Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
الُ (٦) - الَائِدَة: ٦/٥-٧
ثم ذكر تعالى حكمة مشروعية التيمم وهي التيسير على الناس ودفع الحرج
عنهم، فأبان أنه تعالى ما يريد ليجعل عليكم فيما شرعه من أحكام الوضوء
والغسل والتيمم في هذه الآية وغيرها حرجاً أي أدنى ضيق وأقل مشقة؛ لأنه
تعالى غني عنكم، رحيم بكم، فلا يشرع لكم إلا ما فيه الخير والنفع لكم،
ولكن يريد ليطهركم من الدنس والرجس المادي بإزالة الأقذار، والرجس
المعنوي بطرد الكسل والفتور الحاصل عقب الجنابة، وبعث النشاط، لتكون
النفس صافية مرتاحة في مناجاة ربها، ويريد أيضاً أن يتم نعمته عليكم بالجمع
بين طهارة الأبدان وطهارة الأرواح، وتبيان طريق العبادة الأفضل، لتؤدوا
الشكر الواجب عليكم، ولتداوموا على شكر النعم التي أنعمها الله عليكم.
ثم ذكر تعالى بالمناسبة بالنعم الكثيرة التي أنعم بها علينا، فاذكروا أيها
المؤمنون نعمة الله بتوفيقكم للإسلام وتشريع هذا الدين العظيم، وإرساله
إليكم هذا الرسول الكريم، وما أخذ عليكم من العهد والميثاق الذي عاهدكم
به حين بايعتموه عند إسلامكم على السمع والطاعة في المنشط والمكره (المحبة
والكره) والعسر واليسر، وعلى متابعته ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه
وقبوله منه، وتلك هي بيعة العقبة وبيعة الرضوان وغيرهما.
واذكروا أيضاً ميثاقه الذي أخذه عليكم وأنتم في عالم الذر على الإيمان بالله
والرسول، ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي سمعنا النداء للإيمان وأطعنا الداعي
وقبلنا دعوته والتزمنا بالعمل بها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ بِاللّهِ
(٨) ﴾ [الحديد:
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِنُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِشَقَكُمْ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ
٨/٥٧].
:
﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ﴾ في كل شيء وفي كل حال، ولا تنقضوا العهد والميثاق؛ ﴿إِنَّ
اُللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بخفيات الأمور الكامنة في الصدور المستقرة
فيها استقراراً، ويعلم أيضاً جليات الأمور، فلا يخفى على الله شيء أظهره
الإنسان أو أضمره من الوفاء بالميثاق أو عدم الوفاء، وما تنطوي عليه نفسه
من الإخلاص أو الرياء.

٤٦٢
لُحُ (٦) - المَائِدَة: ٦/٥-٧
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من آية الوضوء والتيمم ما يأتي:
اً - الطهارة شرط لصحة الصلاة؛ لأنه تعالى أوجب الطهارة بالماء عند
إرادة الصلاة، وأوجب التيمم عند فقدان الماء، فدل على أن المأمور به أداء
الصلاة مع الطهارة، وأن أداء الصلاة بدون الطهارة لا يحقق المطلوب أو أداء
المأمور به.
والأذنان من الرأس عند الجمهور غير الشافعي، لكن يمسحان مع الرأس
بماء واحد في رأي الثوري وأبي حنيفة، ويجدد لهما الماء في رأي مالك
والشافعي وأحمد.
ومذهب الجمهور على أن الفرض في الرِّجْلين الغَسْل دون المسح، وهو
الثابت من فعل النبي ◌َّر، واللازم من قوله في غير حديث.
ودلت الآية ﴿ وَأَنْلَكُمْ﴾ على قراءة الجر أو الخفض على مشروعية المسح
على الرِّجْلين إذا كان عليهما خفان. وقد أثبت المسح على الخفين عدد كثير من
الصحابة وغيرهم، وقد قال الحسن البصري: حدثني سبعون رجلاً من
أصحاب النبي ◌َّ أنه كان يمسح على الخفين.
أَ - التيمم بدل من الوضوء في الحدث الأصغر باتفاق. وأما كونه بدلاً من
الغسل في الحدث الأكبر فهو محل خلاف بين السلف، فقال علي وابن عباس
وأكثر الفقهاء: إنه بدل منه أيضاً، فيجوز التيمم لرفع الحدث الأكبر. وقال
عمر وابن مسعود: إنه ليس بدلاً من الغسل، فلا يجوز له التيمم لرفع الحدث
الأكبر.
وإذا كان في الاشتغال بالوضوء فوات الوقت، لم يتيمم عند أكثر العلماء،
لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ﴾ وهذا واجد، فقد عدم شرط صحة
التيمم، فلا يتيمم.

