Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
الُ (٦) - المائدة: ٢٧/٥-٣٢
قصة قابيل وهابيل وأول جريمة قتل في الدنيا
وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَى ءَادَمَ بِالْحَقِ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا
وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ (®َ لَبِنْ
بَسَطِتَ إِلَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِ مَا أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكِّ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ
إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوَّ بِثْمِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ
اُلْعَلَمِينَ
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَبْلَ أَخِيهِ فَقَثَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ اْخَسِرِينَ
٢٩
جَزَّؤُاْ اْلَّلِينَ
فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ
٣٠
يَوَيْلَنَّ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىّ فَأَصْبَحَ مِنَ
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَهِيلَ أَنَّهُ, مَن قَتَلَ نَفْسًا
النَّدِمِينَ
بِغَيِّرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِىِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا
٣٢٦
مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
القراءات: ﴿يَدِىَ﴾: قرئ:
١- (يديَ) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وحفص.
٢- (يديْ) وهي قراءة الباقين.
﴿ إِنَّ أَخَافُ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: (إني أخاف).
﴿ إِنّ أُرِيدٌ﴾:
وقرأ نافع: (إني أريد).

٥٠٢
لُرُ (٦) - المائدة: ٢٧/٥-٣٢
﴿رُسُلُنَا﴾:
وقرأ أبو عمرو: (رُسْلنا).
الإعراب:
﴿إِّ أُرِيدٌ﴾ أصله: إنّني بثلاث نونات، فحذفت الثانية؛ لأنه أقل تغييراً
من حذف الأولى والثالثة. ﴿أَوْ فَسَادٍ﴾ مجرور بالعطف على: ﴿نَفْسِ﴾.
وقرئ: فساداً: بالنصب على المصدر.
البلاغة:
﴿قَلْلَ﴾ ﴿أَحْيَاهَا﴾ بينهما طباق.
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فيه استعارة، والمراد استبقاها؛ لأن إحياء النفس حقيقة
من مقدورات الله وحده.
﴿بَسَطَتَ﴾ و﴿مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ﴾ بينهما طباق السلب.
المفردات اللغوية:
﴿وَأَتْلُ﴾ أي اقرأ يا محمد ﴿عَلَهِمْ﴾ على قومك ﴿نَبَأَ﴾ خبر ﴿أَبْنَىّ ءَادَمَ﴾
هابيل وقابيل ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق باتل ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ ما يتقرب به إلى الله
تعالى من الذبائح وغيرها، وهو مصدر في الأصل، يستوي فيه الواحد وغيره،
وقربانهما: كبش لهابيل وزرع لقابيل ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ وهو هابيل، بأن
نزلت نار من السماء فأكلت قربانه ﴿ وَلَمْ يُثَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ﴾ وهو قابيل،
فغضب وأضمر الحسد في نفسه إلى أن حج آدم.
﴿لَبِنْ بَسَطَتَ إِلَ يَدَكَ﴾ اللام لام القسم، أي لئن مددت يدك إلي لتقتلني.
﴿تَبُوَّأَ﴾ ترجع بعقاب يعادل الإثم، وباء بالنعمة وباء بالذنب: التزم وأقر

٥٠٣
الجُرُ (٦) - للفائدة: ٢٧/٥-٣٢
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ زينت وشجعت ﴿مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ بقتله، ولم يدر
مايصنع به؛ لأنه أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، فحمله على ظهره
﴿ يَبْحَثُ فِ اُلْأَرْضِ﴾ ينبش التراب بمنقاره وبرجليه ويثيره على غراب ميت
معه، حتى واراه ﴿يُؤَرِى﴾ يستر ﴿سَوْءَةَ أَخِيَةٍ﴾ ما يسوء ظهوره وهو العورة
والمراد الجثة. ﴿يَوَيَّلَتَى﴾ الويلة: الفضيحة والبلية، أي وافضيحتاه، والويل:
حلول الشر.
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ بسبب ذلك الذي فعله قابيل ﴿بِالْبَيْنَتِ﴾ الآيات
الواضحة ﴿أَنَّهُ﴾ أي الشأن ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ الْأَرْضِ﴾ أي بغير
فساد أتاه من كفر أو زنى أو قطع طريق أو نحوه ﴿أَحْيَاهَا﴾ امتنع عن قتلها
﴿ لَمُسْرِفُونَ﴾ مجاوزون الحد بالكفر والقتل وغير ذلك، والإسراف البعد عن
حد الاعتدال.
المناسبة:
أورد الله تعالى هذه القصة لبيان تأثير الحسد والحقد وحب الذات، وأن
ذلك يؤدي إلى المخاطر والمهالك والقبائح، فقضى على رابطة الأخوة التي تجمع
بين الأخوين، وأدى إلى سفك الدماء. وأمثلة ذلك كثيرة، فبعد أن ذكر تعالى
حسد اليهود للنبي وَلّ، حتى هموا أن يقتلوه مع صحابته، ذكر هنا قصة ابني
آدم، حسداً من الأخ على أخيه، فوجه اتصال الآية بما قبلها التنبيه من الله
تعالى على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود كظلم ابن آدم لأخيه.
التفسير والبيان:
أخبر الله تعالى عن سوء عاقبة الحسد في قصة ابني آدم وهما قابيل وهابيل،
كيف قتل الأول أخاه، بغياً عليه، وحسداً له فيما وهبه الله من النعمة وتقبل
القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ففاز المقتول بالمغفرة ودخول الجنة،
وخاب القاتل وخسر في الدارين، فقال:

