Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ لُرُ (٦) - المَائِدَة: ٤/٥-٥ أتى رجل رسول الله يسأل عن صيد الكلاب، فلم يدرِ ما يقول له حتى نزلت هذه الآية: ﴿تُعَلُِّونَهُنَّ مِمَا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: أن عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله فقالا : يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، وإن كلاب آل ذريح تصيد البقر والحمير والظباء، وقد حرّم الله الميتة، فماذا يحلّ لنا منها؟ فنزلت: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَِّبَتُ﴾. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي: ((أن النَّبي لما أمر أبا رافع بقتل الكلاب في المدينة، جاء الناس فقالوا: يا رسول الله، ما يحلّ لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله الآية، فقرأها)). المناسبة: لما ذكر تعالى ما حرّمه في الآية المتقدّمة من الخبائث الضارّة لمتناولها، إما في بدنه أو في دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة، قال بعدها : يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ﴾، وهي مثل الآية المذكورة في سورة الأعراف في صفة محمد: أنه ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطََّتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبَيِثَ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٥٧]. التفسير والبيان: يسألك المؤمنون يا محمد، ماذا أحلّ الله لهم من الطعام واللحوم؟ قل: أُحلّ لكم الطيبات، أي ما تستطيبه النفوس السليمة الفطرة، وهي غير الخبائث، وأُحلّ لكم صيد الجوارح (الكواسب) المعلَّمة. أما الطَّيبات: فهي ما عدا المنصوص على تحريمه في القرآن وهي المحرّمات العشر المتقدّمة، وما أضيف إليها في السّنة النّبوية، روى أحمد ومسلم ٤٤٢ الُهُ (٦) - المَائِدَة: ٤/٥-٥ وأصحاب السُّنن عن ابن عباس: ((نهى رسول الله عن أكل كل ذي ناب من السِّباع، وكل ذي ◌ْلَب من الطَّر)). ورووا أيضاً عن أبي ثعلبة الخشني: ((كل ذي ناب من السِّباع فأكله حرام)). فأصبح أن ما لم يرد به نص نوعان: حلال طيب، وحرام خبيث. والعبرة في الاستطابة والاستخباث: ذوق العرب في الحجاز. والسبع عند أبي حنيفة: كل ما أكل اللحم. وعند الشافعي: ما يعدو على الناس والحيوان. وبناءً عليه: كل أنواع حيوان البحر حلال طيب، سواء أكل العشب أو أكل اللحم. وحيوان البر يصاد منه ما يؤكل ما عدا سباع الوحش والطير. ولا يحلّ أكل ما يعيش في البر والبحر كالضفدع والتمساح والثعبان والسلحفاة، للاستخباث وسمّ الثعبان. ويحلّ لكم ما علمتم من الجوارح، أي يحلّ لكم اقتناء تلك الحيوانات المعلّمة وبيعها وهبتها، ويحلّ لكم صيودها، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وقوله: ﴿ مُكلِّينَ﴾ أي حال کونكم معلّمین ومؤدبین، فهو حال من فاعل ﴿عَلَّمْتُم﴾، وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حال من فاعل علمتم أو من الضمير في ﴿مُكَلِّينَ﴾ أي حال كونكم تعلمونهن مما علمكم الله. ويفهم منه أنه لا بدّ في التعليم من أمور ثلاثة : اً - أن تكون الجوارح معلّمة. أَ - وأن يكون من يعلّمها ماهراً في التّعليم مدرّباً فيه. ◌َّ - وأن يعلم الجوارح مما علمه الله، بأن تقصد الصيد بإرسال صاحبها، وأن تنزجر بزجره، وأن تمسك الصيد ولا تأكل منه إذا كان المعلَّم كلباً، وأن يعود الكلب إلى صاحبه متى دعاه إذا كان طيراً مثل البازي. ويعرف تعليم ٤٤٣ لُُ (٦) - الَائِدَة: ٤/٥-٥ الكلب بترك الأكل ثلاثاً، ويعرف تعليم البازي بالرجوع إلى صاحبه إذا دعاه، والفرق بينهما أن تعليم الكلب يكون بترك ما يألفه ويعتاده، وعادة الكلب السَّلب والنّهب، فإذا ترك الأكل ثلاثاً عرف أنه تعلّم، وعادة البازي النّفرة، فإذا دعاه صاحبه فعاد إليه، عرف أنه تعلّم. ﴿فَكُلُواْ مِّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أي فكلوا من الصيد ما تمسكه الجوارح عليكم دون أن تأكل منه، فإن أكلت منه فلا يحلّ أكل الفاضل عنه في رأي الجمهور؛ لحديث عدي بن حاتم عند أحمد والشيخين أن النَّبي قال: ((إذا أرسلت كلابك المعلّمة، وذكرت اسم الله، فكُلْ مما أمسكن عليك، إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه)) وفي رواية: ((إذا أرسلت كلبك المعلّم فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك، فأدركته حيّاً فاذبحه، وإن أدركته قد قُتِل ولم يأكل