Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
الُ (٦) - القَائِدَة: ٧٠/٥-٧١
أخبر أنه معصوم، ومن ضمن سبحانه له العصمة، فلا يجوز أن يكون قد ترك
شيئاً مما أمره الله به.
ودلت آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ أي لا يرشدهم على أن
التوفيق إلى الخير والسعادة محجوب من الله عن الذين كفروا، فهم بسبب
كفرهم حجبوا رحمة الله عنهم.
ودلت آية ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾ على أن اليهود والنصارى ليسوا في الواقع
على شيء من الدين حتى يعملوا بما في التوراة والإنجيل والقرآن، فيؤمنوا
بمحمد عليه الصلاة والسلام ويعملوا بما يوجبه ذلك عليهم من الكتابين.
ومن كفر يزيده الله كفراً على كفره، ويزيده طغياناً أي تجاوزاً الحد في الظلم
والغلو فيه.
والعبرة للمسلم من هذه الآية أن يعلم أنه لا يكون على شيء يعتد به من
أمر الدين حتى يقيم القرآن، فيهتدي بهديه، ويلتزم بحدوده.
وأومأت آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ﴾ إلى أن أهل الكتاب لم
يقيموا دين الله، فلا حفظوا نصوص الكتب المنزلة، ولا تركوا ما عندهم على
ظواهرها بل أولوها تأويلاً فاسداً، ولا آمنوا بالله واليوم الآخر، ولا عملوا
الصالحات.
تكذيب اليهود رسلهم وقتلهم إياهم
﴿ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًاٌ كُلَّا جَاءَهُمْ
وَحَسِبُواْ أَلَّا
رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (9)
تَكُونَ فِتْنَهُ فَعَمُواْ وَصَقُواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَفُواْ كَثِيرٌ
مِنْهُمَّ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ

٦٢٢
لُعُ (٦) - المَائِدَة: ٧٠/٥-٧١
القراءات:
﴿تَكُونَ]
١ - قرئ برفع نونه، وهي قراءة أبي عمرو، وحمزة، والكسائي.
٢- بنصب نونه، وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أن في حالة النصب هذه خفيفة ناصبة للفعل المستقبل.
ويجوز الرفع في (تكون) على أن تجعل ((أن)) مخففة من الثقيلة، وتقديره:
وحسبوا أنه لاتكون فتنة. فخففت أن وجعلت (لا) عوضاً عن تشديدها. وإنما
جاز أن تقع ((أن)) خفيفة مخففة من الثقيلة؛ لأن في ((حسب)) طرفاً من اليقين
والشك، والمخففة من الثقيلة إنما تقع بعد فعل اليقين كعلمت وعرفت، وأن
الخفيفة تقع بعد فعل الشك كرجوت وطمعت. وتكون هاهنا تامة بمعنى تقع،
فلا تفتقر إلى خبر.
﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ إما مرفوع على البدل من واو ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾؛ أو
مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: العُمي والصم كثير منهم؛ أو مرفوع
لأنه فاعل ﴿فَعَمُواْ وَصَقُّواْ﴾ وتجعل الواو للجمعية لا للفاعل، على لغة من
قال: ((أكلوني البراغيث)) وهذا ضعيف؛ لأنها لغة غير صحيحة.
البلاغة:
﴿وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ عبر بالمضارع عن حكاية الحال الماضية (بما
عملوا) استحضاراً لأوضاعهم القبيحة، ومراعاة لخواتيم الآيات.
﴿فَعَمُواْ وَصَقُّواْ﴾ استعار العمى والصمم للإعراض عن الهداية والإيمان.

٦٢٣
الزُعُ (٦) - المَائِدَة: ٧٠/٥-٧١
المفردات اللغوية:
﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِيّ إِسْرَوِيلَ﴾ على الإيمان بالله ورسله ﴿بِمَا لَا
تَهْوَىّ أَنفُسُهُمْ﴾ من الحق كذبوه ﴿فَرِيقًا﴾ منهم كذبوه ﴿وَفَرِيقًا﴾ منهم
﴿يَقْتُلُونَ﴾ كزكريا ويحيى، والتعبير به دون: قتلوا حكاية للحال الماضية،
مراعاة لفواصل الآيات، والمراد: فريقاً كذبوه وفريقاً قتلوه.
﴿ وَحَسِبُواْ﴾ ظنوا ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾ ألا تقع ﴿فِتْنَةٌ﴾ عذاب بهم على تكذيب
الرسل وقتلهم ﴿فَعَمُواْ﴾ عن الحق، فلم يبصروه ﴿وَصَمُّواْ﴾ عن استماعه
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ فيجازيهم به.
المناسبة:
الكلام مستمر في شأن أهل الكتاب وتعداد قبائحهم، فبعد أن أبان
سبحانه أنه أخذ الميثاق على اليهود، أعاد التذكير به مرة أخرى.
التفسير والبيان:
يذكر الله تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل بالسمع والطاعة
لله ولرسوله، فنقضوا العهد والميثاق، واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدموها
على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه، وما خالفهم ردوه.
والميثاق: العهد المؤكد، وأخذ الله العهد على اليهود في التوراة بتوحيد الله
واتباع أحكام شرع الله، فنقضوا الميثاق وعاملوا الرسل إما بالتكذيب المستلزم
للإعراض، وإما بالقتل.
وظنوا أن لا يترتب على ماصنعوا شر لهم، وألا تقع بهم فتنة أي اختبار بما
فعلوا من الفساد، لزعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، ولكن ترتب على فسادهم
سوء، وهو أنهم عموا عن الحق، وصموا آذانهم عن استماعه وعن تدبر آيات
الله، فلا يسمعون حقاً، ولا يهتدون إليه، فتسلط عليهم البابليون وأحرقوا

٦٢٤
لُ (٦) - القَائِدَة: ٧٠/٥-٧١
المسجد الأقصى ونهبوا أموالهم وسبوا أولادهم ونساءهم، ثم تاب الله عليهم
مما كانوا فيه حين تابوا وتركوا الفساد، وأعاد إليهم ملكهم على يد ملك من
ملوك الفرس، وعمر لهم بيت المقدس، ورد من كان في أسر ◌ُخْتُنَصَّرَ إلى
وطنهم.
ثم عموا وصموا مرة أخرى، حيث طلبوا رؤية الله، وقتلوا الأنبياء کزكريا
ويحيى، وحاولوا قتل عيسى بن مريم، وعصوا أوامر الله والرسل، فسلط الله
عليهم الفرس، ثم الرومان، فأزالوا ملكهم وسلبوا استقلالهم.
وقوله تعالى: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ يشير إلى أن أكثرهم عصاة، وأقلهم
مؤمنون صالحون.
﴿ وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي مطلع عليهم، وعليم بمن يستحق الهداية
ممن يستحق الغواية منهم، وعالم بما يدبرونه من الكيد والمكر لرسول الله وعلى
خاتم الأنبياء والمرسلين.
فقه الحياة أو الأحكام:
تكررت المعاهدات والمواثيق مع بني إسرائيل ألا يعبدوا إلا الله، وما يتصل
به، وكل هذا يتناسب مع ما بدئت به سورة المائدة: ﴿أَوَفُواْ بِالْعُقُودِ﴾.
ولكن اليهود أعداء الله والإنسانية نقضوا العهود والمواثيق، وقابلوا الرسل
إما بالتكذيب والصد والإعراض، وإما بالقتل، فقد كذبوا عيسى وغيره من
الأنبياء، وقتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من الأنبياء.
وظن هؤلاء الذين أخذ عليهم الميثاق أنه لا يقع من الله عز وجل ابتلاء
واختبار بالشدائد، اغتراراً بقولهم: ﴿َحْنُ أَبَْوُاْ اللَّهِ وَأَحِبََّؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨/٥].
وإنما اغتروا بطول الإمهال، فعموا عن الهدى، وصموا عن سماع الحق؛
لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه. ثم تاب الله عليهم بعد الاختبار، وكشف
عنهم الغُمَّة والكربة، وصيرهم أحراراً بعد أن كانوا أسرى مستعبدين.

٦٢٥
الُ (٦) - الثائِدَة: ٧٢/٥-٧٥
ثم فسدوا وعصوا، وعمي كثير منهم وصَمَّ بعد تبين الحق لهم بمحمد عليه
الصلاة والسلام، ولم يتعظوا بشيء أبداً من المواعظ، وأعرضوا عن سماع
الحجج والبينات، أي الآيات والبراهين الدالة على الحق والصواب.
وهكذا يترنح اليهود بين التوبة والعصيان، وبين الإنقاذ والتعرض للدمار
والهلاك، وأكثرهم الفاسقون، والقليل منهم الطائعون. ولن يجد الإنسان في
التاريخ شعباً أكثر تعقيداً، وأسوأ طبعاً، وأكثر اضطراباً وقلقاً من اليهود. لذا
تجدهم دائماً في مخاوف وحذر، ولن يهدأ لهم بال، ولن ينعموا على مدى الدهر
بالاستقرار والاطمئنان، والمثال في فلسطين بالرغم من إقامة دولتهم واضح
لكل إنسان.
تأليه المسيح عند المسيحيين مع أنه مجرد بشر رسول
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَدٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ
يَكَبَنِىّ إِسْرَوِيلَ أُعْبُدُواْ اَللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِّكَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
اُلْجَنَّةَ وَمَأْوَنَهُ النَّارُ وَمَا لِلَِّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ وَمَا مِنْ إِلَءٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا
يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيهُ ﴿َ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى
بِمَّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ
اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَةٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُ أَنْظُرْ
كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الَيَاتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
٧٥
القراءات:
﴿وَمَأْوَنُهُ﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (وماواه).
٠