٤٦٣
لُعُ (٦) - المَائِدَة: ٦/٥-٧
وأجاز مالك التيمم في مثل ذلك؛ لأن التيمم إنما جاء في الأصل لحفظ
وقت الصلاة، ولولا ذلك لوجب تأخير الصلاة إلى حين وجود الماء.
◌َّ - الطهارة لا تجب إلا عند الحدث؛ لأنها تضمنت أن التيمم بدل من
الوضوء والغسل، وقد أوجبه الله على مريد الصلاة متى جاء من الغائط أو
لامس النساء، ولم يجد الماء.
ودلت الأحاديث على أن الريح والمذي والودي ينقض الوضوء كالبول
والغائط.
٤ - استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة؛
لأنه قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ ولم يذكر الاستنجاء، وذكر الوضوء،
فلو كانت إزالتها واجبة لكانت أول مبدوء به، وهو قول أصحاب أبي حنيفة،
ومالك في رواية أشهب عنه. وقال ابن وهب عن مالك: تجب إزالتها في
التذكر والنسيان. وهو قول الشافعي، والصحيح رواية ابن وهب؛ لأن النبي
وَ له في الصحيحين أخبر في صاحبي القبرين: أن عذاب أحدهما ((لأنه لا
يستبرئ من بوله)) ولا يعذب إلا على ترك واجب. وقال أبو حنيفة: تجب إزالة
النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البَغْلي(١) - يريد الكبير الذي هو على هيئة
المثقال - قياساً على فم المخرج المعتاد الذي عُفي عنه.
ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة والشافعي إلا أن يكونا مجلَّدين
وهو أحد قولي مالك. وأجاز جماعة من الصحابة (علي وأبو مسعود والبراء
وأنس وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو بن حُرَيث) المسح على الجوربين.
ويؤخذ من آية ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ما يأتي:
(١) ذكر الدميري ضرباً من النقود يقال لها البغلية.

٤٦٤
لُعُ (٦) - المَائِدَة: ٨/٥-١١
اً - وجوب تذكر نعم الله التي يتمتع بها الإنسان.
أَ - وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق التي يؤدي تنفيذها إلى خير الجماعة.
٣ - وجوب تقوی الله فیما أمر به ونهی عنه.
والمراد من الآية: هو العهد والميثاق الذي جرى للصحابة مع النبي ◌َّ على
السمع والطاعة في المنْشَط والمكْرَه، إذ قالوا: سمعنا وأطعنا، كما جرى في ليلة
العقبة وتحت الشجرة.
٤ - الإسلام دين اليسر والسماحة؛ لأنه قائم بنص القرآن على مبدأ رفع
الحرج.
الشهادة بالقسط والحكم بالعدل ووعد المؤمنين
ووعيد الكافرين والتذكير بنعمة الله
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَّكُمْ
شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَنَّ وَاَتَّقُواْ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّكَلِحَتِّ لَهُم
٨
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
مَّغْفِرَةٌ وَجْرٌ عَظِيمٌ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ
أَصْحَبُ الْجَحِيمِ (@)
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوَأْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّه
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
القراءات:
شَنَكَانُ﴾ :

٤٦٥
الُ (٦) - لَائِدَة: ٨/٥-١١
وقرأ ابن عامر (شنْئَان).
﴿نِعْمَتَ﴾ :
رسمت بالتاء فوقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
الإعراب:
﴿أَعْدِلُواْ هُوَ﴾ هو: كناية عن العدل وهو المصدر، لدلالة ﴿أَعْدِلُواْ﴾
عليه، كقول الشاعر: إذا نُهي السفيه جرى عليه، أي إلى السفيه، وقوله
تعالى: ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾.
والتقوى: مؤنثة، والألف فيها للتأنيث كالألف في سَكْرى وعَطْشی.
﴿ وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ﴾ وعد: يتعدى إلى مفعولين، يجوز الاقتصار على أحدهما.
وهاهنا لم يذكر إلا مفعولاً واحداً وهو ﴿الَّذِينَ﴾ وحذف المفعول الآخر، ثم
فشَره بقوله: ﴿لَمُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرُّ عَظِيمٌ﴾.
البلاغة:
﴿أَنْ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾: بسط الأيدي كناية عن البطش والفتك،
وكف الأيدي كناية عن المنع والحبس.
المفردات اللغوية:
﴿قَوَّمِينَ﴾ قائمين به حق القيام ﴿لِلَّهِ﴾ بحقوقه ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ ولا يحملنكم ويكسبنكم ﴿شَنَكَانُ﴾ بغض وعداوة ﴿قَوْمٍ﴾.
أي الكفار ﴿أُعْدِلُواْ﴾ في العدو والولي ﴿هُوَ﴾ أي العدل ﴿خَبِيرٌ﴾ عالم
بالأشياء علماً دقيقاً مضبوطاً مؤيداً بالاختبار ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي

٤٦٦
الُ (٦) - المَائِدَة: ٨/٥-١١
فيجازيكم به ﴿وَأَجْرُ عَظِيمٌ﴾ هو الجنة ﴿الْجَحِيمِ﴾ النار العظيمة وهي دار
العذاب ﴿إِذْ هَمَ قَوْمُ﴾ قريش ﴿أَنْ يَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ يمدوها إليكم
بالبطش والفتك بكم ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ حجبهم وعصمكم مما
أرادوا بكم ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ تجنبوا عقابه وسخطه بترك معاصيه.
سبب النزول:
نزول الآية (٨):
قيل: نزلت هذه الآية في يهود بني النضير حين ائتمروا على الفتك برسول
الله وَّ، فأوحى الله إليه بذلك، ونجا من كيدهم، فأرسل عليه الصلاة
والسلام يأمرهم بالرحيل من جوار المدينة، فامتنعوا وتحصنوا بحصونهم،
فخرج عليه الصلاة والسلام إليهم بجمع من أصحابه، وحاصرهم ست ليال،
اشتد الأمر فيها عليهم، فسألوا النبي ◌َّر أن يكتفي منهم بالجلاء، وأن يكف
عن دمائهم، وأن يكون لهم ماحملت الإبل، وكان بعض المؤمنين يرى لو يمثل
النبي وَّل بهم، ويكثر من الفتك فيهم، فنزلت الآية لنهيهم عن الإفراط في
المعاملة بالتمثيل والتشويه، فقبل النبي عليه الصلاة والسلام من اليهود ما
اقترحوه.
وقيل: نزلت في المشركين الذين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام عام
الحديبية، كأنه تعالى أعاد النهي هنا ليخفف من حدة المسلمين ورغبتهم في
الفتك بالمشركين بأي نوع من أنواع الفتك.
نزول الآية (١١):
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: أخرج ابن جرير الطبري
عن عكرمة ويزيد بن أبي زياد، واللفظ له: أن النبي وَلّ خرج ومعه أبو بكر
وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف حتى دخلوا على كعب بن

٤٦٧
الُ (٦) - المَائِدَة: ٨/٥-١١
الأشرف ويهود بني النضير؛ يستعينهم في عقل (دية) أصابه، فقالوا: نعم،
اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا، فجلس فقال حيي بن أخطب
لأصحابه: لا ترونه أقرب منه الآن، اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه، ولا ترون
شراً أبداً، فجاؤوا إلى رحى عظيمة، ليطرحوها عليه، فأمسك الله عنها
أيديهم، حتى جاءه جبريل، فأقامه من ثمة، فأنزل الله: ﴿يَكَأَيُهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ﴾ الآية. وأخرج نحوه عن عبد
الله بن أبي بكر وعاصم بن عمير بن قتادة ومجاهد وعبد الله بن كثير وأبي
مالك.
وأخرج عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله وله
وهو ببطن نخل، في الغزوة السابعة (غزوة ذات الرقاع)، فأراد بنو ثعلبة وبنو
محارب أن يفتكوا بالنبي ◌َّيه، فأرسلوا إليه الأعرابي - يعني الذي جاءه وهو
نائم - في بعض المنازل، فأخذ سلاحه وقال: من يحول بيني وبينك؟ فقال له :
الله، فشامَ السيفَ (أغمده) ولم يعاقبه.
وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة من طريق الحسن عن جابر بن عبد الله أن
رجلاً من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه: أقتل لكم محمداً،
فأقبل إلى رسول الله وَلته، وهو جالس وسيفه في حِجْره، فقال: يا محمد، أأنظر
إلى سيفك هذا؟ قال: نعم، فأخذه فاستله، وجعل يهزه ويهم به، فيكبته الله
تعالى، فقال: يا محمد، أما تخافني؟ قال: لا، قال: أما تخافني والسيف في
يدي؟ قال: لا، يمنعني الله منك، ثم أغمد السيف ورده إلى رسول الله وَيقتل،
فأنزل الله الآية. قال القُشَيري: وقد تنزل الآية في قصة ثم ينزل ذكرها مرة
أخرى لاذكار ماسبق.
المناسبة:
لما ذَكَّر الله تعالى المؤمنين في الآية السابقة بما يوجب عليهم الانقياد
لأوامره ونواهيه، طالبهم هنا بالانقياد لتكاليفه المتعلقة به أو بعباده.

٤٦٨
الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ٨/٥-١١
التفسير والبيان:
يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالحق لله عز وجل، لا لأجل الناس
والسمعة، أي بالإخلاص لله في كل ما تعملون من أمر دينكم ودنياكم.
شهداء بالحق والعدل بلا محاباة ولاجور، سواء للمشهود له أو عليه، أي
أدوا الشهادة بالعدل؛ لأن العدل هو ميزان الحقوق، إذ متى وقع الجور في أمة
انتشرت المفاسد فيما بينها، كما قال تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ
وَلَوْ عَلَ أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥/٤] والشهادة: الإخبار بالواقعة وإظهار الحق
أمام الحاكم ليحكم به.
ولا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا
العدل في معاملتكم مع كل أحد، صديقاً كان أو عدواً.
وعدلكم أقرب للتقوى من تركه، أي العدل في معاملة الأعداء أقرب إلى
اتقاء المعاصي على الوجه العام. وقوله: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ من باب استعمال
أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، أي ليس
للمفاضلة بين شيئين، فهو ليس على بابه، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ
(٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤/٢٥].
اُلْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
واتقوا الله، أي اتخذوا وقاية من عذابه، في جميع أعمالكم، فإن الله خبير
بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجزيكم على ما علم من
أفعالكم التي عملتموها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
ثم أوضح جزاء الفريقين: الفريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات التي
يصلح بها أمر الناس في أنفسهم ومع غيرهم، ومن أهمها العدل، وجزاؤهم
مغفرة لذنوبهم أي ستر لها، وأجر عظيم وهو الجنة ومضاعفة الثواب على
الإيمان والعمل الصالح، فضلاً من الله ورحمة.