منه فكُلْه، فإن أخذ الكلب ذكاة)). واذكروا اسم الله على الكلب عند إرساله، ويؤيده حديث عدي بن حاتم المتقدم: ((إذا أرسلت كلبك المعلّم، وذكرت اسم الله عليه، فكُلْ ما أمسك عليك))، والتّسمية: واجبة عند الجمهور، مستحبة عند الشافعي. واتّقوا الله في هذه الحدود، أي احذروا مخالفة أمره فيما أرشدكم إليه، واتخذوا وقاية من عذابه بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه. إن الله سريع الحساب، أي يحاسبكم على أعمالكم من غير توانٍ ولا تهاون، ولا يضيع شيئاً من أعمالكم، بل تحاسبون عليها وتجازَوْن في الدُّنيا والآخرة، وهو يحاسب الناس كلهم يوم القيامة في وقت واحد، فيكون حسابه سريعاً. ومناسبة ذلك لما قبله أنه لما ذكر المحرّمات والمحللات وأبان الحلال والحرام، نَبَّه إلى أنه تعالى سيحاسب العاملين على أعمالهم من غير إمهال متى جاء يوم الحساب. روي أنه يحاسب الناس جميعاً في مقدار نصف يوم. اليوم أُحل لكم تفضلاً من الله الطّبات: وهي ما يستطاب ويشتهى عند أهل النفوس الكريمة. ٤٤٤ الجُرُ (٦) - المَائِدَة: ٤/٥-٥ وأُحل لكم طعام الكتابيين أي ذبائحهم عند الجمهور، لا الخبز والفاكهة ولا جميع المطعومات؛ لأن الذبائح هي التي تصير طعاماً بفعلهم، وأما بقية المطعومات فهي مباحة لجميع الناس، فلا وجه لتخصيصها بهم. وأهل الكتاب: هم اليهود والنصارى الذين أنزل الله على أنبيائهم التوراة والإنجيل. فلا تحلّ ذبائح المشركين عبدة الأصنام والأوثان. روى ابن جرير عن أبي الدّرداء وابن زيد أنهما سئلا عما ذبحوه للكنائس فأفتيا بأكله، قال ابن زيد: أحل الله طعامهم ولم يستثن منه شيئاً. وقال أبو الدرداء - وقد سئل عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها: جِرْجِيس، أهدوه لنا، أنأكل منه؟ - ((اللهم عفواً، إنما هم أهل كتاب، طعامهم حلّ لنا، وطعامنا حلّ لهم)) وأمره بأكله. ولا تحلّ ذبائح المجوس ولا التّزوج بنسائهم، لما روي في السُّنة. وطعامكم حلّ لهم أي وذبائحكم حلّ لأهل الكتاب، فلكم إطعامهم منه أو بيعهم منه. وإنما قال ذلك للتّنبيه على أن الحكم مختلف في الذّبائح والمناكحة، فإن إباحة الذّبائح حاصلة من الجانبين، بخلاف إباحة المناكحات فإنها من جانب واحد، والفرق واضح وهو أن إباحة الطعام من الجانبين لا تستلزم محظوراً، أما لوأُبيح لأهل الكتاب التّزوّج بالمسلمات، لكان لهم ولاية شرعية على زوجاتهنّ، والله تعالى لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً شرعياً. وأُحلّ لكم أيها المؤمنون التّزوّج بالحرائر المؤمنات والكتابيّات من اليهود والنصارى، سواء كنّ ذميّات أو حربيّات، إذا آتيتموهنّ أجورهنّ أي مهورهنّ. وتقييد الحلّ بإتيان المهور لتأكيد الوجوب، لا لاشتراطه في الحلّ. وتخصيص ذكر الحرائر للحثّ على ما هو الأولى منهنّ، لا لأن من عداهنّ لا يحلّ، إذ نكاح الإماء المسلمات صحيح بالاتِّفاق، وكذا يصح عند أبي حنيفة. أُحلّ لكم الزّواج بالحرائر حالة كونكم أعفّاء عن الزّنى متعففين بالزّواج بهنّ غير مسافحين أي مرتكبين الفاحشة مجاهرين بها، وغير متخذي أخدان ٤٤٥ لُعُ (٦) - المَائِدَة: ٤/٥-٥ أي مسرِين إتيان الفاحشة، أي إن المباح هو الزّواج بالحرائر العفيفات عن الزّنى، بشرط إتيان مهورهنّ بقصد الإحصان والإعفاف، لا سفح الماء عن طريق الزّنى العلني، ولا عن طريق الزّنى الّي وهو اتّخاذ الأخدان. ثم حذّر الله تعالى من المخالفات ورغب فيما تقدّم من أحكام الحلال، فقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآلْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أي ومن ينكر شرائع الإسلام وتكاليفه، ويجحد أصول الإيمان وفروعه، فقد أبطل ثواب عمله وخاب في الدُّنيا والآخرة، أما في الدُّنيا فباعتبار ضياع أعماله وعدم الإفادة منها، وفي الآخرة بالخسارة والهلاك في نار جهنم. وقد أطلق الإيمان وأراد المؤمن به مجازاً وهو الشرائع والتكاليف، وقيل: المراد: ومن يكفر بربّ الإيمان، فهو مجاز بالحذف. والمقصود من هذه الآية: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآلْإِيَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ مِنَ اْخَسِنَ﴾ تعظيم شأن ما أحلّ الله وما حرّمه، والتّشديد على المخالف. فقه الحياة أو الأحكام: دلت آية ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمّ﴾ على ما يأتي: اً - إباحة الطيبات أي المطعومات التي تستطيبها الأنفس الكريمة دون الخبائث التي حرمتها