٦٢٦
الجُرُ (٦) - للائِدَة: ٧٢/٥-٧٥
﴿يُؤْفَكُونَ
:
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً: (يُؤْفكون).
البلاغة:
﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ إظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار
لتهويل الأمر وغرس المهابة.
﴿َفَلَا يَتُوبُونَ إِلَىَ اللَّهِ﴾ استفهام توبيخ.
﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنٌ﴾ ﴿ثُمَّ اُنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: تكرير الأمر
بالنظر للمبالغة في التعجب. ولفظ ﴿ثُمَّ﴾ لإظهار مابين العجبين من
التفاوت؛ أي إن بياننا للآيات في غاية الوضوح، وإعراضهم عنها أعجب.
المفردات اللغوية:
﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾ الكُفْر: ضد الإيمان، والكفر أيضاً: جحود النعمة،
والكَفْر بالفتح: التغطية والستر، يقال كَفَرتُ الشيء: سترته، وكفر الفلاح
البذر في الأرض: ستره. ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ﴾ العبادة: الخضوع
والتذلل، ومفاد هذا الكلام: أني أنا المسيح عبد الله مثل سائر العباد، ولست
بإله ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ﴾ في عبادة غير الله ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾
منعه أن يدخلها ﴿وَمَا لِلَّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يمنعونهم من عذاب الله.
﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ﴾ أي أحد آلهة ثلاثة،
والآخران: عيسى وأمه، وهم النصارى ﴿وَإِن لَّمْ يَنَتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ﴾ من
التثليث ويوحدوا ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي ثبتوا على الكفر ﴿مِنْهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلمٍ وهو النار. ﴿غَفُورٌ﴾ لمن تاب ﴿رَحِيمٌ﴾ به ﴿قَدْ
خَلَتْ﴾ مضت ﴿مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فهو يمضي مثلهم ولیس بإله، كما زعموا،
وإلا لما مضى وزال من الوجود.

٦٢٧
الُ (٦) - المثائِدَة: ٧٢/٥-٧٥
﴿وَأُمُهُ صِدِّيقَةٌ﴾ مبالغة في الصدق ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ﴾
كغيرهما من الناس، ومن كان كذلك لا يكون إلهاً لتركيبه وضعفه ﴿كَّفَ
◌ُيِّكُ لَهُمُ الْأَيَتِ﴾ على وحدانيتنا ﴿ثُمَّ اُنْظُرْ أَنَّى﴾ كيف
﴿ يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن الحق مع قيام البرهان.
سبب النزول:
قال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله
ثالث ثلاثة.
المناسبة:
بعد أن استقصى الله تعالى الكلام مع اليهود وفَّد حججهم، وعدد
قبائحهم، شرع هنا في الكلام عن النصارى، وبيَّن فساد عقيدتهم في ادعاء
ألوهية المسيح عليه السلام، وأنه ولد إلهاً، أي إن الله تعالى حل في ذات عيسى
واتحد بذات عيسى، وهذا في الأصل قول اليعقوبية، ثم ساد بين النصارى. ثم
حكى تعالى قول المسيح، ليقيم الحجة القاطعة على فساد قول أتباعه.
التفسير والبيان:
يقول تعالى حاكماً بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنُّسْطُورية
القدامى، والكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت الجدد: تالله لقد كفر الذين
ادعوا أن الله هو المسيح ابن مريم، وضلوا ضلالاً بعيداً، فقالوا: إن الله
مركب من ثلاثة أصول (أو أقانيم) وهي الآب والابن والروح القدس، فالله
هو الآب، والمسيح هو الابن، وقد حل الله الآب في المسيح الابن واتحد به،
فكوَّن روح القدس، وكل واحد من هؤلاء عين الآخر، وخلاصة قولهم: الله
هو المسيح.
مع أن أول كلمة نطق بها المسيح وهو صغير في المهد هي: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ﴾