٤٦٩
لُ (٦) - للَائِدَة: ٨/٥-١١
والفريق المقابل الآخر وهو الذين كفروا بالله ورسله، سواء كفروا بالجميع
أو ببعضه، وكذبوا بآيات الله الكونية التي أقامها الله في الأنفس والأكوان
للدلالة على وحدانيته وكماله وقدرته، وآياته المنزلة على رسله فيما يبلغون
عنه، وجزاؤهم أنهم أصحاب النار العظيمة الملازمون لها، لفساد أنفسهم
وسوء أعمالهم، وهذا من عدل الله تعالى وحكمته وحكمه الذي لا جور فيه.
ثم ذكَّر الله تعالى المؤمنين بنعمة الله عليهم، بدفع الشر والمكروه عن نبيهم،
ورد كيد الأعداء عنهم، على كثرتهم وقوتهم، وضعف المسلمين وقلتهم، بعد
أن هموا وعزموا على البطش بكم، ولكن الله أيد رسوله ونصر دينه وأتم نوره
ولو كره الكافرون.
وحادثة المحاربي (من قبيلة محارب) المتقدمة مثيرة للانتباه والاهتمام، وقد
رويت بروايات كثيرة عدا ماذكر في سبب النزول. وهناك رواية أخرى يحسن
ذكرها، روى الحاكم عن جابر قال: ((قام على رأس رسول الله وَله وقال: من
يمنعك؟ قال: الله، فوقع السيف من يده، فأخذه النبي ◌َّ وقال: من يمنعك؟
قال: كن خير آخذ، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال:
أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلّ سبيله، فجاء إلى
قومه، وقال: جئتكم من عند خير الناس)). وقد حدثت حادثة الأعرابي هذا في
غزوة ذات الرقاع، واسم الرجل: غَوْرَث بن الحارث.
والتذكير بنعم الله التي لا تعد ولا تحصى يستتبع التزام التقوى، لذا أمر
تعالى بالتقوى وبالتوكل على الله، فقال: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَلِ
الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي اتخذوا من تقوى الله عدة تنفعكم وتحميكم من عذاب الله،
وتوكلوا على الله حق التوكل، فمن توكل على الله - بعد اتخاذ الأسباب - كفاه
الله ما أهمه وحفظه من شر الناس وعصمه.

٤٧٠
الزُرعُ (٦) - المَائِدَة: ٨/٥-١١
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى مايأتي :
اً - وجوب القيام لله تعالى بإخلاص بكل التكاليف التي كلفنا بها.
أَ - نفاذ حكم العدو على عدوه في الله تعالى، ونفاذ شهادته عليه؛ لأنه
تعالى أمر بقوله: ﴿كُونُواْ قَوَمِينَ لِلَّهِ﴾ بالعدل وإن أبغضه، ولو كان حكمه
عليه وشهادته لا تجوز فيه مع البغض له، لما كان لأمره بالعدل فيه وجه.
◌َّ - إن كفر الكافر لا يمنع من العدل في معاملته، وفي الآية الآمرة بالعدل
والتقوى دلالة أيضاً على أن يقتصر في المحاربة على المستحق للقتال، وأن المُلة
بالأعداء غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وآذونا بذلك، فليس لنا أن
نقتلهم بمثْلة قصداً لإيقاع الغم والحزن بهم.
٤ - وجوب أداء الشهادات على وجهها من غير محاباة ولا ظلم. فهذه
الآية وآية النساء المتقدمة [١٣٥/٤] تعالج داء خطيراً من أكبر الكبائر وهو
كتمان الشهادة وشهادة الزور.
٥ - وجوب العدل في معاملة الناس قاطبة، سواء كانوا أعداء أو
أصدقاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ﴾ الآية.
٩ - عرفان الجميل ووجوب تذكر نعمة الله على المؤمنين في رد كيد الأعداء
عنهم وعن نبيهم عليه الصلاة والسلام.
لاً - وجوب تقوى الله بنحو عام في كل أحوال الإنسان، ووجوب التوكل
على الله بعد اتخاذ الأسباب، لإحراز السعادة الدنيوية والأخروية.
٨ - جزاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات والأفعال الخيرة لأنفسهم
وإخوانهم: هو المغفرة لذنوبهم والظفر بالخلود في الجنان. وجزاء الكافرين بالله

