Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ الُ (٧) - الآنْتيا: ٢٧/٦-٢٩ آخرة، وما نحن بمبعوثين، أي ما هذه إلا الحياة الدنيا، ثم لا معاد بعدها. وهؤلاء هم الماديون الملحدون الذين لا يؤمنون بالغيب. فقه الحياة أو الأحكام: الحقائق الإيمانية لا تتغير ولا تتبدل، ولابد من حدوثها؛ فإن وعد الله حق، والجنة حق، والنار حق، وسرعان ما تنكشف هذه الحقائق، ويفتضح الكفر والكفار، وينالون عذاب النار، فلو تراهم يعذبون في جهنم لرأيت أسوأ حال، أو لرأيت منظراً رهيباً هائلاً، أو لرأيت أمراً عجباً. ولا يجدون مناصاً أو مفراً من عذاب الله، ويتخبطون، ويتأملون، ويتمنون العودة إلى دار الدنيا لتصحيح العقيدة وإصلاح العمل، وترك التكذيب بآيات الله الدالة على وجوده ووحدانيته، وصدق رسله، ليكونوا مع صف المؤمنين في الدنيا، وفي حال أحسن من حالهم في الآخرة، في جنان الله وروضاته. ولكنهم يتمنون هذا الشيء ضجراً وقلقاً، مع علمهم باليأس من العودة، لا أنهم عازمون على أنهم لو رُدّوا لما كذبوا ولآمنوا، فإنهم ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة في الإيمان، بل خوفاً من العذاب الذي عاينوه، جزاء على ما كانوا عليه من الكفرِ، فسألوا الرجعة إلى الدنيا ليتخلصوا من النار. وهم أمام العذاب وفي وسط النار يظهر لهم حقيقة ما كانوا يخفونه من الكفر والمعاصي، ولو رُدّوا لصاروا ورجعوا إلى ما نهوا عنه من الشرك؛ لعلم الله تعالى فيهم أنهم لا يؤمنون، وقد عاين إبليس رأس الكفر ما عاين من آيات الله ثم عاند. ودل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ على الحال التي كانوا عليها في الدنيا من تكذيبهم الرسل، وإنكارهم البعث، كما دل على كذبهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من أنهم لا يكذبون، ویکونون من المؤمنين. ١٨٢ الجُرُ (٧) - الآتي: ٣٠/٦-٣٢ وأرشد قوله تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا﴾ إلى ما قالوا في الدنيا، وإلى أنهم قوم ماديون، لا يؤمنون بالآخرة، ولو رُدّوا لعادوا إلى الكفر، واشتغلوا بلذة الحال، فهم قوم معاندون، أبت نفوسهم الأمّارة بالسوء إلا المكث على الضلال والنفاق، والمكر والكيد، والكفر والمعاصي. ألا فليتأمل العاقل مصير هؤلاء، وما يؤول إليه حالهم من الاضطراب والقلق وتمني الخلاص من العذاب الشديد، ولكن عدل الله يتنافى مع إعفائهم من العقاب، ورحمته بالخلائق جعلته يحذرهم وينذرهم ما يلاقونه في المستقبل المنتظر. حال المشركين أمام ربهم في الآخرة أو كيفية حالهم في القيامة وحقيقة الدنيا ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِهِمَّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَى وَرَبِنَا قَالَ فَذُوقُواْ اَلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿٣٢ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَاءِ اللَّهِ حَتَّىَ إِذَا جَاءَتَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَحَسْرَكَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيَهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا وَمَا اُلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ وَلَذَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ القراءات: ﴿ وَلَدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ : وقرأ ابن عامر: (ولدار الآخرةِ). ﴿تَعْقِلُونَ﴾: قرئ: ١- (تعقلون) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص. ٢- (يعقلون) وهي قراءة الباقين. ١٨٣ الجُزءُ (٧) - الأَتقول: ٣٠/٦-٣٢ الإعراب: ﴿وَلَوْ تَرَىّ﴾: جواب ﴿وَلَوْ﴾ محذوف تفخيماً للأمر وتعظيماً للشأن، وتقديره: لعلمت حقيقة ما یصیرون إلیه. و﴿ عَلَى رَبِهِمْ﴾ أي على سؤال ربهم، فحذف المضاف. ﴿بَغْتَةٌ﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال. والهاء في ﴿فِيهَا﴾ تعود على ﴿مَا﴾ لأنه يريد بـ ﴿مَا﴾ الأعمال، كأنه قال: على الأعمال التي فرطنا فيها. ﴿أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾: ﴿مَا﴾: نكرة في موضع نصب على التمييز بـ (ساء). وفي ﴿سَآءَ﴾ : ضمير مرفوع يفسره ما بعده كنعم وبئس. وقيل: ((ما)) في موضع رفع بـ (ساء). ﴿وَلَدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ﴾ الدار: مبتدأ، و﴿الَخِرَةُ﴾: صفة له، و﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. وقرئ ﴿ وَلَدَارُ الأَخِرَةُ خَيْرٌ﴾ وتقديره: ولدار الساعة الآخرة خير، ولابد من هذا التقدير؛ لأن الشيء لا يضاف إلى صفته، فوجب تقدير موصوف محذوف، وهذه الإضافة في نية الانفصال. البلاغة: ﴿وَمَا اُلْحَيَوَةُ الذُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهُوَّ﴾ تشبيه بليغ حيث جعلت الدنيا اللعب واللهو نفسه مبالغة. ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ الاستفهام للتوبيخ. المفردات اللغوية: ﴿وُقِفُواْ عَلَى رَبِهِمْ﴾ عرضوا على الله، لرأيت أمراً عظيماً ﴿قَالَ﴾ لهم على لسان الملائكة توبيخاً ﴿أَلَيْسَ هَذَا﴾ البعث والحساب ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾ إنه لحق ج (تَكْفُرُونَ﴾ به في الدنيا ﴿كَذَّبُواْ بِقَاءِ اَللَّهِ﴾ بالبعث ﴿حَتٌَّ﴾ غاية للتكذيب ١٨٤ الْجُزْءُ (٧) - الْأَنْتُ: ٣٠/٦-٣٢ ﴿ السَّاعَةُ﴾ القيامة: وهي موعد انقضاء أجل الدنيا والحياة وخراب العالم، وبدء الحياة الأخرى ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿يَحَسْرَنَنَا﴾ هي شدة التألم والندم على ما فات، ونداؤها مجاز، أي هذا أوانك فاحضري ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾ قصرنا مع القدرة على الفعل ﴿فِيهَا﴾ أي الدنيا. ﴿أَوْزَارَهُمْ﴾ جمع وزر: وهو الحمل الثقيل، ويطلق شرعاً على الإثم والذنب، كأنه لثقله على صاحبه كالحمل الذي يثقل ظهره، والمراد بقوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمَّ﴾ تحمل مسؤولية أفعالهم، بأن تأتيهم ذنوبهم عند البعث في أقبح شيء صورة، وأنتنه ريحاً، فتركبهم ﴿أَلَا سَآءَ﴾ بئس ﴿مَا يَزِرُونَ﴾ يحملونه حملهم ذلك ﴿وَمَا اُلْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ أي الاشتغال بها ﴿لَعِبٌ﴾ عمل لا يحقق نفعاً ولا يدفع ضرراً ﴿وَلَهُوّ﴾ ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه، والمقصود أنه تعالى جعل أعمال الدنيا المحضة لعباً ولهواً واشتغالاً بما لا يعني، ولا يعقب منفعة دائمة، كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة، أما الطاعة وكل ما يعين عليها فمن أمور الآخرة. ﴿ وَلَدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ أي الجنة ﴿خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَنَّقُونَ﴾ الشرك ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتؤمنوا. المناسبة: لما حكى الله تعالى عن الكفار إنكارهم للحشر والنشر والبعث والقيامة، بَيَّن في هذه الآية كيفية حالهم في القيامة، ثم ذكر حقيقة الدنيا ومقارنتها بالآخرة. التفسير والبيان: ولو ترى حال المشركين حين تقفهم الملائكة بين يدي ربهم، لوجدت هول أمرهم، ورأيت أمراً خطيراً مدهشاً لا يحدُّه وصف. وظاهر الآية غير مراد قطعاً؛ لأنه استعلاء على ذات الله تعالى، وهو باطل ١٨٥ الجُرَءُ (٧) - الأنتقال: ٣٠/٦-٣٢ بالاتفاق، وإنما هذا من قبيل المجاز، فهو مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف الجاني بين يدي الحاكم ليعاتبه، وهم موقوفون ومحبوسون بوساطة الملائكة، امتثالاً لأمر الله فيهم، كما قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَهُم ◌َسْئُولُونَ ٢٤٦ [الصافات: ٢٤/٣٧]. وعبر بهذا التعبير: ﴿وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ﴾ للدلالة على أن أمرهم مقصور على الله، لا يتصرف فيهم غيره. ثم يناقشهم الله على لسان الملائكة قائلاً لهم: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أي أليس هذا المعاد بحق، وليس بباطل كما كنتم تظنون. أجابوا: بلى وربنا، أي أنه الحق الذي لا شك فيه، وأكدوا قولهم باليمين بالله، فشهدوا على أنفسهم بكفرهم، والمقصود أنهم يعترفون بكونه حقاً مع القسم واليمين. فرد الله عليهم: ذوقوا العذاب الأليم بسبب كفركم وتكذيبكم الذي دمتم عليه، ولم تفارقوه في الدنيا حتى الموت. وعبر بلفظ الذوق؛ للدلالة على أنهم في كل حال يجدونه وِجْدان الذائق في قوة الإحساس به. ثم أخبر تعالى بخبر عام: وهو خسارة من كذب بلقاء الله، وخيبته إذا جاءته الساعة بغتة، وندامته على ما فرط من العمل للآخرة، وما أسلف من قبيح القول. وسبب الخسارة: إنكار البعث والجزاء الذي يفسد الفطرة الإنسانية، ويؤدي إلى الشر والإثم؛ لأن هذا الإنكار يحصر هَمَّ الكافرين في الاستمتاع بلذات الدنيا وشهواتها، والتنافس في متاعها، والغرور بالمجد والاستعلاء والسلطة على الآخرين. هؤلاء الخاسرون يأتون للحساب يوم القيامة، وهم حاملون ذنوبهم وخطاياهم، يحملون أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم على ظهورهم، ألا ما أسوأ تلك الأثقال المحمولة، وبئس شيئاً يزرون وزرهم، كقوله تعالى: ﴿سَآءَ مَثَلًا [الأعراف: ٧/ ١٧٧]. اُلْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوْ بِثَايَئِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ ١٨٦ الجُرعُ (٧) - الأَنْقال: ٣٠/٦-٣٢ قال ابن عباس: الأوزار: الآثام والخطايا. أما قوله: ﴿أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١/٦] فمعناه: بئس الشيء الذي يزرونه أي يحملونه. ذكر ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن السدي: أن الأعمال القبيحة أعمال الظالم تتمثل بصورة رجل قبيح الوجه أسود اللون منتن الريح، يحمله صاحبه يوم القيامة. وعن عمرو بن قيس الملائي: تتمثل الأعمال الصالحة بصورة رجل حسن الصورة طيب الريح، يحمله صاحبها يوم القيامة(١). ثم جعل الله تعالى غالب أعمال الحياة الدنيا لعباً لا يفيد، ولهواً يشغل عن المصلحة الحقيقية، ومتاعها قليل زائل قصير الأجل، وأما العمل للآخرة فله منافع عظيمة، والآخرة خير وأبقى، خير لمن اتقى الكفر والمعاصي، ونعيمها نعيم دائم خير من نعيم الدنيا الفاني، أفلا تعقلون وتفهمون هذه الحقائق وهي أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وزوال، ومزرعة للآخرة، فتؤمنوا وتعملوا عملاً صالحاً. وقوله: ﴿لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ دليل على أن ما عدا أعمال المتقين لعب ولهو. فقه الحياة أو الأحكام: الآيات تقرير واقعي لحال من وقع في قبضة الحاكم الذي يقضي في جريمته، وإذا كان الغالب على حال المتهمين الإنكار بين يدي قاضي الدنيا، فإن المتهم إذا لم يجد مفراً من الإقرار بجريمته، بادر إلى الاعتراف بكل ما عمل. وهكذا شأن الكفار والمشركين إذا قُدِّموا للحساب بين يدي الله، أدركوا ألا فائدة من الإنكار، وحينئذ إذا سئلوا عن البعث والمعاد، أقسموا بالله أنه حق ثابت، فيكون الحكم الصادر في حقهم تنفيذ العقاب المقرر عليهم، جزاءً وفاقاً على كفرهم. (١) تفسير الطبري: ١١٤/٧ ١٨٧ الجزءُ (٧) - الأَنْت: ٣٠/٦-٣٢ والنقاش يحدث من قبل الملائكة، تقول لهم بأمر الله: أليس هذا البعث وهذا العذاب حقاً؟ فيقولون: ﴿بَلَى وَرَبِنَا﴾ إنه حق. ولا تناقض بين هذا التساؤل وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ لأن السؤال يكون بواسطة الملائكة، والمراد بقوله ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ﴾: أنه لا يكلمهم بالكلام الطيب النافع. ودلت الآيات على توضيح حالة أخرى من أحوال منكري البعث والقيامة وهي أمران: أحدهما - حصول الخسران للمكذبين بالبعث والقيامة والجزاء والحساب. والثاني - حمل الأوزار العظيمة على ظهورهم. والمراد من الخسران: فوت الثواب العظيم وحصول العقاب الشديد وفي قولهم: ﴿يَحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾ إشارة إلى أنهم لم يحصلوا لأنفسهم ما به يستحقون الثواب، أي أنهم قوم مقصرون. وقوله: ﴿فِيَهَا﴾ أي في الصفقة، وترك ذكرها لدلالة الكلام عليها؛ لأن الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع، بدليل قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت تَجَرَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦/٢]. وفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمَّ﴾ إشارة إلى أنهم حصلوا لأنفسهم ما به استحقوا العذاب الشديد، ولا شك أن ذلك نهاية الخسران. ودل قوله تعالى: ﴿وَمَا اُلْحَيَوَةُ الذُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ﴾ على قسمة أعمال الدنيا إلى قسمين: أعمال لا خير فيها ولا نفع، وهي أمور الدنيا المحضة، وهي الغالبة في أعمال الناس، وأعمال الآخرة التي لا لهو فيها ولا لعب وهي أفعال المتقين الأخيار، الذين عمروا دنياهم بصلاح الأعمال وخير الأقوال، روى ابن عبد البر عن أبي سعيد الخدري وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة - وقال: حديث حسن غريب - قال: قال رسول الله وَ النهي: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان فيها من ذكر الله، أو أدَّى إلى ذكر الله، والعالم والمتعلم شريكان في الأجر، وسائر الناس هَمَج لا خير فيه)). ١٨٨ المُرعُ (٧) - الآنرقم: ٣٠/٦-٣٢ وروي عن النبي ◌َّ أنه قال: ((من هوان الدنيا على الله ألا يُعصَى إلا فيها، ولا يُنال ما عنده إلا بتركها)». وروى الترمذي عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله وَله: (لو كانت الدنيا تَعدِل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شَرْبةَ ماء)). ودل قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ على أن الإنسان لا يفكر غالباً تفكيراً يتفق مع حقيقة مصلحته، وإنما قد يرتكب ما يلحق بنفسه الضرر، ودل أيضاً على أن الزهد في الدنيا، أي