Indexed OCR Text

Pages 1-20

◌َّا الذين آمنوا استجوا فة والرسول إذا دعكم ليسيكم
الموتقال ٨ / ٢٤
ء
التَّفْسَِةُ المُنْتَ
في العقيدة والشريعة والمنهج
الأستاذ الدكتور وهبة الزميلي
المجلد الرابع
الجزءان ٧ - ٨
الفكر
أفاق معرفة متجددة

؟ !!
(القدس)
دار الفكر - دمشق - البرامكة
٣٠٠١ ٩٧ ٩٤٧ ٠٠٩٦٣
٣٠٠١ ١١ ٠٠٩٦٣
http://www.fikr.com/
e-mail:fikr@fikr.net
التفسير المنير
في العقيدة والشريعة والمنهج
أ.د. وهبة الزحيلي
المجلد الرابع
الرقم الاصطلاحي: ٤ - ١٦٩٠٫٠١١
الرقم الدولي: 5-160-59239-1 :ISBN
الرقم الموضوعي: ٢١١ (القرآن وعلومه)
٦٧٢ ص، ١٧ × ٢٥ سم
الطبعة العاشرة: ١٤٣٠ هـ= ٢٠٠٩م
ط ٢ / ٢٠٠٣م
جميع الحقوق محفوظة لدار الفكر دمشق

بِشْرِ الله ◌ِالرَّحِ الرَّحْمَ
٢١٢٠٩
حتَ
٠
النَّفْسُِّ المُُّ
في العقيدة والشريعة والمنهج
المجلد الرابع
الجزءان ٧ - ٨

.

٤
٥
المُعُ (٧) - المَائِدَة: ٨٢/٥-٨٦
علاقة اليهود والنصارى بالمؤمنين
عداوة اليهود وإيمان القساوسة والرهبان
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوأُ
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ
وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى
مِنْهُمْ قِيّبِسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ
الرَّسُولِ نَرَّ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبََّآ ءَامَنَا
فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِلَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ اُلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ
فَأَثَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن
٨٤
يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ
تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ
بِثَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْحَحِيمِ
٨٦
٨٥ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ
الإعراب:
تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من
﴿أَعْيُنَهُمْ﴾ لأن ﴿تَرَى﴾ ههنا من رؤية العين.
﴿لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: في موضع نصب على الحال من ضمير ﴿لَنَا﴾ كقولهم: ما
لك قائماً.
فَأَثَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا﴾: ﴿بِمَا
قَالُواْ﴾: ما مصدرية وهي مع الفعل بعدها في تقدير المصدر، وتقديره: بقولهم.
﴿جَنَّاتٍ﴾ مفعول ثانٍ لأثابهم ﴿تَجْرِى﴾ جملة فعلية في موضع نصب على
الوصف لجنات. ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾: حال من الهاء والميم في ﴿فَثَبَهُمُ﴾.
البلاغة:
﴿عَدَوَةً﴾ ﴿مَّوَذَّةً﴾ بينهما طباق.

