Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١
لِلُرُ (٧) - المَائِدَة: ١٠١/٥-١٠٢
الْقُرْءَان »:
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً: (القران).
الإعراب:
﴿عَنْ أَشْيَآءَ﴾ هي ممنوعة من الصرف؛ لأن الألف في آخرها للتأنيث،
وهي اسم للجمع، وليست بجمع شيء. وذهب الكسائي إلى أنها جمع شيء
كبيت وأبيات. وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أنه جمع شيء. بالتخفيف مثل
طبيب وأطباء، وشريف وشرفاء. قال ابن الأنباري: والمختار هو الأول.
المفردات اللغوية:
قے
﴿إِن تُبْدَ﴾ تظهر ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ تزعجكم لما فيها من المشقة ﴿وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا
حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ﴾ المعنى إذا سألتم عن أشياء في زمنه وَله، ينزل القرآن
بإبدائها، ومتى أبداها ساءتكم، فلا تسألوا عنها ﴿عَفَا اللَّهُ عَنّهًا﴾ أي عن
مسألتكم فلا تعودوا ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾ أي الأشياء ﴿قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ أي
سأل عنها جماعة سابقون أنبياءهم، فأجيبوا ببيان أحكامها ﴿ثُمَّ أَصْبَحُواْ﴾
صاروا.
سبب النزول:
تعددت أسباب نزول هذه الآية، منها سؤال اختبار وتعجيز، وتعنت
واستهزاء وسخف، ومنها سؤال استفهام واسترشاد عن تكرار بعض
الفرائض. فمن الأول: مارواه البخاري ومسلم واللفظ للأول عن أنس بن
مالك قال: خطب النبي ◌َّ خطبة، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت
هذه الآية: ﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ﴾. وروي أيضاً عن ابن عباس قال: كان
قوم يسألون رسول الله و ◌َلقول استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل
تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
٨٢
لُزُرُ (٧) - المَائِدَة: ١٠١/٥-١٠٢
تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ حتى فرغ من الآية كلها. وأخرج الطبري مثله عن أبي
هريرة. وأخرج البخاري أيضاً عن أنس عن النبي ◌ُّر وفيه: ((فوالله لا تسألوني
عن شيء إلا أخبرتكم به مادمت في مقامي هذا)) فقام إليه رجل، فقال: أين
مدخلي يارسول الله؟ قال: ((النار)) فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي
يارسول الله؟ فقال: ((أبوك حذافة)).
ومن الثاني: مارواه مسلم عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله وَله فقال:
((أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا، فقال رجل: أكل عام
يارسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله وَله: لو قلت: نعم
لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم)). وفي رواية: ((فأنزل الله هذه الآية)).
ومثل ذلك روى أحمد والترمذي والحاكم عن علي قال: ((لما نزلت ﴿وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ قالوا: يارسول الله، في كل عام؟ فسكت، قالوا:
يارسول الله، في كل عام؟ قال: لا، ولو قلت: نعم، لوجبت، فأنزل الله:
﴿لَا تَسْثَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُّبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾)).
وأخرج الطبري مثله عن أبي هريرة وأبي أمامة وابن عباس.
قال الحافظ ابن حجر: لامانع أن تكون نزلت في الأمرين، وحديث ابن
عباس في ذلك أصح إسناداً. وقال الطبري: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك
قول من قال: نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسول الله وَله
المسائل، كمسألة ابن حذافة إياه: من أبوه؟ ومسألة سائله إذ قال: إن الله
فرض عليكم الحج، أفي كل عام؟ وما أشبه ذلك من المسائل.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى أن مهمة الرسول مجرد البلاغ، ومهمة المبلَّغين هي تنفيذ
التكاليف والانقياد له، دون أن يكثروا عليه السؤال عما لم يبلغه لهم، ناسب
٨٣
المُرُ (٧) - المَائِدَة: ١٠١/٥-١٠٢
أن ينهاهم صراحة عن السؤال فيما لا تكليف فيه، لئلا يكون ذلك سبباً
للإلزام بتكاليف ثقيلة، ومطالب جديدة شديدة.
التفسير والبيان:
يا أيها الذين صدّقوا بالله ورسوله: لا تسألوا عن أشياء غيبية أو خفية أو
لافائدة منها، أو عن أمور دقيقة في الدين، أو عن تكاليف سكت عنها
الوحي، فيشق التكليف بها على بقية المؤمنين، فيكون السؤال سبباً في التشديد
والإساءة والكثرة.
وإن تسألوا عن جنس تلك الأشياء المسكوت عنها أو المعقدة والشائكة أو
التكاليف الصعبة حين ينزل القرآن، يظهرها الله لكم على لسان رسوله. وقال
ابن كثير: لا تسألوا عن أشياء تستأنون السؤال عنها، فلعله قد ينزل بسبب
سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث الذي رواه مسلم عن عامر بن
سعد عن أبيه: ((إن أعظم المسلمين جُرْماً من سأل عن شيء لم يحرم، فحُرِّم من
أجل مسألته)) ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة، فسألتم عن بيانها، بينت لكم
حينئذ لا حتياجكم إليها.
