Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
الُ (٧) - الْأَنْتَهَا: ١٧/٦-١٩
ومن ينجو منه فقد شملته الرحمة والعناية الإلهية، وذلك أعظم فوز ونجاح
للإنسان. اللهم اجعلني وذريتي وأبي وأمي وأهلي ومشايخي من الفائزين.
وَسَلام
صل الله
قدرة الله على كشف الضر وشهادة الله للنبي
بالصدق ومجادلة المشركين في تعدد الآلهة
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ بِضُرٍّ فَلَ كَاشِفَ لَهُ: إِلَّا هُوَّ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ
﴿ وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخِيرُ ﴿ قُلْ أَىُّ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
شَىْءٍ أَكْبُرُ شَهَدَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ
أَبِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىَّ قُل لََّ أَشْهَدُّ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ وَإِنَّنِى
١٩
بَرِىَّهُ عِمَا تُشْرِكُونَ
القراءات:
﴿اَلْقُرْءَانُ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً: (القران).
بتسهيل الهمزة الثانية مع إدخال ألف بينها وبين الهمزة الأولى قرأ: قالون،
وأبو عمرو.
وبالتسهيل من غير إدخال قرأ: ورش، وابن كثير.
وقرأ الباقون بالتحقيق من غير إدخال.
الإعراب:
﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾: في موضع نصب؛ لأنه معطوف على الكاف والميم في

١٦٢
الجُزُ (٧) - الْأَنْقَا: ١٧/٦-١٩
لِأُنْذِرَكُمْ﴾ أي ولأنذر من بلغه القرآن، فحذف العائد، كقوله تعالى: ﴿أَهَذَا
اُلَّذِى بَعَثَ اَللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١/٢٥] أي: بعثه الله.
وقال تعالى: ﴿وَلِهَةً أَخْرَى﴾ ولم يقل: (أُخَر) لأن الآلهة جمع، والجمع يقع
عليه التأنيث، ومنه قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠/٧]
وقوله ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ اُلْأُوْلَى
[طه: ٢٠ / ٥١].
المفردات اللغوية:
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ﴾ يصيبك، والمس: أعم من اللمس، فيقال مسَّه السوء أي
أصابه. ﴿يِضُرٍ﴾ الضر: كل ما يسوء الإنسان في نفسه أو بدنه أو عرضه أو
ماله، كالمرض والفقر. والضر يُعقب الألم والحزن عادة. ﴿يِخيرٍ﴾ الخير: كل
ما فيه نفع حقيقي ظاهر في الحاضر أو المستقبل، كالعقل والعلم، والعدل،
والمساواة والحرية، والصحة والغنى. والشر ضده: وهو ما لا نفع فيه أصلاً أو
ما کان ضرره أکبر من نفعه.
الْحَكِيم
[الْقَاهِرُ﴾ القادر الغالب الذي لا يعجزه شيء مع الاستعلاء .
في خلقه.
سبب النزول:
نزول مطلع الآية (١٩):
﴿قُلْ أَُّ شَىْءٍ أَكْبُرُ شَهَدَةٌ﴾ : أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس
قال: جاء النحام بن زيد، وقروم بن كعب، وبحري بن عمر، فقالوا: يا
محمد، ما نعلم مع الله إلهاً غيره، فقال: لا إله إلا الله، بذلك بعثت، وإلى
ذلك أدعو، فأنزل الله في قولهم: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُرُ شَهَدَةٌ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِ
وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية.

١٦٣
الُ (٧) - الأَنْفُ: ١٧/٦-١٩
وقال الكلبي: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد، ما نرى أحداً يصدقك بما
تقول من أمر الرسالة، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس
لك عندهم ذكر ولا صفة، فأرنا من يشهد لك أنك رسول، كما تزعم، فأنزل
الله تعالى هذه الآية.
وقال الحسن البصري وغيره: إن المشركين قالوا للنبي ◌ّ ل: من يشهد لك
بأنك رسول الله؟ فنزلت الآية.
المناسبة:
بَيَّن الله تعالى في الآيات السابقة أن من مقتضى رحمته إمهال الناس
للحساب يوم القيامة، وصرف العذاب والفوز بنعيم الآخرة، ثم أردف ذلك
ببيان مقتضى الرحمة في الدنيا من جلب الخير والنفع، ودفع الشر والضرر،
وأنه لا يملك أحد التصرف في الدنيا سوى الله وحده.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى أنه مالك الضر والنفع، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء، لا
معقّب لحكمه، ولا راد لقضائه.
فيقول بما معناه: وإن يصبك أيها الإنسان ضرر أو شدة من ألم أو فقر أو
مرض أو حزن أو ذل ونحوه، فلا صارف له عنك ولا مزيل له إلا الله تعالى؛
لأنه القادر على كل شيء، وكذلك إن يحصل لك خير من صحة أو غنى أو عز
ونحوه، فهو أيضاً من الله، لكمال قدرته على كل شيء، ولأنه القاهر الغالب
صاحب العزة والسلطان والكبرياء، وهو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له
الجبابرة، وعنت له الوجوه، ودانت له الخلائق، وقهر كل شيء، وهو الحكيم
في جميع أفعاله، الخبير بمواضع الأشياء، فلا يعطي إلا من يستحق، ولا يمنع
إلا من يستحق. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ

١٦٤
الجُرُ (٧) - الْأَنْظُ: ١٧/٦-١٩
مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢/٣٥]. وفي الصحيح أن
رسول الله ◌َ ل# كان يقول: ((اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت،
ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ) أي الغنى.
ثم أيّد الله نبيه بشهادة هي أعظم الشهادات وأجلها، وأصحها وأصدقها :
وهي شهادة الله بين نبيه محمد رَله وبين المشركين، شهادة تدل على صدق النبي
وَلّ وتكشف حال أعدائه، فهو تعالى العالم بما جاء به هذا الرسول وما هم
قائلون له. وتقدير الكلام: أي شهيد أكبر شهادة؟ فوضع (شيئاً) مقام (شهيد)
ليبالغ في التعميم. والجواب: الله أكبر شهادة، وهو شهيد بيني وبينكم، أو الله
شهيد بيني وبينكم، وإذا كان هو الشهيد بينه وبينهم، فأكبر شيء شهادة شهيد
له.
والآية تتضمن رداً قاطعاً على المشركين الذين كانوا يقولون للنبي وَله: من
يشهد لك بأنك رسول الله؟.
ثم أوضح الله مهمة النبي وَلّر وهي تلقي الوحي وتبليغه للناس جميعاً،
فقال: ﴿ وَأُوحِىَ إِلَّ﴾ أي أنزل الله علي هذا القرآن لأنذركم به يا أهل مكة من
عذاب الله إذا كفرتم أو عصيتم، وأبشركم بالجنة إذا آمنتم وأطعتم، وكذا
لأنذر وأبشر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، فهو نذير لكل من بلغه،
كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧/١١].
أخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس مرفوعاً قال: ((من بلغه القرآن
فكأنما شافهته به، ثم قرأ: ﴿وَأُوِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُم بِهِ﴾)).
وروى ابن جرير عن محمد بن كعب قال: ((من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد
مَ الـ)).
وروى عبد الرزاق عن قتادة في قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾: إن
:

١٦٥
الجُ (٧) - الْأَنْفَظُل: ١٧/٦-١٩
رسول الله صل﴿ قال: ((بلغوا عن الله فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر
الله)).
وروى ابن المنذر وابن جرير وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن محمد بن
كعب القرظي قال: ((من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي وَلّ)). وهذه الكلمة
مروية أيضاً عن سعيد بن جبير. ثم أعلن الله براءته من المشركين القائلين بتعدد
الآلهة، مبيناً أن الواجب إعلان الشهادة بالوحدانية الله عز وجل فقال:
﴿أَبِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ وهذا استفهام إنكاري واستبعاد وتوبيخ وتقريع، فإنكم
أيها المشركون تقرون بوجود آلهة أخرى مع الله، وإني لا أشهد شهادتکم، کما
قال تعالى: ﴿فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠/٦].
وأصرح بأن الإله هو إله واحد، وهو الله عز وجل، وإني أتبرأ مما
تشركون به من الأصنام والأوثان وغيرها.
فقه الحياة أو الأحكام:
كل من يملك شيئاً فله حق التصرف المطلق فيه، وكل من أوجد شيئاً فهو
القادر على جلب ما ينفعه ودفع مايضره، والله مالك السماوات والأرض ومن
فيهن وهو الخالق لكل شيء، فهو وحده القادر على جلب النفع لخلقه ودفع
الضرر عن مخلوقاته، وأنت يا محمد وكل إنسان في الوجود إن تنزل بك شدة
من فقر أو مرض فلا رافع ولا صارف له إلا هو؛ وإن يصبك بعافية ورخاء
ونعمة، فهو الكامل القدرة على كل شيء من الخير والضر.
والله أيضاً هو القاهر الغالب المهيمن على عباده، ولكنه قهر بحكمة في
أمره، وخبرة تامة دقيقة بأعمال عباده.
والله أكبر وأعظم وأصدق شيء يشهد، فهو شاهد حق بانفراده بالربوبية،
وقد أقام الأدلة والبراهين في النفس والكون على توحيده، فقيام البراهين على

