Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
الُ (٧) - الأَنْتُل: ٥٩/٦-٦٢
مَوْتِهَا وَأَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ اَلَتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ
اُلْأُخْرَىّ إِلَى أَجَلِ تُسَقَّىَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ
[الزمر: ٤٢/٣٩] فذكر في كل من هاتين الآيتين حكم الوفاتين: الصغرى ثم
الکبری.
ويعلم ماكسبتم من الأعمال بالنهار، وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة
علمه تعالى بخلقه في لیلھم ونهارهم، في حال سکونهم وحال حرکتھم، كما
قال تعالى: ﴿سَوَآءُ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ
[الرعد: ١٣ /١٠].
١٠
بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ ◌ِالنَّهَارِ
ثم بعد هذا التوفي بالنوم والعلم بأعمالكم في النهار، يبعثكم في النهار أي
يثيركم ويرسلكم فيه، على ماهو الأظهر الذي رجحه ابن كثير، وهو قول
مجاهد وقتادة والسدي.
هذا التقلب في الليل والنهار لأجل أن يقضى وينفذ الأجل المسمى الذي في
علمه تعالى لكل واحد منكم، فإن الآجال والأعمار محدودة ومقدرة مكتوبة
سابقاً.
ثم إلى الله مرجعكم يوم القيامة بعد تمام الآجال، ثم يخبركم بأعمالكم التي
عملتموها في الدنيا، ويجازيكم عليها إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
والله هو القاهر فوق عباده أي هو الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله
وعظمته وكبريائه كل شيء، وهو القادر على البعث؛ لأن من قدر على بعث
من توفي بالنوم قادر على بعث من توفي بالموت، وهو المتصرف بعباده، يفعل
بهم ما يشاء إيجاداً وإعداماً، إحياء وإماتة.
وهو الحافظ الذي يرسل حفظة من الملائكة ليلاً ونهاراً يحفظون بدن
الإنسان، ويحصون أعماله، ولا يفرطون بشيء منها، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ

٢٤٢
الجُ (٧) - الَتْقُل: ٥٩/٦-٦٢
كِرَامًا كَنِينَ
عَلَيْكُمْ لَتِفِظِينَ
[الانفطار: ٨٢/
١٣
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ
١٠ - ١٢] ﴿عَنِ اٌلْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ فَعِيدُ، مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيْدٌ
[ق: ١٧/٥٠-١٨]. وفي معنى الآية قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ
خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١/١٣].
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: ((يتعاقبون فيكم ملائكة
بالليل وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج
الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟
فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)).
والحكمة في كتابة الحفظة الملائكة أعمال الإنسان مع أن الله أعلم بكل
شيء: هي الإتيان بدليل مادي محسوس لإقامة الحجة على الإنسان، ولأن المرء
إذا عرف تدوين أعماله انزجر عن الممنوعات، وأقدم على الطاعات، كما قال
تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِنَبُ فَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِلَنَنَا مَالِ
هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَاً وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً
[الكهف: ٤٩/١٨].
وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (3)
يرسل عليكم الحفظة الملائكة لإحصاء الأعمال، حتى إذا حان الأجل،
قبضت روحه رسلنا الموكلون بذلك من الملائكة، هؤلاء الرسل هم أعوان
﴿﴿ قُلْ يَنَقَّكُمْ مَّلَكُ اَلْمَوْتِ الَّذِىِ ؤُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ
ملك الموت، كما قال تعالى:
[السجدة: ١١/٣٢] قال ابن عباس وغيره: لملك
إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
الموت أعوان من الملائكة يخرجون الروح من الجسد، فيقبضها ملك الموت إذا
انتهت إلى الحلقوم.
والحال أن هؤلاء الملائكة الحفظة لا يفرطون، أي لا يقصرون في حفظ روح
المتوفى، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله عز وجل، إن كان من الأبرار
ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين، عياذاً بالله من ذلك.