عدم استيلاء حبها على قلبه أمر مرغوب فيه. وأشارت هذه الآية: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ إلى أن منكري البعث والقيامة تعظم رغبتهم في الدنيا وتحصيل لذاتها، فذكر الله تعالى هذه الآية تنبيهاً على خساستها، ولكن يلاحظ أن هذه الحياة نفسها لا يمكن ذمها؛ لأنها بإرادة الله وحكمته، وخلقه وإيجاده، ولأنه لا يمكن التوصل إلى السعادة الأخروية إلا فيها، وإنما المقصود أن لذات الحياة الدنيا وطيباتها لا دوام لها، ولا يبقى منها عند انقراض الحياة إلا الحسرة والندامة، كاللهو واللعب يلتذ به، ثم بعد انتهائه لا يبقى منه إلا الندامة. وأومأ قوله تعالى: ﴿وَلَدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ﴾ بصدد مقارنتها بالحياة الدنيا إلى أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدنيا، وأن خيرات الدنيا خسيسة وخيرات الآخرة شريفة. ونتيجة المقارنة بين الدنيا والآخرة یتبین منها أن سعادات الدنیا وخيراتها مشوبة بعيوب كثيرة ونقصانات عديدة، وأن سعادات الآخرة مبرأة عنها، مما يدل قطعاً على أن الآخرة أكمل وأفضل وأبقى وأحرى وأولى. ١٨٩ الجُرُ (٧) - الآنقم: ٣٣/٦-٣٥ حزن النبي وعَلظلّ لإعراض قومه وبيان تكذيب الرسل المتقدمين ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُئُكَ الَّذِى يَقُولُونَّ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الَِّلِينَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىَ أَنَهُمْ ٣٣ يَجْحَدُونَ ـ) وَإِن كَانَ كَبِرَ نَصُّنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ ﴾ عَلَيْكَ إِعَرَاضُهُمْ فَإِنِ اُسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِىِ اُلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِ السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِثَايَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَِهِلِينَ ﴾ ١٣٥ القراءات: ﴿لَا يُكَذِبُونَكَ﴾: قرئ: ١- (لا يُكْذِبونك) وهي قراءة نافع، والكسائي. ٢- (لا يكذِّبونك) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿فَإَِهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ﴾ بالتشديد، أراد به: لا ينسبونك إلى الكذب؛ لأنهم لا يعرفونك بذلك، وإنما يعرفونك بالصدق، وكانوا يسمونه ((محمداً الأمين)) قبل النبوة. وتقرأ بالتخفيف، ومعناه: لا يصادفونك كاذباً ولا يجدونك كاذباً. ﴿مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿مِن﴾: فيها وجهان: أحدهما - أن تكون وصفاً لمصدر محذوف وتقديره: ولقد جاءك مجيء من نبأ المرسلين، ويكون الفعل (جاءك) دالاً على المصدر المحذوف، وهذا مذهب سيبويه. والثاني - أن تكون زائدة، وتقديره: ولقد جاءك نبأ المرسلين، وهو مذهب الأخفش. : ﴿فَإِنِ اُسْتَطَعْتَ﴾ إن: شرط، وجوابه محذوف، وتقديره: إن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض فافعل ذلك. : ١٩٠ الجُرُ (٧) - الَنزيل: ٣٣/٦-٣٥ البلاغة: كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ نوّن كلمة ﴿رُسُلٌ﴾ للتكثير والتفخيم. المفردات اللغوية: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ﴾ قد: للتحقيق، وإنه: الضمير للشأن ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾ الحزن: ألم نفسي يحدث بسبب فقد محبوب، أو امتناع مرغوب، أو حدوث مكروه. ﴿الَّذِى يَقُولُونِّ﴾ من التكذيب ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ﴾ في السر؛ لعلمهم أنك صادق، والتكذيب: الرمي بالكذب. ﴿بِتَايَتِ اللَّهِ﴾ القرآن ﴿يَجْحَدُونَ﴾ الجحود: إنكار ما ثبت في القلب، أو إثبات ما نفي فيه . ﴿لِكَلِمَتِ اٌللَّهِ﴾ هي وعده ووعيده، وعده للرسل بالنصر، ووعيده لأعدائهم بالخذلان، كما قال تعالى في إنجاز الوعد: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِيٍ﴾ [المجادلة: ٢١/٥٨] وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَفَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا @ [الصافات: ٨١٧٣ وَإِنَّ جُنَدَنَا لَهُ الْغَالِبُونَ ٧٢ الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ ١٧١/٣٧-١٧٣] وقال عز وجل في إنزال الوعيد: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ حَمِيعٌ مُّنَصِرٌ ﴾ [القمر: ٤٤/٥٤-٤٥] ﴿نَّبَإِىْ﴾ النبأ: هو سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبْرَ 33 الخبر ذو الشأن العظيم ﴿كَبُرَ﴾ عظم وشق عليه وقعه ﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾ الإعراض: التولي والانصراف عن الشيء