Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ لُ (٧) - الأَنْشَا: ٩٥/٦-٩٩ النهار) عن ظلمة الليل. والإصباح: مصدر بمعنى الصبح ﴿سَكنّا﴾ تسكن فيه الخلائق من التعب. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ بالنصب عطفاً على محل ﴿الَّيْلَ﴾. ﴿حُسْبَانً﴾ حساباً للأوقات والحسبان والحساب: استعمال العدد في الأشياء والأوقات ﴿ ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿اُلْعَلِيمِ﴾ بخلقه. ﴿فِى ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ في الأسفار ﴿قَدْ فَصَّلْنَا﴾ بينا ﴿اُلَيَتِ﴾ الدلالات على قدرتنا ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يتدبرون. ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ خلقكم ﴿مِّنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هي آدم ﴿فَمُسْتَقَرٌ﴾ موضع قرار منكم في الرحم أو إقامة في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِ اُلْأَرْضِ قلے مُسْنَقَرٌ﴾ [البقرة: ٣٦/٢] و[الأعراف: ٢٤/٧] ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ موضع الوديعة ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ الفقه: فهم الشيء مع التعمق في التفكير ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ بالماء ﴿خَضِرًا﴾ أي نباتاً أخضر ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾ من الخضر ﴿حَبَّا مُتَرَاكِبًا﴾ يركب بعضه بعضاً كسنابل الحنطة ونحوها ﴿مِن طَلِهَا﴾ الطلع: أول ما يبدو ويظهر من زهر النخلة قبل أن ينشق عنه غلافه ﴿قِنْوَانٌ﴾ عراجين، جمع قنو، وهو عِذق الثمر، وهو من النخيل كالعنقود من العنب، والسنبلة من القمح ﴿دَانِيَةٌ﴾ قريب بعضه من بعض، وقريب التناول ﴿وَجَنَّتٍ﴾ بساتين ﴿ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَبِةٍ﴾ أي متشابهاً في بعض الصفات کالورق، وغير متشابه في بعض آخر كالثمر، أي متشابه الورق والثمر وغير متشابه . ﴿ وَيَنْعِهَِّ﴾ نضجه، أي حين يينع ويبدو نضجه واكتماله، والمراد: انظروا أيها المخاطبون نظر اعتبار إلى ثمره إذا أثمر (أول ما يبدو) كيف هو، وإلى نضجه إذا أدرك كيف يصبح ﴿إِنَّ فِى ذَلِكُمْ لَيَتٍ﴾ دلالات على قدرته تعالى على البعث وغيره ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خصوا بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بها في الإيمان، بخلاف الكافرين. ٣٢٢ لُ (٧) - الأَنْخَطُ: ٩٥/٦-٩٩ المناسبة: بعد أن أثبت الله تعالى التوحيد، وقرر أمر النبوة، وبعض أحوال البعث، عاد هنا إلى بيان بعض الأدلة الدالة على وجود الصانع، وهي تتلخص في الخلق والإيجاد، والإحياء والإماتة، والتقدير والتدبير لحركة الكواكب والنجوم وتقلب الليل والنهار. التفسير والبيان: عدَّد الله تعالى في هذه الآيات بعض مظاهر قدرته الباهرة وحكمته البالغة، فبدأ بالنبات وأخبر أنه فالق الحب والنوى، أي يشقه بقدرته في التراب، فينبت منه الزرع على اختلاف أصنافه من الحبوب، والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها، من النوى، لذا فسر قوله: ﴿فَالِقُ اُلْحَتِّ وَالنَّوَّ﴾ بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي يخرج النبات الحي المتحرك من الحب والنوى الذي هو كالجماد الميت، عن طريق ربط الأسباب بمسبباتها، ببذر الحب والنوى في التراب، وإرواء التراب بالماء. وذلك يدل على كمال قدرته، وبدیع حکمته. فقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَنَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ معناه يخرج الزرع الأخضر والشجر النامي، من الميت الجامد، والمراد بالحياة هنا النمو والتغذية، والميت: هو مالا نماء فيه ولا يتغذى، مثل التراب والحب والنوى وغيرهما من البذور، والبيضة والنطفة. وإذا قيل في العلم الحديث: إن في النطفة والبيضة حياة فيراد بها الحياة النباتية أو الخلوية (حياة الخلية). وأما المقصود هنا فهي الحياة الظاهرية الحركية. وقيل في التفسير العلمي الحديث: المراد بخروج الحيوان من الميت أي تكونه من الغذاء، فالحي ينمو بأكل أشياء ميتة، والغذاء ميت لا ینمو. وقوله تعالى: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ اُلْحَيَّ﴾ معناه مخرج الحب والنوى من ٣٢٣ الجُ (٧) - الأَنْشَرُ: ٩٥/٦-٩٩ النبات، والبيضة والنطفة من الحيوان. وقيل في التفسير العلمي الحديث: المراد بذلك الإفرازات مثل اللبن: وهو سائل ليس فيه شيء حي، بخلاف النطفة فإن فيها حيوانات حية، وهي تخرج من الحيوان