٦٢٨
لُرُ (٦) - المَائِدَة: ٧٢/٥-٧٥
ثم دعا الناس إلى رسالته فقال: يا بني إسرائيل، اعبدوا الله ربي وربكم، أي
توجهوا بالعبادة إلى الله تعالى وحده. وفي قوله هذا دليل قاطع على فساد قول
النصارى؛ لأنه لم يفرق بين نفسه وغيره في أن دلائل حدوثه وخلقه مثل غيره
من الناس.
وأتبع دعوته بالتحذير من الشرك والوعيد عليه فقال: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكَ
بِاللَّهِ﴾ أي إن كل من يتخذ شريكاً لله من ملَك أو بشر أو كوكب أو صنم أو
غيره، فقد حرم الله عليه الجنة في علمه السابق القديم، وفي شرعه لرسله، أي
حرمه دخولها، ومنعه منها، ومقره في الآخرة نار جهنم، وليس للظالمين
أنفسهم باتخاذ الشركاء من نصير أو معين ينصرهم، أي لا ينصرهم أحد فيما
تقوَّلوا على عيسى ولا يساعدهم عليه، لاستحالته وبعده عن المعقول، ولا
ينصرهم أيضاً ناصر في الآخرة من عذاب الله.
وكذلك كفر القائلون: إن الله خالق السماوات والأرض وما بينهما ثالث
آلهة ثلاثة، وهو قول النصارى: المسيح ابن الله، أو الله واحد من ثلاثة
أقانيم: أب هو الله، وابن هو المسيح، وزوجة هي مريم، أي إن كل فرق
النصارى كفار، سواء من قال: إن المسيح ثالث ثلاثة، أو إن المسيح ابن الله،
أو إن الله هو المسيح ابن مريم. ومتأخرو النصارى يقولون بالتثليث، أي إن
الآلهة ثلاثة، وبالتوحيد أي إن كل واحد من الأقانيم الثلاثة عين الآخر.
وردَّ الله على الجميع بقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ أي ما من إله
في الوجود يستحق العبادة إلا إله واحد أحد لا شريك له، إله جميع الكائنات
وسائر الموجودات، فهو المتصف بالوحدانية، وليس فيه شيء من صفات
البشر، فلا ترکیب في ذاته ولا في صفاته، وليس هناك تعدد ذوات وأعيان،
ولا تعدد أنواع، ولا تعدد أجزاء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١/٤٢]. وهذه الآية مثل قوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَإِذْ

٦٢٩
الزُ (٦) - المثائِدَة: ٧٢/٥-٧٥
قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ المَّخِذُونِ وَأُتِىَ إِلَّهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ
قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦/٥] يعني أن الآيتين لنفي تعدد الآلهة.
ثم توعدهم الله وأنذر على قولهم فقال: ﴿﴿وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي
إن لم يتجنبوا ويتركوا ما يقولون من هذا الافتراء والكذب وادعاء التثليث،
ويعودوا إلى القول بالتوحيد، ليصيبنهم عذاب شديد مؤلم في الآخرة بسبب
كفرهم. وفي هذا دلالة على أن إصابة العذاب للذين كفروا خاصة لا الذين
تابوا من عقيدة التثليث.
ثم كان من كرم الله تعالى وجوده ولطفه ورحمته مع هذا الكذب والافتراء
أنه يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، بأن يتوبوا من شركهم، ويستغفروا الله من
عقيدة التثليث، والله غفور للتائبین رحیم بهم.
أما المسيح في الحقيقة فهو مجرد رسول، كأمثاله من الرسل المتقدمين عليه،
وأنه عبد من عباد الله كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ
﴾ [الزخرف: ٥٩/٤٣] وهو كغيره من الرسل مؤيد
٥٩)
مَثَلًا لِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ
بالمعجزات الخارقة للعادة: ﴿أُلْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ
صے
وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١/٤].
وأمه صدِّيقة، أي مؤمنة به مصدقة له، لها مرتبة تلي مرتبة الأنبياء
والمرسلين، وليست بنبية(١) ولا لها صفة الألوهية، كما قال تعالى:
﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَّكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ اُلْقَنِينَ﴾ [التحريم: ١٢/٦٦].
(١) ليست مريم نبية، كما زعم ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم
موسى، ونبوة أم عيسى، استدلالاً بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى
أُمِّ مُوسَىّ أَنْ أَرْضِعِيَةِ﴾ [القصص: ٧/٢٨] وهذا معنى النبوة. والذي عليه الجمهور أن الله لم
يبعث نبياً إلا من الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ
أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩/١٢] .