٢٤٣
الُ (٧) - الْأَنْيَا: ٥٩/٦-٦٢
ثم يرد هؤلاء الذين تتوفاهم الرسل إلى الله، أي إلى حكمه وجزائه، إلى الله
مولاهم، أي مالكهم الذي يلي أمورهم، الحق أي العدل الذي لا يحكم إلا
بالحق، ألا له الحكم يومئذ لاحكم فيه لغيره، ولا راد لقضائه ولا معقب
لحكمه، وهو أسرع الحاسبين، يحاسب الكل في أسرع وقت وأقصره، ولا
يشغله حساب عن حساب، جاء في الحديث: ((إن الله يحاسب الكل في مقدار
حلب شاة)).
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْعَلِيمُ ﴿٤﴾ [النمل: ٧٨/٢٧] وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ
سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١/١٣] وقوله ﴿أَنْتَ تَحْكُّمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُواْ
فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦/٣٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مايلي :
١ - الله تعالى عالم الغيب والشهادة، كلاً وجزءاً، واختص بعلم خمسة أمور
لا يعلمها إلا هو: وهي علم الساعة، ووقت تنزيل الغيث (المطر) ومقداره،
وعلم مايكنّ في الأرحام بأوصاف وطبائع معينة، وعلم المستقبل، وعلم آجال
الناس.
وعلمه محيط بكل حركة وسكنة، وجماد وحيوان ونبات، وسرّ الإنسان
وحديث النفس وخلجات القلب.
والله تعالى عنده علم الغيب، وبيده الطرق الموصلة إليه، لايملكها إلا هو،
فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه، ومن شاء حجبه عنها حجبه، ولا یکون ذلك
من إفاضته إلا على رسله، بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ
ج
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُسُلِهِ، مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩/٣] وقوله: ﴿عَلِمُ

٢٤٤
لُزُ (٧) - الأَنْقَطُ: ٥٩/٦-٦٢
إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٧٢٪
اُلْغَيْبٍ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًّا
٢٦-٢٧].
٢- قال العلماء: أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آية من
كتابه إلا من اصطفى من عباده، فمن قال: إنه ينزّل الغيث غداً وجزم فهو
كافر، أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا. وكذلك من قال: إنه يعلم ما في الرحم
فهو كافر، فإن لم يجزم وقال: إن النَّوْء(١) ينزل الله به الماء عادة، وأنه سبب
الماء عادة، وأنه سبب الماء على ماقدَّره وسبق في علمه، لم يكفر، إلا أنه
يستحب له ألا يتكلم به، فإن فيه تشبهاً بكلمة أهل الكفر، وجهلاً بلطيف
حكمته؛ لأنه ينزل متى شاء، مرة بنَوْء كذا، ومرة دون النَّوْء(٢).
والكهانة (ادعاء معرفة الماضي وعلم الغيب) والعِرافة (ادعاء معرفة الماضي
والمستقبل) كذب يتنافى كل منهما مع أصل معرفة الله الغيب وانحصار ذلك
به، جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي ◌َّ أن النبي وَّ قال: ((من
أتى عَرّافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)) والعرَّاف: هو الحازر
والمنجّم الذي يدعي علم الغيب، ويستدل على الأمور بأسباب ومقدمات
يدّعي معرفتها، وقد يستعين بالنجوم وغيرها، وأسباب معتادة في ذلك. وهذا
فن العِيَافة، وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة.
قال ابن عبد البر: من المكاسب المجمَع على تحريمها الربا ومهور البغايا
والسُّحت والرشا وأخذ الأجرة على النياحة والغناء، وعلى الكهانة وادعاء
الغيب وأخبار السماء، وعلى الزمر واللعِب والباطل كله.
٣- الإشارة للكتاب المبين أي اللوح المحفوظ: لتعتبر الملائكة بذلك، لا
أنه سبحانه كتب ذلك لنسيان يلحقه، تعالى عن ذلك.
(١) النوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع آخر من المشرق يقابله من
ساعته، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها.
(٢) تفسير القرطبي: ٢/٧

٢٤٥
المُ (٧) - الأَنْتُم: ٥٩/٦-٦٢
٤- الله المتصرف في الإنسان بنومه وهو الموتة الصغرى، وبموته الحقيقى
وهو الموتة الكبرى، والفرق بينهما أن النوم فيه قبض الروح عن التصرف،
وأما الموت ففيه قبض نهائي للروح عن الحركة وسلخها من الجسد، ففي النوم
تبقى الحياة، بدليل بقاء الحركة والتنفس، فإذا انقضى عمره خرجت روحه
وتنقطع حياته، وصار ميتاً لا يتحرك ولا يتنفس.
٥- إمهاله تعالى للكفار ليس لغفلة عن كفرهم، فإنه أحصى كل شيء
عدداً، وعَلِمَه وأثبته، ولكن ليقضي أجلاً مسمى من رزق وحياة، ثم يرجعون
إليه فيجازيهم.
وقد دلت الآية على الحشر والنشر بالبعث؛ لأن النشأة الثانية منزلتها بعد
الأولى كمنزلة اليقظة بعد النوم في أن من قدر على أحدهما فهو قادر على
الآخر.
٦- في تحديد الأجل المسمى للحياة والرجوع إلى الله تعالى للحساب
والجزاء تأييد لما تقدم من حكمة تأخير ماكان يستعجله مشركو مكة من
العذاب، وأن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فمن نجا من الأول لم
يسلم من الآخر.
والله في كل الأحوال هو القاهر فوق عباده فوقية مكانة ورتبة، لافوقية
مکان وجهة.
٧- لله ملائكة تحفظ أعمال العباد وتحفظهم من الآفات، وهناك مهام
أخرى للملائكة متعلقة بالبشر، منها قبض الأرواح، ولملك الموت أعوان
يسّون الروح من الجسد حتى إذا كان عند قبضها، قبضها ملك الموت.
والمتوفي على الحقيقة هو الله، لكن قد ينسب التوفي تارة إلى ملك الموت
الذي يأتمر بأمر الله مثل: ﴿قُلْ يَنَوَفَّنكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١/٣٢]، وتارة