الحي، وهكذا ينمو الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فاعل هذا هو المتصف بكمال القدرة وبالغ الحكمة، المحبي والمميت، وهو الله الخالق وحده لا شريك له، فكيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل، فتعبدون معه غيره، وتشركون به شريكاً آخر لا يقدر على شيء من ذلك؟! والله فالق الإصباح وجعل الليل سكناً أي خالق الضياء والظلام كما قال في أول السورة: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورَ﴾ فهو سبحانه يفلق ظلام الليل عن غرة الصباح، فيضيء الوجود، ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بسواده وظلامه، ويجيء النهار بضيائه وإشراقه، كقوله: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤/٧] فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق الإصباح، وقابل ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلَ اُلَّيْلَ سَكَنَّا﴾ أي ساجياً هادئاً مظلماً لتسكن فيه الأشياء، ويستريح فيه المتعب من عمل النهار، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا وَجَعَلْنَا الَّتْلَ لِبَاسًا ( ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَانًا [النبأ: ٩/٧٨-١١](١). ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَاُلْقَمَرَ حُسْبَانً﴾ أي ونظام الشمس والقمر للحساب وعدد الشهور والسنين، وكلاهما يجري بحساب دقيق، كما قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾﴾ [الرحمن: ٥/٥٥] أي يجريان بحساب مقنن مقدر، لا يتغير ولا يضطرب، بل لكل منهما منازل يسلكها في الصيف (١) سُباتاً: أي قطعاً لأعمالكم وراحة الأبدانكم. ٣٢٤ الُرُ (٧) - الْأَنْظُ: ٩٥/٦-٩٩ والشتاء، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولاً وقصراً، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَاَلْقَمَرَ نُورًا وَقَذَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَاُلْحِسَابِ﴾ [يونس: ٥/١٠] وقد جمع الله في هذه الآية ثلاث آيات سماوية، كما جمع في آية ﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ﴾ ثلاث آيات أرضية وهي: فلق الصبح والتذكير به للتأمل في صنع الله بإفاضة النور الذي هو مظهر جمال الوجود، وجعل الليل ساكناً، نعمة من الله ليستريح الجسد، وتسكن النفس، وتهدأ من تعب العمل بالنهار، وجعل الشمس والقمر حسباناً، تحقيقاً لحاجة الإنسان إلى معرفة حساب الأوقات من أجل العبادات، والمعاملات، والتواريخ. ومن المعروف فلكياً أن للأرض دورتين: دورة تتم في أربع وعشرين ساعة لحساب الأيام، ودورة تتم في سنة ضمن فصول أربعة، لحساب السنة الشمسية. ﴿ذَلِكَ تَغْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي الجميع حاصل بتقدير العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، الغالب على أمره، العليم بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولافي السماء، والمقدِّر له بموجب الحكمة: ﴿إِنَّا كُلّ شَىْءٍ خَلَفْتَهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩/٥٤]. ويلاحظ أن الله تعالى يذكر كثيراً خلق الليل والنهار ٤٩) والشمس والقمر، ثم يختم الكلام بالعزة والعلم. ثم أوضح تعالى فائدة النجوم، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ [الأنعام: ٩٧/٦] أي أوجد النجوم وهي ماعدا الشمس والقمر من النيِّرات للاهتداء بها في الأسفار، فيستدل بها الإنسان على الطرق، ويأمن من الضياع، وينجو من الخطأ والحيرة. والنجوم كما يذكر الفلکیون تعد بالملایین، وما اكتشف منها أقل بكثير مما لم يكتشف. ونظراً لما في عالم السماء من العظمة والدقة في النظام وإبداع الصنع، ختم الله تعالى الآية بقوله: ﴿قَدْ فَصَلْنَا الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي بينا لكم الآيات ٣٢٥ الُ (٧) - الْأَنْظُ: ٩٥/٦-٩٩ القرآنية والآيات التكوينية لأهل العلم والنظر الذين يدركون سر عظمة هذه الآيات، ويستدلون بها على وجود الله وقدرته ووحدانيته وعلمه، فإن كان المراد بالآيات آيات التنزيل فالمعنى أن هذه الآيات وأمثالها نوضحها لأهل الفكر والعلم والنظر، فيزدادون بها بحثاً وعلماً وإيماناً. وإن كان المراد بها آيات التكوين، فالمعنى أن هذه الآيات يبينها الله ليستدل بها العلماء على عظمة الله تعالى، ولا يدرك سر هذه الآيات غير العلماء كما قال تعالى: ﴿فَأَعْتَبِرُوا يَتَأُؤْلِى . الْأَبْصَرِ﴾ وبعد بيان آيات الله في الأرض والسماء، ذكر تعالى آياته في الأنفس، فقال: ﴿وَهُوَ اُلَّذِىّ أَنشَأَكُمْ﴾ أي أن الله تعالى خلقكم في الأصل من نفس واحدة هي آدم عليه السلام وهو الإنسان الأول الذي تناسل منه سائر البشر بالتوالد والتزاوج، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ﴾ [النساء: ١/٤]. وإنشاء جميع البشر من نفس واحدة يدل على قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ووحدانيته، كما يوجب شكر النعمة، ويرشد إلى وحدة الأصل والنوع الإنساني، مما يقتضي وجوب التعارف والتعاون بين الناس؛ لأنهم من أصل واحد وأب واحد، فهم إخوة، وما على الإخوة إلا التآلف، لا التناحر والتقاتل. ثم بَيَّن الله تعالى كيفية تسلسل البشر والولادة في وقت معين لا يعلمه إلا الله فقال: ﴿ فَمُسْتَفَرُّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي لكم موضع استقرار في الأرحام، وموضع استيداع في الأصلاب، أو مستقر في الأرض، ومستودع تحتها، أو مستقر في الدنيا ومستودع حيث يموت، أو فمنكم مستقر ومنكم مستودع. قد بينا آيات سنن الخلق الدالة على قدرتنا وإرادتنا، وعلمنا وحكمتنا، وفضلنا ورحمتنا، لقوم يفقهون مايتلى عليهم، ويَعُون كلام الله، ويدركون معناه ودقائقه. ٣٢٦ الجُرُ (٧) - الأَنْقَا: ٩٥/٦-٩٩ وعبر بالعلم مع ذكر النجوم، وبالفقه مع ذكر إنشاء بني آدم؛ لأن استخلاص الحكمة من خلق البشر من نفس واحدة، وتصريفهم في أحوال مختلفة يحتاج إلى دقة نظر، وعمق فهم وفطنة، وهذا هو معنى الفقه، فكان ذلك مطابقاً للحال. أما العلم بمواقع النجوم والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، فلا يتوقف على دقة النظر، وعمق الفكر، وإنما يكفي فيها وفي كل الأمور الفلكية شيء من المعرفة والخبرة والمشاهدة الظاهرية المعتمدة على الملاحظة والبصر. ثم ذكر تعالى آية من آيات التكوين في النبات وهي إنزال الماء من السماء وجعله سبباً للإنبات، فقال: ﴿وَهُوَ اُلَّذِىّ أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾ أي أن الله هو الذي أنزل بقدرته وتصريفه وحكمته من السحاب ماء بقدر، مباركاً، ورزقاً للعباد، وإحياء وإغاثة للخلائق، رحمة من الله بخلقه، فأخرجنا بسبب هذا المطر أصناف النبات المختلف في شكله وخواصه وآثاره، كما قال تعالى: ﴿ يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضِ فِ اَلْأُكُلِّ﴾ [الرعد: ٤/١٣] وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠/٢١]. وأخرجنا بالمطر زرعاً وشجراً أخضر، ثم بعد ذلك نخلق فيه الحب والثمر، لهذا قال تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَرَاكِبًا﴾ أي يركب بعضه بعضاً كالسنابل ونحوها. وهذا بيان لنوع من النبات لا ساق له، ثم عطف عليه ماله ساق من الشجر فقال: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ أي ونخرج من طلع النخل عراجين أو عناقيد قريبة التناول، ونخرج أيضاً من ذلك الخضر جنات من أعناب. وأخُص من نبات كل شيء بعد التمر والعنب غيرهما من الفواكه والثمار، وهو الزيتون والرمان، متشابهاً في الورق والشكل، قريباً بعضه من بعض، ومتخالفاً في الثمار شكلاً وطعماً وطبعاً، فمنها الحلو ومنها الحامض، ومنها المز، وكل ذلك دليل على قدرة الصانع. ٣٢٧ الجُزُ (٧) - الأَنْتَهَا: ٩٥/٦-٩٩ انظروا نظرة اعتبار وإمعان إلى ثمر الشجر والنبات إذا أثمر كيف يكون، وإلى نضجه واكتماله كيف يصير، ويتحول من جفاف إلى ممتلئ ماءً وخيراً وبركة، لكل ثمر طعم، وحجم، ولون، وقارنوا بين الثمار، وفكروا في قدرة الخالق من العدم إلى الوجود، بعد أن كان حطباً يابساً، صار غضاً طرياً رطباً، وغير ذلك من الألوان والأشكال والطعوم والروائح، كقوله تعالى: ﴿وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتٌ وَجَثَّتٌ مِّنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعٌ وَغَخِيْلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِ اَلْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤/١٣]. إن في ذلكم الذي أمرتم بالنظر إليه لدلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته، يستفيد منها المؤمنون المصدقون بالله والمتبعون رسله. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات خمسة أنواع من الأدلة على وجود الله الصانع وعلمه وقدرته وحكمته وهي مايلي: النوع الأول - مأخوذ من دلالة أحوال النبات والحيوان: فالله خالق الحب والنوى، وشاق الحب والنوى لإنبات الزرع والشجر، ومخرج النبات الغض الطري الخضر من الحب اليابس، ويخرج اليابس من النبات الحي النامي، كما قال الزجاج، ويخرج البشر الحي من النطفة، والنطفة من البشر الحي كما قال المفسرون كالقرطبي، ويخرج المؤمن من الكافر، كما في حق إبراهيم عليه السلام، والكافر من المؤمن، كما في حق ولد نوح، والعاصي من المطيع، وبالعكس، كما قال ابن عباس. ودل هذا على أن الحي أشرف من الميت، لذا وقع التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل، وعن القسم الثاني بصيغة الاسم؛ تنبيهاً على أن الاعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من الحي. ٣٢٨ الزُعُ (٧) - الْأَنْتَعَل: ٩٥/٦-٩٩ والنوع الثاني - مأخوذ من الأحوال الفلكية، وهذا أدل على القدرة الإلهية؛ لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر، ولأن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعاً من الأحوال الأرضية. وتضمن هذا النوع ثلاث آيات فلكية لها صلة بالأرض وهي فلق نور الصبح، أي شاقّ الضياء عن الظلام وكاشفه، وخالق النور والظلمة، وجاعل الليل سكناً أي محلاً للسكون، وجاعل الشمس والقمر آيتين للحساب الذي يتعلق به مصالح العباد؛ لأنه تعالى قدر حركة الشمس والقمر بحساب معين، وكل ذلك دليل على كمال قدرة الله تعالى وكونه فضلاً من الله ورحمة وإحساناً على الخلق. والنوع الثالث - ظاهرة سماوية وهو أنه تعالى خلق النجوم لمنافع العباد، بالاهتداء بنورها إلى الطرق والمسالك، في ظلمات البر والبحر، حيث لا يرون شمساً ولا قمراً، وذلك من أدلة كمال القدرة والرحمة والحكمة. ويستدل بالنجوم والكواكب والشمس والقمر أيضاً على معرفة القبلة، كما أن هذه الكواكب زينة للسماء: ﴿إِنَّا زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِيِنَةٍ الْكَوَكِبِ ﴾ [الصافات: ٦/٣٧] وهي أيضاً رجوم للشياطين: ﴿وَجَعَلْنَهَا رُجُومًا لِلْشَّيَطِينِ﴾ [الملك: ٥/٦٧] وهي كذلك مثار التفكير في عظمة السماوات: ﴿ وَيَنَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَأَلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٩١] قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه: أن الله جعلها زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر(١). والنوع الرابع - الاستدلال بأحوال الإنسان، وخلق البشر من نفس واحدة هي آدم عليه السلام، وإيداع أصول البشرية في الأصلاب والأرحام، (١) تفسير ابن كثير: ١٥٩/٢ ٣٢٩ لُ (٧) - الْأَنْخَطُ: ٩٥/٦-٩٩ ﴾ [الذاريات: ٢١/٥١] والتفكير في تكوين النفس: ﴿وَفِيّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ وهذا من دلائل وجود الإله وكمال قدرته وعلمه. والنوع الخامس - مأخوذ من طريقة الإنبات وتنوع النبات واختلاف أصناف الفواكه والثمار: وهو إنزال المطر من السماء (السحاب) وإخراج مختلف أنواع النباتات والزروع بالماء، وإيجاد الكثرة الهائلة من الثمار والفواكه والأزهار المختلفة الأشكال والألوان والطعوم والروائح، وذلك من أجلّ أنواع النعم والإحسان، ومن أعظم الدلائل على كمال القدرة الإلهية، وحقاً ماختمت به الآيات: ﴿قَدْ فَصَلْنَا الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ فَضَّلْنَا اُلْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ﴿إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ آمنا بالله رباً، وعلمنا أنه الحق المبين، وفقهنا وأدركنا بإمعان عظمة هذا الإله وسعة علمه، وفضله وإحسانه ورحمته بالمخلوقات جميعاً. ويلاحظ أنه تعالى ذكر في هذا النوع أربعة أنواع من الأشجار: النخل والعنب والزيتون والرمان، وقدم الزرع على الشجر؛ لأن الزرع غذاء، وثمار الأشجار فواكه، والغذاء مقدم على الفاكهة، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه؛ لأن التمر غذاء العرب المهم، وذكر العنب عقب النخل؛ لأنه أشرف أنواع الفواكه، للاستفادة منه بمجرد ظهوره حامضاً ثم حصرماً، ثم عنباً، ثم يدخر زبيباً سنة فأكثر ثم دبساً وخلاً. ٣٣٠ لُ (٧) - الْأَنْقُل: ١٠٠/٦-١٠٣ المزاعم المنسوبة إلى الله (الجن والولد والصاحبة) وكونه لا تدركه الأبصار ﴿وَجَعَلُواْ لِلَِّ شُرَّكَآَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمِّ وَخَرَفُواْ لَهُ، بَنِينَ وَبَنَتِ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَنَهُ. بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَنَّى يَكُونُ لَهُ، وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ (إ ٠٠ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَّ إِلَهَ لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ إِلَّا