٦٣٠
لُعُ (٦) - المثائِدَة: ٧٢/٥-٧٥
وكل من المسيح وأمه من جنس البشر ونوعهم، بدليل أنهما يأكلان الطعام
للحفاظ على معيشتهما وحياتهما، ويقضيان حاجتهما من البول والغائط،
ومن صدر منه مثل ذلك، واتصف بالتركيب والضعف والحاجة إلى الطعام
والشراب والنوم وقضاء الحاجة، لا يمكن أن يكون إلهاً، ولا أن يتصف بأي
صفة من صفات الألوهية والربوبية.
فانظر أيها العاقل كيف نبين للنصارى الجهلة الدلائل القاطعة الواضحة
على بطلان ما يدّعون، ثم انظر بعد هذا البيان والإيضاح كيف يصرفون عن
التأمل بهذه الأدلة، وأين يذهبون، وبأي قول يتمسكون.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على كفر كل فرق وطوائف ومذاهب النصارى، سواء قالوا :
إن المسيح ثالث ثلاثة، أو إن المسيح ابن الله، أو إن الله هو المسيح عيسى بن
مريم؛ لأنهم في النتيجة يقولون: أب وابن وروح القدس إله واحد، ولا
يقولون: ثلاثة آلهة، وهو معنى قولهم جميعاً، وإنما يمتنعون من عبارة التثليث
ولا يصرحون بها لفظاً، وهي لازمة لقولهم؛ لأنهم يقولون: إن الابن إله،
والأب إله، وروح القدس إله.
فرد الله عليهم بأن الإله لا يتعدد، وإن لم يكفوا عن القول بالتثليث
ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، فليتوبوا إليه، وليسألوه ستر ذنوبهم.
والمراد الكفرة منهم؛ لأنهم القائلون بالتعدد، دون المؤمنين.
وما المسيح في حقيقته، وإن ظهرت المعجزات أو الآيات على يديه، كما
جاءت بها بقية الرسل، إلا عبد الله ورسول من عنده، فإن كان إلهاً فليكن كل
رسول إلهاً. وهذا رد قاطع لقولهم واحتجاج عليهم.
ومن تتمة الحجة أن المسيح وأمه الصديقة كانا يأكلان الطعام، أي إنه

٦٣١
لُعُ (٦) - المَائِدَة: ٧٢/٥-٧٥
مولود مربوب، ومن ولدته النساء، وكان يأكل الطعام مخلوق محدث كسائر
المخلوقين، فمتى يصلح المربوب أن يكون رباً؟! وفي هذا دلالة على أنهما
بشران.
وقولهم: كان يأكل الطعام بناسوته ((البشري)) لا بلاهوته، أي إن له
طبيعتين: بشرية وإلهية، فهذا منهم اختلاط إله بغير إله، ولو جاز اختلاط
القديم بالمحدث، لجاز أن يصير القديم محدثاً، ولو صح هذا في حق عيسى لصح
في حق غيره، حتى يقال: اللاهوت مخالط لكل محدث.
وعقب الله تعالى على اعتقاد النصارى: انظر كيف نبين لهم الدلالات على
الألوهية الحقة والوحدانية الصمدانية، ثم انظر كيف يصرفون عن الحق بعد
هذا البيان؟ !.

٦٣٢
الُعُ (٦) - المَائِدَة: ٧٦/٥-٨١
مناقشة النصارى في تأليه عيسى
ومطالبة أهل الكتاب بعدم الغلو في الدين
ولعنة بني إسرائيل لعدم النهي عن المنكر
﴿قُلْ أَتَعَبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعَاً وَاللَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿ قُلْ يَتَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِىِ دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا
تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ
﴿﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ
السَّبيلِ
كَانُواْ لَا
VA
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَدُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ
تَرَى
يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ◌َ
كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَن
سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ ﴿ وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالنَِّيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا الَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
٨١٦
القراءات:
﴿لَبِئْسَ﴾:
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً: (لبيس).
﴿ وَالنَّبِيِّ﴾ :
وقرأ نافع: (والنبيء).
الإعراب:
﴿أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أن وصلتها يجوز في موضعها النصب والرفع.