٥٠٤
الُرُ (٦) - المائدة: ٢٧/٥-٣٢
اقرأ يا محمد، واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة حفدة القردة والخنازير،
من اليهود وأمثالهم خبر ابني آدم، وهما قابيل وهابيل، في رأي جماعة من
السلف والخلف، اقرأ واتل ذلك عليهم بالحق، أي بالبيان الصحيح الواقعي
الواضح الذي لاكذب ولا وهم ولا زيادة ولا نقصان فيه، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقّ﴾ [آل عمران: ٦٢/٣] وقال: ﴿فَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ
نَبَأَهُم بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣/١٨] وقال: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾.
[مريم: ٣٤/١٩].
وسبب القصة: أن الله تعالى شرع لآدم عليه السلام أن يزوج بناته من بنيه
لضرورة الحال، فكان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فيزوج أنثى هذا البطن
لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة، وأخت قابيل وضيئة، فأراد
أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك، إلا بتقريب قربان، فمن تقبل منه فهي
له، فتقبل من هابيل، ولم يتقبل من قابيل.
اتل عليهم حين قربا قرباناً، فتقبل الله من هابيل قربانه وهو الكبش السمين
لتقواه وإخلاصه، ولم يتقبل من قابيل قربانه وهو زرع قليل من سنبل القمح،
لقلة التقوى والإخلاص. وكيف كان القبول؟
روي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما أن أحدهما كان صاحب حرث
وزرع، فقرَّب شرّ ماعنده وأردأه، غير طيبة به نفسه، وكان الآخر صاحب
غنم، وقَرَّب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها، طيبة به نفسه. وذكر بعضهم أن
القربان المقبول كانت تجيء النار من السماء لتأكله، ولا تأكل غير المقبول.
فصعد الأخوان مع أبيهم آدم الجبل، فوضعا قربانهما، ثم جلس الثلاثة،
وهم ينظرون إلى القربان، فبعث الله ناراً، حتى إذا كانت فوقهما، دنا منها
عنق، فاحتمل قربان هابيل، وترك قربان قابيل. فقال قابيل: ياهابيل، تُقِبِّل
قربانُك، ورُدَّ علي قرباني، لأقتلنك، فقال هابيل: قربت أطيب مالي، وقربت
أنت أخبث مالك، وإن الله لا يقبل إلا الطيب، إنما يتقبل الله من المتقين، أي

٥٠٥
الُرُ (٦) - المائدة: ٢٧/٥-٣٢
الذين يخافون عقاب الله باجتناب الشرك وسائر المعاصي كالرياء والشح واتباع
الأهواء، قال تعالى: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢/٣]
وقال النبي ◌َّ فيما رواه مسلم: ((إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً)).
فلما قالها غضب قابيل، فرفع الحديدة وضربه بها، فقال: ويلك يا قابيل،
أين أنت من الله، كيف يجزيك بعملك؟ فقتله وطرحه في حفرة من الأرض،
وحثی علیه التراب.
وقال هابيل الرجل الصالح: إن مددت إلي يدك لتقتلني، لا أقابلك على
صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنت وأنا سواء في الخطيئة، ثم بيّن علة امتناعه
عن القتل: ﴿إِنََّّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ أي إني أخشى عقاب الله وعذابه
من أن أصنع كما تريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب؛ لأن الاعتداء على
الأرواح من أكبر الجرائم. وفي هذا التصريح بعدم الإقدام على جريمة القتل،
فلا ينطبق عليه الوضع الوارد في الحديث الذي رواه أحمد والشيخان وغيرهم
من قوله وير: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قيل:
يارسول الله، هذا القاتل! فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل
صاحبه)).
ثم تابع هابيل المقتول عظته البالغة المؤثرة المذكرة بعذاب الآخرة، لعلها
تمنع أخاه من قتله: ﴿إِنَّّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَّأَ بِئْمِى وَإِنْكَ﴾ أي إني أريد بالابتعاد
عن مقابلة الجريمة بمثلها أن تتحمل إثمي وإثمك، وتلتزم بإثم قتلك إياي،
وإثمك الذي كان منك قبل قتلي، وهذا رأي أكثر العلماء.
وحينئذ تكون بما حملت من الإثمين من أهل النار في الآخرة، والنار جزاء
كل ظالم، قال ◌َ فيما رواه أحمد وأبو داود وابن حبان عن أبي موسى
الأشعري: «کن کخيري ابني آدم)).
يتبين من هذا أنه نفَّره وحذره من القتل بثلاث مواعظ: الخوف من الله،
تحمل الإثمين: إثم القتل وإثم نفسه، كونه من أصحاب النار ومن الظالمين.