٤٧١
اِلُعُ (٦) - القَائِدَة: ١٢/٥-١٤
ورسله المكذبين بآيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته: هو ملازمة نار
الجحيم، وهي بئس المأوى وبئس المصير.
وكل من الجزاءين مؤكد الحصول، لافتتاحه بوعد الله، ووعد الله أقوى؛
لأن الإله قادر على جميع المقدورات، عالم بجميع المعلومات، غني عن كل
الحاجات.
٩ - آية ﴿أُوْلَتِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ نص قاطع في أن الخلود ليس إلا
للكفار؛ لأن هذا القول يفيد الحصر، والمصاحبة تقتضي الملازمة، كما يقال:
أصحاب الصحراء، أي الملازمون لها.
نقض اليهود والنصارى الميثاق
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ بَنِى إِسْرَِّيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ
نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِّ مَعَكُمْ لَكِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ
وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِ وَعَزَّرْتُهُهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ
سَيِّئَاتِكُمْ وَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ
فَبِمَا نَقْضِهِم مِيئَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ
١٢
ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّى سَوَآءَ السَّبِيلِ (
وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ يُحْرِفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَنَسُواْ حَظًا
مِّمَا ذُكِرُواْ بِهِ، وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَبِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمّ فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى أَخَذْنَا
مِيثَقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا ◌ِّمَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَبَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَمَةِ وَسَوَّفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
١٤
القراءات:
{قَسِيَةٌ
.

٤٧٢
لُ (٦) - المَائِدَة: ١٢/٥-١٤
وقرأ حمزة والكسائي: (قَسِيَّة).
﴿ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى﴾:
بتسهيل الهمزة الثانية، قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو. وقرأ الباقون
.
بالتحقيق.
الإعراب:
﴿لَبِنْ﴾ لام قسم ﴿يُحَرَفُونَ الْكَلِمَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على
الحال من (أصحاب القلوب).
﴿ وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَبِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾: ﴿خَيْنَةٍ﴾: إما صفة لموصوف
محذوف، وتقديره: على فرقةٍ خائنة، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. أو
تكون ﴿خَائِنَةٍ﴾ بمعنى خيانة؛ لأن فاعلة تأتي مصدراً، كالخالصة بمعنى
الإخلاص: ﴿إِنََّ أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ﴾ وكالطاغية بمعنى الطغيان: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ
فَأُهَلِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ (٥) والكاذبة بمعنى الكذب: ﴿لَيْسَ لِوَفْعَنِهَا كَاذِبَةٌ
أي كذب، والعافية والعاقبة وغير ذلك.
ج
ـهُمْ
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناء من الهاء والميم في
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ﴾: مِنْ تتعلق
بأخذنا، كما في قوله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَءِيلَ﴾ معناه: أخذنا
ميثاقاً من بني إسرائيل اليهود.
البلاغة:
(وبعثنا فيهم) فيه التفات عن الغيبة: ((وبعث)) إلى المتكلم، اعتناء بشأنه.
المفردات اللغوية:
﴿وَبَعَثْنَا﴾ أقمنا ﴿مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ من كل سبط نقيباً يكون
كفيلاً على قومه بالوفاء بالعهد توثقة عليهم، والنقيب: كبير القوم الذي يعنى

٤٧٣
الُعُ (٦) - المثائِدَة: ١٢/٥-١٤
بشؤونهم وهو الضامن ﴿إِنِّ مَعَكُمْ﴾ بالعون والنصرة ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾
نصر تموهم ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بالإنفاق في سبيله ببذل المال فوق
الواجب، والقرض الحسن: ماكان عن طيب نفس ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد
الميثاق ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ أخطأ طريق الحق، والسواء في الأصل:
الوسط، و﴿سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾: وسطه. ﴿لَعَنَّهُمْ﴾ طردناهم وأبعدناهم من
رحمتنا ﴿قَسِيَةٌ﴾ شديدة جامدة لا تلين لقبول الحق والخير والإيمان
﴿يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ،﴾ التحريف: إمالة الشيء عن موضعه إلى
جانب آخر، فاليهود يحرفون الكلام الذي في التوراة من نعت محمد وَالار وغيره
عن مواضعه التي وضعه الله عليها، أي يبدلونه . ﴿ وَنَسُواْ﴾ تركوا ﴿حَظًّا﴾
نصيباً ﴿مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ أمروا به في التوراة من اتباع محمد مثير.
﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ﴾ خطاب للنبي وََّ، وتطلع: تظهر ﴿عَلَى خَيْنَةٍ﴾ أي
خيانة ﴿مِّنْهُمْ﴾ بنقض العهد وغيره ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ ممن أسلم. ﴿وَمِنَ
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى﴾: متعلق بقوله: ﴿أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ﴾ أي أخذنا
الميثاق من النصارى، كما أخذناه من بني إسرائيل اليهود ﴿وَنَسُواْ حَظًا مِّمَّا
ذُكْرُواْ بِهِ﴾ في الإنجيل من الإيمان وغيره، ونقضوا الميثاق ﴿فَأَغْرَنَا﴾ أوقعنا
بينهم العداوة والبغضاء بتفرقهم واختلاف أهوائهم، فكل فرقة تكفّر
الأخرى ﴿ وَسَوّفََ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ﴾ في الآخرة ﴿بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾
فيجازيهم عليه.
المناسبة:
موضوع الآيات کالتي قبلها تذکیر بالمواثيق، فبعد أن ذكّرنا الله بمیثاقه على
السمع والطاعة للنبي محمد وَله، وأمرنا بالوفاء بالعهد، من إحلال الحلال
وتحريم الحرام، وذكّرنا بنعمه الداعية للوفاء، بَيَّن لنا في هذه الآيات أخذ
الميثاق على اليهود والنصارى، وما كان من نقضهم له، وعقابهم على ذلك في
الدنيا والآخرة، ليتعظ المسلمون بمن تقدمهم من الأمم.

٤٧٤
اِلُعُ (٦) - المَائِدَة: ١٢/٥-١٤
التفسير والبيان:
لقد أخذ الله العهد والميثاق على بني إسرائيل بواسطة نبيهم موسى ليعملن
بالتوراة التي فيها شريعتهم التي اختارها لهم، وليقبلنها بجد ونشاط: ﴿خُذُوا
مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ﴾ ولا يزال هذا العهد في التوراة الحالية، وأمرناه أن يختار
اثني عشر نقيباً منهم، يتولون أمور الأسباط (كالقبائل في العرب) ويرعونهم،
والنقباء: زعماء أو عرفاء أسباطهم الاثني عشر، والنقيب: كبير القوم،
القائم بأمورهم الذي ينقّب عنها، وعن مصالحهم فيها، وبعثهم: إرسالهم
المقاتلة الجبارين في بيت المقدس.
وتاريخ ذلك كما روى ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس: أنه لما نجا بنو
إسرائيل من فرعون وصحبه، أمرهم الله بالسير إلى بيت المقدس، التي كان
يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم: إني جعلتها لكم وطناً، فاخرجوا إليها
وجاهدوا من فيها، وإني ناصركم، ولما توجه موسى عليه السلام لقتال
الجبابرة، أمره الله أن يختار اثني عشر نقيباً منهم، ويأخذ من كل سبط نقيباً
يكون كفيلاً بتنفيذ ما أمروا به ففعل، فلما دنا من الأرض المقدسة بعث النقباء
يستطلعون الأخبار، فرأوا أجساماً قوية، وشوكة وقوة، فهابوهم ورجعوا
وحدثوا قومهم بما رأوا، وقد كان موسى نهاهم عن ذلك، فنقضوا العهد إلا
نقيبين، وهما اللذان قال الله تعالى فيهما: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ
أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا أُدْخُلُواْ عَلِمُ الْبَابَ﴾ (١).
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّيِ مَعَكُمْ﴾ أي وقال الله لموسى الذي بلغ الوحي إلى بني
إسرائيل: إني معكم، أي ناصركم وحافظكم ومعينكم، ومطلع عليكم،
ومجازيكم على أعمالكم.
(١) التفسير الكبير للرازي: ١٨٤/١١، تفسير ابن كثير: ٣٢/٢

٤٧٥
الجُرُ (٦) - المائدة: ١٢/٥-١٤
وعاهدهم الله بالعهد الإلهي الشامل ومضمونه: لئن أقمتم الصلاة،
وأديتموها على الوجه الأكمل، وأعطيتم زكاة أموالكم التي تزكو بها نفوسكم
وتطهر، وآمنتم برسلي التي سترسل لكم بعد موسى، أي صدقتموهم فيما
يجيئونكم به من الوحي، مثل داود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد
عليهم السلام، وعزرتموهم: أي نصرتموهم وآزرتموهم على الحق ومنعتموهم
من الأعداء، وأقرضتم الله قرضاً حسناً أي أنفقتم في سبيله وابتغاء مرضاته،
زيادة على ماأوجبه الله عليكم بالزكاة، لئن فعلتم كل هذا، لأكفرن عنكم
سيئاتكم، أي أستر ذنوبكم وأمحوها ولا أؤاخذكم بها، ولأدخلنكم جنات
تجري من تحتها الأنهار، أي أدفع عنكم المحذور وأحصل لكم المقصود.
فمن جحد منكم شيئاً مما أمرته به، وخالف هذا الميثاق بعد عقده
وتوكيده، فقد أخطأ الطريق الواضح المستقيم الذي هو الدين الذي شرعه الله
تعالى لكم، وعدل عن الهدى إلى الضلال.
ثم بَيَّن تعالى أنهم نقضوا هذا العهد، فجازاهم على فعلهم فقال: ﴿فَبِمَا
نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ﴾ أي فبسبب نقضهم
الميثاق الذي أخذ عليهم، أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى ورحمة
الله، وأنزلنا عليهم المقت والغضب والسخط، وجعلنا قلوبهم غليظة قاسية
شديدة، لا تقبل الحق، ولا تتعظ بموعظة: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى
سَمْعِهِمٌ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَّةٌ﴾ [البقرة: ٧/٢].
﴿يُحَرَفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ،﴾ أي فسدت أفهامهم وساء تصرفهم
في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ماأنزله، وحملوه على غير مراده، وبدلوه
وغيروه أي إن التحريف نوعان:
تحريف الألفاظ بالتقديم والتأخير والزيادة والنقص.
وتحريف المعاني بحمل الألفاظ على غير ما وضعت له.

٤٧٦
: ١٢/٥-١٤
الجُرُ (٦) - القَائِدَة
وقد أخبر الله عن تحريفهم وتأويلاتهم في مواضع كثيرة منها: ﴿ وَيَقُولُونَ
سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّا بِأَلْسِنَئِمْ﴾ [النساء: ٤٦/٤].
ومن المعروف تاريخياً وباعتراف اليهود والنصارى أنفسهم: أن التوراة التي
أنزلت على موسى عليه السلام وكتبها وأمر بحفظها وكانت نسخة واحدة، قد
فقدت باتفاق المؤرخين من اليهود والنصارى عند سبي البابليين لهم وإغارتهم
عليهم، ولم يكن عندهم غيرها، ولم يحفظوها، بسبب إحراق البابليين هيكلهم
وتخريب عاصمتهم وسبي أحيائهم.
أما الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى التي فيها أخبار عن موته وحياته،
وأنه لم يقم بعده أحد مثله، فإنها كتبت بعده بزمن طويل، وبعد بضعة قرون،
كتبها عزرا الكاهن بما بقي عند شيوخهم الذين بقوا بعد الأسر والقتل، وبعد
أن أُذن لبني إسرائيل بالعودة إلى بلادهم. وكذلك الإنجيل كتب باعتراف
النصارى بعد عيسى بحوالي قرن فأكثر.
﴿وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَا ذُكِرُواْ بِّةٍ،﴾ أي وتركوا العمل به، رغبة عنه، ونسوا
عهد الله الذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمد بَل قال ابن عباس:
نسوا الكتاب أي طائفة من أصل الكتاب، وتركوا نصيباً مما أمروا به في
كتابهم وهو الإيمان بمحمد بَطله، وقال الحسن البصري: تركوا معُرا دينهم
ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إلا بها، وقال غيره: تركوا العمل،
فصاروا إلى حال رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فطر مستقيمة، ولا أعمال
قويمة.
وهذا كله لتظل معجزة القرآن الدالة على صدق محمد رَ له باقية دائمة، فقد
أخبر عن ذلك بعد عدة قرون من موت موسى عليه السلام.
﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَبِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ يعني مكرهم وغدرهم وخيانتهم لك
ولأصحابك، قال مجاهد وغيره: يعني بذلك تمالؤهم على الفتك برسول الله

٤٧٧
الُ (٦) - المَائِدَة: ١٢/٥-١٤
وَله. والخائنة: الخيانة كالقائلة بمعنى القيلولة والخاطئة بمعنى الخطيئة. وقال
بعضهم: معنى ذلك: ولا تزال تطلع على خائن منهم، والعرب تزيد الهاء في
آخر المذكر، كقولهم: هو راوية للشعر، ورجل علامة (١).
قال الطبري: والصواب من القول أن الله عنى بهذه الآية يهود بني النضير
الذين هموا بقتل رسول الله صل* وأصحابه إذ أتاهم رسول الله وَ ل يستعينهم في
دية العامريين، فأطلعه الله على ما قد هموا به(٢).
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ أي ماتزال تطلع على خياناتهم المتكررة الصادرة منهم إلا
قليلاً منهم وهو من آمن وحسن إيمانه، كعبد الله بن سلام وأصحابه ممن
أسلموا، فلا تخف منهم خيانة.
فاعف عما بدر منهم، واصفح عمن أساء منهم، وعاملهم بالإحسان، إن
الله يحب المحسنين الذين أحسنوا العفو والصفح عن المسيء، ويثيبهم على
إحسانهم، وهذا هو عين النصر والظفر، كما قال بعض السلف: ((ما عاملت
من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه)) وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على
الحق، ولعل الله أن يهديهم(٣).
وقد ثبت أن النبي وَلو عامل طوائف اليهود الثلاث حول المدينة (وهم بنو
قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة) أحسن معاملة في بدء الأمر وأثنائه ونهايته،
ففي البداية بعد الهجرة إلى المدينة عقد معهم صلحاً معروفاً هو وثيقة المدينة،
ووادعهم وعاهدهم على المسالمة وألا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدواً له، وأنهم
آمنون على أنفسهم وأموالهم، ويتمتعون بالحرية الكاملة. وفي أثناء الحياة القائمة
على التعايش السلمي نقضوا العهد وخانوا النبي وانضموا إلى معسكر قريش
(١) تفسير الطبري: ١٠١/٦
(٢) المرجع والمكان السابق.
(٣) تفسير ابن كثير: ٣٣/٢