أي أن المسؤول عنها إما التكاليف الصعبة المنهي عن السؤال فيها، أو عن
غيرها مما فيه لكم حاجة وقد نزل بها الوحي.
وروى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله وَالقر قال: ((إن الله حرّم
عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم ثلاثاً: قيل
وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) ورواه مسلم أيضاً عن أبي هريرة بلفظ
آخر. قال كثير من العلماء: المراد بقوله: ((وكثرة السؤال)) التكثير من السؤال
في المسائل الفقهية تنظّعاً، وتكلفاً فيما لم ينزل، والأغلوطات، وتشقيق
المولدات، وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف.
٨٤
الجُ (٧) - المَائِدَة: ١٠١/٥-١٠٢
يفهم من ذلك أن السؤال لإيضاح المجمل الغامض من القرآن مباح، مثل
السؤال عن البيان الشافي في تحريم الخمر بعد نزول آية البقرة. أما السؤال عما
لا يفيد أو عن حكم مسألة لم تحرَّم أو لم يكلف بها المسلمون، أو عما لا حاجة
إلى السؤال فيه وكان في الإجابة عنه زيادة كلفة ومشقة، فهو حرام.
﴿عَفَا اُللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ أي عفا الله عما لم يذكره في كتابه فهو
مما عفا الله عنه وسكت عليه، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها، والله
غفور لمن أخطأ في السؤال وتاب، حليم لا يعاجلكم بالعقوبة على ما فرطتم
أو قصَّرتم فيه. روى الدارقطني وغيره عن أبي ثعلبة الخشني جُرْثوم بن ناشر
رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الله تعالى
فرض فرائض فلا تضيعوها، وخدّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا
تنتهكوها، وسكت عن أشياء، رحمةً لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها)).
ثم بَيَّن الله تعالى حالة بعض الأقوام السابقين مثل قوم صالح الذين سألوا
عن مسائل ثم أهملوا حكمها، فقال: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ أي قد
سأل هذه المسائل المنهي عنها قوم من قبلكم، فأجيبوا عنها، ثم لم يؤمنوا بها،
فأصبحوا بها كافرين، أي بسببها، والمعنى: أني بينت لهم، فلم ينتفعوا بها؛
لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، بل على وجه الاستهزاء والعناد. روى
البخاري ومسلم عن أبي هريرة: عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه
قال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به
فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم، واختلافُهم
على أنبيائهم)). وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أن
النبي ◌َّ قال: ((ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم
واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا
نهیتکم عن شيء فدعوه)).
٨٥
الجُ (٧) - الَائِدَة: ١٠١/٥-١٠٢
فقه الحياة أو الأحكام:
الآية تنهى وتحرم كل أنواع الأسئلة (١) ما عدا السؤال عما ينفعهم أو
يحتاجون إليه أو عن توضيح المجمل في القرآن أثناء تنزل الوحي، وقد نزلت
جواباً عن جميع الأسئلة التي سئل عنها النبي وَّر، إما امتحاناً له، وإما
استهزاء.
وقد التزم الصحابة بعدئذ هذا الأدب فامتنعوا عن السؤال، واقتصروا على
ما يبلغهم إياه النبي ◌ِّ، قال ابن عباس: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من
أصحاب رسول الله وَله، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبض،
كلهن في القرآن، منهن: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧/٢]
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢/٢] وشبهه، ما كانوا يسألون إلا عما
ينفعهم.
أما الأسئلة الشرعية اليوم فجائزة للعلم والبيان، قال ابن عبد البر:
السؤال اليوم لا يخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله، فمن سأل
مستفهماً راغباً في العلم، ونفَى الجهل عن نفسه، باحثاً عن معنى يجب
الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به، فشفاء العِيّ السؤال؛ ومن سأل متعنتاً
غير متفقه ولا متعلم، فهو الذي لا يحلّ قليل سؤاله ولا كثيره(٢).
ومن أمثلة الأسئلة عما كانوا بحاجة إليه: أنه تعالى بيَّن عدة المطلقة والمتوفى
عنها زوجها والحامل، ولم يذكر عدة المرأة التي لا حيض لها ولا حامل،
(١) وهي السؤال عما لا ينفع في الدين مثل: من أبي؟ والسؤال الزائد عن الحاجة كالسؤال عن
الحج: أكل عام؟ والسؤال عن صعاب المسائل كما جاء في النهي عن الأغلوطات، والسؤال
عن علة الحكم في التعبدات كالسؤال عن قضاء الحائض الصوم دون الصلاة، وسؤال
التكلف والتشدد في الدين كسؤال بني إسرائيل عن أحوال البقرة، وسؤال التعنت والإفحام،
والسؤال عن المتشابهات مثل السؤال عن استواء الله.