٦
الجُزْءُ (٧) - الَائِدَة: ٨٢/٥-٨٦
﴿ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ معناه: تمتلئ من الدمع حتى تفيض، استعار الفيض
الذي هو الانصباب لامتلاء العين بالدمع حتى تفيض مبالغة؛ لأن الفيض:
أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو
من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب، أو قصدت
المبالغة في وصفهم بالبكاء، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها أي تسيل من
الدمع من أجل البكاء (الكشاف: ٤٧٩/١).
المفردات اللغوية:
﴿النَّاسِ﴾ هم اليهود العرب ومشركو العرب ونصارى الحبشة في عصر
التنزيل. ﴿عَدَوَةً﴾ اعتداء وبغضاء، والعداوة ضد المسالمة والمحبة ﴿ وَاُلَّذِينَ
أَشْرَكُواْ﴾ هم الذين جعلوا مع الله إلهاً آخر كعبدة الأوثان من أهل مكة،
وسبب عداوتهم للمؤمنين: هو زيادة كفرهم وجهلهم وإغراقهم في اتباع
الهوى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ﴾ أي قرب مودتهم للمؤمنين بسبب أن منهم
قِسْبِسِينَ﴾ جمع قِسّ وقِسّيس، وهو أحد رؤساء النصارى، العالم بالدين
والكتب فوق الشماس ودون الأسقفّ، والقسيسون: علماء النصارى
﴿وَرُهْبَانًا﴾ عباداً، جمع راهب: وهو العابد المتفرغ للعبادة في دير أو صومعة.
﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ﴾ عن اتباع الحق، كما يستكبر اليهود وأهل مكة.
﴿مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ القرآن ﴿تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ﴾ تمتلئ دمعاً حتى يتدفق
من جوانبها، لكثرته ﴿ءَامَنَا﴾ صدقنا بنبيك وكتبك ﴿فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾
المقربين الذين يشهدون بربوبيتك وألوهيتك وبتصديق نبيك.
﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ لَمَ لا نبادر إلى الإيمان مع وجود مقتضيه ﴿وَمَا جَآءَنَا
مِنَ اُلْحَقٌِّ﴾ القرآن ﴿أَنْ يَّدْخِلَنَا﴾ الجنة ﴿مَعَ اُلْقَوْمِ الصَّلِحِينَ﴾ المؤمنين.
﴿فَتَبَهُمُ﴾ جازاهم ﴿بِمَا قَالُواْ﴾ أي بما أعلنوا من اعتقاد.

٧
: ٥ / ٨٢-٨٦
الُ (٧) - المَائِدَة
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن وعروة
ابن الزبير قالوا: بعث رسول الله وَل﴿ عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه
كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله وَالتّر، ثم دعا
جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين، ثم أمر
جعفر بن أبي طالب، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن، وفاضت أعينهم
من الدمع، فهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً﴾ إلى قوله:
﴿ فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾.
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشي ثلاثين رجلاً
من خيار أصحابه إلى رسول الله وَله، فقرأ عليهم سورة يس، فبكوا وقالوا:
ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم الآية.
وأخرج النسائي عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي
وأصحابه: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ وروى الطبراني عن ابن عباس
نحوه(١). قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي: المراد به النجاشي
وقومه الذين قدموا من الحبشة على الرسول وَل﴿ وآمنوا به.
قال الطبري: والصواب في ذلك من القول عندي: أن الله تعالى وصف
صفة قوم قالوا: إنا نصارى: أن نبي الله وَالر يجدهم أقرب الناس وداداً لأهل
الإيمان بالله ورسوله، ولم يسمِّ لنا أسماءهم. وقد يجوز أن يكون أريد بذلك
أصحاب النجاشي، ويجوز أن يكون أريد به قوم كانوا على شريعة عيسى،
فأدركهم الإسلام، فأسلموا لما سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا
عنه(٢).
(١) أسباب النزول للسيوطي، أسباب النزول للواحدي.
(٢) تفسير الطبري: ٣/٧

٨
الُرُ (٧) - المَائِدَة: ٨٢/٥-٨٦
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أحوال أهل الكتاب، فأوضح مخازي اليهود
وعيوبهم، ومن أهمها قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةُ﴾ [المائدة: ٦٤/٥]، ﴿وَقَتْلَهُمُ
اُلْأَنِيَاءَ﴾ [آل عمران: ١٨١/٣]، وأبان زيف عقيدة النصارى في التثليث وتأليه
المسيح، ذكر هنا موقفهم في العداوة والمحبة من المؤمنين، ونبه على أن اليهود في
غاية العداوة للمسلمين، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة، بل
إنهم أشد عداوة من المشركين لتقديم ذكرهم على ذكر المشركين، قال وَ لقوله فيما
رواه ابن مردويه عن أبي هريرة: «ماخلا يهودي بمسلم قط إلا هَمَّ بقتله» وذکر
تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم.
التفسير والبيان:
أقسم الله تعالى بذاته على أن أشد الناس المعاصرين للتنزيل عداوة للمؤمنين
هم اليهود؛ لأن كفرهم كفر عناد وجحود وهضم للحق، بل إن عداوتهم أشد
من عداوة المشركين لتقديمهم في الذكر، ولهذا قتلوا كثيراً من الأنبياء، حتى
هموا بقتل رسول الله مَ له غير مرة، وسُموه وسحروه، وألّبوا عليه أشباههم من
المشركين، ثم يليهم في العداوة والبغضاء المشركون عبدة الأوثان لجهلهم
بحقائق الدين، وبالإله الحق، وبالنبوات، والفريقان متشابهان في الكفر والعتو
والبغي وغلبة الحياة المادية وحب الذات.
وأشد ما لقي النبي ◌َّر من أذى، كان من يهود الحجاز، ومن مشركي
العرب في الجزيرة، وخاصة أهل مكة والطائف.
ووالله إن أقرب الناس محبة ومودة للمؤمنين: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا
نَصَرَىَّ﴾ أي قالوا: إنهم أتباع المسيح والإنجيل، فكان فيهم في الجملة مودة
للإسلام وأهله، لما في قلوبهم على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال
تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ أُتَعُوهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧/٥٧] وفي
الإنجيل: ((من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر)).