٥٠٦
الجُعُ (٦) - الفَائِدَة: ٢٧/٥-٣٢
ثم أخبر تعالى أن هذه المواعظ كلها لم ينزجر بها، فحسَّنت وسولت له نفسه
وشجعته على قتل أخيه، فقتله، فأصبح من جملة الذين خسروا أنفسهم من
الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من جريمة القتل هذه؟!
ثم حار القاتل وضاقت به الدنيا ولم يدر كيف يفعل بجثة أخيه، فاستفاد من
تجربة غيره وهو الغراب، مما دل على جهله وسذاجته وقلة معرفته.
فبعث الله غرابين أخوين، فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له حفرة،
ثم حتى عليه التراب، فلما رآه قال: وافضيحتي، وهذا اعتراف على نفسه
باستحقاق العذاب، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب؟! أي هل بلغ
عجزي وضعفي وقلة معرفتي أن كنت دون الغراب علماً وتصرفاً؟ فدفن
أخاه، ووارى جثته، وأصبح نادماً على مافعل، وهذا شأن كل مخطئ،
يرتكب المعصية، ثم يندم عليها.
إلا أنه لم تقبل توبته، بالرغم من المبدأ المعروف في قوله ومثل : ((الندم
توبة))(١)؛ لأنه لم يندم ولم يتب من المعصية، وإنما كان ندمه على قتل أخيه؛
لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته(٢)، لذا كان من الذين
سنوا سنة سيئة، عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة، روى
البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه: ((لا تُقْتَل نفس ظلماً إلا كان
على ابن آدم كِفل - نصيب - من دمها؛ لأنه أول من سَنَّ القتل)).
ومن نتائج هذا القتل، وبسبب هذا الجرم الفظيع، والفعل القبيح الذي
فعله أحد الأخوين بالآخر ظلماً وعدواناً تقرر تشريع القصاص، وفرض
حكمه على بني إسرائيل؛ لأن التوراة أول كتاب حرّم فيه القتل، وذلك
الحكم: أن من قتل نفساً بغير نفس أي بغير سبب موجب للقصاص الذي
(١) رواه أحمد والبخاري والحاكم والبيهقي.
(٢) تفسير الرازي: ٢١٠/١١

٥٠٧
لُعُ (٦) - الغَائِدَة: ٢٧/٥-٣٢
شرعه الله تعالى بقوله: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ - أي في التوراة - ﴿أَنَّ النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة ٤٥/٥]، أو قتل بغير سبب فساد في الأرض
بالإخلال بالأمن والطمأنينة، كقطاع الطرق وعصابات اللصوص، فاستحل
القتل بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس جميعاً؛ لأنه لا فرق عند الله بين
نفس ونفس، والعدوان على نفس عدوان على المجتمع البشري كله، لذا قال
تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا
[النساء: ٩٣/٤].
٩٣
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا
ومن أحياها أي حرم قتلها، وامتنع من القتل، فكأنما أحيا الناس جميعاً،
بتوفير الأمن والطمأنينة لهم، وإزالة القلق والهلع من نفوسهم.
وهذا دليل على أن نفس الإنسان ليست ملكه، وإنما هي ملك للمجتمع
الذي يعيش فيه، فمن اعتدى على نفس ولو بالانتحار، استحق العذاب
الشديد يوم القيامة، ومن أحيا نفساً بأي سبب كان، فكأنما أحيا الخلق كلهم.
ثم وجه الله تعالى تقريعاً وتوبيخاً لبني إسرائيل على ارتكابهم المحارم بعد
علمهم بها، وإسرافهم في القتل، وغلظة نفوسهم في الماضي وفي عهد النبوة،
مثل فعل بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع من اليهود حول المدينة، الذين
كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج في حروب الجاهلية، ويقاتلون مع المشركين
في حروبهم ضد المسلمين بعد الهجرة.
ومضمون التوبيخ: أن رسل الله الكرام جاؤوهم بالبينات، أي بالحجج
والبراهين والدلائل الواضحة الدالة على الأحكام المقررة عليهم، المستهدفة
تهذيب نفوسهم وتطهير أخلاقهم، ومع ذلك كان الكثيرون منهم مسرفين في
القتل وفي ارتكاب جرائم البغي والعدوان. وهذا وإن كان صادراً من أسلاف
اليهود في الماضي، فهو منسوب أيضاً إلى الأمة بكاملها لرضا الخلف عن فعل
السلف، فكانت الأمة متكافلة متضامنة فيما بينها كالجسد الواحد.