١٦٦
الْجُرُ (٧) - الْأَنْهَا: ١٧/٦-١٩
توحيده أكبر شهادة وأعظم، وأودع في الفطرة الإنسانية ما يرشد إلى الإيمان
بإله واحد متصف بصفات الكمال، وشهد العدول والعقلاء بوحدانيته، كما
قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ
[آل عمران: ١٨/٣].
١٨
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَيِزُ الْحَكِيمُ
وشهد الله بصدق رسالة الرسول: بإخباره في قرآنه: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾
[الفتح: ٢٩/٤٨] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩/٢].
وشهد الله أيضاً بتأييده بالمعجزات التي من أهمها القرآن الكريم معجزة
الإسلام الكبرى الدائمة إلى يوم القيامة. وشهدت الكتب السابقة له، وبشرت
الرسل المتقدمون به، وذلك مايزال قائماً في كتب اليهود والنصارى.
كل هذه الشهادات المؤيدات تدل على أن الله شهيد بين نبيه محمد وبين
المشركين على أنه بلغهم الرسالة، وأدى الأمانة، وصدق القول، ونصح
للأمة، وعلى أن الله شهيد في إثبات الوحدانية والبراءة عن الشركاء والأنداد.
والنبي ◌َّ﴿ مأمور بتبليغ القرآن والسنة؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآَ
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ﴾ [المائدة: ٦٧/٥]. وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن
عمرو عن النبي ◌َّه: ((بلغوا عني ولو آية)) وقال مقاتل: ((من بلغه القرآن من
الجن والإنس، فهو نذير له)).
ومما أوحي إلى النبي الذي ينذر به: أن القول بالتوحيد هو الحق الواجب،
وأن القول بالشرك باطل مردود.
وقد اشتدت حملة القرآن على الشرك والمشركين، فوبخهم وقرعهم وأنكر
عليهم في هذه الآية وغيرها اتخاذ آلهة أخرى مع الله، وإن فرض أنهم طالبوا
النبي بالشهادة على شركهم، فإنه لا يشهد شهادتهم، أو لا يشهد معهم. وإذ
ثبت إبطال الشرك، فالقول بالوحدانية هو الأمر المتعين، والقول بتوحيد الله
والبراءة عن الشرك هو ما يقوله النبي والمؤمنون.

١٦٧
المُرُ (٧) - الأَنْزُل: ٦/ ٢٠-٢٤
وقد دل الكلام: ﴿قُل لَّ أَشْهَدْ﴾ الآية على إيجاب التوحيد والبراءة عن
الشرك من ثلاثة أوجه :
أولها - قوله: ﴿قُل لَّ أَشْهَدٌ﴾ أي لا أشهد بما تذكرونه من إثبات
الشركاء.
وثانيها - قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ وكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ تفيد الحصر،
والواحد صريح في التوحيد ونفي الشركاء.
وثالثها - قوله :
﴿وَإِنَِّ بَرِىٌَّ مِمَا تُشْرِكُونَ﴾ فيه تصريح بالبراءة عن إثبات
الشركاء (١).
والافتراء على الله
كيا الله
معرفة أهل الكتاب النبي
وسلم
وتبرؤ المشركين من الشرك في الآخرة
﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ
لَا يُؤْمِنُونَ
الظَّالِمُونَ
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهَّةٍ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُمْ
٢١
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَنُهُمْ إِلَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
تَزْعُمُونَ
اُنْظُرْ
٣٣
كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمِّ وَضَلَّ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٢٤
القراءات:
﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَُهُمْ﴾ : قرئ:
١- (لم تكن فتْنَتَهُم) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو.
٢- (لم تكن فتْنَتُهُم) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر، وحفص.
(١) تفسير الرازي: ١٧٩/١٢

١٦٨
الجُرُ (٧) - الآنْتُ: ٢٠/٦-٢٤
٣- (لم يكن فتْنَتَهُم) وهي قراءة الباقين.
﴿وَاللَّهِ رَيِّنَا﴾ :
وقرأ حمزة والكسائي: (والله ربَّنا).
الإعراب:
﴿وَمَنْ أَظْلُ﴾ ﴿وَمَنْ﴾ مبتدأ مرفوع، وهي بمعنى الاستفهام المتضمن
للتوبيخ والنفي، والمعنى: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً. و﴿ أَظْلَهُ﴾ :
خبر المبتدأ، إلا أنه يفتقر إلى تمام، وتمامه: ﴿مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ لأن
((منْ)) المصاحبة لأفعل التفضيل من تمامه، وهي بمعنى ابتداء الغاية. ﴿إِنَّهُ﴾
ضمير الشأن.
﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ﴾ اسم ﴿تَكُنْ﴾ المرفوع، وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ قَالُواْ﴾
خبر ﴿تَكُنْ﴾ المنصوب، كأنه قال: لم تكن فتنتهم إلا مقالتهم. ومن قرأ بالياء
(كن)) ونصب ﴿فِتْنَُهُمْ﴾، جعل اسم يكن ﴿أَن قَالُواْ﴾ كأنه قال: لم يكن
فتنتَهم إلا مقالتُهم. وأما تذكير يكن فلوجهين: أحدهما - لأن تأنيث الفتنة
غير حقيقيّ، والثاني: لأن القول هو الفتنة في المعنى، والحمل على المعنى كثير
في كلامهم.
﴿ وَاللَّهِ رَيِّنَا﴾ ﴿رَيِّنَا﴾: وصف لقوله: ﴿وَاللَّهِ﴾ ومن قرأ بالنصب فعلى النداء
المضاف، وتقديره: يا ربَّنا. و﴿مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾ جواب القسم، و﴿رَبِّنَا﴾
اعتراض وقع بين القسم وجوابه.
البلاغة:
﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ﴾ فيه ما يسمى بالتشبيه المرسل المجمل.
﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي تزعمونهم شركاء.

