Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
الُُ (٦) - النِّسَاءِ: ١٥٣/٤-١٥٩
يعمل فيما كان من جنسه. ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عيسى: منصوب على البدل. وفي
نصب ابن مريم وجهان: إما على الوصف أو على البدل . ﴿ إِلَّا أَنْبَاعَ الظَّنِّ﴾
منصوب؛ لأنه استثناء منقطع من غير الجنس أي لكن، ويجوز رفعه على البدل
من محل إعراب من ﴿ِعِلْمٍ﴾ ومحله الرفع؛ لأن تقديره: ما لهم به علم، مثل:
﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ﴾ [الأعراف: ٥٩/٧] (ومواضع أخرى) وتقديره: ما لكم
إله غيره.
﴿يَقِيَنَا﴾ إما منصوب على الحال من واو ﴿قَنَّلُوهُ﴾ أي متيقنين، أو على
الحال من هاء ﴿قَتَلُوهُ﴾ أي ما قتلوه متيقناً بل مشكوكاً فيه، أو لأنه صفة
مصدر محذوف وتقديره: وما قتلوه قتلاً متيقناً. والهاء في قتلوه يجوز أن تكون
لعيسى كما في قوله: ﴿وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ ويجوز أن تكون الهاء للعلم،
والمعنى: وما قتلوه علمهم به يقيناً. ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ إن هنا للنفي،
ومعناه: وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به أي بعيسى. وأما هاء ﴿قَبْلَ
مَوْنِهِءٌ﴾ ففيه وجهان: أن يكون المراد به كل واحد من الكفار من أهل الكتاب
وغيرهم لظهور الحقيقة له عند موته، أو تكون الهاء لعيسى لأنه ينزل في آخر
الزمان إلى الأرض، فيؤمن به من كان مكذباً له من اليهود وغيرهم، وهذا
الوجه مخالف لظاهر الآية، والوجه الأول أصح.
البلاغة:
﴿عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ وصفوه بالرسالة على سبيل التهكم
والاستهزاء؛ لأنهم لا يؤمنون برسالته.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمٍ﴾ زيادة الحرف للتأكيد، أي فينقضهم.
﴿ وَقَتْلِهِمُ الْأَنِيَّةَ﴾ مجاز مرسل حيث أطلق الكل وأُريد البعض. وكذلك في
قوله: ﴿وَكُفْرِهِم بِشَايَتِ اللهِ﴾ مجاز مرسل؛ لأنهم كفروا بالقرآن والإنجيل دون
غيرهما ﴿قُلُوبُنَا غُلِّفُ﴾ استعارة، استعار الغلاف لعدم الفهم.

٣٦٢
لُهُ (٦) - التِشَكّاءِ: ١٥٣/٤-١٥٩
﴿ وَقَتْلِهِمُ الْأَنِيَّةَ﴾ مجاز مرسل حيث أطلق الكل وأُريد البعض.
المفردات اللغوية:
﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ﴾ أي اليهود إنزال كتاب جملة واحدة من السماء،
كما أنزل على موسى تعنتاً. ﴿فَقَدْ سَأَلُواْ﴾ أي آباؤهم. ﴿جَهْرَةٌ﴾ أي رؤية
جهرةً عياناً. ﴿الضَّعِقَةُ﴾ النار النازلة من السماء التي أدت بهم إلى الموت
عقاباً على التعنت في السؤال والظلم. ﴿اَلْبَيِّنَتُ﴾ المعجزات الدّالة على
وحدانية الله، والدلائل الواضحة على نبوّة موسى كفلق البحر واليد البيضاء
والعصا. ﴿فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكٌ﴾ ولم نستأصلهم. ﴿ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَنًا مُّبِينًا﴾
تسلُّطاً بيِّناً ظاهراً عليهم، حيث أمرهم بقتل أنفسهم توبة، فأطاعوه.
﴿اُلُورَ﴾ الجبل الذي كانوا مقيمين أسفله، رفعه فوقهم ليخافوا فيقبلوا
الميثاق. ﴿بِشَقِهِمْ﴾ بسبب أخذ الميثاق عليهم، فلا ينقضوه. ﴿أُدْخُلُواْ الْبَابَ﴾
باب القرية.
﴿ُجَّدًا﴾ سجود انحناء، أي خاضعين متذللين. ﴿لَا تَعْدُواْ فِىِ السَّبْتِ﴾ لا
تتجاوزوا ما أُبيح لكم ولا تنتهكوا حرمة السبت باحتيال اصطياد الحيتان فيه.
﴿غُلّفٌ﴾ جمع غلاف، أي مغطاة بأغطية تجعلها لا تعي ما تقول.
﴿طَبَعَ﴾ يختم عليها بالخاتم بسبب كفرهم، فلا تعي وعظاً. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ
إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه . ﴿بُهْتَنَّا﴾ كذباً مفترى يبهت
صاحبه ويدهشه، حيث رموا السيدة مريم بالزنى . ﴿إِنَّا قَتَلْنَا اُلَْسِيحَ عِيسَى ابْنَ
مَرْيَ﴾ أي في زعمهم، فبمجموع ذلك عذبناهم.
سبب النزول:
أخرج ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناس من