٥٠٨
الزُ (٦) - المائدة: ٢٧/٥-٣٢
فقه الحياة أو الأحكام:
العبرة في قصة ابني آدم أن الحسد كان سبب أول جريمة قتل في البشر، وأنه
هو أُسُّ المفاسد والمعايب والرذائل في المجتمع، فالأمة المتحاسدة متمزقة
متعادية متباغضة، لا تجتمع على خير، ولا تلتقي على فضيلة، ولا تتعاون على
برّ وصلاح وتقدم، مما يؤدي إلى الضعف والذل والهوان وعبودية أفرادها لمن
سواهم.
والمستفاد من الآية أنه إن هم اليهود بالفتك بمحمد، فليس ذلك جديداً
عليهم، فقد قتلوا الأنبياء قبله، وقتل قابيل هابيل، والشر قديم، والتذكير
بهذه القصة مفيد؛ لأنها قصة صدق، وليست حديثاً موضوعاً من نسج
الخيال، وفيها تبكيت لمن خالف الإسلام، وتسلية للنبي وَلّ.
وجمهور المفسرين على أن ابني آدم هما ابناه لصلبه، وهما قابيل وهابيل؛
وكان قربان قابيل حُزْمة من سُنْبل؛ لأنه كان صاحب زرع، واختارها من
أردأ زرعه، بل إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها؛ وكان قربان هابيل
كبشاً؛ لأنه كان صاحب غنم، أخذه من أجود غنمه، فتقبّل قربانه، قال
القرطبي: فرفع إلى الجنة، فلم يزل يرعى فيها إلى أن فُدِي به الذبيح عليه
السلام، قاله سعيد بن جبير وغيره.
وسبب القصة: التنازع على الزواج من أخت قابيل توأمته المولودة معه،
فقد كان آدم عليه السلام يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر،
ولا تحل له أخته تَوْأمته، فولدت حواء مع قابيل أختاً جميلة واسمها ((إقليمياء))
ومع هابيل أختاً ليست كذلك، واسمها ((ليوذا)) فلما أراد آدم تزويجهما قال
قابيل: أنا أحق بأختي، فأمره آدم فلم يأتمر، وزجره فلم ينزجر، فاتفقوا على
تقديم القربان(١).
(١) تفسير القرطبي: ١٣٤/٦

٥٠٩
الجُرُ (٦) - الثائِدَة: ٢٧/٥-٣٢
وكانت النتيجة قبول قربان هابيل لصلاحه؛ بدليل قوله لأخيه: ﴿إِنَّمَا
يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُثَّقِينَ﴾. قال ابن عطية: المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك
بإجماع أهل السنة؛ فمن اتقاه وهو موحِّد فأعماله المصدِّقة لنيته مقبولة؛ وأما
المتقي الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والختم بالرحمة.
وكان استسلام هابيل لتهديد أخيه قابيل بالقتل معتمداً على أسس ثلاثة:
الخوف الحقيقي من الله تعالى، والخشية من تحمل إثمين: إثم قتله وإثم فعل
المقتول الذي عمله قبل القتل، والابتعاد عن أن يكون من أصحاب النار ومن
الظالمين. وهذه المبادئ من أصول المواعظ التي تنفر من الإقدام على جريمة
القتل وغيرها.
ودل قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ على أنهم كانوا في ذلك الوقت
مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد. واستدل بعضهم بهذا القول على أن قابيل
كان كافراً؛ لأن لفظ ﴿أَصْحَبِ النَّارِ﴾ إنما ورد في الكفار حيث وقع في
القرآن.
قال القرطبي: وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية.
ومعنى ﴿مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ﴾ مدة كونك فيها(١).
وإقدام قابيل على القتل جعله من الخاسرين في الدنيا والآخرة، وتضمنت
الآية بيان حال الحاسد، حتى إنه قد يحمله حسده على إهلاك نفسه بقتل أقرب
الناس إليه قرابة، وأمسَّهم به رَحِماً، وأولاهم بالحنو عليه.
ودلت الآية: ﴿فَبَعَثَ اَللَّهُ غُرَبًا﴾ على الاستفادة من تجارب الآخرين.
وبالرغم من أن قابيل أصبح من النادمين، فلم يكن ندمه جاعلاً له من
(١) المرجع السابق: ١٣٨/٦

٥١٠
الجُ (٦) - القائِدَة: ٢٧/٥-٣٢
التائبين؛ لأن ندمه لم يكن على القتل وإنما على حمل أخيه على ظهره سنة، أو
لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه أبواه وإخوته، أو لأجل ترك أخيه بالعراء
استخفافاً به بعد قتله، فلما رأى فعل الغراب بدفن الغراب الآخر ندم على
قساوة قلبه(١).
ودلت آية: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ على تشريع القصاص في حق القاتل على بني
اسرائيل. وقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، بل هو
إشارة إلى ماذكر في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام
وهو القتل العمد العدوان، ومنها قوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ ومنها
قوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾.
وتخصيص بني إسرائيل بالذكر، وإن كان القتل حراماً والقصاص عاماً في
جميع الأديان والملل؛ لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس
مكتوباً، وكان قبل ذلك قولاً مطلقاً، فغلظ الأمر على بني إسرائيل بالكتاب
بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء، فهم مع علمهم بشناعة القتل أقدموا على
قتل الأنبياء والرسل، وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن
طاعة الله تعالى. وكان تخصيص بني إسرائيل مناسباً أيضاً لما عزموا عليه من
الفتك برسول الله وَلجر وبأكابر أصحابه(٢).
والقتل حرام في جمیع الشرائع إلا بثلاث خصال: کفر بعد إيمان، وزنى بعد
إحصان، وقتل نفس ظلماً وتعدياً. وقوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ﴾ هو
الشرك، وقيل: قطع طريق. وقتل نفس بمنزلة قتل جميع الناس، وإحياؤها
بمنزلة إحياء جميع الناس.
ودلت الآية أيضاً على أن أحكام الله تعالى قد تكون معللة لأنه تعالى قال:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا﴾ أي إن تشريع تلك الأحكام معلل بتلك المعاني.
(١) تفسير الرازي: ٢١٠/١١
(٢) المرجع السابق: ٢١١/١١، تفسير القرطبي: ١٤٦/٦