الشريعة. أَ - إباحة الصيد بالجوارح من سباع البهائم والطير، بشرط كونها معلَّمة، وكون معلِّمها مؤدِّباً ماهراً، وكونه يعلمها مما علمه الله بأن يَنْشَلي إذا أُشلي (أغري)، ويجيب إذا دُعي، وينزجر بعد ظَفره بالصيد إذا زُجر، وألّا يأكل من صيده الذي صاده. فإن انخرم شرط من هذه الشروط وقع الخلاف. ◌َّ - حِلُّ ما جرحته الجوارح وقتلته، وأدركه الصائد ميتاً؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أي حبسن عليكم، ولم يأكل مما صاد، فإن ٤٤٦ الُ (٦) - المَائِدَة: ٤/٥-٥ أكل الكلب ونحوه لم يؤكل عند الجمهور ما بقي؛ لأنه أمسك على نفسه، ولم يمسك على صاحبه. ولم يشترطوا ذلك في الطيور، بل يؤكل ما أكلت منه. وأباح المالكية أكل ما بقي من الصيد وإن كان بضْعة، وإن أكل الجارح منه، سواء كان كلباً أو فهداً أو طيراً. فلو مات الصيد في أفواه الكلاب من غير بَضْع (جرح) لم يؤكل؛ لأنه مات خنقاً، فأشبه أن يذبح بسكين كالَّة، فيموت في الذبح قبل أن يفرى حَلْقه. وجمهور العلماء على أن الجارح إذا شرب من دم الصيد أن الصيد يؤكل. وكره الشعبي والثوري أكل ذلك الصيد. فإن وجد الصائد مع كلبه كلباً آخر، فهو محمول على أنه غير مُرسَل من صائد آخر، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه، فلا يؤكل، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث عدي بن حاتم عند أحمد والشيخين: ((وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل)) وفي رواية: ((فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره)). فإن اشترك صائدان بإرسال كلبين كان الصيد شركة بينهما. وكذلك لا يؤكل ما رُمي بسهم، فتردى من جبل أو غرق في ماء، أو غاب عن الصائد ثلاثة أيام، فمات وهو لا يراه، لقوله وَّي لعدي بن حاتم في الحديث المتفق عليه عند أحمد والشيخين: ((وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكُلْ، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري، الماءُ قتله أو سهمك)) وروى أبو داود في حديث أبي ثعلبة الخشني: ((فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل)) وزاد: ((فَكُلْه بعد ثلاث ما لم ينتن)). وأجاز مالك وأبو حنيفة والشافعي الصيد بكلاب اليهودي والنصراني إذا كان الصائد مسلماً. وجمهور الأمة غير مالك على جواز صيد الصائد من أهل الکتاب. ٤٤٧ لُعُ (٦) - القائِدَة: ٤/٥-٥ ٤ - جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾، يؤيده ما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي بَّهِ: ((من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية، نقَص من أجره كل يوم قيراطان)). ٥ - ودلت الآية: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ أيضاً على أن العالم أفضل من الجاهل؛ لأن الكلب إذا عُلِّم يكون له فضيلة على سائر الكلاب. ويزداد فضل العالم إذا عمل بما علم؛ لقول علي رضي الله عنه ((لكل شيء قيمة، وقيمة المرء ما يحسنه)). أَ - وجوب تسمية الله عند الإرسال، لقوله تعالى: ﴿ وَأَذَّكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وهو رأي الجمهور غير الشافعي، ويؤيده قوله وَ ◌ّ في حديث عدي المتقدم: ((إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل)). أما عند إدراكه حياً فتجب التسمية عند ذكاته. وقال الشافعي: إنها مستحبة. ويستفاد من آية ﴿الْيَّوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَِّبَثٌ﴾ ما يأتي: اً - إباحة طيبات الرزق: وهي ما تستطيبه الأنفس الكريمة. أَ - إباحة الأكل من ذبائح أهل الكتاب (اليهود والنصارى). ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالفاكهة والبُرّ، يجوز أكله؛ إذ لا يضر فيه تملك أحد. أما ما يحتاج إلى عمل أو صنع كخبز الدقيق وعصر الزيت ونحوه، والتذكية التي تحتاج إلى الدين والنية، فرخص الله تعالى فيه، تألفاً لأهل الذمة، وترغيباً لهم في الإسلام، حتى وإن قال النصراني عند الذبح: باسم المسيح، واليهودي قال: باسم عزير؛ لأنهم يذبحون على الملّة. والجمهور على أن الذكاة عاملة في حِلّ الذبيحة، ما حل له منها وما حرم عليه؛ لأنه مُذَكّىَ. وقال جماعة من أهل العلم: إنما حلّ لنا من ذبيحتهم ما ٤٤٨ لُرُ (٦) - الَائِدَة: ٤/٥-٥ حَلَّ لهم؛ لأن ما لا يحلُّ لهم لا تعمل فيه تذكيتهم، فلا تحل الشحوم المحضة من ذبائح أهل الكتاب. وقصرت لفظ الطعام على البعض، وحمله الجمهور على العموم في جميع ما يؤكل. والعلماء مجمعون إلا من شذ منهم على أن ذبائح الكفار لا تؤكل ولا يتزوج منهم؛ لأنهم ليسوا أهل كتاب على المشهور عند العلماء. ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية الكفار كلهم، ما لم تكن ذهباً أو فضة أو جِلد خنزير بعد أن تغسل وتُغلى؛ لأنهم لا يتوقّون النجاسات ويأكلون الميتات؛ فإذا طبخوا في تلك القدور تنجَّست، فتغسل. جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: أتيت رسول الله وَ ل ﴿ فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم من أهل كتاب، نأكل في آنيتهم، وأرض صيد، أصيد بقوسي، وأصيد بكلبي المعلّم، وأصيد بكلبي الذي ليس بمعلَّم، فأخبرني ما الذي يحلّ لنا من ذلك؟ قال: ((أما ما ذكرت أنكم بأرض قوم من أهل كتاب تأكلون في آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها)). ٣ - إباحة إطعام أهل الكتاب من ذبائح المسلمين، فإذا اشتروا منا اللحم، يحل لهم اللحم، ويحل لنا ثمن المأخوذ منهم. ٤ - مشروعية نكاح المحصنات المؤمنات والمحصنات الكتابيات. والمحصنات: الحرائر في قول مجاهد والجمهور، والعفيفات العاقلات في قول ابن عباس. ٥ - بطلان ثواب الأعمال إذا كان العامل جاحداً أحكام الله وشرائعه، كافراً بأصول الإيمان وفروعه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيَنِ﴾ أي بما أنزل على محمد، أو يجحد الإيمان ﴿فَقَّدْ حَبِطَ عَمَلُ﴾ أي بطل ولغا ثواب عمله، ولم يعد لعمله فائدة أخروية. ٤٤٩ اِلُعُ (٦) - المَائِدَة: ٦/٥-٧ فرضية الوضوء والغسل من الجنابة والتيمم وذكر نعمة الله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيِنَّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنْتُمْ فَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجِ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيَّكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً وَأَتَّقُواْ الَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٧ الصُّدُورِ القراءات: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ : قرئ: ١- (وأرجلكم) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص، والكسائي. ٢- (وأرجلكم) وهي قراءة الباقين. ﴿َجَآءَ أَحَدٌ﴾: بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، قرأ قالون، وأبو عمرو، وبتسهيل الهمزة الثانية، قرأ ورش. وقرأ الباقون بتحقيقهما. ﴿ لَمَسْتُمُ﴾ : وقرأ حمزة، والكسائي: (لمستم). ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطف على ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ والتقدير: فاغسلوا الإعراب: ٤٥٠ الجُعُ (٦) - المَائِدَة: ٦/٥-٧ وقدِّر ما وجوهكم وأيديكم وأرجلكم. وقرئ بالجر عطفاً على ﴿ بُرُءُوسِكُمْ﴾ يوجب الغُسل كأنه قال: وأرجلكم غسلاً. قال أبو زيد الأنصاري من رواة الحديث الثقات ومن أهل اللغة، وكان من أهل العدل والتشيع توفي سنة ٢١٥ هـ: المسح خفيف الغسل، فبينت السنة أن المراد بالمسح في الرجل هو الغسل. البلاغة: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة، فعبَّر عن إرادة الفعل بالفعل، وأقام المسبّب مقام السبب للملابسة بينهما كما ذكر الزمخشري. وفي الآية إيجاز بالحذف أيضاً، أي إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون. المفردات اللغوية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ أي أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون. ﴿وُجُوهَكُمْ) جمع وجه: وهو ما تقع به المواجهة، وحده طولاً: ما بين أعلى منبت شعر الرأس إلى منتهى اللحيين أو أسفل الذقن، وعرضاً: ما بين الأذنين. ﴿الْمَرَافِقِ﴾ جمع مرفق وهو مفصل الساعد أو الذراع من الأعلى والعضد من الاسفل . ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ الباء للإلصاق، أي ألصقوا المسح بها من غير إسالة ماء، وهو اسم جنس فيكفي فيه عند الشافعي: أقل ما يصدق عليه هما العظمان الناتئان عند اتصال الساق ج وهو مسح بعض الشعر . ﴿ الْكَعَبَينِ﴾ بالقدم من الجانبين .