(٢) تفسير القرطبي: ٣٢٣/٦
٨٦
لُعُ (٧) - المَائِدَة: ١٠١/٥-١٠٢
فسألوا عنها فنزل: ﴿وَأَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤/٦٥] فالنهي إذن في
شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه، فأما ما مسَّت الحاجة إليه فلا. وبهذا
يوفق بين أول الآية: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ﴾ وبين الجملة التالية: ﴿وَإِن تَسْئَلُواْ
عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فأول الآية نهي عن السؤال، والجملة التالية
تبيح السؤال، والمعنى: وإن تسألوا عن غيرها فيما مسَّت الحاجة إليه. فحذف
المضاف، ولا يصحّ حمله على غير الحذف. قال الجرجاني: الكناية في ﴿عَنْهَا﴾
ترجع إلى أشياء أخر؛ كقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ.
[المؤمنون: ١٢/٢٣] يعني آدم، ثم قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٣/
١٢
١٣] أي ابن آدم؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان
وهو آدم، دل على إنسان مثله، وعرف ذلك بقرينة الحال. والمعنى: وإن تسألوا
عن أشياء مما أنزل القرآن من تحليل أو تحريم أو حكم، أو مسَّت حاجتكم إلى
التفسير، فإذا سألتم فحينئذ تبد لكم(١).
وقد عفا الله عن الأسئلة التي سلفت منهم قبل هذا النهي، فضلاً من الله
ورحمة، وإن كرهها النبي ◌ُّ، فلا تعودوا لأمثالها.
وتغلب المقارنة والتذكير والعبرة في آي القرآن وسرد أحكامه كما فعل هنا
بقوله: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ أخبر تعالى أن قوماً من قبلنا قد سألوا
آيات مثلها، فلما أُعطوها وفرضت عليهم كفروا بها، وقالوا: ليست من عند
الله، وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وقوم موسى رؤية الله جهرة، وأصحاب
عيسى المائدة. وهذا تحذير مما وقع فيه من سبق من الأمم.
والتوفيق بين ما ذكر من كراهية السؤال والنهي عنه وبين قوله تعالى:
﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣/١٦]: أن النهي منصب
على ما لم يتعبد الله به عباده ولم يذكره في كتابه، والأمر موجه لما ثبت وتقرر
وجوبه مما يجب العمل به.
(١) المرجع والمكان السابق.
٨٧
لُ (٧) - للَائِدَة: ١٠٣/٥-١٠٤
ما حرَّمه الجاهليون من الماشية والإبل
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَ وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنْزَلَ
يَفْتُرُونَ عَلَى الَّهِ الْكَذِبَّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ◌َ
اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَاْ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
١٠٤
القراءات:
قيل﴾ :
بإشمام كسرة القاف الضم قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بكسرة خالصة.
المفردات اللغوية:
﴿مَا جَعَلَ﴾ ماشرع شيئاً من هذه الأحكام التي كان العرب يفعلونها في
الجاهلية، ولا أمر بالتبحير والتسييب وغير ذلك، ولكنهم يفترون ويقلدون في
تحريمها كبارهم.
﴿بَحِيَرَةٍ﴾ هي الناقة التي كانوا يبحرون أذنها، أي يشقونها شقاً واسعاً، إذا
نُتِجَت خمسة أبطن إناثاً آخرها أنثى وكانت حراماً على النساء لحمها ولبنها. فإن
كان آخرها ذكراً نحروه تأكله الرجال والنساء. وقيل: غير ذلك بأن آخرها
ذکر.
و ﴿سَآِبَةٍ﴾ الناقة التي كانت تُسَيَّب بنذرها لآلهتهم الأصنام، فتعطى
للسدنة، وترعى حيث شاءت، ولا يحمل عليها شيء، ولا يجزّ صوفها ولا
يُحْلَب لبنها إلا لضيف.
٨٨
الجزءُ (٧) - المَائِدَة: ١٠٣/٥-١٠٤
و ﴿ وَصِيلَةٍ﴾ الشاة أو الناقة التي تصل أخاها، فإذا بكّرت في أول النتاج
بأنثى كانت لهم، وإذا ولدت ذكراً كان لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا :
وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وقيل: غير ذلك.
والحامي: الفحل الذي يضرب في مال صاحبه فيولد من ظهره عشرة
أبطن، فيقولون: حمى ظهره، فلا يُحمَل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى.
روى البخاري عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة: التي يمنع دَرّها
للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس. والسائبة: التي كانوا يسيبونها
لآلهتهم، فلا يحمل عليها شيء. والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج
الإبل بأنثى ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما
بأخرى، ليس بينهما ذكر. والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا
قضى ضرابه، ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل عليه، فلا يحمل عليه
شيء، وسموه الحامي.
(يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اُلْكَذِبَ﴾ أي يختلقون الكذب في ذلك، وفي نسبته إلى الله.
{ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أن ذلك افتراء؛ لأنهم قلدوا فيه آباءهم. ﴿إِلَى مَآ أَنَزَلَ
اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أي إلى حكمه من تحليل ما حرمتم. ﴿حَسْبُنَا﴾ كافينا. ﴿مَا
وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآَنَا﴾ من الدين والشريعة. ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ﴾ استفهام
إنكاري.﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى الحق.