٥١١
الجُ (٦) - الفائدة: ٣٣/٥-٣٤
حد الحرابة أو حكم قطاع الطرق
﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ
يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنْفَوْاْ مِنَ
اُلْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيّاً وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ
٣٣
إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيِهِمْ فَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٤
الإعراب:
﴿ إِنَّمَا جَزَاؤُأَ﴾: ما: من إنما كافة. و﴿ جَزَُّؤْأْ الَّذِينَ﴾: مبتدأ مرفوع،
وخبره: ﴿أَنْ يُقَتَّلُواْ﴾. ﴿فَسَادًا﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال.
و﴿أَوْ﴾ في قوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ وما بعده للتخيير في رأي بعضهم أي إن
الحكم فيه للإمام على اجتهاده، أو للتنويع في رأي آخر.
﴿ إِلَّا الَّذِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: مستثنى منصوب؛ لأنه استثناء من
مُوجَب، وهو ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ﴾ وهم المعاقبون عقاب قطع الطريق خاصة.
البلاغة:
﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ مجاز على حذف مضاف أي يحاربون عباد الله؛ لأن الله لا
يحارب ولا يُغالب.
المفردات اللغوية:
﴿يُحَارِبُونَ﴾ أي يحاربون المسلمين وغيرهم في دار الإسلام، من المحاربة،
وهي مأخوذة من الحرب ضد السلم والأمن على النفس والمال. وأصل معنى
كلمة الحرب: التعدي وسلب المال.

٥١٢
الجُرُ (٦) - المائدة: ٣٣/٢-٣٤
﴿فَسَادًا﴾ الفساد: ضد الصلاح، والمراد بالفساد هنا قطع الطريق
بتخويف المارّة والاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض ﴿أَن يُقَتَّلُواْ﴾
التقتيل: المبالغة في القتل لإرهاب المفسدين ﴿أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ التصليب: المبالغة
في الصلب، والصلب في رأي الشافعي وأحمد: يكون بعد القتل ثلاثة أيام،
بأن يربط على خشبة ونحوها منتصب القامة ممدود اليدين.
﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ﴾ أي أيديهم اليمنى وأرجلهم
اليسرى.﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ﴾ ومعناه عند المالكية: أن ينقلوا إلى بلد
آخر من بلاد الإسلام إذا كانوا مسلمين، فإن كانوا كفاراً جاز نفيهم إلى بلد
إسلامي أو بلد من بلاد أهل الحرب. والنفي عند الحنابلة: أن يشردوا فلا
يتركون يأوون إلى بلد. وعند الحنفية والشافعية معناه: الحبس. وحرف ﴿أَوْ﴾
للتنويع وترتيب الأحوال عند الجمهور، فالقتل لمن قتل فقط، والصلب لمن
قتل وأخذ المال، والقطع لمن أخذ المال ولم يقتل، والنفي لمن أخاف فقط، كما
قال ابن عباس. و﴿أَوْ﴾ عند المالكية للتخيير، يتخير الإمام فيهم ما يناسب.
﴿خِزْيٌ فِى الذُّنْيَا﴾ ذل وفضيحة ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هو عذاب النار ﴿إِلَّا
الَّذِينَ تَابُواْ﴾ من المحاربين وقطاع الطرق ﴿مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ﴾ أي
من قبل التمكن من عقابهم ﴿فَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهم ما أتوه
﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم. والتعبير بالمغفرة والرحمة للدلالة على أن التوبة لا تسقط إلا
حقوق الله وحدوده، دون حقوق الآدميين، كما ذكر السيوطي، فإذا قتل
قاطع الطريق أحداً، وأخذ المال وتاب، يقتل ويقطع ولا يصلب، وهو أصح
قولي الشافعي، ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئاً، وهو أصح قوليه أيضاً.
سبب النزول:
نزلت هذه الآية في قطّاع الطرق، لا في المشركين ولا في المرتدين، كما قيل
بكل؛ فإن كلاً منهما إذا تاب، قبلت توبته، سواء أكانت التوبة قبل القدرة

٥١٣
الجُزءُ (٦) - المائدة: ٣٣/٥-٣٤
عليهم أم بعدها، أما قطاع الطريق فيسقط عنهم الحد إذا تابوا قبل القدرة
عليهم ولا يسقط عنهم إذا تابوا بعد القدرة عليهم.
روى البخاري ومسلم عن أنس: أن ناساً من عُكْل وعرينة قدموا على النبي
وَلّر، وتكلموا بالإسلام، فاستوخموا المدينة(١)، فأمر لهم النبي ◌َّ بزود من
الإبل(٢) وراع، وأمرهم أن يخرجوا إلى الصحراء، فيشربوا من أبوالها
وألبانها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرَّة، كفروا بعد إسلام، وقتلوا
الراعي - وفي رواية: مثّلوا به، واستاقوا الزود من الإبل، فبلغ ذلك رسول
الله ◌َير، فبعث في طلبهم، فأتوا فأمر بهم، فسملوا أعينهم (٣)، وقطعوا
أيديهم وأرجلهم من خلاف، وتركوا حتى ماتوا، فنزلت الآية.
وقيل: نزلت في قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وكان بينه وبين رسول الله
وَله عهد على أنه لا يعينه ولا يعين عليه، وأنه إن مرَّ به أحد من المسلمين، أو
مرّ عليه من يقصد النبي ◌َّ لا يتعرض له بسوء، فمر قوم من بني كنانة يريدون
الإسلام بقوم من بني هلال، وكان هلال غائباً، فقطعوا عليهم الطريق،
وقتلوا منهم، وأخذوا أموالهم.
وقيل: نزلت في قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله وَطيلة عهد،
فنقضوا العهد، وقطعوا الطريق على المسلمين.
ولا مانع من تعدد سبب النزول، وهي تتناول كل من اتصف بصفة
المحاربة، سواء أكان كافراً أم مسلماً، فإن كانت الآية قد نزلت في الكفار،
فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(١) وجدوها رديئة المناخ.
(٢) الزود: من ثلاثة إلى تسعة.
(٣) كحلوها بمسامير الحديد المحماة.