١٦٩
الُرعُ (٧) - الآنقم: ٦/ ٢٠-٢٤
كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ تعجب من كذبهم الغريب.
المفردات اللغوية:
(يَعْرِفُونَهُ﴾ أي يعرفون محمداً بنعته في كتابهم. ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد
﴿مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بنسبة الشريك إليه ﴿أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهَّةٍ﴾ القرآن.
﴿نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ توبيخاً. ﴿كُنُّمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم شركاء لله. ﴿فِتْنَُهُمْ﴾.
كفرهم، والمعنى المراد: ثم لم تكن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم، وقاتلوا
عليه، وافتخروا به. ويجوز أن يكون المراد: ثم لم يكن جوابهم ومعذرتهم إلا أن
قالوا، فسمي فتنة لأنه كذب.
﴿كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ بنفي الشرك عنهم. ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ وغاب عنهم.
﴿َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي يفترونه على الله من الشركاء، يفترون ألوهيتها
وشفاعتها.
المناسبة:
كانت الآيات السابقة بسبب سؤال موجه من المشركين لليهود والنصارى
عن صفة محمد عليه الصلاة والسلام، فأنكروا دلالة التوراة والإنجيل على
نبوته، فبَيَّن الله تعالى فيما سبق أن شهادة الله على صحة نبوته كافية في ثبوتها
وتحققها، ثم بيَّن في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم: إنا لا نعرف محمداً عليه
الصلاة والسلام؛ لأنهم يعرفونه بالنبوة والرسالة كما يعرفون أبناءهم؛ لما
روي أنه لما قدم رسول الله وَّر المدينة قال عمر لعبد الله بن سلام: أنزل الله
على نبيه هذه الآية، فكيف هذه المعرفة؟
فقال: يا عمر، لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني، ولأنا أشدّ
معرفة بمحمد مني بابني؛ لأني لا أدري ما صنع النساء، وأشهد أنه حق من
الله تعالى(١).
(١) تفسير الرازي: ١٧٩/١٢
- -

١٧٠
الُ (٧) - الاَنْتَقُل: ٢٠/٦-٢٤
التفسير والبيان:
إن الذين آتيناهم الكتاب في الماضي وهم اليهود والنصارى يعرفون أن
محمداً وَلقر نبي وأنه خاتم الرسل، كما يعرفون أبناءهم، بما عندهم من
الأخبار والأنباء عن الرسل المتقدمين والأنبياء؛ فإن صفته في كتبهم واضحة،
وإن الرسل كلهم بشّروا بوجود محمد چلچ ونعته وصفته وبلده ومهاجره وصفة
أمته. وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به وبصحة نبوته.
لهذا كان السبب في إنكار نبوته: ما قاله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي
إن إنكارهم نبوة محمد ◌ّة ناشئ من خسارتهم أنفسهم، مثل إنكار المشركين
بعد قيام الأدلة القاطعة على نبوته، فكل من الفريقين أهمل ما يقتضيه العقل
والعلم والتاريخ، وآثر المشركون وعلماء اليهود والنصارى الحفاظ على
مراكزهم في قومهم وتعصبهم لما عندهم، على الإيمان بنبوة هذا الرسول النبي
الأميّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، فهم إن أسلموا فقدوا
زعامتهم، وتساووا مع بقية المسلمين.
هؤلاء من المشركين وأهل الكتاب الجاحدين الذين خسروا أنفسهم،
لتعلقهم بحظوظ دنيوية حقيرة، ولضعف إرادتهم، وإهمالهم أخبار الأنبياء
السابقين، هم الذين لا يؤمنون بنبوة محمد نَّر، وهم الذين جمعوا بين أمرين
متناقضين، فكذبوا على الله بما لا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة
والبرهان الصحيح حيث قالوا: لو شاء الله ما أشركنا، ولا آباؤنا، وقالوا:
والله أمرنا بها، وقالوا: والملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله،
ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب، وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات
وسموها سحراً، ولم يؤمنوا بالرسول ◌َله.
وهذا يدلّ على أن إنكار نبوة محمد بَ له خسارة للنفس، ثم أبان تعالى أن
الافتراء على الله ظلم للنفس: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَى﴾ أي لا أحد أظلم ممن