المناسبة:
كما نهى تعالى ومنع الناس من السؤال والبحث عن أمور ما كلفوا بالبحث
عنها، كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها، وبيَّن ضلال أهل
الجاهلية فيما حرموه على أنفسهم وما شرعوه بغير إذن ربهم، وأن ذلك باطل،
وأن التقليد باطل أيضاً منافٍ للعلم والدين.
٨٩
الجُ (٧) - المَائِدَة: ١٠٣/٥-١٠٤
التفسير والبيان:
ماشرع الله أصلاً تحريم هذه الأشياء الأربعة، وما حرَّم البحيرة ولا
السائبة، ولا الوصيلة، ولا الحامي، ولكن أهل الجاهلية بتحريمهم ما حرموا
يفترون على الله الكذب، حيث كانوا يفعلون ما يفعلون، وينسبونه إلى شرع
الله، وأكثرهم لا يعقلون أن ذلك افتراء على الله، وتعطيل للعقل والفكر،
وكفر ووثنية وشرك، والله لا يأمر بالكفر ولا يرضاه لعباده.
وكان أول من حرم هذه المحرمات، وشرع للعرب عبادة الأصنام هو عمرو
ابن ◌ُخَيّ الخزاعي، فهو الذي غيَّر دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيَّب السائبة
وحمى الحامي.
روى البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله
وَالير: ((رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً، ورأيت عمراً يجرّ قصَبَه - أمعاءه -
وهو أول من سيّب السوائب))(١).
وروى الطبري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَ ل98 يقول لأكثم بن
الْجَوْن: ((يا أكثم، رأيت عمرو بن ◌ُخَيّ بن قَمَعة بن خِنْدف يجرّ قصَبه - أمعاءه
- في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به ولا به منك، فقال أكثم:
أخشى أن يضرّني شبهه يا رسول الله، فقال رسول الله ◌َّيقول: لا، إنك مؤمن،
وهو كافر، إنه أول من غيَّر دين إسماعيل، وبجّر البحيرة، وسيب السائبة،
وحمى الحامي))(٢).
ثم ناقشهم القرآن بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ﴾ أي إذا قيل
للمشركين: تعالوا إلى العمل بما أنزل الله من الأحكام المؤيدة بالبراهين، وإلى
الرسول المبلِّغ لها والمبين لمجملها، أجابوا: يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا، فهم
لنا أئمة قادة مشرّعون، ونحن لهم تبع.
(١) تفسير ابن كثير: ١٠٧/٢
(٢) تفسير الطبري: ٥٦/٧، ابن كثير، المكان السابق.
٩٠
لُ (٧) - القَائِدَة: ١٠٣/٥-١٠٤
فردَّ الله عليهم مستفهماً استفهاماً إنكارياً: أيكفيهم ذلك، ولو كان آباؤهم
لا يعلمون شيئاً أبداً من الشرائع، ولا يهتدون إلى مصلحة أو خير أصلاً في
الدين والدنيا، فهم يتخبطون في ظلمات الوثنية وخرافة المعتقدات، ويشرعون
لأنفسهم بحسب أهوائهم، من وأد البنات، وشرب الخمور، وظلم الأيتام
والنساء، وارتكاب الفواحش والمنكرات، وشن الحروب لأتفه الأسباب،
وإثارة العداوة والبغضاء.
وهذا تنديد بالتقليد الأعمى والتعصب الموروث من غير وعي ولا إدراك،
كما قال تعالى في آيات كثيرة منها: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ
تَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيَّنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَُّ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآ ؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
[البقرة: ٢ /١٧٠].
فقه الحياة أو الأحكام:
الله تعالى خالق الخلق هو مصدر الشرائع والأنظمة كلها للناس، وكل شرع
لم يشرعه الله فهو مرفوض، وقد نفى الله تعالى في هذه الآيات تشريع أهل
الضلال في الجاهلية، وأعلن لهم: ما سمى الله، ولا سنَّ ذلك حكماً، ولا
تعبَّد به شرعاً، وإن علم به وأوجده بقدرته وإرادته خَلْقاً، فإن الله خالق كل
شيء من خير وشر، ونفع وضرّ، وطاعة ومعصية.
ولو عقل الجاهليون لما فعلوا أصل الكفر والوثنية والشرك، ولما ضللوا
أنفسهم بتحريم ما حرموا، فأي هدف يرتجى، وأي نفع يؤمَّل، وأي مصلحة
تعود عليهم من عبادة حجر لا يضرّ ولا ينفع، ومن تحريم أشياء لا فائدة ولا
جدوى من تعطيل منافعها، وحجرها للأصنام؟ !!
ولو عقلوا أيضاً لنظروا وفكروا فيما ورثوه، فاختاروا الصالح، وأعرضوا
عن الفاسد، ولكنه التقليد الأعمى للآباء والأسلاف من غير روية ولا
إمعان، ولا دراية ولا تفكير، فالتقليد أمر ضار، مناف للعلم والدين،
مناقض للعقل والمصلحة.
