيضاً أعداء، فلا يحزنك ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ
رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَى مَا كُذِّبُوْ وَأُوْذُواْ﴾ [الأنعام: ٣٤/٦]، وقال تعالى:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَّ﴾ [الفرقان: ٣١/٢٥]، وقال ورقة بن
نوفل لرسول الله وَ يّ فيما رواه البخاري ومسلم: ((إنه لم يأت أحد قطّ بمثل ما
جئت به إلا عودي)) أي أنّ سنّة الله جرت على أن يكون بعض الناس أعداء
للأنبياء وورثتهم، وكل أصحاب دعوات الإصلاح في الأمور الدِّينيّة
والاجتماعيّة، وهذا ما يعبّر عنه بتنازع البقاء وبقاء الأصلح، كما قال تعالى:
﴿فَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَأٍَ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمَكُثُ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧/١٣].
والعداوة سواء من شياطين الإنس والجنّ، قال مجاهد وعكرمة وقتادة
والحسن البصري: من الجنّ شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى
بعض. وقال قتادة: بلغني أن أبا ذر كان يوماً يصلِي، فقال له النَّبِي وَّ: (تعوّذ
يا أبا ذرّ من شياطين الإنس والجنّ)) فقال: أو إن من الإنس شياطين؟ فقال
رسول الله وَله: ((نعم))(١). وجاء في سورة البقرة: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ
قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [١٤].
ثم ذكر تعالى أثر عداوة الشَّياطين للأنبياء، وهو مقاومتهم دعوة الله
وهدايته، فقال: ﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ﴾ أي يلقي بعضهم إلى بعض القول المزيَّن
المزخرف، وهو المزوَّق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره، وينخدع ويميل إلى
رأي القائل، ويتأثّر بإغراء الشياطين بالمعاصي. والوحي: الإيماء والقول
السريع، والزّخرف: الذي يكون باطنه باطلاً، وظاهره مزيّناً خادعاً.
ولو شاء ربُّك ألا يفعلوا هذا التغرير، ما فعلوه، ولكنه لم يشأ أن يجبرهم
على الهداية، بل شاء أن يكون الناس مختارين سلوك أي الطريقين: طريق
(١) ذكره الطّبري وابن كثير، ثم قال الأخير: وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذرّ، وقد روي من وجه
آخر عن أبي ذرّ رضي الله عنه (تفسير الطَّبري: ٥/٨، تفسير ابن كثير: ١٦٦/٢).
٣٥٧
الُ (٨) - الْأَنْقَال: ١١١/٦-١١٣
[البلد: ٩٠ /١٠]
الخير وطريق الشّرّ، كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
هذا ما يراه المعتزلة.
وقال أهل السُّنّة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾: وذلك كله بقدر
الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكل نبيِّ عدوّ من الشياطين.
فدعهم وما يفترون أي يكذبون، أي دع مجابهتهم واتركهم يخوضون في
إفكهم وكذبهم، ولا تأبه لهم، وامض في تبليغ دعوتك وتأدية رسالتك،
وتوكّل على الله، فإن الله كافيك وناصرك عليهم، وعليك البلاغ، وعلينا
الحساب والجزاء.
وقوله: ﴿وَلِنَصْغَى﴾ معطوف على فعل مقدر مفهوم مما سبقه، وتقديره:
يوحي هؤلاء الشياطين إلى بعضهم زخرف القول والمموه أو المزيّن منه، ليغروا
المؤمنين أتباع الأنبياء، ولتميل إليه قلوب الكفار والفّاق الذين لا يؤمنون
بالآخرة؛ لأنه الموافق لأهوائهم. أمّا المؤمنون الواعون الذين ينظرون في
عواقب الأمور، فلا ينخدعون بأباطيل الأقوال، ولا تغرَّّهم الزّخارف.
وضمير ﴿إِلَيْهِ﴾ وضمير ﴿فَعَلُوهُ﴾ راجع إلى ما ذكر من. عداوة الأنبياء
ووسوسة الشياطين.
﴿ وَلِيَرَضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُقْتَّفُونَ﴾ أي وليرضوه لأنفسهم، وليترتب
على ذلك أن يكتسبوا ما هم مكتسبون من المعاصي والآثام بغرورهم به
ورضاهم عنه.
فقه الحياة أو الأحكام:
لن يؤمن الكفار كما سبق في علم الله تعالى، ولو جاءتهم المعجزات العجيبة
والآيات البليغة القاطعة الدّالّة على صدق الرُّسُل. فلو فرض أن الله تعالى
أجابهم إلى ما اقترحوه، فأنزل الملائكة إليهم، وعاد الموتى إلى الحياة
٣٥٨
الُرُ (٨) - الْأَنْقَا: ١١١/٦-١١٣
فكلموهم، وجمعت لهم كل الآيات معاينة ومواجهة، فإنهم لن يؤمنوا،
لتأصُّلهم في الكفر، وفقد استعدادهم للإذعان بالحقّ، فأكثر المشركين يجهلون
الحقّ ولا يعرفونه.
ومن سنّته تعالى في الخلق ظهور أعداء من الإنس والجنّ للأنبياء وأتباعهم؛
لأنّ الحقّ يعرف بضدّه من الباطل.