٦٣٣
لُ (٦) - للفائِدَة: ٧٦/٥-٨١
فالنصب: إما على البدل من ﴿مَا﴾ على أنها نكرة، وإما على حذف اللام، أي
لأن سخط. والرفع: على البدل من ﴿مَا﴾ في ﴿لَبِثْسَ مَا﴾ على أنَّ ﴿مَا﴾
معرفة.
البلاغة:
﴿قُلْ أَنَعَبُدُونَ﴾ استفهام للإنكار.
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ تقبيح لسوء أعمالهم وتعجب منه بالتوكيد
والقسم.
المفردات اللغوية:
﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم ﴿اٌلْعَلِيمُ﴾ بأحوالكم
﴿يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ﴾ اليهود والنصارى ﴿لَا تَغْلُوا﴾ تجاوزوا الحدود،
والغلو: نقيض التقصير، وهو الإفراط وتجاوز الحد ﴿فِي دِينِكُمْ غَيْرَ
اَلْحَقِّ﴾ أي غلواً باطلاً، بأن تضعوا عيسى أو ترفعوه فوق حقه ﴿أَهْوَآءَ
قَوْمٍ ﴾ آراء قوم مبعثها الهوى والشهوة دون الحجة والبرهان ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن
قَبْلُ﴾ بغلوهم وهم أسلافهم ﴿ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا﴾ من الناس ﴿وَضَلُّواْ عَن
سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ طريق الحق، والسواء في الأصل: الوسط.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ اللعن: الطرد من الرحمة واللطف الإلهي ﴿عَلَى
لِسَانِ دَاوُدَ﴾ بأن دعا عليهم فمسخوا قردة، وهم أصحاب أيلة ﴿وَعِيسَىَ
أَبْنِ مَرْيَهُ﴾ بأن دعا عليهم فمسخوا خنازير، وهم أصحاب المائدة ﴿ذَلِكَ
بِمَا عَصَواْ﴾ ذلك اللعن.
﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ أي لا ينهى بعضهم عن بعض ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ أي يوالونهم ويؤيدونهم، وهم أهل مكة بغضاً لك. ﴿مَا قَدَّمَتْ
لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ من العمل لآخرتهم.

٦٣٤
الُُ (٦) - المَائِدَة: ٧٦/٥-٨١
المناسبة:
بعد أن رد الله تعالى على أباطيل اليهود، ثم رد على أباطيل النصارى، وأقام
الدليل القاهر على بطلانها وفسادها، أنكر على كل من عبد غير الله من
الأصنام والأنداد والأوثان، وأبان أنها لاتستحق شيئاً من الألوهية، ثم
خاطب مجموع الفريقين من اليهود والنصارى فقال: ﴿يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا
تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ اُلْحَقِّ﴾.
التفسير والبيان:
قل يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله، سواء من أهل الكتاب أو من المشركين
عبدة الأوثان: أتعبدون غير الله الذي لا يقدر على دفع ضر عنكم، ولا جلب
نفع لكم، والله هو السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء، فلِمَ تَعْدِلُون عن
عبادته - وهو النافع الحق لكم - إلى عبادة بشر، أو جماد لا يسمع ولا يبصر،
ولا يعلم شيئاً، ولا يملك البشر والحجر وغيرهما ضراً ولا نفعاً لغيره ولا
لنفسه.
فإن اليهود الذين عادوا المسيح لم يقدر على إلحاق الضرر بهم، بل حاولوا
صلبه وقتله، ولم يتمكن هو بدفع ضررهم عن نفسه، وكذا لم يستطع تحقيق نفع
دنيوي لأتباعه وأنصاره وصحبه، وقد تعرضوا للطرد والتعذيب، فكيف يعقل
أن يكون إلهاً؟.
ثم أمر الله نبيه أن يقول أيضاً لأهل الكتاب (اليهود والنصارى): يا أهل
الكتاب، لاتجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تبالغوا في تعظيم العزير، ولا
تعظيم عيسى، حتى تؤلّوا أحداً منهما فتخرجوا عيسى من مقام النبوة إلى مقام
الألوهية، وتجعلوا عزيراً ابن الله، ولا تبالغوا أيضاً أيها اليهود في إهانة عيسى
وأمه، وتنسبوها إلى الفاحشة.