٩١
الُ (٧) - المَائِدَة: ١٠٣/٥-١٠٤
وفضلاً عن ذلك إنهم يحرمون بأهوائهم ويقلدون آباءهم، ويزعمون أنهم
يفعلون ذلك لإرضاء ربهم وإطاعة خالقهم، من دون دليل ولا برهان على ما
يقولون، وإنما هو محض الكذب والافتراء على الله، كما قال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ
هَذِهِةٍ أَنْعَهُ وَحَرْثُ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَمُ حُرِّمَتْ
◌ُهُورُهَا وَأَنْعَهُ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَاءَ عَلَيْءٍ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ ﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَزَّم
عَلَى أَزْوَجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْنَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءٍ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمَّ إِنَّهُ
[الأنعام: ١٣٨/٦-١٣٩] حقاً إنه تعالى حكيم عليم
حَكِيمٌ عَلِيمٌ
بالتحريم والتحليل، ولكن المشكلة تكمن في إهمال العقل وتعطيل الفكر، إنها
آفة العقل المعطل لدى زعماء الجاهلية وأتباعها !!
والخلاصة: لقد حرموا على أنفسهم من الأنعام ما لم يحرمه الله، اتباعاً
منهم خطوات الشيطان، فوبخهم الله تعالى بذلك، وأخبرهم أن كل ذلك
حلال، فالحرام من كل شيء: ما حرمه الله تعالى ورسوله پے بنص أو دلیل،
والحلال منه: ما أحله الله ورسوله كذلك.
وقد استدل أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية في منعه الأحباس ورده
الأوقاف، بأن الله تعالى عاب على العرب ما كانت تفعل من تسبيب البهائم
وحمايتها وحبس أنفاسها عنها، وقاس على البحيرة والسائبة. غير أن هناك
فرقاً بيِّناً بين الأوقاف الإسلامية للأراضي والدور ونحوها، وبين هذه
الأحباس التي لا معنى لها، وقد عابهم الله أن تصرفوا بعقولهم بغير شرع توجه
إليهم، وعطلوا المنافع والمصالح للناس في تلك الإبل من غير فائدة.
لذا قرر جمهور العلماء القول بجواز الأحباس والأوقاف؛ لما روي أن ابن
عمر في رواية النسائي استأذن رسول الله وَ ل # في أن يتصدق بسهمه بخيير، فقال
له رسول الله وَلجر: ((احبس الأصل وسبِّل الثمرة)) أي اجعلها وقفاً وأبح ثمرتها
٩٢
الُ (٧) - الثائِدَة: ١٠٣/٥-١٠٤
لمن وقفتها عليه، وهو حديث صحيح. وقد أجمع الصحابة على مشروعية
الوقف، وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعائشة وفاطمة، وعمرو بن
العاص، وابن الزبير، وجابراً كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة
معروفة مشهورة. وروي أن أبا يوسف قبل أن يرجع عن قول أبي حنيفة في
ذلك قال لمالك بحضرة الرشيد: إن الحبس لا يجوز، فقال له مالك: هذه
الأحباس أحباس رسول الله وَ له بخيبر وفَدَك وأحباس أصحابه.
وأما قول شريح: ((لا حَبْس عن فرائض الله)) فليس الوقف حبساً عن
الفرائض، قال الطبري: الصدقة التي يمضيها المتصدق في حياته، على ما أذن
الله به على لسان نبيه، وعمل به الأئمة الراشدون رضي الله عنهم، ليس من
الحبس عن فرائض الله، ولا حجة في قول شريح، ولا في قول أحد يُخالف
السنة، وعمل الصحابة الذين هم الحجة على جميع الخلق.
والمجيزون للوقف لا يجيزون أن ينتفع الواقف بوقفه؛ لأنه أخرجه لله وقطعه
عن ملكه، فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته؛ وإنما يجوز له الانتفاع إن
شرط ذلك في الوقف، أو افتقر هو أو ورثته، فيجوز لهم الأكل منه كسائر
الفقراء.
وهل حق التصرف في منافع الموقوف للواقف أو لغيره؟ قال الشافعي وأبو
يوسف: يحرم على الواقف ملكه، إلا أنه يجوز له أن يتولى صدقته، فيفرّقها
ويوزعها بين المستحقين؛ لأن عمر رضي الله عنه لم یزل یلي صدقته، حتى قبضه
الله عز وجل، وكذلك علي وفاطمة كانا يليان صدقاتهما.
وقال مالك: لا يتم الوقف حتى يتولاه غير الواقف، فيقبضه ويتصرف
بمنافعه من كراء وقسمة بين المساكين المستحقين، ما عدا الخيل والسلاح.