١٧١
الجُ (٧) - الآنْزل: ٦/ ٢٠-٢٤
تقوَّل على الله، فادعى أن الله أرسله، ولم يكن أرسله، ثم لا أحد أظلم ممن
كذَّب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته، ولا أحد أظلم لنفسه ممن زعم
أن الله ولداً أو شريكاً.
ويلاحظ أن المشركين جمعوا بين التكذيب على الله، والتكذيب بآيات الله
الدالة على التوحيد وعلى إثبات رسالة النبي محمد قلق.
وعاقبة الظلم: عدم الفلاح، فلا يفلح المفتري ولا المكذب، ولا يفوز
أحدهما أو كلاهما وكل ظالم يوم القيامة - يوم الحساب والجزاء.
وزيادة في الملامة والتبكيت يسأل المشركون المفترون يوم القيامة سؤال
توبيخ وتقريع وإنكار، فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي واذكر يا محمد يوم
نحشر أولئك المشركين جميعاً سواء عبدة الأوثان أو أهل الكتاب وكل من ظلم
نفسه وغيره، ثم نقول للذين أشركوا وهم أشدّ الناس ظلماً: أين الشركاء من
الأصنام والأنداد المعبودة من دون الله، التي كنتم تزعمون في الدنيا أنهم
أولياؤكم ونصراؤكم من دون الله، وأنهم يقرِّبونكم إلى الله زلفى، ويشفعون
لكم عنده، أين هم فلا يرون معكم؟ كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ
[القصص: ٦٢/٢٨] وقال تعالى: ﴿وَمَا نَرَى
شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ
مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِيَكُمْ شُرَّكَوْ لَقَد نَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنَكُمْ
◌َا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤/٦].
ولكنهم يحارون فلا يجدون جواباً مقنعاً، فيبادرون إلى إنكار الشرك. ﴿ثُمَّ
لَمْ تَكُنْ فِتْنَُهُمْ﴾ أي لم تكن عاقبة شركهم أو كفرهم أو - كما صوب الطبري
- لم تكن حجتهم أو قولهم عند اختبارنا إياهم اعتذاراً مما سلف منهم من
الشرك بالله، إلا أن أقسموا بالله يوم القيامة: ما كنا مشركين.
وهنا تساؤل ذكره الزمخشري: كيف يصحّ أن يكذبوا حين يطلعون على
حقائق الأمور، وعلى أن الكذب والجحود لا نفع فيه؟ ثم أجاب: الممتحَن

١٧٢
الُ (٧) - الأَنْتَفَا: ٦/ ٢٠-٢٤
ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما، حيرة ودهشة. وهناك حالة
مماثلة: يقولون وهم يعذبون في النار: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا
ظالمون، مع أنهم قد أيقنوا بالخلود ولم یشکّوا فيه.
ولكن هذا الإنكار حاصل منهم في بعض مواقف الحشر، توهماً منهم أن
ذلك ينفعهم، أما في موقف آخر فيعترفون بالشرك، كما قال تعالى: ﴿قَالُواْ
رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ مِن دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦/١٦] وقال تعالى:
﴿ وَلَا يَكْثُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢/٤].
سئل ابن عباس عن هذه الآية وعن قوله: ﴿وَلَا يَكْثُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.
فقال: أما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة
إلا أهل الإسلام، قالوا: تعالوا لنجحد: ﴿قَالُواْ وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم: ﴿وَلَا يَكْثُونَ اللَّهَ
حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢/٤]. أي أنهم في الحقيقة يعترفون بواقعهم، وفي الظاهر
وحال التخبط في الإجابة ينكرون الشرك، فتارة يكذبون، وتارة يصدقون،
﴿ وَلَا يَكْثُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وذلك كله بسبب الدهشة والحيرة.
وتأويل الفتنة في تفسير ابن عباس: هي الشرك في الدنيا، لكن على تقدير
مضاف: هو كلمة (عاقبة) أي أن أمر الشرك آل إلى نقيض المطلوب: وهو
التبرؤ منه وتركه عند المحنة.
وما أحرج مواقف المجابهة بالحقائق وإظهار الكذب مواجهة، فيا له من
خزي وعار! وهذا ما قاله تعالى: ﴿كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي تأمل وتعجب
من كذبهم الصريح، بإنكارهم الشرك، وكذبهم باليمين الفاجرة بإنكار ما
صدر عنهم.
﴿ وَضَلَّ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ثم انظر وتأمل أيضاً كيف ذهب عنهم أو
غاب عنهم ما كانوا يفترونه من الإشراك، حتى إنهم بادروا إلى نفي حدوثه
٢

١٧٣
/
الجزء (٧) - الآنتزال: ٢٥/٦-٢٦
شَثَ مِن دُونِ
منهم. ونظيره قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِبِلَ لَهُمْ أَبْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ
اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ [غافر: ٧٣/٤٠ -٧٤].
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات مشهدين أو موقفين من مشاهد ومواقف الكفار.
المشهد الأول - أن أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى يعرفون ما يدلّ
على صفة النبي محمد وَ لهو وصحة أمره، وصدقه، ورسالته، ولكنهم قوم
معاندون، خسروا أنفسهم وضيعوا مصالحهم الحقيقية.
المشهد الثاني - أن المشركين عبدة الأوثان ومنهم الذين اتخذوا عيسى إلهاً أو
ابناً لله هم قوم ظلمة، لافترائهم الكذب على الله بأن نسبوا إليه ما ليس له،
ولتكذيبهم بالمعجزات والبراهين الدالة على وحدانية الله وصدق محمد في نبوته.
ويحشر الجميع من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين يوم القيامة ويسألون
سؤال توبيخ وإنكار، وسؤال إفضاح لا إفصاح عن الشركاء مع الله الذين
زعموا أنهم شفعاء لهم عند الله، فما يكون قولهم أو معذرتهم أو حجتهم أو
عاقبة شركهم إلا التبرؤ من الشرك. وهذا غاية الكذب، إذ ضللوا أنفسهم
وزعموا أن الأصنام تقربهم إلى الله زلفى، وكذب المنافقون باعتذارهم
بالباطل، وبكل ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم.
مواقف من عناد المشركين حول القرآن الكريم
﴿ وَمِنْهُم ◌َن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيْ ءَاذَانِمْ وَقْرَّاً
وَإِن يَرَوْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِأَ حََّ إِذَا جَاءُوَكَ يُحَدِ لُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا
إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْقَوْنَ عَنْهُ وَإِنِ يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا
يَشْعُرُونَ