٥١٤
لُحُ (٦) - المائدة: ٣٣/٥-٣٤
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى خطورة جريمة القتل وأن من قتل نفساً فكأنما قتل
الناس جميعاً، وما رتب عليه من تشريع القصاص، ذكر هنا عقاب المحاربين
الذين يفسدون في الأرض ويرتكبون القتل غالباً، حتى لا يجرؤ أحد على
المحاربة.
التفسير والبيان:
هذه آية المحاربة وهي المضادة والمخالفة الشاملة لجريمة الكفر وقطع الطريق
وإخافة السبيل والإفساد في الأرض، وبما أن هذه الجريمة تمس أمن المجتمع
كله وتهز كيانه وتنشر الرعب والقلق والخوف في أوساط الناس الآمنين، شدد
الله تعالى في عقوبة المحاربين: وهم الذين لهم قوة ومنعة وشوكة، ويتعرضون
للمارة من المسلمين أو أهل الذمة، ويعتدون على الأرواح والأموال
والأعراض.
وعقابهم أو جزاؤهم على سبيل الترتيب والتوزيع على حسب جناياتهم،
وتكون ﴿أَوْ﴾ للتنويع، فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن أخذ المال
فقط قطعت يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ
مالاً، نفي من الأرض. وهذا رأي أكثر العلماء وأئمة المذاهب.
وقال المالكية: الآية تدل على التخيير بين الجزاءات، عملاً بما تقتضيه
﴿أَوْ﴾ فيخير الإمام بين تطبيق إحدى هذه العقوبات حسبما يرى من
المصلحة، وإن لم يأخذ المحاربون مالاً ولم يقتلوا نفساً، أي إن الإمام مخير في
الحكم على المحاربين، يحكم عليهم إما بالقتل أو الصلب أو القطع أو النفي،
عملاً بظاهر الآية.
وقصر الإمام أبو حنيفة التخيير على محارب خاص وهو الذي قتل النفس

٥١٥
اِلُحُ (٦) - المائدة: ٣٣/٥-٣٤
وأخذ المال، فيخير الإمام بين هذه العقوبات الأربع: إن شاء قطع يده ورجله
من خلاف وقتله، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف وصلبه، وإن شاء
صلبه فقط، وإن شاء قتله فقط، ولا يفرد القطع في هذه الحالة، بل لابد من
انضمام القتل أو الصلب إليه؛ لأن الجناية قتل وأخذ مال، وقال الصاحبان
في هذه الحالة: يصلب ويقتل ولا يقطع. واتفق الإمام مع صاحبيه على أن
المحاربين إذا قتلوا فقط يقتلون، وإذا أخذوا المال فقط تقطع أيديهم وأرجلهم
من خلاف، وإن أخافوا الطريق فقط ينفون من الأرض.
دليل المالكية: أن كلمة ﴿أَوْ﴾ موضوعة للتخيير، كما في كفارة اليمين، ..
وكفارة جزاء الصيد، فيعمل بحقيقة هذا الحرف، مالم يقم دليل على خلافه،
ولم يوجد، فيبقى التخيير.
ودليل الجمهور: ا - أن العقل يقضي أن يكون الجزاء مناسباً للجناية،
زيادة ونقصاً، بدليل إجماع الأمة على أن قطاع الطريق إذا أخذوا المال وقتلوا،
لا يكون جزاؤهم النفي فقط.
اً - أن التخيير يعمل به إذا كان سبب الوجوب واحداً كما في كفارة
اليمين وكفارة جزاء الصيد، أما إذا اختلف السبب، فإنه لا يعمل بظاهر
التخيير، ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد في نفسه.
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَذَا اُلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّ أَنْ نَتَّخِذَ فِيِهِمْ
حُسْنَا﴾ [الكهف: ٨٦/١٨] والمعنى: إما أن تعذب من جحد وظلم، وإما أن
تحسن إلى من آمن وعمل صالحاً، فليس المراد التخيير؛ لأن اختلاف السبب
يؤدي إلى اختلاف الحكم لكل نوع.
ودليل أبي حنيفة: أن الآية لا يمكن صرفها إلى ظاهر التخيير في مطلق
المحارب، فإما أن تحمل على ترتيب الأحكام ويضمر في كل حكم ما يناسبه من
الجنايات، وفيه إلغاء حرف التخيير، وإما أن يعمل بظاهر التخيير بين