٣٦٣
لُعُ (٦) - النِّسَّاء: ١٥٣/٤-١٥٩
اليهود إلى رسول الله وَ﴿ فقالوا: إن موسى جاءنا بالألواح من عند الله، فأتنا
بالألواح حتى نصدقك، فأنزل الله: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ﴾ إلى قوله:
﴿بُهْتَنَّا عَظِيمًا﴾ فجثا رجل من اليهود فقال: ما أنزل الله عليك ولا على موسى
ولا على عيسى ولا على أحد شيئاً، فأنزل الله: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ﴾.
وروي أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء وغيرهما قالوا لرسول
الله وَّة: إن كنت نبيّاً صادقاً، فأتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى به
موسى، فنزلت. وقال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفاً من الله مكتوبة
إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به.
ومن المعلوم عند المفسرين أن اليهود سألت محمداً وسلّ أن يصعد إلى
السماء، وهم يرونه، فينزل عليهم كتاباً مكتوباً فيما يدّعيه على صدقه دفعة
واحدة، كما أتى موسى بالتوراة؛ تعثّناً له وَّر، فأعلم الله عزّ وجلّ أن آباءهم
قد عنتوا موسى عليه السّلام بأكبر وأعظم من هذا، فقالوا: ﴿أَرِنَا اَللَّهَ جَهْرَةً﴾
أي عياناً.
وهذا إنما قالوه على سبيل التّعنُّت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفار
قريش قبلهم نظير ذلك، كما هو مذكور في سورة الإسراء: ﴿وَقَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ
[الإسراء: ٩٠/١٧].
لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا
المناسبة:
الآيات مرتبطة بما قبلها، فموضوعها أهل الكتاب، وكانت الآيات
السابقة تبياناً لكفرهم إذا قالوا: نؤمن ببعض الرّسل ونكفر ببعض، وهذه
الآيات تدلّ على تعنّتهم وتصلَّبهم ومطالبتهم بأشياء على سبيل العناد والإلحاد.
التفسير والبيان:
يطلب منك أهل الكتاب من اليهود أن تنزل عليهم كتاباً مكتوباً بخطّ

٣٦٤
الُعُ (٦) - النِّسَاءِ: ١٥٣/٤-١٥٩
سماوي يشهد أنك رسول الله إليهم. وهذا دليل على جهلهم بحقيقة الدِّين
ومعنى النّبّة والرِّسالة، وعدم إدراكهم معنى المشيئة الإلهية والحكمة الرَّبّانية:
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا
سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾﴾ [الأنعام: ٧/٦]، وسبب الجهل أنهم لا يميزون بين الآيات
الصحيحة التي يؤيد الله بها رسله وبين الشعوذة وحيل السحرة المثيرة للدهشة
والعجب.
وسؤالهم ذلك ليس بنيّة حسنة، فهو لا من أجل الإقناع وطلب الحجّة
والبرهان بصدق ويقين، وإنما هو من قبيل التعنُّت والتّعجيز والإحراج. قال
الحسن البصري: لو سألوه ذلك استرشاداً لأعطاهم ما سألوا.
ولا تعجب يا محمد من سؤالهم، فقد سألوا موسى أعظم من هذا، فقالوا :
أرِنا الله رؤية جهرة عياناً، بلا حواجز ولا حُجُب، وذلك دليل على الجهل
بالله تعالى؛ إذ هم ظنّوا أن الله جسم محدود تدركه الأبصار.
ونسب السؤال إلى اليهود المعاصرين للنّبوّة، مع أن السؤال من آبائهم؛
لأنهم ورثتهم المقلّدون لهم الرّاضون بفعلهم، وهو مظهر من مظاهر تكافل
الأمة الواحدة حال الرّضا بفعل بعض أفرادها.
وكان عقابهم على هذا الطلب المصحوب بالتعجيز والمراوغة نزول الصاعقة
التي أماتتهم، ثم أحياهم الله. والصواعق: شرارات كهربائية تنشأ بسبب
اصطكاك الأجرام السماوية.
والإحياء مفسَر في سورة البقرة حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ
تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْكُمُ الضَّعِقَةُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ ﴿٥ ثُمَّ بَعَثْنَكُم
[البقرة: ٢/ ٥٥-٥٦].
٥٦
مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
وبعد الإحياء التَّخذوا العجل إلهاً من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة،
والأدلّة القاهرة على يد موسى عليه السّلام في بلاد مصر، وما كان من إهلاك