(جُنُبًا)) أصابتكم جنابة بجماع أو إنزال مني. ﴿فَأَطَّهَرُواْ﴾ فاغتسلوا. سبب النزول: روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سقطت قلادة لي بالبيداء، ٤٥١ الُعُ (٦) - المَائِدَة: ٦/٥-٧ ونحن داخلون بالمدينة، فأناخ رسول الله وَلقر ونزل، فثنى رأسه في حجري راقداً، وأقبل أبو بكر، فلكز فيَّ لكزة شديدة وقال: حبست الناس في قلادة، ثم إن النبي ◌َ﴿ استيقظ وحضرت الصبح، فالتمس الماء، فلم يوجد، فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ إلى قوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وكان ذلك في غزوة المَرَيْسيع. فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر. وروى الطبراني عن عائشة قالت: لما كان من أمرٍ عقْدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، أخرجت مع رسول الله في غزوة أخرى فسقط أيضاً عِقْدي حتى حبس الناس على التماسه، فقال لي أبو بكر: بنيّة في كل سفر تكونين عناء وبلاء على الناس، فأنزل الله الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة. ذكر السيوطي بعد هذا تنبيهين هما بإيجاز: الأول - هل المراد بآية التيمم آية المائدة هذه (٦) أو آية النساء ونصهما واحد: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيْبًا﴾ [النساء: ٤/ ٤٣]؟ الذي مال البخاري إليه: أنها آية المائدة، قال السيوطي: وهو الصواب للتصريح بها في الطريق المذكور في رواية البخاري عن عائشة. علماً بأن الواحدي أورد هذا الحديث في أسباب النزول عند ذكر آية النساء أيضاً. الثاني - دل حديث البخاري على أن الوضوء كان واجباً عليهم قبل نزول هذه الآية، ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء، والثابت في السيرة أنه وَ لاو لم يصلِّ منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء. قال ابن عبد البر: والحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به، ليكون فرضه متلواً بالتنزيل. وقال غيره: يحتمل أن يكون أول الآية نزل مقدماً مع فرض الوضوء، ثم نزلت بقيتها، وهو ذكر التيمم في هذه القصة. قال السيوطي: الأول أصوب فإن فرض الوضوء كان مع فرض الصلاة بمكة، والآية مدنية. ٤٥٢ المُعُ (٦) - المَائِدَة: ٦/٥-٧ المناسبة: هناك عهدان بين العبد وربه: عهد الربوبية، وعهد الطاعة، وبعد أن وفى تعالى للعبد بالعهد الأول، فبين له الحلال والحرام في الطعام والزواج، طلب من العباد الوفاء بالعهد الثاني، وهو عهد الطاعة، وأعظم الطاعة بعد الإيمان الصلاة، والصلاة لا تصح إلا بالطهارة، فذكر فرائض الوضوء، ثم ذگّرنا بوجوب الوفاء بالعهد والميثاق وهو السمع والطاعة لله ولرسوله. روى أبو داود الطيالسي وأحمد والبيهقي عن جابر عن النبي ◌ُّر: ((مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور)). وبعبارة أخرى: للإنسان شهوات فطرية تنحصر في المطعومات والمناكحات، له الحق في التمتع بها بنظام، وعليه واجبات يلزمه أداؤها. وبعد أن بيَّن تعالى للإنسان ما أحله له وما حرمه عليه من المطاعم والمناكح، شرع في بيان ما يجب عليه أداؤه لله تعالى، شكراً له على ما أنعم به عليه، فمضمون هذه الآية داخل فيما أمر به من الوفاء بالعقود وأحكام الشرع، وفيما ذكر من إتمام النعمة ومنها رخصة التيمم. التفسير والبيان: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون - وهذا القيد ثبت في السنة النبوية - فعليكم بالوضوء؛ إذ لا يقبل الله صلاة بغير طهور، فإذا كان مريد الصلاة محدثاً وجب عليه الوضوء، وإذا كان متوضئاً فهو مندوب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه رزين: ((الوضوء على الوضوء نور على نور)". روى أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) وروى البخاري وأصحاب السنن عن عمرو ابن عامر الأنصاري قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ((كان النبي ◌َّ يتوضأ ٤٥٣ الُعُ (٦) - للائِدَة: ٦/٥-٧ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلواتِ بوضوء واحد ما لم تُحدث)) وفي مسند أحمد أن النبي وم سر كان يتوضأ لكل صلاة غالباً، فلما كان يوم الفتح - فتح مكة - توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، أمام الناس، لبيان جواز ذلك. وفرائض الوضوء في الآية أربعة هي غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، والمسح بالرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين. والغسل: إسالة الماء على الشيء لإزالة ما عليه من الوسخ ونحوه. والمسح: إصابة الشيء الممسوح بالبلل. الفرض الأول - غسل الوجه: وهو من أعلى منابت شعر الرأس إلى أسفل الذقن، وما بين الأذنين عرضاً. ومن له لحية خفيفة يجب عليه غسل ظاهر الشعر والبشرة التي تحته، وصاحب اللحية الكثة يخللها، ولا يجب إيصال الماء إلى العين. أما المضمضة