رغبة عنه أو احتقاراً له، والمراد: إعراضهم عن الإسلام، وقد كبر على الرسول وَلل إعراضهم لحرصه عليهم ﴿فَإِنِ اُسْتَطَعْتَ﴾ صار في مقدورك باستكمال الأسباب التي تمكنك من فعله ﴿أَنْ تَبْتَغِىَ﴾ تطلب ما فيه كُلفة ومشقة، ويكون في الخير كابتغاء رضوان الله، وفي الشر كابتغاء الفتنة ﴿نَفَقًا﴾ سرَباً في الأرض، وهو حفرة نافذة لها مدخل ومخرج ﴿أَوْ سُلَّمًا﴾ مصعداً أو مرقاة، مأخوذ من السلامة؛ لأنه الذي يُسْلِمُك إلى مكان صعودك. وتذكيره أفصح من تأنيثه. ﴿بِئَايَةٍ﴾ معجزة مما اقترحوا. المعنى: أنك لا تستطيع ذلك، فاصبر حتى يحكم الله ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ﴾ ١٩١ الُ (٧) - الْأَنْقال: ٣٣/٦-٣٥ هدايتهم ﴿لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ﴾ ولكن لم يشأ ذلك، فلم يؤمنوا ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ اُلْجَاهِلِينَ﴾ بذلك، الجهل هنا: ضد العلم، وليس كل جهل عيباً؛ لأن الإنسان محدود العلم، وإنما العيب بجهل ما يجب عليه علمه، أو ما ينبغي عليه معرفته من الكمال في حقه. سبب النزول: نزول الآية (٣٣): ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾: روى الترمذي والحاكم عن علي: أن أبا جهل قال للنبي وَّ: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ اُلِّلِينَ بِثَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. وهذا مروي أيضاً عن أبي ميسرة. وقال السُّدِّي: التقى الأخنس بن شُرَيق وأبو جهل بن هشام، فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هنا من يسمع كلامك غيري، فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قُصَي باللواء والسقاية والحجابة والنَّدْوة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وعلى هذا فإن الروايتين متفقتان على أن الآية قد نزلت في أبي جهل. وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، كان يكذب النبي ◌َّ في العلانية، وإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب، ولا أحسبه إلا صادقاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية(١). المناسبة: الآيات استمرار في مناقشة الكفار ومشركي مكة ودعوتهم إلى الإسلام، (١) أسباب النزول للواحدي ١٢٣، أسباب النزول للسيوطي. ١٩٢ الجُرُ (٧) - الأَنْتيا: ٣٣/٦-٣٥ ومحاجتهم في التوحيد والنبوة والبعث. ناقش الله تعالى أولاً فريقاً من الكفار ينكر نبوة محمد له؛ لأنه كان ينكر رسالة البشر، ويطلب أن يكون الرسول من جنس الملائكة. ثم ناقش ثانياً فريقاً آخر ينكر البعث والحشر والنشر بعد الموت، ثم ذكر هنا الرد على من كان يؤذي الرسول وَل ◌َه بالقول، متهماً إياه بالكذب في الظاهر، أو أنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون. التفسير والبيان: يواسي الله نبيه في تكذيب قومه له، ومخالفتهم إياه، وإيلامه بالإعراض عن دعوته، فيقول: ﴿قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ أي قد علمنا بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَ ءَاثَرِهِمْ ﴾ [الكهف: ٦/١٨] و﴿يَخِعُ نَفْسَكَ﴾ أي إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا مهلكها، وقوله: ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ﴾ [فاطر: ٨/٣٥]. ومنشأ هذا التكذيب في الظاهر: هو العناد والجحود، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّلِينَ بِثَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي لا يتهمونك بالكذب في الواقع، فأنت الصادق الأمين في نظرهم، فما جربوا عليك كذباً ولا خيانة، ولكنهم يعاندون الحق، ويجحدون بآيات الله، ويردونها بصدودهم. روى ابن أبي حاتم عن أبي يزيد المدني: أن النبي ◌ّ لقي أبا جهل فصافحه، فقال له رجل: ألا أراك تصافح هذا الصابئ؟ فقال: والله، إني لأعلم إنه لنبي، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعاً؟ وتلا أبو يزيد: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الَّلِينَ بَِايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. وقال أبو صالح وقتادة: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون. هذا الموقف من المشركين شبيه تماماً بموقف اليهود والنصارى المتقدم بيانه، ١٩٣ الجزءُ (٧) - الاتصال: ٣٣/٦-٣٥ كل منهم يعلم حقيقة أن محمداً رسول الله، ولكنهم يعارضون الحق ويقاومونه عناداً منهم واستكباراً وحفاظاً على مراكزهم بين الناس. لهذا فلا تحزن أيها الرسول عليهم، واصبر على تكذيبهم وإيذائهم، كما صبر رسل الله قبلك وكما أوذوا، حتى يتوج الله جهودك بالفوز والغلبة، ويكلل مساعيك بتبليغ دعوتك بالنصر والانتقام من أعدائك المكذبين، كما نصر رسله الكرام السابقين. ثم أكد تعالى هذا النصر وإنجازه لك كما نصر الرسل، فقال: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ﴾ أي لا تغيير ولا خُلْف في وعد الله ووعيده، فوعد الله بالنصر في الدنيا والآخرة نافذ منجز لعباده المؤمنین، وكذا وعیدہ لا حق بالکافرین، كما ذكرت من آيات مماثلة في بيان المفردات. ونظير هذه قوله تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤/٣٥] وقوله: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوَكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ [الحج: ٢٢ / ٤٢]. ٤٢ والآية تسلية للنبي وَّل بعد تسلية، وإرشاد إلى سنة شائعة في الرسل والأمم، وما على النبي إلا الصبر على الأذى والإعراض كما قال تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥/٤٦] وقال أيضاً: ﴾ [المزمل: ٧٣ /١٠]. ﴿ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَهْجُرُهُمْ هَجْرًّا جَمِيلًا ﴾﴾ وقد تحقق فعلاً أثر الصبر، ونجحت دعوة الإسلام، وانتشرت في المشارق والمغارب، وظهرت حكمة تكرار التسلية لرسول الله و # بأمثال هذه الآيات مع الأمر بالصبر مراراً وتكراراً؛ لأن التأسي والاصطبار يهوِّن المصائب، [الشرح: ٩٤/ ويؤذن بالفرج: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا ﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥-٦]. ١٩٤ الْجُرُ (٧) - الأَنْت: ٣٣/٦-٣٥ ثم أكد الله تعالى عدم تبديل كلماته بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِنى الْمُرْسَلِينَ﴾ أي ولقد أخبرناك من أخبار المرسلين التي تفيد تكذيب الناس لهم وصبرهم ثم نصر الله لهم كما قال: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى اٌلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ اُلْأَشْهَدُ (٨)﴾ [غافر: ٥١/٤٠] وقال أيضاً: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧/٣٠] والنصر مقيد كما هو واضح في هذه الآية وغيرها بشرط توافر الإيمان الصحيح وصدق المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠/٢٢] وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُثَبَتْ أَقْدَامَكُمْ (جَ﴾ [محمد: ٧/٤٧]. وأراد الله أن يستأصل شدة وقع الحزن والألم على قلب النبي ◌َّ بسبب إعراض قومه عن دعوته، فقال له: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ﴾ أي إن كان شق عليك إعراضهم عنك، فإن استطعت أن تطلب لنفسك نفقاً في أعماق الأرض، فتسير فيه، أو سُلَّماً في أجواء السماء، فترقى فيها إلى ما فوقها، فتأتيهم بآية مما اقترحوا عليك، فأت بها، ولكنك مجرد رسول من عندنا، لا تستطيع شيئاً إلا بإرادتنا، وكل رسول لا يقدر على شيء أبداً مما يعجز عنه البشر إلا بدعم من الله عز وجل. ومن أمثلة اقتراحاتهم الإتيان بمعجزات مادية محسوسة كما طلب اليهود تماماً: تفجير ينبوع في الأرض، أو تنزيل كتاب من السماء ونحو ذلك، كما قال تعالى حاكياً مطالبهم: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن ◌َتَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا نَفْجِيرًا أَوْ تُتْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفَا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَتِكَةِ قَبِيلًا ٩١ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْفَى فِ السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُفِّكَ حَتَّى تُنَزَّلَ ٩٣ @ [الإسراء: عَلَيْنَا كِنَبَا نَّقْرَؤُمُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا ® ١٧/ ٩٠-٩٣] أي أنك بشر لا تقدر على شيء مما يعجز عنه سائر البشر، ولا يستطيع إيجاده غير الله تعالى. ١٩٥ الجُرُ (٧) - الأَنْتُ: ٣٣/٦-٣٥ كل ذلك مرهون بإرادة الله ومشيئته، فلو شاء الله تعالى هدايتهم، لهداهم، بأن يخلق فيهم الإيمان كالملائكة، أو بأن يخلقهم مستعدين للإذعان للحق والإقرار بهدايات الرسل وما جاؤوا به من خير للعالم، ولكن شاء الله اختلافهم وتفاوتهم واختبارهم، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَنْ فِى اَلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩/١٠] وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨/١١-١١٩]. قال ابن عباس في قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى اُلْهُدَىَّ﴾: إن رسول الله وَّ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأول. وإذا عرفت يا محمد سنة الله في خلق