٣٦٥
لُ (٦) - الفِشَاءِ: ١٥٣/٤-١٥٩
عدوّهم فرعون وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيراً حتى أتوا على قوم
يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى: ﴿أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾.
وذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل في سورة الأعراف الآية (١٥٢)، وفي سورة
طه (٨٨) بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله عزّ وجلّ، ولما رجع إليهم تابوا مما
صنعوا، فقتل بعضهم بعضاً، قتل من لم يعبد العجل منهم من عبده، ثم
أحياهم الله عزّ وجلّ، فعفا عنهم حين تابوا، وآتى الله موسى سلطاناً مبيناً،
أي سلطة ظاهرة وحجّة قويّة بيِّنة واضحة، كالعصا وفلق البحر واليد البيضاء.
وسميت سلطاناً؛ لأن من جاء بها قاهر بالحجّة، وهي قاهرة القلوب، بأن
تعلم أنه ليس في قوى البشر أن يأتوا بمثلها.
وكانت توبتهم بقتل بعضهم بعضاً حتى قيل لهم: كفّوا، فكان ذلك شهادة
للمقتول وتوبة للحيّ، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ،
يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِخَاذِ كُمُ الْعِعْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ
[69﴾ [البقرة: ٥٤/٢].
خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِيَكُمْ فَنَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ
وكان من عجائب أحوالهم وأساليب تأديبهم أن الله تعالى رفع فوقهم جبل
الطور، كأنه ظلّة، وقد كانوا في واديه، وذلك حين امتنعوا من الالتزام
بأحكام التوراة، وأبوا إطاعة ما جاء به موسى عليه السّلام، فكان عقابهم
بسبب ميثاقهم الذي أخذه الله عليهم أن يعملوا بما أنزل إليهم بقوّة
وإخلاص.
ثم ألزموا بالطاعة فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم
خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَلَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ
وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٧١/٧].
وأمروا أن يدخلوا باب القرية أي بيت المقدس سجّداً أي خاضعين
متذللين، وهم يقولون: حطّة، أي اللهم حظّ عنّا ذنوبنا في تركنا الجهاد،

٣٦٦
الجُزُ (٦) - النِّسَاءِ: ١٥٣/٤-١٥٩
ونكولنا عنه حتى تهنا في التيه أربعين سنة، فخالفوا ما أُمروا به من القول
والفعل، ودخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة.
وأوصاهم الله تعالى بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم ما دام مشروعاً
لهم، فقال لهم على لسان داود عليه السّلام: لا تعدوا في السبت، أي لا
تتجاوزوا حدود الله فيه بالعمل الدّنيوي، فخالفوا واحتالوا بحيلتهم المعروفة
باصطياد الحيتان فيه: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُ الَّذِينَ أُعْتَدَوْ مِنكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ
[البقرة: ٢ /٦٥].
كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ
وأخذ الله منهم ميثاقاً غليظاً، أي عهداً مؤكّداً شديداً على الأخذ بالتوراة
بجدّ وقوّة، والعمل بها، وعدم كتمان البشارة بعيسى ومحمد عليهما الصّلاة
والسّلام، فخالفوا وعصوا وتحايلوا على ارتكاب ما حرّم الله عزّ وجلّ، كما
ورد في سورة الأعراف: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ
اَلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَعَاً
وَيَوْمَ لَا يَسْبِئُونَ لَا تَأْتِيهِزَّ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
[الأعراف: ٧/ ١٦٣].
ثم ذكر تعالى بعد هذا الميثاق أسباب ما حلّ بهم من عقاب وغضب الله، مما
يعدّ أقبح المخالفات: وهي نقض الميثاق الذي أخذه الله عليهم، فأحلّوا حرامه،
وحرّموا حلاله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَفَهُمْ﴾ أي فبسبب نقض اليهود الميثاق،
وكفرهم بآيات الله الدّالة على صدق أنبيائه، وقتلهم الأنبياء كزكريا ويحيى
عليهما السّلام بغير ذنب، وقولهم: قلوبنا مغلفة بغلاف، فلا يصل إليها شيء
مما تدعو إليه: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا نَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِيِّ ◌َاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ
[فصلت: ٥/٤١] فردّ الله عليهم بأن
بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ
ذلك ليس هو الواقع، وإنما ختم الله عليها بسبب كفرهم بعيسى ومحمد عليهما
السّلام، فلا يصل إليها نور الهداية كالنّقود المسكوكة لا تقبل نقشاً آخر، فهم
لا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً من بعضهم مثل عبد الله بن سلام وأصحابه.

٣٦٧
الجُزُ (٦) - الْشَاءِ: ١٥٣/٤-١٥٩
وكفرهم بعيسى عليه السلام والإنجيل واتهام مريم البتول العذراء
بالفاحشة، ورميهم لها برجل صالح فيهم هو يوسف النجار، وهذا بهتان عظيم
وكذب مفترى يدهش البريء، وزعمهم أنهم قتلوا عيسى ابن مريم، ووصفوه
بأنه رسول لله تهكماً واستهزاء بدعوته، ووصفه القرآن بأنه: ابن مريم للرد على
النصارى القائلين بأنه ابن الله. ورد الله عليهم: والحال أنهم ما قتلوه وما
صلبوه كما ادعوا، ولكن ألقى الله الشبه على رجل آخر فصلبوه، وما قتلوه
يقيناً أي متيقنين أنه عيسى ذاته بعينه؛ لأن الجند الذين قتلوه وصلبوه ما كانوا
يعرفونه، والمعروف في الأناجيل أن الذي أسلمه إلى الجند هو يهوذا
الأسخريوطي.
وإن اختلفوا في صلب المسيح، أهو المصلوب أم غيره؟ لفي شك وتردد من
حقيقة أمره، وليس لهم علم يقيني مقطوع به، وإنما هم يتبعون الظن والقرائن
والأمارات غير المؤدية إلى الحق.
وإنما أنجاه الله من أيدي اليهود ورفعه إليه، كما قال تعالى في سورة آل
عمران: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَنْعِيسَىّ إِنِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٥] قال ابن عباس: إني متوفيك أي مميتك. وقال
وهب: أماته الله ثلاثة أيام ثم بعثه ثم رفعه. وقال ابن جرير: توفيه هو
رفعه (١)، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ
الَّذِى يَتَوَقَّكُمْ بِلَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠/٦] وقال تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ
مَوْتِهَا وَأَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢/٣٩]. قال الحسن البصري:
قال رسول الله وَله لليهود: ((إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم
القيامة)) أي إن المشهور بين المفسرين أن الله تعالى رفع عيسى بروحه وجسده
إلى السماء، وقال الرازي: المراد رافعك إلى محل كرامتي، وجعل ذلك رفعاً
إليه للتفخيم والتعظيم، ومثله قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنِّ ذَاهِبُ إِلَى رَبِّ
(١) تفسير الطبري: ٢٠٣/٣ وما بعدها.