هُوَ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ وَهُوَ أَعَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ لَّ ١٠٢ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الْأَبْصَِّ وَهُوَ اُللَّطِيفُ الْخَبِيرُ القراءات: ﴿ وَخَقُواْ﴾: وقرأ نافع: (وخَرَّقوا). الإعراب: ﴿شُرَّكَآءَ الْجِنَّ﴾ ﴿شُرَّكَآءَ﴾: منصوب لأنه مفعول أول. و﴿الْجِنَّ﴾: مفعول ثانٍ: واللام في ﴿لِلَّهِ﴾ تتعلق بشركاء. ويجوز أن نجعل ﴿الْجِنَّ﴾ بدلاً من ﴿شُرَّكَآءَ﴾، واللام في ﴿لِلَّهِ﴾ تتعلق بـ (جعل). وقرئ (الجِنُّ) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم الجن. المفردات اللغوية: ﴿وَخَرَقُواْ﴾ مثل اختلقوا، والخرق والاختلاق للكلام: ابتداع الكذب. وأما الخلق: فهو فعل الشيء بتدبير ورفق. وأما الإبداع فهو إنشاء الشيء بلا اقتداء بأحد، والبديع من أسمائه تعالى: أي مبدع الأشياء ومحدثها على غير مثال سابق، ومنه البدعة في الدين؛ لأنه لا نظير لها فيما سلف. ٣٣١ الجُرُ (٧) - الْأَنْتُ: ١٠٠/٦-١٠٣ ﴿لَّا تُدْرِكُهُ اْأَبْصَرُ﴾ أي لا تراه، والإدراك: اللحاق والوصول إلى الشيء، والبصر: حاسة الرؤية، ﴿اللَّطِيفُ﴾ الرفيق بعباده وأوليائه ﴿الْخَبِيرُ﴾ بشؤون خلقه. المناسبة: بعد أن ذكر تعالى البراهين الخمسة على ثبوت الألوهية، وكمال القدرة والرحمة، ذكر عقب ذلك أن من الناس من أثبت لله شركاء من عالم الجن، أو من اختراع نسل له من البنين والبنات. التفسير والبيان: هذه الآيات رد على مشركي العرب الذين عبدوا مع الله غيره، وأشركوا به في عبادته أن عبدوا الجن، فجعلوهم شركاء له في العبادة، وأما عبادتهم الأصنام فلم تكن إلا بطاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك، كقوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا سَيْطَنَّا قَرِيدًا (49) لَّعَنَهُ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَهُمْ ١١٨) اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا وَ مُرَنَّهُمْ فَيُبَتِّكُنَّ ◌َاذَانَ اُلْأَنْعَمِ وَلَّمُهَنَّهُمْ فَلَيُغَيُِّكَ خَلْقَ اللَّهِّ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَّنِّيِهِمِّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٢)﴾ [النساء: ١١٧/٤ -١٢٠]. ومعنى الآية: وجعل مشركو العرب شركاء من عالم الجن أطاعوهم فيما يأمرونهم به، والجن: هم الملائكة فقد عبدوهم، كما قال قتادة، أو الشياطين فقد أطاعوهم في الشرك والمعصية، كما قال الحسن البصري. وقال المجوس: إن للخير إلهاً وللشر إلهاً وهو إبليس، أي أنهم سموه رباً. جعلوا لله الجن شركاء له حيث أطاعوهم في عبادة الأوثان، والحال أنه خلقهم أي خلق الله المشركين وغيرهم، فهو الخالق وحده لا شريك له، ٣٣٢ لُرُ (٧) - الْأَنْتُ: ١٠٠/٦-١٠٣ فكيف يكون المخلوقون شركاءه، وكيف يعبدون معه غيره؟ كقول إبراهيم: ٩٦ ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ (٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ وخلاصة المعنى: أنه تعالى هو المستقل بالخلق وحده، فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له. واختلقوا لله بجهلهم وحمقهم بنين وبنات، والمراد بقوله ﴿بِغَيْرِ عِلٍّ﴾: أنهم لا يعلمون حقيقة مايقولون، ولكن جهلاً بالله وبعظمته، فإن مشركي العرب سموا الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله. ﴿ سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي تقدس وتنزه وتعاظم الله عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون من الأولاد والأنداد والشركاء؛ لأنه الخالق المدبر لها، وليس كمثله شيء. والله مبدع السماوات والأرض وخالقهما ومنشئهما ومحدثهما على غير مثال سبق، وكيف يكون له ولد، والحال أنه لم تكن له صاحبة؟ والولد إنما يكون متولداً بين شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شيء، فلا صاحبة له ولا ولد، وهو مبدع الكائنات في السماء والأرض، ومتسبب في إيجاد الذرية من طريق التوالد والتناسل. وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أي أوجده ولم يلده ولادة، كما تزعمون، فما اخترعتم له من الولد، فهو مخلوق له لا مولود منه، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه؟ وهو الذي لا نظير له. وهذه الجملة مؤكدة لما سبق من نفي الولد. والله محيط علمه بكل الأشياء، وعلمه ذاتي له، ولا يعلم أحد مثل علمه، فلو کان له ولد لکان هو أعلم به، ولأرشد إليه، لكنه كذب وافتراء بلا دليل عقلي ولا وحي نقلي. ٣٣٣ الجُ (٧) - الْأَنْتُ: ١٠٠/٦-١٠٣ والخلاصة: نفى الله تعالى عن نفسه الولد؛ لأنه مبدع السماوات والأرض، وهي غير مولودة، ولأن الولد يأتي من ذكر وأنثى متجانسين، والله لا یجانسه ولا يماثله شيء، ولأن کل ماعدا الله لا یکافئه، فکیف یکون له ولد کفؤ له؟ وإذ ثبت أنه لا ولد له، فذلكم المتصف بما ذكر أيها المشركون هو الله ربكم، الذي لا إله إلا هو، والذي خلق كل شيء، ولا ولد له ولا صاحبة، فما عليكم إلا أن تعبدوه وحده لا شريك له، وتقروا له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له ولا والد، ولا صاحبة له ولا نظير، وكل من عداه مخلوق له يجب أن يعبد خالقه. وهو مع كل هاتيك الصفات حفيظ ورقيب على كل شيء، يدبر كل ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار. أي لا حافظ إلا الله، ولا يقضي الحاجات إلا الله. والله سبحانه لا تراه الأبصار رؤية إحاطة وشمول تعرف كنهه، كقوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمَّ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٥]. وقال ابن عباس: لا تدركه الأبصار في الدنيا ويراه المؤمنون في إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ٣٣ الآخرة؛ لإخبار الله بها في قوله: ﴿وُجُوهُ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ [القيامة: ٢٢/٧٥-٢٣]. وهو تعالى يرى العيون الباصرة رؤية إدراك وإحاطة وشمول، فلا تخفى عليه طرفة عين، ولا يخفى عليه شيء إلا يراه ويعلمه، وإنما خص ﴿الْأَبْصَرُ﴾ لتجنيس الكلام. إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ وهذه الآية إما مخصوصة بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةُ (49) [القيامة: ٢٢/٧٥-٢٣] وبالحديث الآتي الدال على رؤية الله عز وجل. ٣٣٤ الُرُ (٧) - الأَنْتَرُ: ١٠٠/٦-١٠٣ أو يقال: إنه لا تنافي بين الآيتين؛ لأن نفي إحاطة العلم لا يستلزم نفي أصل العلم، وكذلك نفي إدراك البصر للشيء والإحاطة به لا يستلزم نفي رؤيته مطلقاً. وقد ثبت في الصحيحين أنه وسلم قال: ((إنكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب)) فالمؤمنون يرون ربهم، وأما الكافرون فلا يرونه؛ لقوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ تَّبِهِمْ يَوْمَيِدٍ ﴾ [المطففين: ١٥/٨٣]. والله تعالى اللطيف أي الرفيق بعباده، الخبير ◌َّحْجُوبُونَ بهم المطلع على جميع أحوالهم. فقه الحياة أو الأحكام: نزلت الآية: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَآءَ الْجِنَ﴾ في مشركي العرب، ومعنى إشراكهم بالجن أنهم أطاعوهم كطاعة الله عز وجل. والآية توبيخ وتقريع ورد قاطع على المشركين الذين جعلوا الجن شركاء لله، ونسبوا الله البنين والبنات جهلاً منهم بحقيقة الله. والمشركون أصناف: اً - عبدة الأصنام القائلون: الأصنام شركاء لله في العبودية، ولكن لا قدرة لها على الخلق والإيجاد والتكوين. أَ - عبدة الكواكب وكانوا في عهد إبراهيم عليه السلام، وهم يقولون: إن الله فوض لها تدبير العالم الأسفل. ◌َّ - الثنوية أو المجوس القائلون بأن للعالم إلهين اثنين: أحدهما فاعل الخير، والثاني فاعل الشر. والحق أن جميع المخلوقات محدثة مخلوقة، وكل محدث فله خالق وموجد، وما ذاك إلا الله سبحانه وتعالى. ٣٣٥ الجُرُ (٧) - الأَنْشَرَا: ١٠٠/٦-١٠٣ والله تعالى مبدع السماوات والأرض وخالقهما، فكيف يكون له ولد، والحال أنه لا صاحبة ولا زوجة له، فكيف يأتي الولد؟ وهو خالق كل شيء، وهو العليم بكل شيء، فكيف يتخذ الولد والصاحبة؟ والخالق المدبر وهو الله هو المستحق للعبادة، ولا يستحقها عاجز مخلوق. ورؤية الله تعالى ثابتة للمؤمنين في عالم الآخرة، ولكن دون إحاطة ولا شمول ولا حصر ولا كيفية؛ إذ لو لم يكن جائز الرؤية لما حصل المدح لعظمة الله بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ لأن المعدوم لا تصح رؤيته. والخلاصة: أن الآيات لنفي الشرك والشركاء وإبطال مزاعم المشركين على مختلف طوائفهم، إذ لا حاجة لله للشريك والولد بأدلة كثيرة هي: كونه مبدع السماوات والأرض، والإبداع تكوين الشيء من غير مثال سبق، ولا صاحبة له، وخالق كل شيء، ومحيط علمه بكل شيء، ولا تتمكن الأبصار من الإحاطة برؤيته؛ لأنه سبحانه منزه عن سِمات الحدوث، ومنها الإدراك؛ بمعنى: الإحاطة والتحديد، كما تدرك سائر المخلوقات. ومن اتصف بهذه الصفات فهو المستحق للعبادة، لذا أمر الله بعبادته وحده لا شريك له. وأما رؤية النبي ◌َّ لربه في ليلة الإسراء في الدنيا فالصحيح أنها لم تحصل بالعين المجردة، وإنما رآه بقلبه ورأى جبريل على