٦٣٥
الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ٧٦/٥-٨١
ولا تتبعوا أهواء قوم وآراءهم النابعة من شهواتهم، وهم شيوخ الضلال
الذين ضلوا قديماً، وأضلوا كثيراً من الناس، وخرجوا عن طريق الاستقامة
والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال.
ثم بَيَّن الله تعالى سبب ذلك: وهو تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، فقال: ﴿لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي إنه تعالى لعن الكافرين من بني
إسرائيل من دهر طويل، فيما أنزله على داود نبيه عليه السلام، وعلى لسان
عيسى ابن مريم، بسبب عصيانهم لله، واعتدائهم على خلقه، ولعن داود من
اعتدى منهم يوم السبت ومن عصى الله، ولعن عيسى العصاة من بني إسرائيل
بسبب تمردهم ومخالفتهم أوامر الله. قال ابن عباس: لعنوا في التوراة
والإنجيل، وفي الزبور، وفي الفرقان. كان العالم منهم لا ينهى أحداً عن
ارتكاب المآئم والمحارم، فلبئس الفعل فعلهم، وهذا تقبيح لسوء فعلهم،
وتحذير من ارتكاب مثل ما ارتكبوه؛ لأن شيوع المنكر يضر ضرراً بليغاً
بالأمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصون المجتمع من الرذيلة، ويذكر
بالفضيلة والأخلاق، ويدفع إلى الخير ويحقق السعادة.
روى الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَ له: ((لما وقعت بنو
إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم، فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم)).
وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله
وَ الى: ((إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل: أنه كان الرجل يلقى
الرجل، فيقول: ياهذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من
الغد، وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما
فعلوا ذلك، ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿فَسِقُونَ﴾ ثم قال ◌َّهِ: كلا، والله لتأمرُنّ بالمعروف،

٦٣٦
لُ (٦) - المَائِدَة: ٧٦/٥-٨١
ولتنهوُنَّ عن المنكر، ثم لتأخذُنّ على يد الظالم، ولتأطُرُنّه(١) على الحق أَظْراً،
ولتقسِرُنّه على الحق قسراً، أو ليضربنَّ الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم
کما لعنهم)).
وأخرج الترمذي عن حذيفة بن اليمان أن النبي ◌َّر قال: ((والذي نفسي
بيده لتأمرُنّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم
عذاباً منه، ثم تَذْعونه، فلا يستجيب لكم)).
ثم ذكر الله تعالى أحوال المعاصرين من أهل الكتاب لنزول الوحي فقال:
﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي ترى يا محمد كثيراً من اليهود يتولون المشركين
من أهل مكة، ويحالفونهم، ويحرضونهم على قتالك، ويتركون موالاة المؤمنين.
روي أن كعب بن الأشرف وأصحابه ذهبوا إلى مكة، وحرضوا المشركين
على النبي ◌َّ، ولكنهم لم يستجيبوا لدعوتهم، وخابت مساعيهم، ولم يتم لهم
ما أرادوا.
فكان جزاؤهم تقبيح فعلهم وإنزال الغضب الإلهي عليهم وتخليدهم في
العذاب، فقال تعالى: ﴿لَبِْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ أي بئس شيئاً قدمته
أنفسهم لآخرتهم من الأعمال التي استوجبت سخط الله عليهم، وإنزال
العذاب الأليم بهم، والحكم عليهم بالخلود في نار جهنم.
مع أنهم لو آمنوا بالله حق الإيمان وبالرسول والقرآن، لما والوا الكافرين في
السر والباطن، وعادوا المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه، ولكنِ الكثيرون
منهم فاسقون أي خارجون عن حظيرة الدين، وعن طاعة الله ورسوله،
متمردون في النفاق، مخالفون لحكم الله بموالاة المؤمنين ومناصرتهم، أمام
أعداء الأديان كلها، وذلك إما لتحريفهم دينهم أو لنفاقهم.
(١) أي تعطفُنَّه.

٦٣٧
الُ (٦) - المَائِدَة: ٧٦/٥-٨١
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى مايلي :
إن عبادة غير الله تدل على خرق العقل، وسفاهة الرأي، وضعف التفكير،
وطيش الإنسان؛ لأن المعبود هو الذي يرجى منه النفع، ويخاف من عذابه عند
التقصير في حقه والمخالفة لأمره، وكل من عبد من دون الله من الكواكب
والملائكة والأوثان والأنداد والأنبياء وزعماء البشر والقادة المتفوقين
المنتصرين في معركة حربية فاصلة، وإن تأمل الإنسان تحقيق النفع منهم، ودفع
الضرر والشر بوساطتهم، فذلك نوع من الوهم والسخف، وانتكاس الفطرة
الإنسانية، ومغالطة المعقول والتفكير السليم.
فهذا عيسى الذي ظهرت المعجزات على يديه بإذن الله، لا يستطيع تجاوز ما
أجرى الله على يديه من خوارق العادات، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً،
وإذا أقررتم أن عيسى كان جنيناً في بطن أمه، وكان في حال من الأحوال
لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا يضر، فكيف اتخذتموه إلهاً؟
ومن كان يدبر الكون قبل ولادته، ومن الذي يدبره بعد وفاته؟
فالحق يا أهل الكتاب أن تلتزموا الاعتدال، ولا تتبعوا الأهواء
والعصبيات والتقليد الأعمى الموروث، ولا تنخدعوا بآراء شيوخ الفتنة
والضلال وأصحاب المصالح المادية.
وإن تقصير علماء بني إسرائيل في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أدى بهم إلى إنزال اللعنة الإلهية بهم في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، فهل
هناك أشد عقاباً من ذلك؟
وليحذر المسلمون من تقليد من استحق اللعنة والطرد من رحمة الله. قال ابن
عطية: والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه، وأمِن الضرر