٩
لُرعُ (٧) - المائدة: ٨٢/٥-٨٦
وقد رأى النبي وَلهو من النصارى خيراً، فتلقى نصارى الحبشة المؤمنين
المهاجرين إليها بالحماية والتكريم، هرباً من أذى المشركين، ورد هرقل ملك
الروم النصارى كتاب النبي وَل رداً حسناً، بعد أن حاول إقناع رعيته بقبول
الإسلام، وكان المقَوْقس عظيم القبط في مصر أحسن منه رداً، فأرسل إلى
النبي ◌َّر هدية، وبعد فتح مصر والشام أسلم كثير من النصارى في تلك
البلاد، لما رأوا في الإسلام من مزايا، وأسلم أَصْحَمة النجاشي ملك الحبشة
مع بطانته، ولما مات صلّ عليه النبي ◌َله صلاة الجنازة على الغائب ونعاه
للناس.
وكان سبب مودة النصارى للمؤمنين: أنه يوجد فيهم قسيسون (علماء)
ورهبان (عبَّاد) يدعون للإيمان والفضيلة والتواضع، والزهد والتقشف، ولا
يستكبرون عن سماع الحق والإنصاف وينقادون له، فوصفهم الله بالعلم
والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتّباعه، والإنصاف.
وإذا سمعوا شيئاً من القرآن المنزل على الرسول محمد وَليره، بكوا بكاء حاراً
غزيراً تعاطفاً مع كلام الله، وما عرفوا من الحق، مما عندهم من البشارة ببعثة
محمد وَّر، ثم يبادرون لقبول دعوة الإيمان قائلين: ربنا آمنا فاكتبنا مع
الشاهدين، والمراد به إنشاء الإيمان والدخول فيه أي آمنا بك وبرسلك
وبمحمد ◌ّ، فاكتبنا مع من يشهد بصحة هذا المنزل على الأنبياء ومنهم محمد
وَله، ويشهد لك بالوحدانية. وروى ابن مردويه وابن أبي حاتم والحاكم عن
ابن عباس في قوله: ﴿ فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ أي مع محمد ◌ٍَّ وأمته الذين
هم شهداء على سائرالأمم يوم القيامة، كما قال تعالى في خصائص أمة
المصطفى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣/٢].
ثم أكدوا قولهم فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾ إنكار استبعاد أي ولا مانع

١٠
الزُعُ (٧) - القائِدَة: ٨٢/٥-٨٦
يمنعنا من الإيمان بالله، واتباع الحق الذي جاء به محمد رَّر، ونطمع أن يدخلنا
ربنا الجنة بصحبة الصالحين أتباع هذا النبي الكريم الذين ثبت لنا صلاحهم
وصحة إيمانهم.
وهؤلاء الذين آمنوا من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا
يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٩٩/٣] وفي قوله تعالى أيضاً:
﴿الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ ﴿١٨) وَإِذَا يُثْلَى عَلَيْهِمْ قَالْوَاْ ءَامَنَّا
﴿ أُوْلَتِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنٍ بِمَا
◌ِةٌ إِنَّهُ الْحَقُ مِن رَّيِّنَا إِنَّا كُنَا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ
صَبَرُواْ وَيَدْرَهُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ
أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُوْ لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ
۵۵
[القصص: ٥٢/٢٨-٥٥].
لذا جازاهم الله على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق، فقال: ﴿فَأَتَبَهُمُ
اَللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّتٍ﴾ أي جعل جزاءهم دخول الجنة دار النعيم، التي تجري
من تحتها الأنهار، أي تسيل مياهها من تحت أشجارها، وهم ماكثون فيها
أبداً، وهذا هو جزاء المحسنين: الذين أحسنوا في اتباعهم الحق وانقيادهم له
مهما كان مصدره، ونعيم الآخرة يصعب علينا معرفته وتحديده، لقوله تعالى:
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَاءٌ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ
[السجدة: ٣٢ / ١٧].
أما الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، أي جحدوا بها وخالفوها، وأنكروا
وحدانية الله ونبوة محمد ولو فأولئك هم أهل النار والداخلون فيها، والمقيمون
إقامة دائمة فیها.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآيات مثل عالٍ دقيق للإنصاف والحق والعدل، إذ أنها قسمت