٢٤٦
لُرُ (٧) - الأَنْتُل: ٦٣/٦-٦٤
إلى الملائكة؛ لأنهم يتولون ذلك، كما في هذه الآية: ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ وتارة إلى
الله مثل ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢/٣٩] ﴿قُلِ اللَّهُ يُحِبِيَكُمْ ثُمَّ
يُمِيتُكُمْ﴾ [الجاثية: ٢٦/٤٥] ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ﴾ [الملك: ٢/٦٧].
٨ - الحكم المطلق لله وحده يوم القيامة، أي القضاء والفصل، والله أسرع
الحاسبين، أي لا يحتاج إلى فكرة وروية.
القدرة الإلهية على الإنجاء من الظلمات
﴿قُلْ مَن يُنَجِيَكُم مِّن ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَمُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّيِنْ أَنَجَنْنَا مِنْ
هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشََّكِينَ ﴿ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ
٦٤
القراءات:
﴿لَّيِنْ أَنْجَنَا﴾: قرئ:
١- (لئن أنجانا) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (لئن أنجيتنا) وهي قراءة الباقين.
﴿اَللَّهُ يُنَجِّيَّكُمْ﴾: قرئ:
١ - (الله يُنْجِیکم) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن ذكوان.
٢- (الله ينجِّيكم) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ إما منصوب على المصدر، أو منصوب على الحال؛ لأن
معناه: ذوي تضرع . ﴿لَِّنْ أَنْجَنَا﴾ اللام لام القسم.
المفردات اللغوية:
﴿ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الحسية كظلمة الليل والغيوم والمطر وما يصحبها من
۔

٢٤٧
الجُرُ (٧) - الْأَنْتُم: ٦٣/٦-٦٤
أخطار كالعواصف والأعاصير وهياج البحار، والمعنوية كظلمة الجهل
بالطرق، وفقد الدلائل، والمراد أهوالهما ومخاوفهما في أسفاركم. ﴿تَضَرُّعًا﴾
علانية ومبالغة في الضراعة: وهي الذل والخضوع، والمراد: ما صدر عن
الحاجة الشديدة والإخلاص. ﴿وَخُفْيَةً﴾ خفاء وسراً. ﴿مِنْ هَذِهِ﴾ الظلمات
والشدائد. ﴿الشَّكِرِينَ﴾ نعمة الله مع الانضمام لصف المؤمنين. ﴿ وَمِن كُلِّ
کرْپٍ﴾ غم شدید.
المناسبة:
بَيَّن سبحانه فيما سبق بعض الأدلة على ألوهيته من إحاطة علمه، وشمول
قدرته، واستعلائه على خلقه بالقهر، وحفظه أعمالهم عليهم، وأضاف هنا
نوعاً آخر من الدلائل الدالة على كمال القدرة الإلهية، وكمال الرحمة والفضل
والإحسان.
التفسير والبيان:
يمتن الله تعالى على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر،
أي الحائرين التائهين المتعرضين لأهوال المخاطر والمخاوف في البر والبحر.
قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين غفلوا عن آيات التوحيد: من
ينجيكم من أهوال الأسفار ومخاوفها إذا ضللتم في أنحاء الأرض البرية
والبحرية؟ فحينئذ لا تجدون ملجأ غير الله تدعونه علانية وسراً، بخشوع
وخوف واستغاثة وضراعة وتذلل، حال كونكم تقسمون: لئن أنجانا الله من
هذه الشدائد والظلمات أو الضائقة التي وقعت بنا، لنكونن من شاكري
النعمة، المقرين بتوحيد الله، المخلصين له العبادة، دون إشراك.
ونظير الآية كثير في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُسَبِّكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ
حَتَّىَ إِذَا كُنْتُمْ فِ الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ

٢٤٨
الُرُ (٧) - الْأَنْتُ: ٦٣/٦-٦٤
وَجَآءَ هُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
﴾ [يونس: ٢٢/١٠].
لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَنَكُونَ مِنَ الشَِّكِينَ
ھط
ومثل: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ١٧/
٦٧].
قل: الله هو الذي ينجيكم مراراً من هذه الأهوال، ومن كل كرب وغم،
ثم مع ذلك أنتم بعدئذ تشركون بالله غيره، فتخلفون وعدكم بالإيمان،
وتخونون العهد مع الله، وتحنثون بالقسم الذي حلفتموه.
فقه الحياة أو الأحكام:
لا يثبت الإنسان غالباً على العهد، ولا يفي بالوعد، ولا يستقرّ على حال
الاستقامة، فتراه بطبعه غداراً خائناً، يلجأ إلى الله وقت الشدة والخوف،
وينسى الله بعد النجاة، ويعود إلى ضلاله وجهله. والواجب الذي يمليه العقل
والوفاء بالجميل والإخلاص أن يستمر الإنسان على أصل العقيدة الصحيحة
والإيمان الحق والعبادة لمن أنعم عليه بجلائل النعم ودقائقها، لا سيما في
أحوال الأزمات والمحن.
وهذه حال من الأحوال التي ذكرتها الآية: وهي إذا أخطأتم الطريق
وخفتم الهلاك ودعوتم الله، وأقسمتم: لئن أنجانا الله من هذه الشدائد،
لنكونن من الطائعين المستقيمين.
وهذا توبيخ من الله لأولئك المشركين في دعائهم إياه عند الشدائد، ثم
يدعون معه غيره في حالة الرخاء، كما قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .
إنه مثل ضربه الله، بقصد التقريع والتوبيخ لمن تعهد بالإيمان ونبذ الشرك؛
لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة، وحب الإخلاص، والمشركون قد جعلوا
بدلاً منه وهو الإشراك، فحسن أن يقرَّعوا ويوبخوا على هذا المنهج، وإن كانوا
مشركين قبل النجاة.

٢٤٩
الُ (٧) - الْأَنْتَهُم: ٦٥/٦-٦٧
وفي الآية إيماء إلى أن من أشرك في عبادة الله تعالى غيره، فهو لم يعبده؛ لأن
شرط العبادة الإخلاص، والتوحيد أساس العبادة.
والآية صريحة بأنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في وقت
المحنة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله، ولا تعويل إلا على فضل الله، وجب أن يبقى
هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات؛ إذ لا يقبل عقلاً أن يأتي
الإنسان بأمور أربعة عند حصول الشدائد: وهي الدعاء، والتضرع،
والإخلاص بالقلب، والتزام الاشتغال بالشكر، ثم يرتد على عقبيه، ويعمل
بنقيض هذه الأمور بعد النجاة وإحراز السلامة من الله تعالى وحده الذي يهيئ
الأسباب للإنجاء من المخاوف، أو يغمر عباده بواسع الرحمة والفضل،
وبدقائق اللطف والإلهام.
القدرة الإلهية على تعذيب العصاة
﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَىَّ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ
يَلْسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ
(٦٥
وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلِ ﴿﴿ لِكُلِّ نَبَارِ مُسْتَقَرٌّ
وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
القراءات:
﴿ بَأَسَ﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (باس).
﴿ بَعْضِّ أَنْظُرْ﴾ :
بكسر التنوين وصلاً قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة.

٢٥٠
الجُزءُ (٧) - الأَنْتُم: ٦٥/٦-٦٧
وقرأ الباقون بضم التنوين وصلاً.
الإعراب:
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ إما منصوب على المصدر أو على الحال.
البلاغة:
﴿مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾ أي من السماء كالحجارة والصيحة. ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)
كالخسف. ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ﴾ يخلطكم، من اللَّبْس، والمراد: يخلط عليكم أمركم
خلط اضطراب واختلاف. وفيه حذف تقديره: يلبس عليكم أمركم . ﴿شِيَعًا﴾
جمع شيعة، أي يجعلكم فرقاً مختلفة الأهواء . ﴿ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضِ﴾
بالقتال. ﴿نُصَرِّفُ الْآَيَتِ﴾ نبين لهم الدلالات على قدرتنا، ونحولها من نوع من
أنواع الكلام إلى آخر، ترسيخاً للمعنى وتأكيداً له . ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)
يعلمون أن ما هم عليه باطل، والفقه: فهم الشيء بدليله وعلته، فهماً يؤدي
إلى الاعتبار والاتعاظ والعمل الأفضل.
﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ بالقرآن. ﴿وَهُوَ اُلْحَقُّ﴾ الصدق. ﴿بِوَكِيلٍ﴾ هو الذي تُوكَل أو
تفوض إليه الأمور، والمراد: لست مفوضاً في شأنكم، فأجازيكم، إنما أنا
منذر، وأمركم إلى الله . ﴿نَبَكرٍ﴾ خبر. ﴿مُسْتَقَرٌ﴾ وقت يقع فيه ويستقر، ومنه
عذابكم . ﴿ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديد لهم.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: لما نزلت ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن
يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ الآية، قال رسول الله وَّه: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً

٢٥١
الُهُ (٧) - الأَنْتيا: ٦٥/٦-٦٧
يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف)) قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله
وأنك رسول الله، فقال بعض الناس: لا يكون هذا أبداً: أن يقتل بعضنا
بعضاً، ونحن مسلمون، فنزلت: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْأَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ،
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلِ ﴿َ لِكُلِّ نَبَلٍ مُّسْتَقَرُّ وَسَوْفَ
تَعْلَمُونَ
وروى أحمد والترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: سئل رسول الله وَله
عن هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾ إلخ، فقال: «أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها
بعد)).
المناسبة:
بعد أن بَيَّن سبحانه أنه القادر على إنجاء المشركين وغيرهم من المخاوف
والأهوال، بَيَّن كونه تعالى قادراً على إيصال العذاب إليهم من طرق مختلفة،
ليعتبروا ويتعظوا، وهو نوع آخر من دلائل التوحيد، ممزوج بنوع من
التخويف.
التفسير والبيان:
قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين المعاندين: الله هو القادر على إنزال
العذاب عليكم بألوان مختلفة، تارة من فوقكم كالرجم بالحجارة كما حدث
لقوم لوط وأصحاب الفيل، والصيحة وهي الصوت الشديد المهلك، كما
حدث لثمود وهم أصحاب الحجْر (واد بين المدينة والشام)، والطوفان كما
حدث لقوم نوح، وتارة من تحتكم كالزلزال والبركان والخسف المعهود فيما
سبق كما حدث لقارون، وتارة أن يخلط عليكم أمركم ويجعلكم فرقاً مختلفين
على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام. ومعنى خلطهم: أن ينشب
القتال بينهم، فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال. وعن ابن عباس: أن

٢٥٢
الُ (٧) - الْأَنْتَمَا: ٦٥/٦-٦٧
المراد بمن فوقكم أي من أمرائكم، ومن تحت أرجلكم، أي عبيدكم
وسِفْلتكم.
قال الطبري: وأولى التأويلين(١) في ذلك بالصواب عندي قول من قال:
عنى بالعذاب من فوقهم: الرجم، أو الطوفان، وما أشبه ذلك، مما ينزل
عليهم من فوق رؤوسهم؛ ومن تحت أرجلهم: الخسف وما أشبهه، وذلك أن
المعروف في كلام العرب من معنى: فوق وتحت الأرجل هو ذلك دون غيره،
وإن كان لما روي عن ابن عباس في ذلك (التأويل الثاني) وجه صحيح، غير
أن الكلام إذا تنوزع في تأويله، فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحق
وأولى من غيره، ما لم تأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها (٢).
وإني أؤيد الطبري؛ لأن ظاهر اللفظ يقضي بحمله على المعروف المشهور،
وإن كان لا مانع من الأخذ بعموم اللفظ، مما يحدث في المستقبل؛ لأن القرآن
معجزة الدهر، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه. وقد شهد العصر الحديث
ويلات رهيبة من مشاهد القتال، من الجو والبر والبحر، مما يشيب منه
الإنسان.
روى البخاري والنسائي عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية:
﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله وَلِّ: ((أعوذ
بوجهك)). ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: ((أعوذ بوجهك)». ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا
وَيُذِبِقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله وَّ: ((هذه أهون - أو: أيسر).
وإنما كان التفريق والاقتتال أهون؛ لأن ما قبله أشد وهو عذاب
الاستئصال.
(١) التأويل الأول للعذاب من فوقهم: الرجم، ومن تحتهم: الخسف، والتأويل الثاني للعذاب
من فوقهم: أئمة السوء، ومن تحت أرجلهم: الخدم وسِفْلة الناس، وهذا مروي عن ابن
عباس.
(٢) تفسير الطبري: ١٤٢/٧

٢٥٣
الجُرُ (٧) - الأَنْظَم: ٦٥/٦-٦٧
وروى الإمام أحمد عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله وَله أن رسول
الله اَلّ قال: ((سألت ربي عز وجل أربعاً، فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة،
سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر
عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما
أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت الله عز وجل أن لا يلبسهم شيعاً،
وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعنيها)).
ويؤيده - مع بعض الفارق - ما رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن ابن
عباس أن رسول الله وَّم قال: ((دعوت ربي عز وجل أن يرفع عن أمتي أربعاً،
فرفع الله عنهم اثنتین، وأبى علي أن يرفع عنهم اثنتين، دعوت ربي أن يرفع
الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق
بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض،
وأبى الله أن يرفع اثنتين: القتل والهرج)) فجعل الأمرين الأخيرين اثنين، وفي
رواية أحمد: واحداً.
وروى مسلم ما يؤيد رواية أحمد، وهي رواية أخرى لأحمد من حديث
ثوبان قال: قال رسول الله وَ له: ((إن الله زوى (١) لي الأرض، فرأيت مشارقها
ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر
والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة(٢)، وألا يسلط عليهم
عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم(٣)، وإن ربي قال: يا محمد، إذا
قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا
أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم
من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً)).
(١) زوى: جمع.
(٢) السنة العامة: البلاء العام كالمجاعة والقحط والغرق والصيحة والرجفة والريح العاتية.
(٣) البيضة: العزة ومستقر الملك أو كيان البلاد واستقلالها.