٣٦٨
الُُ (٦) - الشَّاءِ: ١٥٣/٤-١٥٩
سَيَهْدِينٍ﴾ [الصافات: ٩٩/٣٧] وإنما ذهب إبراهيم وَّ من العراق إلى الشام،
والمراد من كل ذلك التفخيم والتعظيم، وتدل الآية ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَىَ﴾ على أن
الرفعة بالدرجة والمنقبة، لا بالمكان والجهة، كما أن الفوقية في قوله: ﴿وَجَاعِلُ
الَّذِينَ أَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى يَوْمِ اُلْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥/٣] ليست
بالمكان، بل بالدرجة والرفعة (١).
ثم دلل سبحانه وتعالى على قدرته على حماية عيسى من الصلب وإنقاذه من
اليهود والروم الظالمين ورفعه إليه بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي إن الله
عزيز لا يُغْلَب، حكيم في صنعه وفي جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي
يخلقها. ويجازي كل عامل بعمله، ومن جزائه لليهود في الدنيا ما أحل بهم من
الذلة والمسكنة والتشريد في الأرض.
هذه عقيدتنا في صلب المسيح ورفعه مستقاة من أوثق مصدر في الوجود
وهو القرآن الكريم كلام الله، المنقول إلينا بالتواتر، فلا مجال لتصديق روايات
أخرى لم تثبت صحتها، بل إن ما فيها من تناقض واختلاف كثير يدل على
الشك فيها ثم القطع بأنها ليست محل ثقة.
ثم إن القول بعدم الصلب أكرم وأفضل لكرامة عيسى عليه السلام، وأما
القول بأنه صلب ليجعل نفسه فداء للبشرية والعالم، وليكفر عن خطيئة آدم
عليه السلام وخطايا أبنائه، فهو من أوهام المسيحية، ومن القصص الروائية
في الأناجيل التي دونتها أيدي البشر؛ لأن الله تعالى أناط التخلص من الخطيئة
بالتوبة، وقد تاب آدم عليه السلام وأنهى المشكلة وتقبل الله توبته: ﴿فَلَفَّى
ءَادَمُ مِن ◌َبِّهِ، كَلِمَتٍ فَذَابَ عَلَيِّْ إِنَّهُ هُوَ النََّّبُ الرَّحِيمُ (َ﴾ [البقرة: ٣٧/٢] ولا
يقبل عاقل قضية الفداء وإباحة ارتكاب المعاصي لأتباع المسيح؛ لأن المسيح
صلب تكفيراً لخطاياهم.
(١) تفسير الرازي: ٦٩/٨

٣٦٩
الُ (٦) - التشارة: ١٥٣/٤-١٥٩
ثم حسم تعالى القول في شأن المسيح، فأبان أن كل أحد من أهل الكتاب
عندما يدركه الموت ينكشف له الحق في أمر عيسى، فيؤمن به إيماناً صحيحاً
حقاً لا انحراف فيه، فيعلم اليهودي أنه رسول صادق غير كذاب، ويعلم
النصراني أنه بشر ليس بإله ولا ابناً للإله.
وقوله تعالى: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف
تقديره: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمن به، ونحوه: ﴿وَمَا مِنَّآَ إِلَّا لَهُ مَقَامٌ
مَّعْلُومُ (٢٤)﴾ [الصافات: ١٦٤/٣٧] ﴿وَإِن ◌ِّنَكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١/١٩]
والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته بعيسى وبأنه عبد
الله ورسوله، يعني إذا عاين الموت قبل أن تزهق روحه، حين لا ينفعه إيمانه؛
لانقطاع وقت التكليف(١)، ولأن كل أحد ينجلي له ما كان جاهلاً به، فیؤمن
به، ولكن لا يكون ذلك إيماناً نافعاً له إذا كان قد شاهد الملك(٢).
ويوم القيامة يشهد عيسى على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم
دعوه ((ابن الله)) فتظهر حقيقة حاله، كما قال تعالى عنه: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآَ
أَمَرْتَنِى ◌ِةٍ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبٍِّ وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًاً مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾ [المائدة:
١١٧/٥] أي يشهد للمؤمنين منهم بالإيمان وعلى الكافر بالكفر؛ لأن كل نبي
شهيد على أمته كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ
وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤)﴾ [النساء: ٤١/٤] قال قتادة عن آية ﴿وَيَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ : يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من الله، وأقر
بعبودية الله عز وجل.
.
(١) الكشاف: ٤٣٧/١
(٢) تفسير ابن كثير: ٥٧٧/١