١١
الُرُ (٧) - المثائِدَة: ٨٢/٥-٨٦
الناس إلى فريقين: فريق المؤمنين والموالين لهم وجزاؤهم جنات النعيم، وفريق
المشركين والكفار الموالين لهم من اليهود وجزاؤهم نيران الجحيم.
إنه إنصاف من الناس لأنفسهم وإنصاف من الله تعالى لهم.
لقد أنصف جماعة من النصارى أنفسهم بسبب إذعانهم لدين الحق
والتوحيد، فآمنوا بالله ورسوله وبالنبي محمد ◌َّة؛ لأنهم كانوا يعلّمون الناس
أصول الدين الصحيح من توحيد الله تعالى والتصديق بجميع الأنبياء والدعوة
إلى الفضائل والأخلاق الحميدة، وكانوا يتعبدون بإخلاص في الأديرة
والصوامع ويخشعون لخالق الأرض والسماء، وليس لهم مطمع في مصالح
دنيوية، أو رئاسة فارغة، ولم تُعمهم العصبية لدين ما عن ولائهم لدين آخر،
ولم تحجبهم عن إعلان إيمانهم بالله ورسله وبما أنزل الله. فتراهم بما استقر في
جوانحهم من إيمان صحيح بالله وبالأنبياء يصغون إصغاء تدبر وإمعان
وإنصاف للحقائق لما أنزل إلى الرسول محمد وَلتر، وتفيض أعينهم بالدموع،
بسبب ما وجدوا من تطابق الحق الذي عرفوه وما سمعوه في القرآن الكريم،
فسألوا الله أن يتقبل منهم، وجددوا إيمانهم بالله وبرسله، وطلبوا أن يكونوا
من جملة الشاهدين بحق على صدق وصحة دعوة النبي ◌ّ ر والشاهدين بالحق
من قوله عز وجل، والشاهدين على سائر الأمم يوم القيامة بتبليغ أنبيائهم لهم
رسالة الله الحقة.
وهذه أحوال العلماء العاملين المنصفين يذعنون للحق ويستجيبون للإيمان
الصحيح، وتخشع جوارحهم لذكر الله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ
أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُّتَشَِهَا مَّثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ
تَكِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣/٣٩] وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ
[الأنفال: ٨/ ٢].
يَتَوَّكَّلُونَ

١٢
لُعُ (٧) - الثَائِدَة: ٨٧/٥-٨٨
والخلاصة: لقد بيَّن الله سبحانه في هذه الآيات أن أشد الكفار تمرداً وعتواً
وعداوة للمسلمين اليهود، ويضاهيهم المشركون، وأن أقرب الناس مودة
للمؤمنين هم نصارى ذلك الزمان.
ومن علائم إنصاف أولئك النصارى الذين آمنوا بدعوة الإسلام إيماناً جريئاً
عدا اعترافهم بصحة المنزل من القرآن في شأن عيسى عليه السلام وإثبات
البعث والحساب، هو إنكارهم عدم الإيمان بالحق حينما قالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا
أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ اُلْحَقِّ﴾ فدلّ ذلك على استبصارهم في الدين
ومعرفتهم الحق، وانصياعهم له، دون عتو ولا استكبار ولا إعراض مثلما
فعل اليهود والمشركون.
وكان الإنصاف من الله تعالى: أنه جازى أولئك المؤمنين بدينهم الحق
وبدين الإسلام الحق المصدق له والمكمل له، كما قال سبحانه: ﴿فَأَثَبَهُمُ اللَّهُ
بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ﴾ وهذا دليل على إخلاص إيمانهم وصدق مقالتهم، فأجاب
الله سؤلهم وحقق طمعهم، وذلك عدل الله وفضله أنه يمنح رضوانه وجنته لمن
آمن بإخلاص وعمل صالحاً بصدق ويقين. وهكذا من خَلَص إيمانه وصَدَق
یقینه یکون ثوابه الجنة.
والعدل يقضي أيضاً أن الذين كفروا من اليهود والنصارى والمشركين،
وكذبوا بالدلائل الواضحة على وجود الله ووحدانيته وصدق أنبيائه، أولئك
أصحاب الجحيم، أي النار الشديدة الاتقاد.
إباحة الطيبات
◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَّأْ إِنّ
وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا وَأَنَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ
٨٧
اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
أَنتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ
٨