الإنسان، وأنه لا تبديل لخلق الله، فلا تكونن أحد الجاهلين لسننه في ذلك، فتأمل ما يكون مخالفاً تلك السنن التي اقتضتها الحكمة الإلهية. فقه الحياة أو الأحكام: الحقيقة المستقرة في أذهان الكفار الذين عادَوْا دعوة النبي ◌َلّ أنه صادق أمين، ما عرفوا عليه كذباً ولا خيانة، لذا فإنهم لا ينسبون إليه الكذب في الأمر الواقع نفسه، ولكنهم يزعمون أن ماجاء به من أخبار الغيب والإيمان بالبعث والجزاء كذب غير واقع. قال الرازي: ظاهر هذه الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً وَّر، ولكنهم يجحدون بآيات الله، ثم ذكر أربعة وجوه في نفي التکذيب وإثبات الجحود وهي: ١ - إنهم ماكانوا يكذبونه في السر، ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية، ويجحدون القرآن والنبوة. ١٩٦ الجُرُ (٧) - الأَنْشظا: ٣٣/٦-٣٥ ٢ - إنهم لا يقولون: إنه كذاب؛ لأنهم جربوه الدهر الطويل، وما وجدوا منه الكذب ألبتة، وسموه بالأمين، ولكنهم جحدوا صحة النبوة والرسالة، واعتقدوا أنه تخيل كونه رسولاً من عند الله. ٣ - إن القوم ماكذبوك، وإنما كذبوني؛ لأن تكذيب الرسول كتكذيب المرسِل، فهم بالرغم من ظهور المعجزات المؤيدة لدعواه، كذبوه، فكان تكذيبهم تكذيباً لآيات الله المؤيده له. ٤ - إنهم لا يخصونك بالتكذيب، بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقاً، ويقولون في كل معجزة: إنها سحر، فهم بهذا يكذبون جميع الأنبياء والمرسلين(١). أما المواساة والتسلية للنبي وأمره بالصبر كما أمر جميع الرسل فهي أمور ضرورية للنجاح والغلبة. وفي الآية بشارة للرسول وَل* مؤكدة للتسلية بأن الله سينصره على القوم المكذبين الظالمين. ولا تبديل لوعد الله بالنصر لرسله والمؤمنين، ووعيده للكافرين والفاسقين والعصاة، فذلك مبدأ عام اقتضاه العدل والحكمة وضرورة التفرقة بين الطائعين والمخالفين. وأما محاولات تحقيق مطالب واقتراحات المشركين عن غير طريق الله، على سبيل الافتراض، فإنها فاشلة خائبة؛ لأن كل معجزة تظهر على يد نبي أو رسول تكون بإرادة الله وإذنه، ولولا ذلك لما حدثت. وأمر الهداية مرجعه إلى الله، فلو شاء لهدى الناس جميعاً، بأن خلقهم مؤمنين وطبعهم عليه، وكذلك كفرهم بمشيئة الله. (١) تفسير الرازي: ٢٠٤/١٢ - ٢٠٥ ١٩٧ الُرُ (٧) - الأَنْزيا: ٣٦/٦-٣٧ فلا تكونن أيها الرسول بحرصك على إسلام قومك، ومحاولة تلبية مطالبهم وتنفيذ مقترحاتهم من الجاهلين بسنن الله في خلقه، ولا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين. ولا يشتد حزنك عليهم إذا كانوا لا يؤمنون؛ لأنك لا تستطيع هدايتهم. صَلى الله رفض المشركين دعوة النبي علوسام ومطالبتهم بتنزيل آية إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْنَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٣٦٦ وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَّةٌ مِّن رَّيِّدٍّ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَىّ أَنْ يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الإعراب: وَالْمَوْنَى يَبْعُّهُمُ اللَّهُ﴾: ﴿ وَاُلْمَوْنَى﴾: في موضع نصب بفعل مقدر دل عليه ﴿يَبْعَنُهُمُ﴾ وتقديره: يبعث الله الموتى يبعثهم، كقولهم: مررت بزيد وعمراً كلمته. أي وكلمت عمراً كلمته، فتكون قد عطفت جملة فعلية على جملة فعلية، فيكون معطوفاً على قوله: ﴿إِنََّا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ﴾. ويجوز أن يكون ﴿وَاُلْمَوْنَى﴾ في موضع رفع، كقولهم: مررت بزيد وعمروٌ كلمته، والوجه الأول وهو النصب أوجه. البلاغة: ﴿ وَالْمَوْنَى يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ﴾ فيه استعارة؛ لأن الموتى عبارة عن الكفار لموت قلوبهم. المفردات اللغوية: (يَسْتَجِيبُ﴾ دعاءك إلى الإيمان، يقال: أجاب الداعي واستجاب له، ١٩٨ الُرُ (٧) - الْأَنْقال: ٣٦/٦-٣٧ واستجاب دعاءه: لبّاه وقام بما دعاه إليه تدريجياً، والفرق بين يستجيب ويجيب أن الأول فيه قبول لما دُعي إليه والثاني قد يكون بالمخالفة. ﴿ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ سماع تفهم واعتبار ﴿ وَاَلْمَوْنَى﴾ أي الكفار، شبههم بهم في عدم السماع ﴿يَبْعَثُّهُمُ اللهُ﴾ في الآخرة ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يردون، فيجازيهم بأعمالهم. ﴿وَقَالُواْ﴾ أي كفار مكة ﴿لَوْلَا﴾ هلا وهي تفيد الحث على حصول ما بعدها ﴿ءَايَّةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ الآية: المعجزة المخالفة لسنن الله في خلقه كناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن نزولها بلاء