١٧٤
الجُرُ (٧) - الأَنْتَيا: ٢٥/٦-٢٦
الإعراب:
﴿مَّنْ يَسْتَمِعُ﴾ ﴿مَنْ﴾: مبتدأ مرفوع، وخبره: ﴿وَمِنْهُم﴾ ووحد الفعل:
{يَسْتَمِعُ﴾ لأنه حمله على لفظ ﴿مَن﴾. ولو حمل على المعنى لكان جائزاً حسناً
كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢/١٠].
﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ تقديره: كراهية أن يفقهوه، فحذف المضاف. وقيل:
تقديره: لئلا يفقهوه. ﴿أَسَطِيرُ﴾ قيل: واحدها أسطورة، وقيل: إسطارة،
وقيل: هو جمع الجمع واحده أسطار، وأسطار: جمع سَطَّر بفتح الطاء،
کجمل وأجمال، وجیل وأجيال.
البلاغة:
﴿ وَفِيّ ءَذَانِهِمْ وَقْرَا﴾ عبر بالأكنة في القلوب، والوقر في الآذان، وهو تمثيل
بطريق الاستعارة، الإعراضهم عن القرآن.
﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير لتسجيل الكفر عليهم.
﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْثَوْنَ﴾ بينهما جناس ناقص.
المفردات اللغوية:
﴿أَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ﴾ إذا قرأت. ﴿أَكِنَّةً﴾ أغطية، جمع كنان: وهو الغطاء،
كأسنة وسنان . ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ ألا يفهموا القرآن. ﴿ وَفْرَا﴾ صمماً وثقل سمع،
فلا يسمعونه سماع قبول. ﴿رَءَايَةٍ﴾ علامة دالة على صدق الرسول. ﴿يُجَدِلُونَكَ﴾
يخاصمونك وينازعونك. ﴿وَإِنِ﴾ ما. ﴿هَذَا﴾ القرآن. ﴿أَسَطِيرُ﴾ أكاذيب
وخرافات، جمع أسطورة. ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي ينهون الناس عن اتباع النبي
عَائِ . ﴿ وَيَنَْوْنَ عَنْهُ﴾ يتباعدون عنه ويعرضون، فلا يؤمنون به. ﴿وَإِن
يُهْلِكُونَ﴾ ما يهلكون بالنأي عنه إلا أنفسهم؛ لأن ضرره عليهم.

١٧٥
الُ (٧) - الأَنْتُ: ٢٥/٦-٢٦
سبب النزول:
نزول الآية (٢٥):
﴿وَمِنْهُم ◌َنْ يَسْتَمِعُ﴾: قال ابن عباس: إن أبا سفيان بن حرب، والوليد بن
المغيرة، والنضر بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأمية، وأُبَياً ابني خلف
استمعوا إلى رسول الله وَله فقالوا للنضر: يا أبا قُتَيلة، ما يقول محمد؟ قال:
والذي جعلها بيته ما أدري ما يقول، إلا أني أراه يحرك شفتيه يتكلم بشيء،
وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية،
وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأُوَل، وكان يحدث قريشاً،
فیستملحون حديثه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
نزول الآية (٢٦):
﴿وَهُمْ يَنْهَوّنَ﴾ : روى الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية
في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ◌َّلو ويتباعد عما جاء به.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد أبي هلال قالت: نزلت في عمومة النبي
وَبير، وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس معه في العلانية، وأشد الناس عليه في
السر.
قال مقاتل بعد ذكر رواية الحاكم: وذلك أن النبي ◌َّ كان عند أبي طالب
يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يردون سؤال النبي وَلِّر،
فقال أبو طالب:
حتى أُوسَّدَ في التراب دفينا
والله، لا وصلوا إليك بجمعهم
وابشر وقرّ بذاك منك عيونا
فاصدع بأمرك، ما عليك غضاضة
من خير أديان البرية دينا
وعرضت ديناً لا محالة أنه
لولا الملامة أو حذاري سُبَّة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