٣٧٠
لُ (٦) - النِّسَاءِ: ١٥٣/٤-١٥٩
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - أخلاق اليهود وطباعهم وعرة صعبة غريبة، فهم لا يذعنون للحق،
وإنما يجادلون فيه، وينحازون عنه إلى المطالبة بأمور على سبيل التعجيز والإلحاد
والعناد والمراوغة والتعنت.
فقد سألوا النبي ◌َّله إنزال كتاب مكتوب من السماء دفعة واحدة إلى فلان
وفلان یؤید ما يدعيه ويصدقه فیما يقول، تعنتاً، كما أتى به موسی.
وطلبوا من موسى أن يريهم الله تعالى رؤية جهرة عياناً.
واتخذوا العجل إلهاً بالرغم من الأدلة القاطعة التي أيد الله تعالى بها موسى
عليه السلام من اليد والعصا وفَلْق البحر وغيرها، التي تدل على أنه لا معبود
إلا الله عز وجل.
اً - لا يخضع اليهود إلا للمادة، لذا ألزمهم الله تعالى إطاعة التوراة
وإطاعة موسى برفع الجبل فوقهم كأنه ظلة، لتخويفهم.
٣ - إنهم محتالون مخادعون ماكرون، فقد أمرهم الله باحترام يوم السبت
وعدم العمل فيه، فاحتالوا على صيد السمك بوضع حواجز على سواحل
البحار يوم الجمعة، يبقى فيها السمك الآتي بالمد البحري، حينما ينحسر عنه
بالجزر.
٤ - إنهم ينقضون العهود ويخالفون المواثيق، فقد أخذ الله عليهم العهد
المؤكد على العمل بالتوراة، ثم نقضوا الميثاق، وخالفوا مقتضى العهد بجرأة
نادرة.
٥ - استحقوا غضب الله عليهم وتسلط الروم الظلمة عليهم بأسباب كثيرة

٣٧١
لِلُرعُ (٦) - النِشَّاءِ: ١٥٣/٤-١٥٩
هي نقض الميثاق، والكفر بآيات الله وعدم الاعتراف برسالتي عيسى ومحمد
عليهما السلام، وقتل الأنبياء بغير حق ولا ذنب، وتحدي الأمر الإلهي
بقولهم: قلوبنا غلف لا ينفذ إليها الخير والهدى الإلهي، وكفرهم بعيسى
والإنجيل، وقذف السيدة مريم بالزنى ورميهم لها بيوسف النجار، وهو البهتان
العظيم، وادعاؤهم قتل المسيح عيسى ابن مريم.
٩ - الثابت المؤكد بإخبار الله الصادق القاطع أنهم لم يقتلوا عيسى ولم
یصلبوه، بل حماه الله منهم، وخلصه من مکرهم و کیدهم، ورفعه الله إلیه إما
رفعاً حقيقياً بالروح والجسد إلى السماء، كما قال الأكثرون؛ لأن الله متعال
عن المكان، وإما رفع منزلة وتفخيم وتعظيم كما قال الرازي.
٧ - ما من أحد من اليهود والنصارى إلا ويدرك قبل موته حقيقة عيسى
عليه السلام، ويؤمن به إيماناً حقيقياً في وقت لا ينفعه الإيمان، إذا عاين
الملك؛ لأنه إيمان عند اليأس وحين التلبس بحالة الموت، فاليهودي يقرّ في ذلك
الوقت بأنه رسول الله، والنصراني يقر بأنه كان رسول الله. وهذا معلوم
بالأحاديث أيضاً، روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله
وَله: ((إن المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان الله وكرامته، وإن الكافر إذا
حُضِر (حضره الموت) بشر بعذاب الله وعقوبته)). وروى ابن مردويه عن ابن
عباس: ((ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة أو النار)).
٨ - سيفاجأ النصارى يوم القيامة بشهادة عيسى المتضمنة تكذيب من
كذبه، وتصديق من صدقه، وبراءته من ادعاء النصارى أنه ابن الله، وإقراره
بأنه عبد الله ورسوله، ودعوته إلى عبادة الله تعالى ربه وربهم، ومراقبته لهم
أثناء حياته، واعتذاره عن انحرافهم بعد وفاته.

٣٧٢
لُعُ (٦) - الشتاء: ١٦٠/٤-١٦٢
عاقبة ظلم اليهود وأخذهم الربا
وثواب المؤمنین منهم
﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَّهِمْ طَيِبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلٍ
اللَّهِ كَثِيرًا ﴿ وَأَخْذِهِمُ الْرَّوْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِّ وَأَعْتَدْنَا
◌َ لَّكِنِ الرَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ
لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
بِمَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكٌ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ وَالْمُؤْنُونَ الزَّكَوَةَ وَأْمُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِهِمْ أَجْرًا عَظِيماً
٦٢
القراءات:
{سَنُؤْتِهِمْ﴾ : قرئ:
١- (سيؤتيهِم) وهي قراءة حمزة.
٢- (سنوتيهِم) وهي قراءة ورش، والسوسي.
٣- (سنؤتيهم) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿كَثِيرًا﴾: منصوب؛ لأنه صفة مصدر
محذوف وتقديره: صداً كثيراً. ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ يجوز فيه النصب والجر، أما
النصب فهو على المدح بتقدير أعني وأمدح. وأما الجر فيجوز من ثلاثة أوجه:
أن يكون معطوفاً على ﴿وَمَآ﴾ وتقديره: يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين
الصلاة من الأنبياء، أو أن يكون معطوفاً على الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾ وتقديرِه:
بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة، أو أن يكون معطوفاً على كاف ﴿ قَبْلِكَ﴾
وتقديره: من قبلك وقبل المقيمين الصلاة من أمتك. والعطف على الكاف في
﴿إِلَيْكَ﴾ و﴿قَبْلِكَ﴾ على رأي الكوفيين ولا يجوز ذلك عند البصريين.