٥١٦
الجُرُ (٦) - المائدة: ٣٣/٥-٣٤
الجزاءات الثلاثة، وذلك في محارب خاص لا في مطلق المحارب، والمحارب
الخاص: هو الذي قتل وأخذ المال، وهذا هو الأقرب والأولى؛ لأن فيه
عملاً بحقيقة حرف التخيير وبما هو المعقول.
وسمي فعل المحاربين محاربة لله ورسوله للتهويل والتشنيع، وبيان خطورة
هذه الجريمة على الحق والعدل الذي أنزله الله على رسوله، كما قال تعالى في
أكلة الربا: ﴿فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩/٢] فليست محاربة الله
على سبيل الحقيقة؛ لأن الله منزه عن الكون في جهة ومكان، والمحاربة تستلزم
أن يكون كل من المتحاربين متواجهين، وإنما هذا مجاز عن المخالفة وإغضاب
الله، أو المعنى يحاربون أولياء الله ورسوله، فيكون نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧/٣٣].
ويشترط في المحاربين ثلاثة شروط:
اً - أن يكون لهم قوة وشوكة ومنعة، ليمتازوا عن السُرَّاق، وأن يعتدوا
على المارة بسلاح أو غيره من العصا والحجر والخشب ونحوها، سواء أكانوا ".
جماعة أم واحداً، وسواء أخذوا المال من مسلم أم من ذمي.
اً - أن يكون قطع الطريق في دار الإسلام، وأن يكون في رأي أبي حنيفة
خارج المصر بين حدود البلاد أو في الصحراء؛ لأنه يمكن للمعتدى عليه في
داخل المصر الاستغاثة بالآخرين. ولم يفرق الجمهور بين داخل المصر
وخارجه، فيمكن حدوث جريمة المحاربة فيهما على حد سواء، وقد أثبت
الواقع صحة هذا الرأي؛ لأن عصابات المجرمين يتعرضون للناس بعد
منتصف الليل في الشوارع العامة، وفي الأحياء السكنية.
◌َّ - أن يأخذوا المال مجاهرة، فإن أخذوه خُفية فهم سُرَّاق، يعاقبون بحد
السرقة وهو قطع اليد فقط. وإن اختطفوا شخصاً وهربوا فهم منتهبون لا قطع
عليهم، وإن استلبوا شيئاً من قافلة أو اغتصبوه لا يحدون حد السرقة ولا حد
الحرابة.

٥١٧
الُرُ (٦) - العائدة: ٣٣/٥-٣٤
والسعي في الأرض بالفساد: هو إخافة الطريق بحمل السلاح وإزعاج
الناس، سواء صحبه قتل وأخذ مال أو لا.
أما عقوبات المحاربين فهي في الآية دنيوية وأخروية.
والعقوبات الدنيوية أربع:
اً - التقتيل حداً من غير صلب إن قتلوا فقط، ولا يسقط القتل بعفو
الأولياء، والتعبير بصيغة التفعيل؛ لما في القتل هنا من الزيادة باعتبار أنه محتوم
لا يسقط، ولو عفا الأولياء. فيجب على الحاكم إنزال هذه العقوبة بالمحاربين،
ولا يملك العفو عنها أو إسقاطها، وعلى المسلمين التعاون معه على قتالهم
وكفهم عن أذى المسلمين.
أَ - القتل مع الصلب: إن قتلوا وأخذوا المال.
٣ - قطع اليد والرجل من خلاف أي قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى إن
أخذوا المال، لا غير.
٤ - النفي من الأرض إن أخافوا الطريق فقط، ولم يقتلوا نفساً ولم يأخذوا
مالاً.
والصلب: يكون على خشبة تغرز في الأرض، بأن يربط جميع الشخص
بها، بعد وضع قدميه على خشبة عريضة من الأسفل، وتربط يداه على خشبة
عريضة من الأعلى. ويحدث في الأصح من مذهب الحنفية والراجح لدى
المالكية في حال الحياة لمدة ثلاثة أيام، ثم يطعن بحربة ويقتل؛ لأن الصلب
عقوبة مشروعة تغليظاً، وإنما يعاقب الحي، أما الميت فليس من أهل العقوبة،
وليس صلبه من قبيل المثلة المنهي عنها؛ لأن المثلة قطع بعض الأعضاء.
وقال الشافعية والحنابلة: الصلب يكون بعد القتل؛ لأن الله تعالى قدم