٢٥٤
الجُرُ (٧) - الأَنْشَهَا: ٦٥/٦-٦٧
وقد تحقق خبر النبي ◌َّله في اتساع أرجاء البلاد الإسلامية إلى المشارق
والمغارب، وفي وقوع بأسهم بينهم بالتفرق والاقتتال. أما تسلط عدوهم
عليهم فمرهون بوحدتهم واجتماع كلمتهم، وما حدث من زوال ملكهم عن
بعض البلاد كالأندلس وفلسطين فكان بسبب تفرقهم وتشتت وحدتهم وتمزق
صفوفهم وتفرق جمعهم، بدليل ما روى أبو داود والبيهقي أن رسول الله وَل
قال: ((يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأَكَلَة إلى قَصْعتها، فقال
قائل: من قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء
السيل، وسينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذِفَنَّ الله في قلوبكم
الوهن. قال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية
الموت)).
ثم أمر الله تعالى بالنظر في الدلائل والبينات، فقال: ﴿أُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ﴾
أي انظر أيها الرسول كيف نبين ونوضح الدلائل بوجوه مختلفة، إما بطريقة
الحس، وإما بطريقة العقل، وإما بالإخبار بالغيب، لعلهم يفهمون ويتدبرون
عن الله آياته وحججه وبراهينه، فتحدث عندهم العبرة والعظة وتصحيح
أحوالهم.
ولكن قوم النبي وَّر وهم قريش كذبوا بالقرآن الذي جئتهم به والهدى
والبيان أو بالعذاب الذي هددوا به، والحال أنه الحق الصدق أي الذي ليس
وراءه حق، فالقرآن حق ثابت لا شك فيه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا
من خلفه، والعذاب لا بد أن ينزل بهم، فكل منهما يثبته الحس والعقل
والوجدان.
ثم لا سبيل إلى إجبارهم على الإيمان، فقل لهم أيها الرسول: إنني لست
عليكم بحفيظ ولا رقيب ﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤/٦] أي أحفظ
عليكم أعمالكم، ولست بموكل بكم، كقوله: ﴿وَقُلِ اُلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ

٢٥٥
الجُزْعُ (٧) - الأَنْتُ: ٦٥/٦-٦٧
فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩/١٨] وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ
[الغاشية: ٢١/٨٨-٢٢].
٣٣
لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطٍ
وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِحَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ
وَعِيدِ ﴿٤﴾ [ق: ٤٥/٥٠] أي إنما علي البلاغ، وعليكم السمع والطاعة، فمن
اتبعني سعد في الدنيا والآخرة، ومن خالفني شقي في الدنيا والآخرة.
وأخيراً جاء التهديد والوعيد على التكذيب بالقرآن أو بالعذاب، فقال
تعالى: ﴿لَّكُلِّ نَبَلٍ مُسْتَقَرٌ﴾ أي لكل خبر يخبر به وقت استقرار ووقوع
وحصول لا بد منه ولو بعد حين، قال ابن عباس وغيره: ((لكل نبأ حقيقة)) أي
لكل خبر وقوع ولو بعد زمن، كقوله تعالى: ﴿وَلَنَعْلَمُنَّ نَبَهُ بَعْدَ حِينٍ
٨٨
[ص: ٨٨/٣٨] وقوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨/١٣]. هذا تهديد
ووعيد أکید، أتبعه بتهدید آخر فقال:
وسوف تعلمون صدق الخبر وحقيقة الوعد والوعيد، وعد رسوله بالنصر
عليهم، ووعيده لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
قدرة الله تعالى شاملة لجانبي الرحمة والفضل، والعذاب والعقاب، فهو
قادر على إمداد خلقه بمختلف أنواع السعة والرزق والسلامة والنجاة، كما
أبان في الآيات السابقة، وهو قادر أيضاً على إنزال مختلف أنواع العذاب كما
ذكر في هذه الآيات، ومثل العذاب من فوق الرجم بالحجارة والطوفان
والصيحة والريح؛ كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح،
ومثل العذاب من تحت الزلزال والبركان، والخسف والرجفة؛ كما فعل
بقارون وأصحاب مدين، ومثل العذاب الشديد الدائم: أن يخلط عليكم
الأمر، فيفرق صفوفكم، ويجعلكم مختلفي الأهواء، ويفرق بين الأمراء على
طلب الدنيا، وإيقاع الحرب والقتل في الفتنة.

٢٥٦
الجُرُ (٧) - الْأَنْتَمَا: ٦٥/٦-٦٧
والآية عامة في المسلمين والكفار، وقد تحقق كل ذلك في الوجود، فاستولى
العدو على ديارنا وأنفسنا وأموالنا، واستولت الفتنة علينا بقتل بعضنا بعضاً،
واستباحة بعضنا أموال بعض. وما أسوأ حال العرب والمسلمين منذ تخلّوا عن
تعاليم دينهم، وأصبحوا تبعاً للأعداء، وجسَّدوا فيما بينهم الفرقة والخلاف.
وأما مصير الذين كذبوا بالقرآن، وهو القصص الحق، فليس أمرهم منوطاً
بنبي الله، فما هو إلا منذر وقد بلَّغ ما أمره به ربه، وإنما أمرهم راجع إلى الله،
ولكل إنذار وقت، ولكل خبر حقيقة، ولكل شيء وقت يقع فيه من غير تقدّم
وتأخر. وهذا شامل للعذاب في الدنيا والعذاب في الآخرة.
وهذا وعيد من الله تعالى للكفار؛ لأنهم كانوا لا يقرّون بالبعث، ووعيد
لهم في الدنيا، كما حدث لهم في بدر وغيرها من المعارك الحربية التي
استأصلت الكفر والشرك من الحجاز.
ولا يفرحنَّ المسلمون بهذا الوعيد؛ فإنهم يستحقون العقاب أيضاً إذا تخلوا
عن قرآنهم؛ لأن التخلي عنه قريب من التكذيب به، فيشملهم الوعيد
والإنذار: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُ بِهِ مَنْ أَضَلُّ
سَنُرِيِهِمْ ءَايَتِنَا فِىِ الَّفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى
٥٢
مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ
يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ
٥٣
[فصلت: ٤١/ ٥٢- ٥٣].

٢٥٧
الجُ (٧) - الأَنْقَظَم: ٦٨/٦-٧٠
الإعراض عن مجالس المستهزئين بالقرآن وعذابهم
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهٍ، وَإِمَّا
يُنسِيَتَكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَفْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ اُلْقَوْمِ الَّلِينَ ﴿٨) وَمَا عَلَى الَّذِينَ
يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿ وَذَرِ
الَّذِينَ أَمَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن
تُبْسَلَ نَفْسُلُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِىٌ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ
كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ
٧٠
حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
القراءات:
﴿ يُنْسِيَنَكَ﴾ :
وقرأ ابن عامر (يُنَسِّيَنَّكَ).
﴿لَّا يُؤْخَذْ﴾ :
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (لا يُؤْخذ).
الإعراب:
﴿وَلَكِن ذِكْرَى﴾ يجوز فيها النصب والرفع، فالنصب على المصدر
وتقديره: ذكّركم ذكرى. والرفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره:
ولکن علیهم ذکری.
﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُلٌ﴾ مفعول لأجله، وتقديره: لئلا تُبُسل أي لئلا تُسْلَم نفس
للهلاك وتُرهن بسوء عملها.

٢٥٨
الجُزُ (٧) - الأَنْتُم: ٦٨/٦-٧٠
البلاغة:
﴿ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّلِينَ﴾ وضع الظاهر. ﴿مَعَ اُلْقَوْمِ
اُلِّمِينَ﴾ موضع الضمير. (معهم) لتسجيل شناعة ما ارتكبوا علیھم، حيث
كذبوا واستهزؤوا بدلاً من التصديق والتعظيم . ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾ فيه ما يعرف بالسجع.
المفردات اللغوية:
﴿يَخُوضُونَ﴾ المراد به هنا الاسترسال في الحديث، وقد استعمله القرآن
أيضاً في المشاركة في الباطل مع أهله، وأصل الخوض: الدخول في الماء سيراً
أو سباحة. ﴿يَخُوضُونَ فِيّ ءَئِنَا﴾ أي يتكلمون في القرآن استهزاء. ﴿فَأَعْرِضْ
عَنْهُمْ﴾ انصرف عنهم ولا تجالسهم . ﴿وَإِمَّا يُنِسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ أي ينسيك
وجوب الإعراض عنهم، فقعدت معهم . ﴿بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ المراد هنا التذكر.
﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ المراد هنا التذكير والموعظة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾
الخوض.
﴿وَذَرٍ﴾ اترك ولا تتعرض لهم. ﴿لَعِبًا وَلَهْوَا﴾ باستهزائهم به. ﴿وَذَكِّرْ
بِهِةَ﴾ عظ بالقرآن الناس. ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ لئلا تبسل نفس، أي تسلّم إلى
الهلاك، وتحبس في النار، وتمنع من الثواب. والبسل: حبس الشيء ومنعه
بالقوة، ومنه شجاع باسل، أي يحمي نفسه ويمنعها . ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ عملت.
﴿لَيْسَ لَا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره. ﴿وَلٌِ﴾ ناصر. ﴿ وَلَا شَفِيْعٌ﴾ يمنع عنها
العذاب. ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ تَقْدِ كل فداء . ﴿لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ ما تفدي
به . ﴿شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ ماء بالغ نهاية الحرارة، أي شديد الحرارة. ﴿ وَعَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾ شديد الألم أو مؤلم. ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ بكفرهم.
سبب النزول:
روى الطبري عن السدي في آية ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ قال: كان