٣٧٣
الُ (٦) - الشَكَاةِ: ١٦٠/٤-١٦٢
﴿وَالْمُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ﴾ مرفوع من خمسة أوجه: إما مبتدأ وخبره: ﴿أُوْلَئِكَ
سَنُؤْتِهِمْ﴾، وإما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: وهم المؤتون، وإما معطوف على
ضمير ﴿وَأْمُقِيمِينَ﴾ وإما معطوف على ضمير ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وإما معطوف على
قوله: ﴿الَّسِخُونَ﴾.
البلاغة:
﴿الَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ﴾ استعارة، استعار الرسوخ للثبوت في العلم والتمكن
فيه ﴿أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِهِمْ أَجْرًا عَظِيًا﴾ فيه التفات من الغيبة إذ الأصل: سيؤتيهم،
إلى الخطاب، وتنكير الأجر للتفخيم.
المفردات اللغوية:
﴿فَبِظُلٍْ﴾ أي فبسبب ظلم ﴿هَادُواْ﴾ هم اليهود الذين تابوا بعد عبادة
العجل ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَّمْ﴾ هي التي في قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا
كُلَّ ذِى ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦/٦] الآية ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾ أي منعهم الناس ﴿عَن
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه ﴿كَثِيرًا﴾ صداً كثيراً. ﴿ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ في التوراة ﴿وَأَكْلِهِمْ
أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ﴾ بالرشاوى في القضاء ﴿أَلِيمًا﴾ مؤلماً ﴿الزَّسِخُونَ﴾ الثابتون
في العلم المتقنون له ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ المهاجرون والأنصار ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هو الجنة.
المناسبة:
الآيات استمرار في الكلام عن اليهود، فبعد أن عدد الله تعالى قبائحهم
وأفعالهم التي أدت إلى غضب الله، ذكر تعالى هنا نوع العقاب الذي عاقبهم
الله به في الدنيا وهو تحريم بعض الطيبات، وفي الآخرة وهو العذاب المؤلم. أما
المؤمنون الصالحون منهم فلهم الأجر العظيم وهو الجنة.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوا من الذنوب العظيمة، حرم
عليهم طيبات كان أحلها لهم لعلهم يرجعون، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ اُلْطَّعَامِ

٣٧٤
لُعُ (٦) - النِشَاءِ: ١٦٠/٤-١٦٢
كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ
التَّوْرَنَةٌ﴾ [آل عمران: ٩٣/٣]، والمراد أن جميع الأطعمة كانت حلالاً لهم من قبل
أن تنزل التوراة، ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها.
ثم إنه تعالى حرَّم أشياء كثيرة في التوراة، كما قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ
حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَا إِلََّ مَا
حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظْهٍ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا
[الأنعام: ١٤٦/٦] أي إنما حرمنا عليهم ذلك؛ لأنهم يستحقون
لَصَدِقُونَ
التحريم بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولذا
قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي فبسبب ظلمهم، وصدهم الناس وصد
أنفسهم عن اتباع الحق، وأمرهم بالمنكر، ونهيهم عن المعروف، وكتمانهم
البشارة بالنبي محمد ◌َّرَ، وهذه سجية لهم اتصفوا بها من قديم الدهر وحديثه،
ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقاً من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمداً
عليهما السلام.
وبسبب أخذهم الربا الذي نهاهم الله عنه على ألسنة أنبيائهم، فإنهم
احتالوا عليه بأنواع الحيل، وأكلوا أموال الناس بالباطل بالرشوة والخيانة
ونحوهما من غير مقابل، كما قال تعالى: ﴿سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ
ج
لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢/٥] والسحت: الكسب الحرام.
وكان جزاؤهم الأخروي إعداد عذاب مؤلم لهم في نار جهنم ولكل كافر
أمثالهم.
ويلاحظ أن تحريم الطيبات كان عاماً، أما العذاب الأخروي فكان
للمصرّين منهم على الكفر، الذين ماتوا عليه كافرين، لذا استدرك سبحانه
فقال فيما معناه: أما الراسخون في العلم النافع الثابتون فيه المطلعون على
حقائق الدين، الذين يؤمنون إيماناً صادقاً بالله وبما أنزل إليك، وما أنزل على
من قبلك من الرسل كموسى وعيسى، ولا يفرقون بين أحد منهم، والمؤمنون