حقيقته. وعن ابن عباس أنه رآه بعينيه، وحجته قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ اُلْفُؤَادُ مَا رَأَ (4﴾ [النجم: ٥٣/ ١١]. ٣٣٦ الجُرُ (٧) - الأَنْقال: ١٠٤/٦-١٠٧ مُبصّرات الوحي وقدرة الله على منع الشرك ﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَابِرُ مِن رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِةِ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيَّهَأَ وَمَآ أَنَا وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ وَلِيَقُولُوْ دَرَسْتَ وَلِنُبِيِّنَهُ لِقَوْمٍ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ١٠٥) يَعْلَمُونَ ـ اٌلَبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن زَّيِّكَْ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوِّ وَأَعْرِضْ عَنِ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاً وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم ١٠٦ اٌلْمُشْرِكِينَ ١٠٧ بِوَكِيلٍ القراءات: ﴿دَرَسْتَ﴾: قرئ: ١- (دارسْتَ) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو. ٢- (دَرَسَتْ) وهي قراءة ابن عامر. ٣- (دَرَسْتَ) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ معطوف على فعل مقدر، والتقدير: نصرف الآيات ليجحدوا وليقولوا، أي ليصير عاقبة أمرهم إلى الجحود وإلى أن يقولوا هذا القول. وهذه اللام تسمى لام العاقبة عند البصريين، ولام الصيرورة عند الكوفيين، مثل اللام في قوله تعالى: ﴿فَالْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ ج عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨/٢٨] وما التقطوه ليكون لهم عدواً، وإنما التقطوه ليكون لهم قرة عين، ولكن صارت عاقبة التقاطهم إياه إلى العداوة والحزن. البلاغة: ﴿بَصَآِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ مجاز مرسل وعلاقته المسببية أي من باب تسمية المسبب باسم السبب، والمراد بالبصائر: الحجج والبراهين التي تبصرون بها الحقائق. ٣٣٧ الجُرُ (٧) - الاَتشمل: ١٠٤/٦-١٠٧ ﴿أَبْصَرَ فَلِنَفْسِةِ، وَمَنْ عَمِىَ﴾ بينهما طباق. (بَصَآپِرُ﴾ و﴿ أَبْصَرَ﴾ بينهما جناس المفردات اللغوية: ﴿بَصَآِرُ﴾ أي حجج بيَّنات وآيات واضحات، وتطلق البصيرة على عدة معان: عقيدة القلب، والمعرفة الثابتة يقيناً، والعبرة، والقوة التي تدرك بها الحقائق العلمية، ويقابلها البصر الذي تدرك به الأشياء الحسية ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ،﴾ أي فمن أدركها فآمن فثواب إبصاره له ﴿بِحَفِيظٍ﴾ رقيب لأعمالكم، إنما أنا نذير. وَكَذَلِكَ﴾ كما بينا ماذكر ﴿نُصَرِّفُ الْأَيَتِ﴾ نبينها ونأتي بها على وجوه مختلفة بما يناسب المقام، ليعتبروا ﴿وَلِيَقُولُواْ﴾ أي الكفار في عاقبة الأمر، فإن اللام لام العاقبة أو الصيرورة ﴿دَرَسْتَ﴾ قرأت كثيراً حتى حفظته، أو درست كتب الماضين وجئت بهذا منها، وفي الحديث: ((كان يدارسه القرآن)) يذاكره له حتى يحفظه، وفي المدارسة معنى التذليل بكثرة القراءة. ﴿حَفِيظًا﴾ رقيباً فتجازيهم بأعمالهم ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَّكِيلٍ﴾ موثَّل مفوض في أمرهم، فتجبرهم على الإيمان. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى الأدلة على توحيده وكمال قدرته وعلمه، عاد إلى تقرير أمر الدعوة الإسلامية والرسالة وتبليغ النبي ◌َّلر وحي ربه. التفسير والبيان: قد جاءكم أيها الناس البصائر: وهي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن وما جاء به الرسول من البراهين العقلية والنقلية التي تثبت لكم العقيدة ٣٣٨ الْجُ (٧) - الَنْعُ: ١٠٤/٦-١٠٧ الحقة، وتبين منهاج الحياة الأقوم، ودستور النظام العام للجماعة، وأصول الأخلاق والآداب. فمن أبصر الحق فآمن فلنفسه، ومن عمي عن الحق وضل وأعرض عن سبيله، فعلى نفسه جنى، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِةِ، وَمَن ضَلَ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨/١٠] وقوله: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَاُ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤١ / ٤٦]. 