والاستنشاق فثبت حكمهما بالسنة. والفرض الثاني - غسل اليدين إلى المرفقين: واليد في الوضوء: من رؤوس الأصابع إلى المرفق: وهو أعلى الذراع وأسفل العضد. وإلى في قوله تعالى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ و﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ تدل على أن ما بعدها غاية لما قبلها فقط. وأما دخول الغاية في الحكم أو خروجها عنه فيعرف بالدليل الخارجي، ففي قوله تعالى: ﴿مِّنَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اُلْأَقْصَا﴾ [الإسراء: ١/١٧] ما بعد إلى داخل في حكم ما قبلها؛ لأنه لا يتحقق معنى الإسراء إلا بدخول الأقصى والتعبد فيه، كبدء الإسراء من المسجد الحرام. وفي قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠/٢] وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِقُواْ الصِّيَامَ إِلَ الَتْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧/٢] ما بعد ﴿إِلَى﴾ غير داخل في حكم ما قبلها؛ ٤٥٤ اِلُحُ (٦) - المَائِدَة: ٦/٥-٧ لأن الإعسار في الآية الأولى علة الإنظار (التأخير) وبالميسرة تزول العلة، فيطالب بالدين، ولا داعي للإنظار معها، ولأنه في الآية الثانية لو دخل الليل في حكم الصيام للزم الوصال، وهو غير مشروع في حقنا. وقوله تعالى: ﴿إِلَ اَلْمَرَافِقِ﴾ و﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، فقال الجمهور بوجوب غسل المرافق والكعبين، احتياطاً في العبادات، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والفرض الثالث - المسح بالرأس: وفي مقدار المسح خلاف، فقال الشافعي: يكفي أقل ما يطلق عليه اسم المسح، ولو شعرة في حد الرأس. وقال مالك وأحمد: يجب مسح كل الرأس أخذاً بالاحتياط. وقال أبو حنيفة: الواجب مسح ربع الرأس؛ لأن المسح إنما يكون باليد، ومحلها يقدر في الغالب بالربع، ولأن رسول الله وَليل توضأ ومسح على ناصيته. لكن ثبت في السنة ما يؤيد أيضاً مذاهب الأئمة الآخرين. والأظهر أن الباء للإلصاق، وقيل للتبعيض، والحق أن هذا مجمل يرجع في بيانه إلى السنة. وقد قال المالكية والحنابلة: الباء هنا زائدة؛ لأن التركيب يدل على وجوب مسح كل الرأس، فيمسح الكل احتياطاً. وقال الحنفية والشافعية: الباء هنا للتبعيض، كما في قولنا: مسحت يدي بالحائط أي مسحت اليد ببعض الحائط، فيحمل قوله: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ على بعض الرأس عملاً بدلالة حرف الباء، لكن الحنفية قدروا بعض الرأس بثلاث أصابع أو بربع الرأس. والشافعية قدروه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح. والجمهور على أن المسحة الواحدة تجزئ. وقال الشافعي: يمسح رأسه ثلاثاً، والأحاديث تدل على تكرار أفعال الوضوء ثلاثاً، أما المسح فلم يذكروا فيه عدداً. والمسح عند الجمهور يبدأ بمقدم الرأس ثم يذهب بيديه إلى مؤخره، ثم يردهما إلى مقدمه. ٤٥٥ لُ (٦) - المَائِدَة: ٦/٥-٧ والفرض الرابع - غسل الرجلين إلى الكعبين: والكعبان: هما العظمان الناتئان عند مَفْصِل الساق والقدم من الجانبين، أي واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين. فالواجب غسل الرجلين بدليل فعل النبي وَلَّه وصحابته والتابعين، وعليه انعقد إجماع الأمة. ثبت في الصحيحين من طريق مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي ◌َّهو: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله وَ ل﴿ه يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه)). وروي عن علي ومعاوية والمقداد بن معد يكرب في صفة وضوء رسول الله ◌َّ مثله. وروى مسلم من حديث أبي هريرة: أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى، حتى أشرع في العضد، ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صل* يتوضأ. وروى مسلم عن أبي هريرة أيضاً أن النبي ◌َّ رأى رجلاً لم يغسل عَقِبه، فقال: (ويل للأعقاب من النار)). وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: تخلَّف عنا رسول الله وَله في سفرة فأدرَكَنا، وقد أرْهَقَنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: ((ويل للأعقاب من النار)) مرتين أو ثلاثاً. ٤٥٦ الُُ (٦) - المثائِدَة: ٦/٥-٧ وصح أن النبي وقليل توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وجرى العمل على التثليث. هذا كله على قراءة النصب: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. وأما قراءة الجر: (وأرجلكم) فمحمولة على الجوار، كما في قوله تعالى في سورة هود: ﴿إِنِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ بجر ميم ﴿أَلِيمٍ﴾ المجاورة ﴿يَوْمٍ﴾ المجرور إذ كان حقه أن يقال: ((أليماً)). وفائدة الجر للجوار هنا في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: التنبيه على أنه ينبغي الاقتصاد في صب الماء على الأرجل، وخص الأرجل بذلك؛ لأنها مظنة الإسراف لما يعلق بها من الأدران. ويجوز المسح على الخفين بدلاً عن غسل الرجلين بعد لبسهما على طهارة بدءاً من الحديث الطارئ، للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام، وقد ثبتت مشروعيته بالسنة المتواترة، قال الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله 18 أن رسول الله وقليل كان يمسح على الخفين. وقال الحافظ ابن حجر: قد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وأقوى الأحاديث حجة فيه حديث جرير، فقد روى أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي: أنه - أي جرير - بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: نعم، رأيت رسول الله وَله بال ثم توضأ ومسح على خفيه. وأضاف الجمهور غير الحنفية لفرائض الوضوء فرض النية، لقوله عليه في حديث الشيخين عن عمر: ((إنما الأعمال بالنيات)). وأضاف الشافعية والحنابلة وجوب الترتيب؛ لأنه يبدأ بغسل الوجه عند القيام إلى الصلاة؛ لأنه مأمور به بفاء التعقيب المقتضية للترتيب، ويرتب ما بعده بحسب الآية وإن كانت الواو لا تقتضي الترتيب لقوله وَ لير فيما رواه الدارقطني عن جابر: ((ابدؤوا بما بدأ الله به)). وتوسط مسح الرأس بين غسل اليدين والرجلين يدل على الترتيب. ٤٥٧ الُ (٦) - الَائِدَة: ٦/٥-٧ وأضاف المالكية والحنابلة وجوب الموالاة؛ لمواظبته وَ طقر على الولاء في أفعال الوضوء، فإنه لم يتوضأ إلا متوالياً، وأمر تارك الموالاة بإعادة الوضوء. وأوجب المالكية أيضاً الذلك بباطن الكف، لا بظاهر اليد؛ لأن الغسل المأمور به في آية الوضوء ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ لا يتحقق معناه إلا بالدلك، فإن مجرد إصابة الماء للعضو لا يعتبر غسلاً، إلا إذا صاحبه الإمرار بشيء آخر على الجسم، وهو معنى الدلك. وأوجب الحنابلة المضمضة والاستنشاق؛ لما روى أبو داود وغيره: ((إذا توضأت فمضمض)) وروى الترمذي من حديث سلمة بن قيس: ((إذا توضأت فانتثر)) وروى الشيخان عن أبي هريرة: ((إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر)). وأوجب الحنابلة كذلك التسمية في بدء الوضوء؛ لقوله والعقل فيما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة: ((لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله علیه». وللوضوء سنن كثيرة معروفة في كتب الحديث والفقه. وينتقض الوضوء بأسباب منها: خروج شيء من أحد السبيلين، والنوم على هيئة لا تتمكن مقعدته من الأرض، ولمس بشرة الرجل المرأة وبالعكس لدى الشافعية، وفي حال الشهوة فقط لدى المالكية والحنابلة، ولا ينقض التلامس عند الحنفية، ومسّ فرج الآدمي بباطن الكف في رأي الجمهور غير الحنفية؛ لحديث رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن): ((من مس ذكره، فلا يصلي حتى يتوضأ)). أما الحنفية فاستدلوا بحديث آخر رواه الخمسة أيضاً والدارقطني مرفوعاً: ((الرجل يمس ذكره، أعليه وضوء؟)) فقال رسول الله وَ الر: ((إنما هو بَضْعة منك، أو مضغة منك)). فرضية الغسل: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾: أي فاغسلوا بالماء أبدانكم جميعاً؛ لأن الأمر بالتطهير لما لم يتعلق بعضو مخصوص، كان أمراً ٤٥٨ اِلُعُ (٦) - المَائِدَة: ٦/٥-٧ بتحصيل الطهارة في كل البدن. وإنما حملت الطهارة على التطهر بالماء؛ لأن الماء هو الأصل فيها، كما يدل قوله تعالى: ﴿وَيَنْزِلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ پهِ۔