٣٧٥
الُ (٦) - النِشَاءِ: ١٦٠/٤-١٦٢
إيماناً حقيقياً بالله واليوم الآخر أي بالبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال،
والمؤدون زكاة أموالهم للمستحقين، والمطيعون أوامر ربهم، وأخص منهم
مقيمي الصلاة الذين يؤدونها على أتم وجه، مستوفية أركانها وشروطها.
وتخصيص المدح لإقامة الصلاة؛ لأنها تستدعي إيتاء الزكاة، وتنهى عن
الفحشاء والمنكر، وتزكي النفس، وتهوّن على النفس إيتاء المال لمستحقه، كما
قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ الْإِنِسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا (٨٩) إِذَا مَسَهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٣) وَإِذَا مَسَّهُ
اَلْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ
﴾ [المعارج: ١٩/٧٠-٢٢].
هؤلاء الموصوفون بما تقدم، سيؤتيهم ربهم أجراً عظيماً هو الجنة، لا
يدرك حقيقته إلا الله.
روى ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أن الآية ﴿لَّكِنِ
الَّسِخُونَ﴾ أنزلت في عبد الله بن سلام، وأُسَيد بن سَعْية، وثعلبة بن سَعْية،
وأسد بن عبيد حين فارقوا يهود وأسلموا، أي دخلوا في الإسلام وصدقوا بما
أرسل الله به محمداً الخير .
فقه الحياة أو الأحكام:
ذكر سبحانه وتعالى أسباب استحقاق اليهود العذاب الأليم في نار جهنم
وتحريم بعض الطيبات في عالم الدنيا: وهي الظلم، وقُدِّم على التحريم؛ إذ هو
الذي قصد الإخبار عنه بأنه سبب التحريم، وصد أنفسهم وغيرهم عن اتباع
محمد، وأكل الربا وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا كله تفسير للظلم الذي
تعاطوه، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وعبادة العجل وغير ذلك مما ذكر.
وهذا يؤيد مذهب الجمهور غير الحنفية القائلين بأن الكفار مخاطبون بفروع
الشريعة، قال ابن العربي(١): لا خلاف في مذهب مالك في أن الكفار
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ٥١٤/١

٣٧٦
الُرُ (٦) - الشَّةِ: ١٦٠/٤-١٦٢
مخاطبون (بمعنى أنهم مطالبون بأن يؤمنوا، وأن يؤدوا الفرائض الشرعية بعد
الإيمان) وقد بيَّن الله تعالى في هذه الآية أنهم نُهوا عن الربا وأكل المال
بالباطل، فإن كان ذلك خبراً عما نزل على محمد في القرآن، وأنهم دخلوا في
الخطاب، فبها ونعمت، وإن كان ذلك خبراً عما أنزل الله عز وجل على
موسى في التوراة، وأنهم بدَّلوا وحرَّفوا وعصوا وخالفوا، فهل تجوز لنا
معاملتهم، والقوم قد أفسدوا أموالهم في دينهم، أم لا؟.
فظنت طائفة أن معاملتهم لا تجوز، وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد.
والصحيح جواز معاملتهم مع رباهم، واقتحامهم ما حرَّم الله سبحانه عليهم،
فقد قام الدليل القاطع على ذلك قرآناً وسنة، قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّمْ﴾ وهذا نص في مخاطبتهم بفروع
الشريعة، وقد عامل النبي اليهود، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير
أخذه لعياله.
ثم استثنى مؤمني أهل الكتاب؛ لأن اليهود أنكروا وقالوا: إن هذه الأشياء
كانت حراماً في الأصل وأنت تحلّها، ولم تكن حرّمت بظلمنا، فنزل: ﴿لَّكِنِ
اُلَّسِخُونَ فِ اٌلْعِلْمِ﴾ والراسخ: هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه.
هؤلاء المؤمنون من الكتابيين مثل عبد الله بن سلام وكعب الأحبار
ونظراؤهما والمؤمنون من المهاجرين والأنصار أصحاب محمد، ومقيمو
الصلاة، ومؤدو الزكاة، سيعطيهم الله ثواباً عظيماً لا يقدر وصفه إلا الله وهو
الجنة.
وأشارت الآيات إلى أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين: الظلم للخلق،
والإعراض عن الدين الحق، أما ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ
الَّذِينَ هَادُوا﴾ وأما الإعراض عن الدين الحق، فإليه الإشارة بقوله:
{وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.

٣٧٧
الُ (٦) - الشكّاءِ: ١٦٣/٤-١٦٦
ومظاهر الظلم كثيرة وهي أكل الربا، وأخذ أموال الناس بالباطل بطريق
الرشوة والاحتيال والغش ونحوها، وسماع الكذب، وأكل السحت، وهذه
الذنوب الأربعة هي الموجبة لتشديد العقاب عليهم في الدنيا وفي الآخرة، أما
في الدنيا فهو تحريم الطيبات عليهم، وأما في الآخرة فهو العذاب المؤلم في نار
جهنم.
وحدة الوحي للرسل وحكمة إرسالهم
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَ
إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوُبَ وَيُونُسَ
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ
وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ®
وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴿ رُسُلًا مُبَشِرِينَ
وَمُنذِرِينَ لِئَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا
لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِةٍ، وَالْمَلَتَئِكَةُ يَشْهَدُونَّ
١٩٦
١
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
القراءات:
﴿ وَالنَّبِيِّنَ﴾:
وقرأ نافع: (النبيئين).
﴿َزَبُورًا﴾ :
وقرأ حمزة وخلف (زُبُوراً).
﴿لِثَلَا﴾:

٣٧٨
الجُزُ (٦) - النِّشَكَّاءِ: ١٦٣/٤-١٦٦
وقرأ ورش: (ليلا).
الإعراب:
﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدر كلم، وفي ذكر هذا المصدر تأكيد للفعل ودليل على أنه
كلمه حقيقة لا مجازاً؛ لأن الفعل المجازي لا يؤكد بالمصدر.
﴿رُسُلًا﴾ منصوب من ثلاثة أوجه: إما منصوب على المدح بفعل مقدر
وتقديره: وأمدح رسلاً مبشرين. أو منصوب على البدل من قوله تعالى:
﴿ وَرُسُلَّا قَدْ قَصَصْنَهُمْ﴾ أو منصوب على الحال من أحد المنصوبين قبله وهما :
﴿ وَرُسُلَّا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصّهُمْ﴾ والوجه الأول
هو الأولى، وهو أن يعنى بالرسل جميع من تقدم ذكره، فينتصب على المدح
بتقدير فعل.
واللام في ﴿لِئَّلَا﴾ متعلق إما بقوله: ﴿إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ وإما بفعل مقدر
يشار به إلى جميع ما تقدم، وتقديره: فعلنا ذلك لئلا يكون للناس.
﴿أَنَزَلَهُ بِعِلْمِةٍ،﴾ الباء للحال، أي: أنزله معلوماً، كما تقول: خرج
زيد بسلاحه، أي خرج متسلحاً.
البلاغة:
(كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ تخصيصه بالذكر للتشريف، وقوله: ﴿وَالنَّبِنَ مِنْ
بَعْدِهِ،﴾﴾ لإظهار فضلهم، والتشبيه مرسل مفصل.
﴿یَشْهَدُونَ﴾ (شَهِيدًا﴾ جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي أنزلنا إليك كتاباً بوساطة جبريل عليه السلام،

٣٧٩
الزُعُ (٦) - الشتاء: ١٦٣/٤-١٦٦
والوحي: إعلام في خفاء (١). وقال الزجاج: الإيحاء: الإعلام على سبيل
الخفاء. ويأتي في اللغة على معان منها :
اً - الإشارة: مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بَّكْرَةً وَعَشِيًّا﴾
[مريم: ١١/١٩] أي أشار إليهم.
أَ - الإلهام: مثل قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْثُ إِلَى الْحَوَارِِّنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِ﴾
[المائدة: ١١١/٥] ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَّةِ﴾ [القصص: ٧/٢٨].
◌َّ - الإلهام غريزة: مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ
لِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨/١٦].
٤ - الإعلام في خفاء: مثل قوله تعالى: ﴿شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوحِى
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢/٦].(٢)
﴿ وَالْأَسْبَاطِ﴾ جمع سبط: وهو ولد الولد، والمراد بالأسباط هنا: أولاد
يعقوب لصلبه أو أولاد أولاده.
﴿زَبُورًا﴾ هو الكتاب المنزل على داود عليه السلام. والزبور في اللغة بالضم
مصدر: هو المزبور بمعنى المكتوب، وبالفتح: اسم للكتاب المؤتى.
﴿ وَرُسُلَّا قَّدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًّا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ﴾ روي
أنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من إسرائيل، وأربعة آلاف من
سائر الناس.
﴿ُّبَشِّرِينَ﴾ بالثواب من آمن ﴿ وَمُنذِرِينَ﴾ بالعقاب من كفر.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ في ملكه لا يغلب ﴿حَكِيمًا﴾ في صنعه.
(١) تفسير القرطبي: ١٥/٦
(٢) تفسير الألوسي: ٥/٨

٣٨٠
لُعُ (٦) - النَشَاءِ: ١٦٣/٤-١٦٦
﴿لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ يبين نبوتك ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن المعجز
﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِةٍ،﴾ أي عالماً به أو وفيه علمه.
سبب النزول:
نزول الآية (١٦٣):
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: روى إبن إسحاق عن ابن عباس قال: قال عدي
ابن زيد: مانعلم أن الله أنزل على بشر من شيء من بعد موسى، فأنزل الله هذه
الآية.
فهي قد نزلت في قوم من اليهود - منهم سُكَيْن وعديّ بن زيد - قالوا
للنبي: ما أوحى الله إلى أحد من بعد موسى، فكذبهم الله ..
نزول الآية (١٦٦):
﴿ لَِّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾: روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: دخل جماعة من
اليهود على رسول الله فقال لهم: إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله،
فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله: ﴿لَِّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَْ]
المناسبة:
تستمر الآيات في مناقشة أهل الكتاب وبيان ألوان عنادهم، فهم كما سبق
لا يؤمنون بكل الرسل، ويتطلبون أشياء صعبة من الرسل، سواء من موسى
أو محمد عليهما السلام، وهنا تذكر الآيات في ختام محاجتهم أن الوحي
جنس واحد لا يختلف بين الرسل، فلو صدقوا الإيمان بموسى أو غيره،
لآمنوا بمحمد، فلِمَ يفرقون بين نبي ونبي؟ فالكلام متصل بقوله: ﴿يَسْئَلُكَ
أَهْلُ الْكِنَبِ﴾ فأعلم تعالى أن أمر محمد كأمر من تقدمه من الأنبياء.
التفسير والبيان:
ذكر الله تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد، كما أوحى إلى غيره من