٦٣٨
الزُرُ (٦) - المَائِدَة: ٧٦/٥-٨١
على نفسه وعلى المسلمين؛ فإن خاف فينكر بقلبه، ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه.
وقال العلماء: ليس من شرط الناهي أن يكون سليماً عن معصية، بل
ينهى العصاة بعضهم بعضاً.
واقتضى قوله تعالى: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾
٦٥
اشتراكهم في الفعل، وذمهم على ترك التناهي، ودلت الآية على النهي عن
مجالسة المجرمين والأمر بتركهم وهجرانهم. وأكد ذلك بقوله تعالى في الإنكار
على اليهود: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني
المشركين الذين ليسوا على دينهم، فلبئس ماسولت لهم أنفسهم وزينت.
ودل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾ على أن من اتخذ
كافراً ولياً (ناصراً) فليس بمؤمن إذا اعتقد اعتقاده ورضي أفعاله.
انتهى الجزء السادس ولله الحمد

٦٣٩
فهرس الجزء الخامس
فهرس المجلد الثالث
فهرس الجزء الخامس
الموضوع
الصفحة
حرمة الزواج بالمتزوجات وإباحة الزواج بغير المحارم بشرط المهر
٥
هل يحد من دخل بامرأة في نكاح المتعة؟
١٤
شروط الزواج بالأمة وعقوبة فاحشتها
١٥
أسباب الأحكام الشرعية السابقة
٢٧
تحريم أكل المال بالباطل ومنع الاعتداء وإباحة التعامل بالتراضي
٣١
جزاء اجتناب الكبائر
٣٩
النهي عن التمني (الحسد) وسؤال الله تعالى من فضله
٤٣
إعطاء كل وارث حقه من التركة
٤٨
قوامة الرجال على النساء وطرق تسوية النزاع بين الزوجين
٥٥
أخلاق القرآن - عبادة الله وحده، والإحسان إلى الوالدين . ٦٥
والأقارب والجيران، والتحذير من الإنفاق رياء
٧٨
الترغيب في امتثال الأوامر والتحذير من المخالفة والعصيان
٨٢
تحريم الصلاة حال السكر وكون التيمم عند فقد الماء
٩٩
أعمال اليهود وتصرفاتهم
أمر أهل الكتاب بالقرآن وتهديدهم باللعنة
١٠٦
ما يغفره الله تعالى وما لايغفره
١١٠
نماذج أخرى من أعمال أهل الكتاب والجزاء عليها
١١٣
عقاب الكافرين وثواب المؤمنين
١٢٢

٦٤٠
فهرس المجلد الثالث
الصفحة
الموضوع
منهاج الحكم الإسلامي - أداء الأمانات والحقوق إلى أهلها والحكم ١٢٦
بالعدل، وإطاعة الله والرسول وولاة الأمور
مزاعم المنافقين ومواقفهم
١٣٦
فرضية طاعة الرسول
١٤٢
حب الوطن والتزام أوامر الله والرسول
١٤٧
جزاء طاعة الله والرسول
١٥١
قواعد القتال في الإسلام
١٥٥
أحوال الناس حين فرضية القتال
١٦٦
طاعة لله تعالى، وتدبر القرآن وكونه من عند ١٧٥
طاعة الرسول
الله
١٨١
إذاعة الأخبار من غير اعتماد على مصدر صحيح
التحريض على الجهاد
١٨٦
الشفاعة الحسنة ورد التحية وإثبات البعث والتوحيد
١٨٩
أوصاف المنافقين ومراوغتهم ومحاولتهم تكفير المسلمين وكيفية ١٩٧
معاملتهم
جزاء القتل الخطأ والقتل العمد
٢٠٧
الحرص على السلام والتثبت في الأحكام
٢٢٢
التفاضل بين المجاهدين والقاعدين عن الجهاد
٢٢٨
هجرة المستضعفين
٢٣٤
قصر الصلاة في السفر وصلاة الخوف
٢٤٣
صلاة الخوف في المغرب وحال اشتباك القتال
٢٥٧