٩٣
الجُ (٧) - القائِدَة: ١٠٥/٥
التفويض إلى اللّه تعالى
بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
(وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمَّ إِلَى اللَّهِ
١٠٥
مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
الإعراب:
﴿عَلَيَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: منصوب على الإغراء، أي: احفظوا
أنفسكم، كما تقول: عليك زيداً . ﴿لَا يَضُرُّكُم﴾: في موضع الجزم؛ لأنه
جواب: ﴿عَلَيْكُمْ﴾. وكان ينبغي أن يفتح آخره، إلا أنه أتى به مضموماً تبعاً
لضم ما قبله.
المفردات اللغوية:
﴿عَلَيَّكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي احفظوها وقوموا بصلاحها ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ أي فيخبركم بأعمالكم ويجازيكم عليها.
سبب النزول:
ذكر الواحدي عن ابن عباس: كتب رسول الله وَلّه إلى أهل هجَر وعليهم
منذر بن ساوى، يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فليؤدوا الجزية، فلما أتاه
الكتاب عرضه على من عنده من العرب واليهود والنصارى، والصابئين
والمجوس، فأقروا بالجزية وكرهوا الإسلام، وكتب إليه رسول الله وَله: أما
العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس
فاقبل منهم الجزية، فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله صل﴿ أسلمت العرب،
وأما أهل الكتاب والمجوس فأعطوا الجزية، فقال منافقو العرب: عجباً من
٩٤
لْكُرُ (٧) - المَائِدَة: ١٠٥/٥
محمد يزعم أن الله يبعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا، ولا يقبل الجزية إلا
من أهل الكتاب، فلا نراه إلا قبل من مشركي أهل هجر ما ردّ على مشركي
العرب، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ يعني من ضل
من أهل الكتاب(١).
هذه رواية، وقيل: المراد غير أهل الكتاب، لما روى الإمام أحمد قال: قام
أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس،
إنكم تقرؤون هذه الآية، وإني سمعت رسول الله وَ ل* يقول: ((إن الناس إذا
رأوا المنكر ولا يغيرونه، يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه)) قال: وسمعت
أبا بكر يقول: يا أيها الناس: إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب الإيمان.
وقد روى هذا الحديث أيضاً أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في
صحيحه وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة عن إسماعيل بن أبي خالد به
متصلاً مرفوعاً، ومنهم من رواه عنه به موقوفاً على الصِّديق، وقد رجح رفعه
الدار قطني وغيره.
ولما روى الترمذي عن أبي أمية الشعباني قال: ((أتيت أبا ثعلبة الخشني،
فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أيَّة آية؟ قلت: قول الله تعالى:
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: أمَا
والله، لقد سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسول الله وَّ فقال: ((بل ائتمروا
بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً،
ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع
العوام، فإن من ورائكم أياماً: الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل
فيهن مثل أجر خمسين رجلاً، يعملون كعملكم)) وزيد في رواية: ((قيل: يا
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٢١
٩٥
الُعُ (٧) - المَائِدَة: ١٠٥/٥
رسول الله، أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم)) ثم
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.
المناسبة:
لما بَيَّن الله تعالى أنواع التكاليف والشرائع والأحكام، ثم قال: ﴿مَّا عَلَى
الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ ثم نعى على المشركين تقليدهم الآباء: ﴿قَالُواْ حَسْبُنَا مَا
وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا﴾ وندَّد بإعراضهم عن الإعذار والإنذار والترغيب
والترهيب، وبقوا مصرين على جهلهم مقيمين على ضلالهم، لما بيَّن كل ذلك
قال الله للمؤمنين: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ﴾ فلا تبالوا أيها المؤمنون
بجهالتهم وضلالهم، بل أصلحوا أنفسكم، ونفذوا تكاليف الله، وأطيعوا
أوامره ونواهيه.
والخلاصة: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها التحذير مما يجب التحذير
منه.
التفسير والبيان:
يأمر الله عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم، ويفعلوا الخير بجهدهم
وطاقتهم، ويخبرهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس،
سواء كان قريباً منه أو بعيداً.
يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، احفظوا أنفسكم من المعاصي، وتقربوا
إلى ربكم بخالص الأعمال، وخلِّصوها من العقاب، ولا يضركم ضلال
غيركم إذا اهتديتم إلى الحق، وإلى الله رجوعكم، فيخبركم بأعمالكم،
ويجازي كل عامل بعمله: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وليس في هذه الآية دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا
كان فعل ذلك ممكناً، بل توجب الآية أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذاً بذنوب
٩٦
لُ (٧) - المَائِدَة: ١٠٥/٥
العاصي، فهي تقرر مبدأ المسؤولية الشخصية مثل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
[المدثر: ٣٨/٧٤] ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ [الأنعام: ٦/
٣٨
كَبَتْ رَهِيَنَّةُ
١٦٤].
فقه الحياة أو الأحكام:
ظاهر هذه الآية يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس
بواجب إذا استقام الإنسان، وأنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦] لولا ما ورد من تفسيرها في السنة وأقاويل
الصحابة والتابعين، كما تقدم في سبب النزول.
وعلى كل حال يمكن فهم الآية بغير الرجوع إلى السنة، فهي تطالب المؤمن
أولاً ببناء الذات والتسلح بفضائل الأعمال والاعتماد على النفس في كل
أنواع القربات، واجتناب المعاصي والسيئات.