﴾ [الأنفال: ١١/٨]. والجنب: لفظ يستعمل للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. والجنابة: معنى شرعي يستلزم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلى أن يغتسل الجنب. وسبب الجنابة اثنان: الأول - نزول المني: لقوله وَّ فيما رواه مسلم: ((إنما الماء من الماء)) أي إنما يجب استعمال الماء للغسل من أجل الماء الحادث باحتلام أو جماع أي المني. الثاني - التقاء الختانين: لقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجه عن عائشة وابن عمرو: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)). ويجب الاغتسال أيضاً بعد انقطاع دم الحيض والنفاس؛ لقولِه تعالى في الحيض: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُرَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢/٢] وللإجماع على أن النفاس كالحيض. وحكمة الوضوء والغسل: النظافة وبعث النشاط ليقف العبد بين يدي ربه حاضر القلب صافي الروح، والغسل من الجنابة لإزالة ما يعتري الجسم من استرخاء وفتور. وبعد أن بيّن الله تعالى وجوب استعمال الماء في الوضوء والغسل عند إرادة الصلاة، والوضوء مرة أو أكثر في اليوم، والغسل مرة أو أكثر في الأسبوع، بَيَّن أن وجوب استعمال الماء مقيد بأمرين: الأول - وجود الماء، والثاني - القدرة على استعماله من غير ضرر. فإن كان مريد الصلاة مريضاً أو مسافراً لم يجد الماء، فرخص الشرع له في التيممٍ من الحدث الأصغر والأكبر. وهذا ما أوضحته الآية: ﴿وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. ٤٥٩ لُ (٦) - المَائِدَة: ٦/٥-٧ أي إن كنتم مرضى بمرض يشق معه استعمال الماء أو يضر كالحمى ونحوها، والمرض الجلدي كالجذريّ والجرب ونحوهما من القروح والجروح، أو كنتم في سفر طويل أو قصير، ولم تجدوا ماء، فتيمموا، والمراد بالسفر: السير خارج العمران، وهو غير سفر القصر. وعبر بالسفر عن عدم الماء؛ لأن السفر يغلب فيه عدم وجود الماء. وكذا إن أحدثتم الحدث الأصغر المعبر عنه بالمجيء إلى الغائط، والغائط في الأصل: المكان المنخفض من الأرض، وهو كناية عن قضاء الحاجة من بول وغائط. وكل ما يخرج من السبيلين ملحق بقضاء الحاجة. وأو هذه بمعنى الواو. وكذلك إن حدثت ملامسة أي مباشرة مشتركة بين الرجال والنساء، وهذا هو الحدث الأكبر، أي الجماع، كما تأول الآية علي وابن عباس وغيرهما، وكانوا لا يوجبون الوضوء على من مسّ امرأة باليد. وتأول عمر وابن مسعود الآية بالمس باليد، وكانا يوجبان الوضوء على من مس امرأة باليد، والراجح هو القول الأول. والخلاصة: إذا كنتم على حال من الأحوال الأربعة المتقدمة (المرض والسفر والحدث الأصغر والأكبر) ولم تجدوا ماء، أي فقدتم الماء، أو كنتم محتاجين له، فاقصدوا (تيمموا) تراباً أو مكاناً من وجه الأرض طاهراً لا نجاسة فيه، فاضربوا بأيديكم عليه وامسحوا وجوهكم وأيديكم، ومسح اليد يكون إلى المرفق في رأي الحنفية والشافعية، كما في الوضوء، والتيمم بدل من الوضوء، ولما روى الدارقطني عن ابن عمر، وهو موقوف أن النبي وَلّ قال: ((التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين)). ولا بد من استيعاب الوجه واليدين بالتيمم لفعل النبي وَّر، ولأن التيمم بدل من الوضوء، والاستيعاب في الأصل واجب، فيكون البدل كذلك، ما لم يقم دليل على خلافه. ٤٦٠ لُعُ (٦) - المَائِدَة: ٦/٥-٧ وفقد الماء المانع من التيمم يتصور في رأي المالكية: بعدم وجود الماء وجوداً حكمياً، بمعنى أن الشخص لا يتمكن شرعاً من استعماله من غير ضرر. ويتصور في رأي الحنفية بعدم الوجود الحسي، بمعنى أنه لا يتمكن تمكناً حسياً من استعماله من غير ضرر. وينبني على هذا الخلاف: أن من وجد الماء وهو في الصلاة يكملها ولا يقطعها عند المالكية؛ لأنه لا يتمكن شرعاً من استعماله من غير إبطال الصلاة، وهو لا يجوز له إبطالها، وأما عند الحنفية فيبطل تيممه فتبطل الصلاة، ويجب استعمال الماء. والمراد: لم تجدوا ماء كافياً للوضوء أو الغسل، فلو وجد الشخص ماء كافياً لبعض الوضوء أو الغسل، يتيمم عند الحنفية والمالكية، ولا يستعمل الماء في شيء من أعضائه، وعند الشافعية والحنابلة: يستعمل الماء في بعض الأعضاء، ثم يتيمم؛ لأنه لا يعد فاقداً للماء مع وجود هذا القدر. والمراد بالصعيد: هو التراب، على القول الظاهر المختار. :٠ واختلف الفقهاء في لزوم إيصال التراب إلى الوجه واليدين وعدمه، فقال الحنفية والمالكية: لا يلزم، وقال الشافعية: يلزم. وسبب الاختلاف الاشتراك في معنى الباء، فإنها ترد للتبعيض، وترد للابتداء وتمييز الجنس، فرجح الشافعية حملها على التبعيض قياساً للتيمم على الوضوء، ويجب في الوضوء استعمال بعض الماء، فيجب استعمال بعض التراب في التيمم. ورجح الحنفية والمالكية حملها على الابتداء وتمييز الجنس؛ لأن المتيمم ينفض يديه ليتناثر التراب، فيمسح وجهه ويديه من غير تلويث، ولما ورد من أنه عليه الصلاة والسلام تيمم على حائط بضربتين: للوجه واليدين، والظاهر أنه لا يعلق على يديه شيء من التراب.