٢٥٩
الجُرُ (٧) - الأَنْتَطُ: ٦٨/٦ -٧٠
المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي ◌َّر والقرآن، فسبوه واستهزؤوا
به، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وروي مثل
ذلك عن سعيد بن جبير وابن جريج وقتادة ومقاتل.
وروى الطبري أيضاً عن سعيد بن جبير ومجاهد أنهما قالا في قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾: الذين يكذبون بآياتنا(١).
وروي عن ابن عباس وابن سيرين: أنها نزلت في أهل الأهواء والبدع من
المسلمين الذين يؤولون الآيات بالباطل، لتأييد ما استحدثوا من المذاهب
والآراء.
ولما قال المسلمون: إن قمنا كلما خاضوا، لم نستطع أن نجلس في المسجد
وأن نطوف، فنزل: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَنَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ أي يتقون الله من
حساب الخائضين من شيء أي إثم إذا جالسوهم. و﴿مِنْ﴾: صلة زائدة.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى في الآيات السالفة أن الرسول و 8* ليس عليه أن يكون
حفيظاً رقيباً على أعمال المكذبين بآيات الله، وإنما هو مُبلِّغ، وأن الزمان
سيخبرهم بعاقبة تكذيبهم، أبان في هذه الآيات وجوب إعراض الرسول وَل
والمؤمنين عن مجالس المشركين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء
بالدين والطعن في القرآن والرسول.
التفسير والبيان:
وإذا رأيت يا محمد وكل سامع مسلم الذين يخوضون في آيات القرآن
بالتكذيب والاستهزاء، فانصرف عنهم ولا تجالسهم، حتى يخوضوا في غير
(١) تفسير الطبري: ١٤٨/٧، تفسير الرازي: ٢٥/١٣

٢٦٠
الجَءُ (٧) - الأَنْتَيُل: ٦٨/٦ -٧٠
حديث الكفر والاستهزاء والتكذيب. ومثلهم من يخوض في القرآن بتأويله
تأويلاً باطلاً نابعاً من البدع والأهواء والآراء الفاسدة، لا تجالسهم واتركهم.
وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وكذلك لا تجالس كل من يحرف القرآن ويؤول آياته لتكفير مسلم وتضليل
مهتدٍ.
فإذا خاضوا في حديث آخر، فلا مانع من مجالستهم والتحدث إليهم.
وإن أنساك الشيطان أيها المسلم النهي والمنع، فجلست مع الخائضين
ناسياً، فلا تقعد بعد التذكر مع القوم الظالمين أنفسهم بالتكذيب والاستهزاء.
والخطاب للرسول وكل سامع مسلم.
ويجوز وقوع النسيان على النبي بغير وسوسة الشيطان؛ لقوله تعالى:
﴿ وَأَذْكُر رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤/١٨] وقد وقع النسيان من آدم عليه
السلام: ﴿فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدُ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥/٢٠] ومن موسى عليه السلام:
﴿قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣/١٨] وثبت في الكتب الستة أن
النبي ◌َّ سها في الصلاة وقال: ((إنما أنا بشرٌ مِثْلُكم أنسى كما تنسَوْن، فإذا
نسیتُ فذگِّروني)».
أما في تبليغ الوحي والدين المنزل من الله، فإن الأنبياء معصومون عن
نسيان شيء مما أمرهم الله بتبليغه من حلال أو حرام؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكَ
فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ
١٧
◌ِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهٍُ
١٦
بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.
[القيامة: ١٦/٧٥-١٩].
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ
وإنساء الشيطان للإنسان بعض الشيء ليس من قبيل التصرف فيه،
والسلطان عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى
إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ،
رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
[النحل: ٩٩/١٦ - ١٠٠].
١٠٠
مُشْرِكُونَ