وذلك لأن هناك آيات كثيرة تطالب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
ولا تعارض بين الموضوعين، فهذه الآية في تكوين الشخصية والذات
المسلمة، وآيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في النطاق الاجتماعي فهي
توجب التناصح والتعاون على الخير وإقرار الفضيلة، ومقاومة الشر ومحاربة
الرذيلة والمنكر.
قال سعيد بن المسيب: معنى الآية: لا يضركم من ضل إذا اهتديتم بعد
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما إن كانت الآية نازلة في حق غير
المسلمين فلا إشكال والمعنى: عليكم أهل دينكم ولا يضركم من ضل من
الكفار.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب متعين متى وجد رجاء القبول،
أو رد الظالم ولو بعنف، فإن خاف الآمر ضرراً في خاصته، أو فتنة يدخلها
٩٧
لُ (٧) - للائِدَة: ١٠٦/٥-١٠٨
على المسلمين، أو الوقوع في التهْلُكة بأن يعلم يقيناً أو يظن ظناً قوياً بعدم
جدوى نصحه إذا أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر، سقطت هذه الفريضة.
ودلت الآية على توجيه إنذار عام؛ إذ قال تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي إن مصير الخلائق جميعاً واحد، مصير
المؤمنين ومصير المخالفين، وهو تعالى يجازيكم بأعمالكم.
الشهادة على الوصية حين الموت
◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ
ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى الْأَرَضِ فَأَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ
اُلْمَوْتِّ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ أَرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ، ثَمَنَّاً
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَّ وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ
فَإِنْ عُثِرَ عَ أَنَّهُمَا
١٠٦
اُسْتَحَقَّا إِثْمًا فَفَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ
فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنْنَآ أَحَقُّ مِن شَهَدَتِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَآَ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الظَِّلِمِينَ
ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ بِالشَهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَعْمٌَ بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
١٠٨
القراءات: ﴿اُلَّذِينَ أَسْتَحَقَّ﴾: قرئ:
١- (الذين استَحَق) وهي قراءة حفص.
٢- (الذين استُحِق) وهي قراءة الباقين.
﴿عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ﴾: قرئ:
١ - (عليهِم الأَوْلَيان) وهي قراءة أبي عمرو.
٢ - (عليهُم الأوَّلِين) وهي قراءة حمزة.
٣ - (عليهُمُ الأَوْليان) وهي قراءة الكسائي.
٩٨
: ١٠٦/٥-١٠٨
لِلُهُ (٧) - المعَائِدَة
٤ - (عليهِمُ الأَوْليان) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
(شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مبتدأ، و﴿إِذَا حَضَرَ﴾ ظرف له ومعمول له. ولا يجوز أن
يكون العامل فيه ﴿اَلْوَصِيَّةِ﴾ لوجهين: أحدهما - أنه مضاف إليه، والمضاف
إليه لا يعمل فيما قبل المضاف. والثاني - أنه مصدر، والمصدر لا يعمل فيما
قبله.
حِينَ اُلْوَصِيَّةِ﴾ بدل من ﴿إِذَا﴾ وقيل: العامل فيه ﴿حَضَرَ﴾.
(أُثْنَانِ﴾ خبر المبتدأ، وتقديره: شهادة بينكم شهادة اثنين، ولابد من هذا
التقدير؛ لأن شهادة لا تكون هي الاثنين.
﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿آُثْنَانِ﴾. ﴿تَحْبِسُونَهُمَا ﴾ جملة
فعلية في موضع رفع لأنها صفة ﴿ءَآخَرَانِ﴾.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِ الْأَرْضِ فَأَصَبَتَّكُمْ قُصِيبَةُ الْمَوْتَّ﴾: اعتراض بين الصفة
والموصوف، واستغنى عن جواب ﴿إِنْ﴾ بما تقدم من الكلام؛ لأن معنى
﴿ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ في معنى الأمر، وإن كان لفظه لفظ الخبر. واستغنى
عن جواب ﴿إِذَا﴾ أيضاً بما تقدم من الكلام وهو قوله: ﴿شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ لأن
معناه: ينبغي أن يشهدوا إذا حضر أحدكم الموت. ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ الفاء فيه
لعطف جملة على جملة، ويجوز أن يكون جواب شرط؛ لأن ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ في
معنى الأمر، فهي جواب الأمر الذي دل عليه الكلام، كأنه قال: ((إن
حبستموهما أقسما)).
﴿لَا نَشْتَرِى بِهِ، ثَمَنَا﴾ جواب لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ لأن أُقْسِم يجاب بما
يجاب به القسم. والهاء في ﴿ِهِ﴾ تعود على الشهادة، إلا أنه عاد الضمير
بالتذكير؛ لأنها في المعنى: قول، والحمل على المعنى كثير في كلامهم.