١٧٦
الُ (٧) - الأَنْتُ: ٢٥/٦-٢٦
فأنزل الله تعالى ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية(١).
المناسبة:
لما بَيَّن الله تعالى أحوال الكفار في الآخرة وما يكونون عليه من اضطراب،
فمرة ينكرون الشرك، وأخرى يقرون به، أتبعه هنا ما يوجب اليأس من إيمان
بعضهم.
التفسير والبيان:
من هؤلاء الكفار فريق يجيء ليستمع إلى قراءتك القرآن، والحال أنه لا
تجزي عنهم شيئاً، ولا يستفيدون شيئاً؛ لأنا قد جعلنا على قلوبهم أغطية لئلا
يفقهوا القرآن، وفي آذانهم ثقلاً أو صمماً عن السماع النافع لهم، كما قال
تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءَ وَنِدَاءَّ﴾
[البقرة: ١٧١/٢]. أي إن إقامة الحواجز دون فهم القرآن وقبوله وتدبر معانيه،
كان بسبب التقليد الأعمى وإعراضهم الناشئ عن تصميم وحزم ألا ينظروا
فيما يسمعون نظرة تأمل وإمعان، ليميزوا بين الحق والباطل.
وهذا ما قررته الآية التالية: ﴿وَإِن يَرَوْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَ﴾ أي مهما
رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات والبراهين لا يؤمنوا بها، فلا
فهم عندهم ولا إنصاف، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمَّ
[الأنفال: ٢٣/٨].
٢٣
وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَواْ وَّهُم مُعْرِضُونَ
حتى إنهم إذا جاؤوك يحاجونك ويناظرونك في الحق وفي دعوتك قالوا: ما
هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم، وما هو إلا
نوع من الترهات والخرافات والقصص الأسطورية التي تدون وتشغل أذهان
العامة.
(١) أسباب النزول للواحدي ١٢٣

١٧٧
الجزرُ (٧) - الآنقال: ٢٥/٦-٢٦
وهم بالإضافة إلى تكذيبهم للنبي ◌ّيم ينهون الناس عن اتباع الحق وتصديق
الرسول وَ﴿ والانقياد للقرآن، ويبعدون هم عنه، فيجمعون بين الفعلين
القبيحين، لا ينتفعون ولا يدَعون أحداً ينتفع.
أو أن الآية نزلت في أبي طالب، كان ينهى الناس عن النبي ◌ُّر أن يؤذى
أو أن يقتل، ويتباعد عنه.
وعاقبة ذلك أنهم ما يهلكون إلا أنفسهم بهذا الصنيع، ولا يعود وباله إلا
عليهم، وهم لا يشعرون بذلك، بل يظنون أنهم يضرون رسول الله وَله. وقد
أهلك الله أولئك المعادين الجاحدين، إما في ساحات القتال كبدر وغيرها، أو
ببلاء ونقمة خاصة، وسيتبعها هلاك الآخرة. وهذا من معجزات القرآن
وإخباره بالمغيبات.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات عبرة وعظة بليغة تستوقف النظر والتأمل؛ إذ ما أصعب
حجب الحقائق عن الإنسان وتركه يتيه في ظلمات الأهواء ويتردد في موج
الضلالات.
فهؤلاء الكفار أذكياء وزعماء يسمعون ويفهمون، ولكن لما كانوا لا
ينتفعون بما يسمعون، ولا ينقادون إلى الحق، كانوا بمنزلة من لا يسمع ولا
یفهم.
وقد أخبر الله تعالى عن أوضاع عنادهم وردهم الآيات بغير حجة؛ لأنهم
لَّ رأوا القمر منشقاً قالوا: هذا سحر، ولما وجدوا القرآن معجزة سما ببلاغته
عن فنون كلامهم وقولهم، قالوا: هذا أساطير الأولين.
وموقف الكفار يجمع كل فصول القبح والاستغراب والاستهجان، وقوله
تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنَْوْنَ عَنْهُ﴾ عام في جميع الكفار، ينهون عن اتباع

١٧٨
الجُرُ (٧) - الأَنْزُ: ٢٧/٦-٢٩
محمد وَ ل ◌ّر، وينأون عنه، فلا يكتفون بإعراضهم، وإنما يصدون الناس عن
دعوة الإسلام، وهم بهذا ما يهلكون إلا أنفسهم بإصرارهم على الكفر،
وحملهم أوزار الذین یصدّونهم.
أما موقف أبي طالب فالله أعلم به، والرواية المشهورة: ما ورد في صحيح
مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله لعمه: ((قل: لا إله إلا الله، أشهد
لك بها يوم القيامة)). قال: لولا تعيّني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك
الجزَعِ لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ
ج
اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءٌ﴾ [القصص: ٥٦/٢٨].
حال المشركين أمام النار أو كيفية هلاكهم
﴿ وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْنَنَا نُرَةُ وَلَا نُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَيِّنَا وَنَكُونَ مِنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ
بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلٌ وَلَوْ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ
وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
لَكَذِبُونَ مَّ
٢٩
القراءات:
﴿وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِنَا﴾: قرئ:
١- بالنصب في (نكذب) و(نكون) وهي قراءة حفص، وحمزة.
٢- برفع الأول ونصب الثاني، وهي قراءة ابن عامر.
٣- برفعهما، وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿وَلَا تُكَذِّبَ بَِايَتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ﴾ النصب فيهما بتقدير أن، لتكون مع الفعل
مصدراً، فتعطف بالواو مصدراً على مصدر، وتقديره: يا ليت لنا رداً وانتفاء
من التكذيب وكوناً من المؤمنين. والنصب على أنه جواب التمني؛ لأن التمني
ينزل منزلة الأمر والنهي والاستفهام في نصب الفعل المضارع بأن مضمرة.

١٧٩
الجُ (٧) - الأَنْقَا: ٢٧/٦-٢٩
ويجوز فيهما الرفع: إما عطفاً على ﴿ثُرَدُ﴾ فجعل كله مما يتمناه الكفار یوم
القيامة، فيكونون قد تمنوا ثلاثة أشياء وهي: أن يردوا، وألا يكونوا قد
كذبوا، وأن يكونوا من المؤمنين. وإما الرفع على القطع والاستئناف، فإنه
يجوز في جواب التمني الرفع على العطف والاستئناف، فلا يدخلان في
التمني، وتقديره: يا ليتنا نرد، ونحن لا نكذب، ونحن نكون من المؤمنين.
ويجوز رفع ﴿نُكَذِّبَ﴾ ونصب ﴿وَتَكُونَ﴾ والرفع على ما تقدم من العطف
على ﴿نُرَدُّ﴾. والنصب يكون على جواب التمني على ما تقدم، فيكون داخلاً في
التمني.
البلاغة:
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ تأكيد بمؤكدين هما: ((إن)) و((اللام)) للإشارة إلى أن
الكذب طبيعتهم.
المفردات اللغوية:
﴿إِذْ وُقِفُواْ﴾ عرضوا، يقال: وقف على الشيء: عرفه وتبينه: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾.
ظهر لهم ﴿يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ يكتمون، بقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين،
بشهادة جوارحهم ﴿لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ من الشرك ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ في
وعدهم بالإيمان ﴿ وَقَالُواْ﴾ أي منكرو البعث ﴿إِنْ هِىَ﴾ ماهي ﴿بِمَبْعُوثِينَ﴾
بعث الموتى: نشَرهم ليوم البعث، أي القيامة. ونَشَر الميِّتُ: عاش بعد الموت.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى صفة من ينهى عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام،
وينأى عن طاعته ويبتعد عنه، بأنهم يهلكون أنفسهم، شرح كيفية ذلك الهلاك
بهذه الآية، وصدور بعض التمنيات منهم بالعودة إلى الدنيا ليعملوا صالح
الأعمال، ولكن الله كذبهم فيما يقولون.

١٨٠
الجُرُ (٧) - الأَنْتُ: ٢٧/٦-٢٩
التفسير والبيان:
يذكر الله تعالى حال الكفار إذا تبينوا يوم القيامة وعرفوا النار، وشاهدوا
أهوالها وفظائعها، فلو رأيتهم أيها السامع وما بهم من هول وفزع لرأيت عجباً
يصعب وصفه، حين تعرضهم ملائكة العذاب على النار، ثم يدخلونها
ويعاينون شدتها، فيندمون ويتمنون العودة إلى الدنيا قائلين: ﴿يَيِّئَنَا نُرَةُّ وَلَا
تُكَذِّبَ بَِايَتِ رَبِّنَا﴾ أي يا ليتنا نرجع إلى الحياة الدنيا، ولا نكذب بآيات الله
وحججه الدالة على وحدانيته وصدق رسله، ونؤمن بالله واليوم الآخر
والملائكة والكتب والنبيين، ونتوب من ذنوبنا، ونعمل صالحاً يرضي الله
سبحانه.
فرد الله عليهم بقوله ﴿بَلْ﴾ للإضراب الإيطالي لهذا التمني، وللإضراب
عن إرادة الإيمان، فحالهم لم تتغير، وإنما ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في
أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة،
وتظهر حقيقتهم؛ لأنهم كانوا يخفون الكفر ولا يبدونه، أما المؤمن الحقيقي
فيعلن إيمانه ولا يكتمه، ويتحملون عاقبة كفرهم من العقاب الشديد، كما
[الحاقة: ١٨/٦٩] فهي لا
١٨
قال تعالى ﴿يَوْمَيِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَّةٌ
تخفى على أنفسهم ولا على ربهم، وقال تعالى: ﴿وَبَدَا لَّمْ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ
يَحْتَسِبُونَ ، وَبَدَا لَهُمْ سَبِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
[الزمر: ٣٩ /٤٧-٤٨]
ثم كذَّبهم الله صراحة في هذا الندم أو التمني، فقال: ﴿وَلَوْ رُدُواْ لَعَادُواْ﴾ أي
لو رُدُّوا إلى الدنيا لعادوا إلى ما نهاهم الله عنه من الكفر والعناد والنفاق
والمعاصي، فإن العصيان مستقر في أنفسهم، فديدنهم العناد، وطبعهم
الكذب، ولو رُدُّوا إلى الدنيا لأنكروا مرة أخرى البعث والحساب والجزاء،
وأقروا بحياة الدنيا ولم يؤمنوا بالآخرة، وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا فقط،
نعيش ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، ولا ثواب ولا عقاب في الآخرة، بل لا