٤٧٨
الجُعُ (٦) - الثائِدَة: ١٢/٥-١٤
واشتركوا مع العرب في حرب المسلمين، فاكتفى النبي ◌َّ بطردهم من جواره.
وفي نهاية الأمر لم يعاقب النبي اليهود على خيانتهم وغدرهم، ولكنه أوصى
بإجلائهم من جزيرة العرب ومنها الحجاز.
ثم ذكر الله تعالى ميثاقه مع النصارى، فقال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا
نَصَرَى﴾ أي وكذلك أخذنا العهد والميثاق على النصارى على متابعة الرسول
وَ اليه ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره، وعلى الإيمان بكل نبي يرسله الله إلى
الناس، ففعلوا كما فعل اليهود، بدلوا دينهم، وخالفوا المواثيق، ونقضوا
العهود، لهذا قال تعالى:
﴿فَنَسُواْ حَقًِّا مِّمَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَّنَا﴾ أي تركوا العمل بأصول دينهم
رغبة عنه، فألقينا بينهم العداوة والبغضاء لبعضهم بعضاً، ولا يزالون كذلك
إلى قيام الساعة، فإن طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم، لا يزالون
متباغضين متعادين، يكفّر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً. وسينبئهم الله
يوم القيامة بما صنعوا في الدنيا، وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما
ارتكبوه من الكذب على الله وعلى رسوله، وعلى مانسبوه إلى الرب عز وجل
من اتخاذ الصاحبة والولد والشريك، ويجازيهم على ذلك بقدر ما يستحقون
حتماً في الآخرة.
والمعروف تاريخياً حتى عند النصارى أنفسهم كما أوضحت أن المسيح لم
يكتب مواعظه وتعاليمه، ثم توفي، ولم يكن هناك إنجيل مكتوب، وقد اضطهد
اليهود أتباعه وشردوهم وقتلوا أكثرهم، وعلى التخصيص الحواريين الذين
كانوا صيادين. وعندما دخل قسطنطين الملك في الديانة المسيحية، وهدأت
الحملة ضد النصارى، أخذوا يكتبون الأناجيل، وهي كثيرة ومختلفة ومتباينة،
ولم تظهر الأناجيل الأربعة المتداولة إلى الآن إلا بعد ثلاثة قرون من تاريخ
المسيح عندما صار للنصارى دولة بتنصر الملك قسطنطين الروماني، والذي من
عهده دخلت النصرانية في عهد جديد من الوثنية والفلسفة الإغريقية.

٤٧٩
الدُعُ (٦) - المعَائِدَة: ١٢/٥-١٤
هذه الأناجيل المسماة (العهد الجديد) مع كونها مجهولة الأصل والتاريخ
وكونها متناقضة متعارضة، أقيم فيها الدين المسيحي على أساس كتب اليهود
التي تسمى (العهد العتيق أو القديم) التي لا أصل ثابتاً لها كما عرف.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات مايأتي:
اً - الإخبار عن نقض اليهود المواثيق، وأن جزاء النقض اللعنة والطرد
من رحمة الله تعالى.
٢ - الإعلام بأن اليهود يحرفون كلام الله المنزل في التوراة، إما تحريف
ألفاظ وإما تحريف معان، كما أوضحت.
◌َّ - إيثار العفو والصفح على العقاب والمحاربة والقتل والإيذاء.
٤ - اتخاذ النقباء دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء، ويحتاج
إلى معرفته من حاجاته الدينية والدنيوية. وتأيد ذلك بالسنة النبوية في الإسلام؛
قال ◌َ لهوَازن: ((ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم)).
٥ - ودل اتخاذ النقباء أيضاً على جواز اتخاذ الجاسوس.
أَ - إن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالله والرسل والإنفاق في سبيل
الله سبب لتكفير السيئات ومغفرة الذنوب ودخول الجنة. فمن انحرف عن ذلك
فقد أخطأ طريق الحق والخير، وعدل عن الهدى إلى الضلال.
لاً - الإخبار عن النصارى أيضاً أنهم نقضوا العهد والميثاق، وأهملوا
ما أمرهم به كتابهم ودينهم من أوامر، وما نهاهم عنه من نواهٍ، ولم يؤمنوا
بالنبي ◌ّ الذي بشر به الإنجيل والتوراة من قبله، وقد هددهم الله وأوعدهم
بالجزاء السَّيِّئ على ما صنعوا. والخلاصة: إن سبيل النصارى مثل سبيل اليهود
في نقض المواثيق من عند الله.

٤٨٠
لُرُ (٦) - المَائِدَة: ١٢/٥-١٤
ويحسن في النهاية إيراد التساؤلات الثلاثة التي أوردها الرازي في الآية
وهي(١):
السؤال الأول - لم أخّر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع
أنه مقدم عليه؟
الجواب - إن اليهود كانوا مقرين بأنه لابد في حصول النجاة من إقامة
الصلاة وإيتاء الزكاة، إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل، فذكر
بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لابد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل
المقصود، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة
بدون الإيمان بجميع الرسل.
والسؤال الثاني - مامعنى التعزير؟
الجواب - قال الزجاج: العزر في اللغة: الرد، وتأويل عزرت فلاناً، أي
فعلت به مايرده عن القبيح ويزجره عنه، ولهذا قال الأكثرون: معنى قوله
وَعَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي نصرتموهم؛ وذلك لأن من نصر إنساناً فقد ردَّ عنه أعداءه.
ولو كان التعزير هو التوقير، لكان قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ تكراراً.
والسؤال الثالث - قوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ دخل تحت إيتاء
الزكاة، فما الفائدة في الإعادة؟
الجواب - المراد: بإيتاء الزكاة الواجبات، وبهذا الإقراض: الصدقات
المندوبة، وخصها بالذكر تنبيهاً على شرفها وعلو مرتبتها.
(١) التفسير الكبير: ١٨٥/١١ وما بعدها.