٩٩
الجُزُ (٧) - المَائِدَة: ١٠٦/٥-١٠٨
فَفَاخَرَانِ﴾: إما خبر مبتدأ مقدر وهو الأوليان، وتقديره: فالأوليان
آخران. ويقومان: صفة ﴿ءَاخَرَانِ﴾. وإما خبر مبتدأ محذوف تقديره:
فالشاهدان آخران، و﴿اٌلْأَوْلَيَنِ﴾ بدل من ضمير ﴿يَقُومَانِ﴾. وإما مبتدأ،
و﴿يَقُومَانِ﴾: صفة له، و﴿اٌلْأَوْلَيَنِ﴾: خبره. ومعنى ﴿اُلْأَوْلَيَنِ﴾: الأقربان
إلى الميت.
نَشَهَدَنْنَا﴾ اللام: جواب لقوله: ﴿فَيُفْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾؛ لأن أُقْسِم يجاب
بما يجاب به القسم.
﴿أَنْ يَأْتُواْ﴾: في موضع نصب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: أدنى
بأن يأتوا.
البلاغة:
﴿شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ﴾ جملة خبرية لفظاً، إنشائية معنى، يراد بها الأمر، أي
لیشهد بينكم.
المفردات اللغوية:
﴿شَهَدَةُ﴾ هي إخبار عن علم بواقعة بواسطة الحس البصري (المشاهدة) أو
السمعي ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي أسبابه، وقوله: ﴿شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ اُلْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ خبر بمعنى الأمر أي ليشهد اثنان
عدلان، وإضافة شهادة لبين على الاتساع ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي من غير
ملتكم ﴿ضَرَبْتُمْ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ سافرتم؛ لأن المسافر يضرب الأرض برجليه
﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ توقفونهما، وهي صفة: ﴿ءَاخَرَانِ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ﴾ صلاة
العصر واعتبارها للتغليظ ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ يحلفان ﴿إِنِ أَرْتَبْتُمْ﴾ شككتم فيهما
أي في صدقهما فيما يقران به ﴿لَا نَشْتَرِى بِهِ، ثَمَنَا﴾ أي ويقولان: لا نشتري
بالله عوضاً نأخذه بدله من الدنيا، بأن نحلف به أو نشهد كذباً لأجله.
١٠٠
الجُرعُ (٧) - المَائِدَة: ١٠٦/٥-١٠٨
﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي ولو كان المقسم له أو المشهود له ذا قرابة منا. ﴿إِنَّا
إِذَا﴾ إن كتمناها ﴿اَلْأَثِمِينَ﴾ العاصين ﴿عُثِرَ﴾ اطلع بعد حلفهما ﴿أُسْتَحَقََّ
إِثْمًا﴾ أي ارتكبا فعلاً يوقع في الإثم من خيانة أو كذب في الشهادة، بأن وجد
عندهما مثلاً ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به
﴿فَفَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ في توجه اليمين عليهما ﴿مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ
عَلَيْهِمُ﴾ الوصية، وهم الورثة ﴿اَلْأَوْلَيَنِ﴾ بالميت، أي الأقربان إليه لأنهم
أعلم بأحوال الميت وهم به أشفق وبورثته أرحم ﴿فَيُقْسِمَانِ بِالَّهِ﴾ على خيانة
الشاهدين ويقولان: ﴿لَشَهَدَنُنَا﴾ يمينا ﴿أَحَقٌ﴾ أصدق ﴿ مِن شَهَدَتِهِمَا﴾
يمينهما ﴿وَمَا أُعْتَدَيْنَآَ﴾ تجاوزنا الحق في اليمين.
﴿ ذَلِكَ﴾ الحكم المذكور من رد اليمين على الورثة ﴿أَدْفَ﴾ أقرب إلى ﴿أَنْ
يَأْتُواْ﴾ أي الشهود أو الأوصياء ﴿بِالشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ الذي تحملوها عليه
من غير تحريف ولا خيانة، أو أقرب إلى ﴿أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَيْمَنُ بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾
على الورثة المدعين، فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم، فيفتضحوا ويغرموا فلا
يكذبوا ﴿ وَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ بترك الخيانة والكذب ﴿ وَأَسْمَعُواْ﴾ ما تؤمرون به سماع
قبول ﴿اُلْفَسِقِينَ﴾ الخارجين عن طاعته. والله لا يهديهم إلى سبيل الخير.
سبب النزول:
روى البخاري والدارقطني والطبري وابن المنذر عن عكرمة عن ابن عباس
قال: ((كان تميم الداري وعدي بن بدَّاء رجلين نصرانيين، يتَّجران إلى مكة في
الجاهلية ويطيلان الإقامة بها، فلما هاجر النبي وَالر حوَّلا متجرهما إلى المدينة،
فخرج بُدَيْل السهمي مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة، فخرجوا
جميعاً تجاراً إلى الشام، حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل، فكتب
وصية بيده، ثم دسَّها في متاعه وأوصى إليهما، فلما مات فتحا متاعه فأخذا
منه شيئاً (إناء من فضة منقوشاً بالذهب) ثم حجراه كما كان، وقدما المدينة