١٣
اِلُحُ (٧) - المثائِدَة: ٨٧/٥-٨٨
الإعراب:
﴿حَلًا﴾ حال ﴿مِمَا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ﴾، كما قال الزمخشري، أو مفعول به لـ
"وَكُلُواْ﴾، و﴿مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ حال منه، وسوغ مجيء الحال من النكرة
تقدمها عليها.
المفردات اللغوية:
﴿لَا تُحَرِّمُواْ﴾ لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم ﴿طَيِّبَتِ﴾ ما تستطيبه
الأنفس، وهي ما لذّ وطاب من الحلال ﴿ وَلَا تَعْتَدُوَأْ﴾ تتجاوزوا أمر الله ولا
تتخطوا الحدود المقررة شرعاً، أو لا تسرفوا في تناول الطيبات، أو لا تعتدوا
بتحريم الطيبات ﴿وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي من الوجوه الطيبة التي تسمى
رزقاً ﴿حَلًا﴾ حال كون مارزقكم الله من الحلال لا من الحرام ﴿طَيِّبًا﴾ غير
مستقذر ولا نجس.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال:
نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة، منهم عثمان بن مظعون، قالوا: نقطع
مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ
ذلك النبي ◌َّر، فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك فقالوا: نعم، فقال النبي وقلّ:
((لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو
مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني)).
وفي رواية السدي: أنهم كانوا عشرة، منهم ابن مظعون وعلي بن أبي
طالب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن
عِكْرمة: أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن
١

١٤
الجُزْءُ (٧) - المائِدَة: ٨٧/٥-٨٨
الأسود وسالماً مولى أبي حذيفة، وقُدامة تبتَّلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا
النساء، ولبسوا المسوح، وحَرّموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس
أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا على القيام بالليل
وصيام النهار، فنزلت الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ
لَكُمْ﴾ الآية.
فلما نزلت بعث إليهم رسول الله وَله فقال: ((إن لأنفسكم حقاً، وإن
لأعينكم حقاً، وإن لأهلكم حقاً، فصلوا وناموا، وصوموا وأفطروا، فليس
منا من ترك سنتنا)) فقالوا: اللهم صدَّقْنَا واتبعنا ما أنزلت على الرسول وَل.
وعن ابن مسعود: أن رجلاً قال: إني حرمت الفراش، فتلا هذه الآية
وقال: نم على فراشك، وكفر عن يمينك.
والخلاصة: اتفقت الروايات على أن هذه الآية نزلت في قوم من الصحابة
هموا أن يلازموا الصوم وقيام الليل، ولا يقربوا النساء والطيب، ولا يأكلوا
اللحم، ولا يناموا على الفراش.
المناسبة:
بدئت سورة المائدة بالأمر بإيفاء العقود، وذلك يشمل التزام حدود الله وما
أحله الله واجتناب ما حرمه، ثم نص تعالى على عدم إحلال ماحرم الله بقوله:
﴿لَا يُحِلُواْ شَعَّبِرَ اللَّهِ﴾ وهذه الآية لبيان النوع المقابل وهو تحريم ما أحل الله.
وهي أيضاً مرتبطة بما قبلها، فبعد أن مدح الله النصارى بأنهم أقرب مودة
للمؤمنين بسبب وجود قسيسين ورهبان منهم، فَهِمَ بعض المؤمنين بأن في هذا
ترغيباً في الرهبانية وتحسيناً للتقشف والزهد، وذلك بترك الطيّبات من الطعام
واللباس والنساء. فنهاهم تعالى عن منع أنفسهم من الطيبات، كالذي فعله

١٥
لُ (٧) - المَائِدَة: ٨٧/٥-٨٨
القسيسون والرهبان، فحرموا على أنفسهم النساء والمطاعم الطيبة والمشارب
اللذيذة، وحبس في الصوامع بعضهم أنفسهم، وساح في الأرض بعضهم (١).
التفسير والبيان:
يا أيها المؤمنون لا تحرموا على أنفسكم ولا تمنعوها من الطيبات: وهي
ما تستلذه الأنفس، لما فيها من المنافع، بأن تتركوا التمتع بها تقرباً إلى الله، ولا
تتعدوا حدود ما أحل الله إلى ماحرم عليكم، أو: ولا تسرفوا في تناول
الطيبات، أو: ولا تعتدوا بتحريم الطيبات، فكان الاعتداء شاملاً أمرين:
الاعتداء في الشيء نفسه بالإسراف فيه، كقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَأُشْرَبُواْ وَلَا.
تُرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١/٧] والاعتداء بتجاوزه إلى غيره من
الخبائث.
.
وسبب النهي عما ذكر أن الله يبغض المعتدين ويعاقب المتجاوزين حدود
شرعه، وتحريم حلاله ولو بقصد عبادته، سواء كان التحريم بيمين أو نذر أو
بغيرهما.
وفي هذا انسجام مع مبدأ وسطية الإسلام واعتداله، فلا إسراف ولا
تقتير، ولا امتناع عن المادية ولذائذ الحياة المشروعة، ولا رغبة في الرهبانية
والزهد المؤدي إلى الكبت وتعذيب النفس وإضعاف الجسد وحرمانه، كما لا
إغراق في الشهوات وانتهاب اللذات فوق القدر المعتاد المتوسط.
وبعد أن نهى تعالى عن منع النفس من طيبات الحياة، أمر بتحو إيجابي على
سبيل الإباحة بالأكل مما أحلّ الله لكم وطاب، مما رزقكم الله من الحلال،
لا من المحرّمات بنفسها كالميتة والدّم المسفوح ولحم الخنزير، ولا من الحرام
بطريق الكسب كالرِّبا والقمار والسرقة والسّحت وغير ذلك من أكل أموال
الناس بالباطل.
(١) تفسير الطبري: ٦/٧

١٦
الجُرُ (٧) - المَائِدَة: ٨٧/٥-٨٨
وهذا يدلّ على أنّ الرّزق يتناول الحلال والحرام، ووجود الحرام للاختبار
ومعرفة مدى مجاهدة النفس بحملها على ما أحلّه الله، ومنعها مما حرّمه الله.
ثم وضع الله ضابطاً ليس في العبادة وحدها، وإنما في الأمور المعاشية
المعتادة أيضاً، وهو الأمر بتقوى الله، والاعتصام بحدود الله، أي فاتّقوا الله
الذي آمنتم به في كل شؤون المعيشة والحياة من أكل وشرب ولباس ونساء
وغيرها، ولا تتجاوزوا المشروع في تحليل ولا تحريم.
والأمر بالتقوى هنا إنما ذكر للحثّ على المحافظة على ما أوصى به الله،
والمداومة عليه؛ وإيراده عقب النّهي عن تحريم الطَّيبات والأمر بالأكل من
الرّزق الطيب الحلال: للدلالة على أنه لا منافاة ولا تغاير بين الاستمتاع
بطيبات الرزق وبين التقوى.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا
[البقرة: ١٧٢/٢]، وقوله
رَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِنَّاهُ تَعْبُدُونَ
عزّ وجلّ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَِّبَتِ مِنَ اُلْرِّزْقِ﴾
[الأعراف: ٣٢/٧]، وقوله وَل جر - فيما رواه مسلم عن أبي هريرة -: ((إنّ الله
تعالى طيِّب لا يقبل إلا طيِّياً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١/٢٣]،
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢/
١٧٢])». والمراد بالطَّيِّيات: الحلال، كما قال النّووي.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية من أصول الإسلام الداعية إلى التَّوسُّط والاعتدال، والأخذ
باليُسر والسّماحة، والبعد عن التّنظُع في الدِّين، وعن الأخذ بمشاق الأعمال
المضنية للنّفس البشرية، ومراعاة متطلّبات الحياة، ودواعي الفطرة السليمة
السوية من إيماء حقّ الرّوح والجسد.

١٧
الُ (٧) - القَائِدَة: ٨٧/٥-٨٨
وفيها دليل على حرمة الرّهبانية، وقد صرّح القرآن بأنها مبتدعة، وورد في
السُّنّة النَّبويّة عنه عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه الدارمي أنه قال: ((إني لم
أومر بالرّهبانية)) ورواية أحمد: ((إن الرهبانية لم تكتب علينا)). وعن أنس قال:
قال رسول الله وَية: ((من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس مِّ)). وأخرج
مسلم عن أنس أنّ نفراً من أصحاب النَّبِي ◌ِّ ◌ِ﴿ سألوا أزواج النَّبي ◌َّ عن
عمله في الشّر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل
اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على الفراش؛ فحمد الله وأثنى عليه فقال: ((ما
بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلِّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج
النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس مِّ)).
وخرّجه البخاري عن أنس أيضاً بلفظ آخر، قال: ((جاء ثلاثة رَهْط إلى
بيوت أزواج النَّبِي وَ ل﴿ يسألون عن عبادته؛ فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها،
فقالوا: وأين نحن من النَّبِي ◌ََّ؟ قد غفر الله له من ذنبه ما تقدّم وما تأخّر،
فقال أحدهم: أما أنا، فإنّي أصلِي الليل أبداً. وقال آخر: أما أنا فأصوم
الدهر ولا أُفطر. وقال آخر: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوّج أبداً. فجاء
رسول الله ﴿ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله، إني لأخشاكم لله،
وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطر، وأُصلِّي وأرقد، وأتزوّج النساء، فمن رغب
عن سنتي فليس مِّي)).
وهذا صريح في نبذ التّزمُّت والتّشدُّد والمبالغة في التَّديُّن، وهو صريح أيضاً
في أنّ الإسلام دين اليسر والسّماحة، أخرج الإمام أحمد عن أنس أنّ النَّبي
قال: ((إن هذا الدِّين متين، فأوغلوا فيه برفق)). وأخرج أحمد أيضاً عن أبي
أمامة الباهلي أنّ النَّبِي وَ لّه قال: ((إنِّي لم أُبعث باليهوديّة ولا النّصرانية، ولكِّي
بعثت بالحنيفية السَّمْحة)).
وقال علماء المالكية: في هذه الآية وما شابهها والأحاديث الواردة في

١٨
الجُرُ (٧) - المَائِدَة: ٨٧/٥-٨٨
معناها ردّ على غلاة المتزهّدين، وعلى أهل البطالة من المتصوّفين؛ إذ كل فريق
منهم قد عدل عن طريقه، وحاد عن تحقيقه(١)؛ قال الطَّبري: لا يجوز لأحد
من المسلمين تحريم شيء مما أحلّ الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيِّبات
المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العَنَت
والمشقّة، ولذلك ردَّ النَّبِي وَّهِ التّبتُّل على ابن مَظْعون(٢)، فثبت أنه لا فضل في
ترك شيء مما أحلّه الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب
عباده إليه، وعمل به رسول الله وَله، وسنَّه لأمته، واتَّبعه على منهاجه الأئمة
الراشدون، إذ كان خير الْهَدْي هَدْي نبيِّنا محمد نََّ، فإذا كان كذلك تبيَّن خطأ
من آثر لباس الشَّعْر والصُّوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس
ذلك من حلِّه، وآثر أكل الخشن من الطّعام، وترك اللحم وغيره حَذَراً من
عارض الحاجة إلى النساء.
وتأكّد مفهوم أوّل الآية بآخرها: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوَأَ﴾ فقد تضمن ذلك النّهي
عن أمرين: أي لا تشددوا فتحرموا حلالاً، ولا تترخّصوا فتحلُّوا حراماً،
كما قال الحسن البصري.
وقال الإمام مالك: من حرّم على نفسه طعاماً أو شراباً أو أمة له، أو شيئاً
مما أحلّ الله، فلاشيء عليه، ولا كفارة في شيء من ذلك. وقال أبو حنيفة:
إنّ من حرّم شيئاً صار محرَّماً عليه، وإذا تناوله لزمته الكفارة. قال القرطبي:
وهذا بعيد والآية تردّ عليه. وقال الشافعي وسعيد بن جبير: لغو اليمين تحريم
الحلال.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا﴾ يشتمل التّمتُّع بالأكل
(١) تفسير القرطبي: ٢٦٢/٦
(٢) أخرج البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل، فنهاه
النَّبِي ◌َّ، ولوأجاز له ذلك لاختصينا.

١٩
الجُ (٧) - المَائِدَة: ٨٩/٥
والشرب واللِّباس والرّكوب ونحو ذلك. وخصّ الأكل بالذّكر؛ لأنه أعظم
المقصود وأخصّ الانتفاعات بالإنسان. أمّا التَّمتُّع بالكماليات والتّرفه بالفاكهة
ونحوها، فرأى بعضهم صرف النفس عنها، حتى لا يصير أسير شهواتها،
ومنقاداً بانقيادها، ورأى آخرون: أن تمكين النفس من لذاتها أولى لما فيه من
ارتياحها ونشاطها بإدراك إرادتها، والحقّ التّوسُّط والاعتدال في ذلك؛ لأن في
إعطاء النفس مرة ومنعها أخرى جمع بين الأمرين.
وكان طعام النَّبي ◌َّ ما وجد، فتارة يأكل أطيب الطعام كاللحوم، وتارة
يأكل أخشنه كخبز الشعير مع الملح أو الزيت أو الخل، وأحياناً يجوع وأخرى
يشبع، فكان في عادته قدوة للموسر والمعسر، أو الغني والفقير، وينفق على
قدر حاله بلا تقتير ولا إسراف، لقوله تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِةٍ، وَمَنْ
ج
قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنِفِقُ مِمَّآ ءَائَنَهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧/٦٥].
وكان يهتم بالشراب أكثر من الطّعام، قالت عائشة رضي الله عنها: ((كان
أحبَّ الشراب إلى رسول الله وَّ الحلو البارد)).
اليمين اللغو واليمين المنعقدة وكفّارتها
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ
فَكَفَّارَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ
تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنٍ لَّمْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَثَةِ أَيَّامِ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَفْتُمْ
وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٨٩
القراءات:
﴿ يُؤَاخِذُكُمْ﴾ :
وقرأ ورش، وحمزة وقفاً: (يواخذكم).

٢٠
الُرُ (٧) - الَائِدَة: ٨٩/٥
﴿عَقَّدُمُ﴾
وقرأ حمزة، والكسائي: (عَقَدْتُ).
وقرأ ابن ذكوان (عاقدتُ).
الإعراب:
﴿بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ﴾ يحتمل أن تكون ((ما)) مصدرية أي بتعقيدكم الأيمان
وتوثيقها بالقصد والنّة، ويحتمل أن تكون اسماً موصولاً.
﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ متعلّق بمحذوف، صفة لمصدر محذوف، أي إطعاماً كائناً
من أوسط.
﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عطف على إطعام، إما باعتبار أن الكسوة مصدر أو على
إضمار مصدر.
البلاغة:
﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل، والمراد عتق
النفس.
المفردات اللغوية:
﴿بِاَلَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ﴾ اللغو الكائن في اليمين: وهو ما يسبق إليه اللسان من
غير قصد الحلف، كقول الإنسان: لا والله، وبلى والله. ﴿عَقَّد تُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ أي
قصدتم اليمين أو حلفتم عن قصد، وتعقيد اليمين: المبالغة في توكيدها.
﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ الكفارة من الكفر وهو السّتر والتّغطية، ثم صارت في
الاصطلاح الشرعي اسماً لما يزيل أثر اليمين من الذّنب والمؤاخذة عليه حال
الحنث فيه. ﴿إِطَّعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾ لكل مسكين مُدّ (٦٧٥ غم). ﴿مِنْ