13 ومعنى قوله: ﴿وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا﴾ أي إنما يعود وباله عليه، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِىِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦/٢٢]. ﴿وَمَآ أَنَأْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي لست عليكم بحافظ ولا رقيب، بل إنما أنا مبلِّغ ومنذر، والله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء. [وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْأَيَتِ﴾ أي وكما فصلنا الآيات في هذه السورة من بيان التوحيد وأنه لا إله إلا هو، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن، لجهالة الجاهلين، وليؤول الأمر بأن يقول المشركون والكافرون المكذبون: درست هذا وقرأته على غيرك، أو دارست يا محمد من قبلك من أهل الكتاب، وتعلمت منهم، وليس وحياً من عند الله. أي إن تصريف الآيات وتقليبها على وجوه مختلفة بحسب المقامات يستهدف : اً - أن يهتدي بها المستعدون للإيمان. أَ - وأن يقول الجاحدون المعاندون: إنما درست هذا وقرأته على غيرك، وليس هذا بوحي كما تزعم، وزعموا أنه تعلم من غلام رومي حداد أعجمي وليس بعربي، كان يصنع السيوف بمكة، اسمه (قيس)) كما حكى تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌّ لِّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ [النحل: ١٠٣/١٦]. ١٠٣ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبُ شُبِيكُ ٣٣٩ الجُ (٧) - الأَنْفُل: ١٠٤/٦-١٠٧ ٣ - ﴿وَلِنُبِيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي ولنوضحه لقوم يعلمون الحق، فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه، فالبيان إنما يفيد أهل العلم المدركين الذين يستخدمون بصائرهم في مدلولات القرآن، فهم الذين يتبين لهم بالتأمل حقيقة القرآن ودلائله. أما الجاهلون الذين لم يفهموا آيات القرآن، فلا ينتفعون به. ثم يأمر الله رسوله وَله ومن اتبع طريقته باتباع الوحي وتجنب المشركين بقوله: ﴿الَّعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ أي اقتد به واقتف أثره واعمل به، فإن ما أوحيَ إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه؛ لأنه لا إله إلا هو، واعف عن المشركين واصفح عنهم، واحتمل أذاهم واصبر عليهم حتى يفتح الله لك، وينصرك عليهم. ولو شاء الله ما أشرك المشركون، بل له المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، له الحكمة في بقائهم في الضلال، ولو شاء لهدى الناس جميعاً، بأن يخلقهم مستعدين للإيمان، لكنه خلقهم مستعدين للكفر، وترك لهم حرية الاختيار في أعمالهم. ﴿وَمَا جَعَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي وما جعلناك حافظاً تحفظ أقوالهم وأعمالهم، وما أنت بموكل على أرزاقهم وأمورهم والتصرف في قضاياهم. أي لست عليهم بمسيطر، وليس لك صفة الملوك القاهرين، بل أنت بشير ونذير، والله يجازيهم ويحاسبهم. فقه الحياة أو الأحكام: آي القرآن المتقدمة حجج بينة ظاهرة تدل على صدق الرسالة ونبوة محمد وَلير، ومهمته التبليغ والإنذار، لا القسر والقهر والإكراه، ولا الرقابة على أعمال الناس، فمن أبصر الحق وآمن بدعوة الإسلام والقرآن فلنفسه أبصر، وإياها نفع، ومن عمي عنه فعلى نفسه الوبال وإياها ضر. ٣٤٠ لُعُ (٧) - الأَنْقَمَا: ١٠٤/٦-١٠٧ ومن فضله تعالى أنه كما صرف الآيات في الوعد والوعيد والوعظ والتنبيه في هذه السورة، يصرف في غيرها على وجوه مختلفة للإقناع والعبرة والعظة، ولإلزام المشركين بالحجة وليقولوا: درست، أي وليصير قولهم: ((درست)) صرَّفناها، فهي لام الصيرورة، ولتبيان الحق لقوم يعلمون ويدركون معناها ويقدرون فحواها ومضمونها. والرسول وَي مأمور بتبليغ الدعوة والرسالة الإلهية، والمقصود من هذا الأمر بعد اتهام الكفار له بالافتراء أو مدارسة أقوام هو تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي حدث عنده بسبب هذا الاتهام، لئلا يصير قول الكفار سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة. والرسول ◌َّ مأمور أيضاً بالإعراض عن المشركين بعد قيامه بواجب التبليغ، والله قادر على جعلهم مؤمنين موحدين غير مشركين، ولم يجعل من مهام النبي ◌َّ الرقابة على أعمالهم، ولا التوكل بأمورهم ومصالحهم في دينهم ودنياهم، وإنما مهمته التبليغ، ليترك لهم حرية الاختيار والطواعية بقبول الإيمان، وكأنه تعالى يقول لنبيه وَله: لا تلتفت إلى سفاهات الكفار، ولا يثقلن عليك كفرهم، فإني لو أردت إزالة الكفر عنهم لقدرت، ولكني تركتهم مع كفرهم، فلا تشغل قلبك بكلامهم. ويحمل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَّآ أَشْرَكُواْ﴾ أي عدم مشيئته لإيمانهم على فے الإيمان الحاصل بالقهر والجبر والإلجاء، ويحمل مشيئة الله لإيمانهم على مشيئة الإيمان الاختياري الموجب للثواب والثناء(١). (١) تفسير الرازي: ١٣٨/١٣