وأهل الباطل يصغون أسماعهم لما يوسوس به شياطين الجنّ وشياطين
الإنس، ويقتنعون بالقول المزيَّن المغشوش الذي لا مصداقيّة له ولا صحّة،
ولا بقاء ولا استقرار.
قال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشدّ علي من شيطان الجنّ، وذلك
أنّي إذا تعوّذت بالله، ذهب عِّي شيطان الجنّ، وشيطان الإنس يجيئني فيجرّني
إلى المعاصي عِياناً.
والله قادر على تحويل المشركين إلى مؤمنين، ولكن حكمته ومشيئته وإرادته
اقتضت ترك الاختيار إليهم، ليكون الجزاء عدلاً مطابقاً للواقع.
ودلّ قوله تعالى: ﴿مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ على أنه تعالى ما شاء
منهم الإيمان، فهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله إيمانهم.
ومآل القول المزخرف المزيّن وهو الباطل وعاقبته أنه يستمع إليه ويميل إليه
غير المؤمنين بالآخرة، ويرضون به، ويؤدي بهم إلى اكتساب المعاصي واقتراف
السَّيئات واجتراح الذُّنوب.
وهكذا فإن عقاب العصاة بسبب ذنوبهم وسيئاتهم، وليس لله حاجة في
تعذيبهم والتنكيل بهم، وإنما العقاب أمر يقتضيه العدل المطلق للتّمييز بين
المحسنين الأبرار وبين المسيئين الأشرار، فلا يعقل التّسوية بين من لازم
الطاعة، فعمل والتزم أوامر الله، وبين من قارف المعصية، فأعرض
٣٥٩
الجُرُ (٨) - الأَنْقَا: ١١٤/٦-١١٥
واستكبر، وعتا وعاند، وتنكَّر لأوامر الله ولم يأبه بما حظره الله ومنعه،
وأهمل نداء الحقّ والخير.
صَلَ اللّه
القرآن الكريم دليل صدق رسالة النّبي
وسكم
{أَفَغَيْرَ الَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ اُلَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيْكِكُمُ الْكِنَبَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ
ءَاتَيْنَهُمُ اُلْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّيِّكَ بِالْخِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
١١٤
وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهٍ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
١١١٥
القراءات:
منزل ﴾: قرئ:
١- (مُنَزَّل) وهي قراءة ابن عامر، وحفص.
٢- (مُنْزَل) وهي قراءة الباقين.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ﴾: قرئ:
١- (وتمت كلمة) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (وتمت كلمات) وهي قراءة الباقين.
كَلِمَتُ﴾:
رسمت بالتاء، فوقف عليها بالهاء: الكسائي، ووقف بالتاء عاصم،
وحمزة، وخلف.
وأما الباقون فوقفوا بالتاء لأنهم يقرؤون بالألف قبلها.
٣٦٠
لُ (٨) - الأَنْقال: ١١٤/٦-١١٥
الإعراب:
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ منصوب بأبتغي. ﴿حَكَمًا﴾ إما منصوب على الحال، أو على
التّمييز. ﴿مُنَزَّلُ﴾ نائب الفاعل له ضمير مستتر يعود على الكتاب . ﴿مِّن رَّبِّكَ﴾
في موضع نصب؛ لأنه يتعلَّق بمنزل . ﴿بِالْحَقِّ﴾ حال من ضمير ﴿مُنَزَّلُ﴾.
[صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ منصوبان على المصدر، وقيل: يجوز كونهما مصدرين في
موضع الحال، بمعنى صادقةً وعادلة.
البلاغة:
﴿فَلَ تَكُونَنَ مِنَ اُلْمُمْتَرِينَ﴾ الخطاب للرّسول بَّهَ على طريق إثارة
الحماسة وإلهاب المشاعر، أو التّهييج والإلهاب، كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونَنَّ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤/٦].
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٥/٦] مجاز مرسل، من قبيل إطلاق الجزء
وإرادة الكل، أي تم كلامه ووحيه.
المفردات اللغوية:
﴿أَبْتَغِى﴾ أطلب. ﴿حَكَمًا﴾ قاضياً بيني وبينكم، والحكم: من يحكم بالحقّ
فقط، فهو أبلغ من الحاكم؛ إذ لا يستحق التّسمية بحكم إلا من يحكم بالحقّ؛
لأنها صفة تعظيم في مدح، أما الحاكم فهو صفة جارية على الفعل، فقد يُسمَّى
بها من يحكم بغير الحقّ. ﴿مُفَصَّلًا﴾ مبيّناً فيه الحقّ والباطل، والحلال والحرام.
﴿ اَلْمُمْتَرِينَ﴾ المترددين الشّاكين.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ﴾ المراد بالتّمام هنا: أن كلمة الله وافية في الإعجاز،
والدلالة على صدق الرّسول وَلّه، والمراد بالكلمة هنا: القرآن. وأصل معنى
تمام الشيء: انتهاؤه إلى حدّ لا يحتاج معه إلى شيء خارج عنه. ﴿صِدْقًا﴾
الصدق يكون في الأخبار ومنها المواعيد. ﴿وَعَدْلًا﴾ العدل يكون في الأحكام.