علیهم؛ لأنهم سيهلكون إن جحدوها. المناسبة: نزلت هذه الآية بعد وقعة حمراء الأسد بعد وقعة أحد، ولما بيَّن الله تعالى في الآيات السابقة أن الناس صنفان متفاوتان في الاستعداد لقبول الهداية الإلهية: صنف يختار الهدى على الضلال، وصنف بالعكس، بيَّن هنا أن الصنف الأول: هم الذين يسمعون الدلائل والبينات سماع تدبر وفهم، وأن الصنف الثاني: لا يفقهون ولا يسمعون، وإنما هم كالأموات. التفسير والبيان: لا يكبر عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى توحيد ربهم والإقرار بنبوتك؛ فإنه لا يستجيب لدعائك إلا الذين يسمعون كلام الله سماع فهم وتدبر ووعي، فيصغون إلى الحق ويتبعون الرشاد. أما الكفار المعرضون الذين تحرص على أن يصدقوك: فهم في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتاً، ولا يعقلون دعاء، ولا يفقهون قولاً؛ لأنهم لا يتدبرون حجج الله، ولا يعتبرون آياته، ولا يتذكرون، فالسبب في عدم قبولهم ١٩٩ الجُرُ (٧) - الأَنْقال: ٣٦/٦-٣٧ الإيمان وعدم تركهم الكفر أنهم لا يفكرون تفكيراً صحيحاً فيما أنزل الله، فصاروا بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، أي إنهم موتى القلوب، فشبههم الله بأموات الأجساد. والقصد من قوله: ﴿وَاُلْمَوْنَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ إيراد مثل لقدرته تعالى على إلجائهم إلى الاستجابة بأنه هو الذي يبعث الموتى من القبور يوم القيامة، ثم إليه يرجعون للجزاء، فالله وحده القادر على إحيائهم بالإيمان، وأنت لا تقدر على هدایتھم. ومن مظاهر عنادهم: مطالبتهم بإنزال آية من ربهم خارقة للعادة، كالناقة والعصا والمائدة، وتفجير الينابيع، وإنشاء البساتين المخضرة المحفوفة بأشجار النخيل والعنب، وإسقاط السماء قطعاً عليهم، والإتيان بوفد أو جماعة من الملائكة، وإيجاد بيت من زخرف، وإنزال كتاب من السماء. فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلّ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ﴾ أي قل لهم أيها النبي: إن الله تعالى قادر على تنزيل آية مما اقترحوا، ولكن حكمته تقتضي تأخير ذلك؛ لأنه لو أنزلها على وفق ما طلبوا، ثم لم يؤمنوا، لعاجلهم بالعقوبة، كما فعل بالأمم السابقة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِلَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اٌلْأَوَّلُونَ وَءَانِيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَطَلَمُوْ بِهَ وَمَا نُرْسِلُ بِلَيَتِ إِلَّا تَخْرِيفًا [الإسراء: ٥٩/١٧] وقال: ﴿إِن ◌َشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ ﴾ [الشعراء: ٤/٢٦]. ٤ لَا خَضِعِينَ ومعنى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أن الله قادر على أن ينزل تلك الآية، ولكن حكمته اقتضت صرفه عن إنزالها، وأكثر هؤلاء القوم لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل التعنت والتعصب، فإن الله تعالى لا يعطيهم مطلوبهم، ولو كانوا عالمين عاقلين لطلبوا ذلك على سبيل طلب الفائدة، وحينئذ يعطيهم الله المطلوب على أكمل الوجوه، فإنزال آية مما اقترحوا يكون سبباً في هلاكهم إن لم يؤمنوا. ٢٠٠ الجُرُ (٧) - الَنْتُ: ٣٦/٦-٣٧ يعني أن طلبهم آية مادية مع وجود هذه الآيات البينات القرآنية إنما هو محاولة تعجيز الرسول، فلو فرض حدوثها لما آمنوا ولقالوا: إنها سحر، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَمَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ [الأنعام: ٧/٦] وقال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُِّينٌ [القمر: ٢/٥٤]. ٣ سِحْرٌ مُّسْتَعِرٌ فقه الحياة أو الأحكام: الاستجابة لدعوة النبي ◌َّلهم تتطلب سماع آيات القرآن سماع إصغاء وتفهم وإرادة الحق، وهذا منهج المؤمنين الذين يقبلون ما يسمعون، فينتفعون به ويعملون. أما الإعراض عن الدعوة فمنشؤه تعطيل طاقات الحواس، فهم لا يسمعون سماع تدبر، ولا يتفهمون الآيات فهم إمعان وروية، فصاروا كأنهم موتى لموت قلوبهم، لا موتى أجساد، وهذا سبيل الكفار. وأما مطالبتهم تنزيل آية مادية محسوسة من ربهم فليس إلا تعنتاً بعد ظهور البراهين، وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة مثله، لما فيه من الإخبار بالمغيبات، وسلامته من التناقض، وسمو نظمه. ولكن أكثرهم لا يعلمون أن الله عز وجل إنما ينزل من الآيات مافيه مصلحة لعباده، ولا ينزل آية بسبب الطلب المتعنت المتعصب، أو لتعجيز الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يقدر على شيء من إنزال الآيات أو غيرها إلا بمشيئة الله وإرادته.