٥١٨
الُعُ (٦) - المائدة: ٣٣/٥-٣٤
القتل على الصلب لفظاً، وفي صلبه حياً تعذيب له وتمثيل به، وقد نهى النبي
وَّه عن المثلة وعن تعذيب الحيوان (أي ماله روح) فقال فيما رواه الجماعة عن
شداد بن أوس: ((إذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّئْجة))
والغرض من صلبه بعد قتله هو التنكيل به، وزجر غيره ليشتهر أمره.
وأما النفي: فمعناه عند الحنفية الحبس؛ لأن فيه نفياً عن وجه الأرض التي
يحيا فيها الناس عادة بحرية وطمأنينة. وأما التغريب ففيه إضرار ببلد آخر،
وتعريض للكفر، وتمكين له من الهرب إلى دار الحرب.
ورأى المالكية أن النفي هو إخراجه من البلد الذي كان فيه إلى بلد آخر
بينهما مسافة القصر (٨٩ كم) ويسجن فيه، إلى أن تظهر توبته. فيكون رأي
الجمهور بالنفي هو الحبس.
وذهب الحنابلة إلى أن النفي: أن يشردوا، فلا يتركون يأوون إلى بلد،
عملاً بما روي عن الحسن والزهري.
وأما عقوبة المحاربين الأخروية: فهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ
خِزْيٌ فِ الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي ذلك العقاب المذكور
هو ذل لهم وفضيحة في الدنيا، لشناعة المحاربة وعظم ضررها، وليكونوا عبرة
لغيرهم، ولهم في الآخرة عذاب عظيم جداً بسبب ما ارتكبوا من جريمة هزت
أركان المجتمع، وأدت إلى تعطيل التجارة.
ثم استثنى الله تعالى من العقاب التائبين فقال:
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ أي أن من تاب قبل أن يقع
في قبضة السلطة، أو قبل أن يتمكن الحاكم من القبض عليه، فيسقط عنه
العقاب، إذا كانت التوبة صادقة خالصة لله عز وجل، لا تحايلاً وتهرباً من
العقوبة؛ لأن الهدف قد تحقق وهو ترك الإفساد ومحاربة أولياء الله ورسوله،
بدليل قوله تعالى:

٥١٩
الجُرُ (٦) - الفائدة: ٣٣/٥-٣٤
﴿فَأَعْلَمُوْ أَنَ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي إن الله غفور لذنوبهم، رحيم بهم
بإسقاط العقوبة عنهم؛ لأنه لا تهمة حينئذ، وتكون التوبة نافعة.
وهذه التوبة تسقط ما هو من حقوق الله تعالى فقط وهو الحد، أما حقوق
العباد من القصاص وضمان الأموال فتبقى، ويكون للأولياء الحق في المطالبة
بالقصاص من القاتل، واسترداد المال المأخوذ، وولي القتيل مخير بين
القصاص والدية والعفو، ولا تصح التوبة إلا برد الأموال المسلوبة إلى
أصحابها، وإذا أعفاه الحاكم من حق مالي وجب ضمانه من بيت المال (خزانة
الدولة). ومن تاب بعد القدرة عليه فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع، وتقام
الحدود عليه؛ لأنه متهم بالكذب في توبته والتصنع فيها إذا نالته يد الإمام.
أما الشرّاب والزناة والسَّاق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم، ثم
رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم، وإن رفعوا إليه فقالوا: تبنا لم
يتركوا، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غُلبوا.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت آية المحاربة حكمين: حكم عقاب المحاربين، وحكم التائبين.
أما عقوبتهم في الدنيا: فهي القتل، والصلب، وتقطيع الأيدي والأرجل
من خلاف، والنفي من الأرض أي الحبس أو الإبعاد من بلده إلى بلد آخر
بينهما على الأقل مسافة قصر الصلاة المقدرة بحوالي ٨٩ كم.
ولا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قَتل، وإن لم يكن المقتول مكافئاً
للقاتل.
ونصت الآية على عقوبة أخروية: وهي استحقاق العذاب في نار جهنم،
لعظم الجريمة، واقتصر على وصف عقوبة الدنيا بالخزي أي الذل والفضيحة
مع أن لهم فيها عذاباً أيضاً، وعلى وصف عقوبة الآخرة بالعذاب العظيم مع

٥٢٠
الجُرعُ (٦) - العائدة: ٣٥/٥-٣٧
أن لهم فيها خزياً أيضاً؛ لأن الخزي في الدنيا أعظم من عذابها، والعذاب في
الآخرة أشد من خزیها.
ويؤخذ من الجمع بين العقوبتين المذكورتين للمحاربين: أن الحدود لا
تسقط العقوبة في الآخرة، فالحدود زواجر لا جوابر كما هو صريح الآية،
وهذا مذهب الحنفية. وقال الجمهور: الحدود جوابر أيضاً، أي إنها تجبر
الذنوب وتكفرها، لما رواه مسلم في صحيحه عن عبادة بن الصامت: ((من
أصاب من هذه المعاصي شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئاً من
ذلك، فستره الله، فأمره إلى الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه)).
وأما حكم التائبين قبل القدرة عليهم: فهو حكم سائر المجرمين العادیین،
فمن قتل يقتل أي يقتص منه، ومن جرح يجرح، أو يغرم الأرش (التعويض
المالي المقدر شرعاً) ومن سرق تقطع يده، ومن سلب مالاً رده، ويجوز العفو
حينئذ لأولياء الدم عنهم.
التقوى والجهاد أساس الفلاح في الآخرة
والدنيا كلها لا تصلح فداء للكفار
{يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُوْاْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُواْ فِىِ
سَبِيلِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ
جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابٍ يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ مَا نُقُبِّلَ مِنْهُمٌ وَلَمْ
٣٦
عَذَابٌ أَلِيمُ
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم ◌ِخَرِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ
V
عَذَابٌ مُقِيمٌ
البلاغة:
﴿لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ﴾ أي
: