Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ اِلُعُ (٥) - الشَّةِ: ١١٤/٤-١١٥ ومن أمر بإصلاح بين الناس، والإصلاح عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع الاختلاف فيه بین الناس، وفي کل کلام يراد به وجه الله تعالى. فأما من طلب الرياء والترؤس، فلا ينال الثواب. كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: ((ردّ الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورّث بينهم الضغائن)). وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة. وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩/٤٩] الآية، ج وقوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالضُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨/٤] وقوله عن الحكمين: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥/٤]. أَ - إن معاداة الرسول ومخالفته وترك الإسلام أو الردة عنه، ومخالفة طريق المسلمين تحجب عن مرتكبها عناية الله ورعايته، وتجعله يتخبط في دياجير الظلام والضلال، وتجعله مقوداً بنفسه وهواه، وتوجب له الدخول في نار جهنم، وساءت مصيراً يصير إليه هذا المنحرف. ونظير هذه الآية: ﴿إِنَّ [المجادلة: ٢٠/٥٨] يعني أن اُلَّذِينَ يُحَدُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُولَئِكَ فِىِ الْأَذَلِينَ يصير في حد غير حد الرسول وهو مباينته في الاعتقاد والديانة. ٢ - قال العلماء وعلى رأسهم الإمام الشافعي: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعُ غَيْرَ سَبِيلِ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ دليل على صحة القول بالإجماع، أي اتفاق المجتهدين من أمة محمد پاو بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي؛ لأنه تعالى قرن اتباع غير سبيل المؤمنين إلى مباينة الرسول فيما ذكر له من الوعيد، فدل على صحة إجماع الأمة، لإلحاقه الوعيد بمن اتبع غير سبيل المؤمنين(١). (١) تفسير القرطبي: ٣٨٦/٥، أحكام القرآن للجصاص: ٢٨١/٢ ٢٨٢ لُ (٥) - النَشَاءِ: ١١٦/٤-١٢٢ ٤ - قوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ إخبار عن براءة الله منه، وأنه يَكِله إلى ما تولى من الأوثان والأديان الباطلة، واعتضد به، ولا يتولى الله نصره ومعونته(١). ٥ - قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى﴾ تغليظ في الزجر عنه، وتقبيح لحاله وتبيين للوعيد فيه؛ إذ كان معانداً بعد ظهور الآيات والمعجزات الدالة على صدق الرسول وَال﴾ (٢). الشرك وعاقبته والشيطان وشروره وجزاء الإيمان والعمل الصالح ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَن يُشْرِْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا (١) إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، إِلَّ إِنَثَّا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَّا قَرِيدًا (14) لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ وَلَأُضِلَّنَهُمْ وَلَأُمَنِيَنَّهُمْ وَلَمُرَنَّهُمْ فَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ اُلْأَنْعَمِ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (َّ وَلَّمَُّهُمْ فَلَيُغَيُِّنَ خَلْقَ اللَّهِّ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيَا مِّن دُونِ اللَّهِ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ ١١٩ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا إِلَّا غُرًا (٣٢) أُوْلَئِكَ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ﴿ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ١٢٢ القراءات: ﴿مَأْوَنَهُمْ﴾: (١) الجصاص: المرجع والمكان السابق. (٢) الجصاص: المكان السابق. ٢٨٣ لِلُ (٥) - الشَّاءِ: ١١٦/٤-١٢٢ وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (ماواهم). ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾: قرأ حمزة، والكسائي، بإشمام الصاد صوت الزاي. الإعراب: ﴿أُوْلَكَ﴾ مبتدأ. ﴿مَأْوَنَهُمْ﴾ مبتدأ ثانٍ. (جَهَنَّمُ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر الأول. البلاغة يوجد جناس مغاير في ﴿ضَلَّ ضَلَلَا﴾ وفي ﴿خَسِرَ خُسْرَانًا﴾. المفردات اللغوية: ﴿إِن يَدْعُونَ﴾ إن نافية بمعنى ما أي ما يعبد المشركون أو يتوجهون ويطلبون المعونة، وهذا نوع من العبادة ﴿إِلَّ إِنَثًا﴾ أصناماً مؤنثة كاللات والعزى ومناة. و﴿إِن يَدْعُونَ﴾ ما يعبدون بعبادتها ﴿إِلَا شَيْطَنًا قَرِيدًا﴾ متمرناً على الخبث، خارجاً على الطاعة، لطاعتهم له فيها وهو إبليس، والشيطان: هو الخبيث المؤذي من الجن والإنس. والمراد من قوله: ﴿قَرِيدًا﴾ أنه مرن على الإغواء والإضلال، أو تمرد واستكبر عن الطاعة، فالمريد: العاتي المتمرد. ﴿لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾ أبعده عن رحمته وطرده مع السخط والإهانة. ﴿لَأَتَّخِذَنَ﴾ لأجعلن لي. ﴿نَصِيبًا﴾ حظاً. ﴿مَّفْرُوضًا﴾ مقطوعاً أو معيناً ثابتاً أدعوهم إلى طاعتي. ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عن الحق بالوسوسة ولأدفعنهم إلى الضلال والفساد. ﴿ وَلَأُمَّنِّيَنَّهُمْ﴾ ألقي في قلوبهم طول الحياة أن لا بعث ولا حساب، وأزين لهم الأماني الباطلة . ﴿ فَلَيُبَيْكُنَّ﴾ يقطعن آذان الأنعام لأجل تمييزها وتخصيصها ٢٨٤ الُعُ (٥) - الشَّاءِ: ١١٦/٤-١٢٢ للآلهة . ﴿فَلَيُغَيُِّنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ دينه بالكفر، وإحلال ما حرم وتحريم ما أحل. ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَنَ وَلِيًا﴾ يتولاه ويطيعه. ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره . ﴿خُسْرَانًا قُّبِينًا﴾ بيناً، لمصيره إلى النار المؤبدة عليه. (يَعِدُهُمْ﴾ طول العمر ﴿وَيُمَنِّيهِمِّ﴾ نيل الآمال في الدنيا وأن لا بعث ولا جزاء . ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ بذلك ﴿إِلَّا غُرًا﴾ باطلاً. ﴿يَحِيصًا﴾ مهرباً ومخلصاً ومعدلاً بذلك. المناسبة: الآية الأولى متصلة بما قبلها في قصة طعمة الذي ارتد، فإنه لو لم يرتد لم يكن محروماً من رحمة الله، فإن كل ذنب قابل للمغفرة إلا ذنب الشرك. قال العلماء عن آية ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥/٤] وعن آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ﴾ هاتان الآيتان نزلتا بسبب ابن أُبيرق السارق، لما حكم النبي ◌ِّ بالقطع، وهرب إلى مكة وارتد. قال سعيد بن جبير: لما صار إلى مكة نقب بيتاً بمكة، فلحقه المشركون فقتلوه؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلا بَعِيدًا﴾. وقال الضحاك: قدِم نفر من قريش المدينة، وأسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ والمشاقة: المعاداة. والآية وإن نزلت في سارق الدرع أو غيره، فهي عامة في كل من خالف طريق المسلمين(١). وأما الآيات التي بعدها فمناسبة لما قبلها، ففي هذه الآيات عقد الله تعالى مقارنة بين جريمة الشرك وخطرها، وأعمال الشيطان ولعنته وعقابه، والإيمان (١) تفسير القرطبي: ٣٨٥/٥ ٢٨٥ الجُرُ (٥) - النِّشَاءِ: ١١٦/٤-١٢٢ والعمل الصالح وجزائهما؛ لأن الشيطان يدعو إلى الشرك وعبادة الأوثان، وفي مواجهة ذلك صرح الإيمان الراسخ الذي لا يتأثر أهله بنزعات الشياطين في أصل الاعتقاد، وإن تأثروا أحياناً بها في بعض أعمال الشر، وهذا تحذير وترغيب. التفسير والبيان: إن الله لا يغفر الشرك بالله أصلاً، ولا لمن يشرك به أحداً سواه، ولكنه قد يغفر ما دون الشرك من الذنوب، فلا يعذبهم عليه، ومن يشرك بالله شيئاً، فقد ضل وبعد عن سبيل الرشاد ضلالاً بعيداً في مهاوي الغَواية، وسلك غير الطريق الحق، وضل عن الهدى، وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة وفاتته السعادة فيهما؛ لأن الشرك ضلال يفسد العقل، ويكدِّر صفاء الروح، ويكون المشرك عبداً للأوهام والخرافات. فالشرك: هو منتهى فساد الروح وضلال العقول، ووكر الخرافات والأباطيل، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٦٥/٢]. وقد تقدم إيراد هذه الآية، وأعيدت هنا تأكيداً لاقتلاع آثار الشرك من النفوس المريضة، ودحض الشرك وهدم طقوسه من مقاصد الإسلام الأساسية، فهو الواجهة المضادة أصلاً لعقيدة الإسلام: عقيدة التوحيد. ولا عيب في هذا التكرار للتأكد من غرس الإيمان بالله، والتحذير من مغبة الشرك وخطره وخروجه عن أساس الفطرة ومقتضيات العقل السليم روى الترمذي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ ثم قال الترمذي: هذا حسن غريب. ومغفرة مادون الشرك من الذنوب بسبب بقاء نور الإيمان، وهو مشروط ٢٨٦ الُرعُ (٥) - النِّشَكَاءِ: ١١٦/٤-١٢٢ بمشيئة الله، فهو يغفر لمن يشاء من عباده، كما يغفر بالتوبة والإنابة إليه، فذلك سبيل محو الذنوب. وأما أولئك المشركون فهم لا يعبدون أو لا يتوجهون بقضاء حوائجهم إلا إلى الأموات أو الموتى التي لا تضر ولا تنفع، أو إلى الأصنام الإناث(١) كاللات والعزى ومناة، فقد كان لكل قبيلة صنم يسمونه: أنثى بني فلان، أو إلى الملائكة الذين يقول عنهم المشركون بنات الله: ﴿وَجَعَلُواْ اُلْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩/٤٣]. وهم في الواقع مايعبدون إلا شيطاناً عاتياً مَرَد على الإيذاء وتمرن على الخبائث؛ إذ هو الذي أمرهم بعبادتها، فكانت طاعتهم له عبادة. ﴿لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي طرده وأبعده من رحمته وفضله مع الذل والهوان، فإنه داعية الشر والفساد والباطل بما يوسوس في صدر الإنسان. ومن غلو الشيطان ودعوته إلى الفساد أنه أقسم: ﴿لَأَتَّخِذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ أي لأجعلن تلامذة لي جزءاً معيناً مقدراً معلوماً من الناس، مثل قوله تعالى حكاية عنه: ﴿ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ٤٠ ﴾ [الحجر: ٣٩/١٥-٤٠]. ولأضلّنهم، أي أصرفنهم عن الحق، وعن الاعتقاد الصحيح. ولأمنينَّهم، أي أزين لهم اللذات وترك التوبة، وأعِدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغريهم من أنفسهم. ولا مرنهن بالضلال فليقطّعُن آذان الأنعام، أي تشقيقها ووسمها وجعلها متميزة خالصة للأصنام، كالبحيرة التي يتركون الحمل عليها، والسائبة الناقة (١) قال الحسن: الإناث: كل شيء ميت ليس فيه روح، إما خشبة يابسة وإما حجر يابس. ٢٨٧ الجُزُحُ (٥) - الْشَكَاءِ: ١١٦/٤-١٢٢ التي يسيبونها للأصنام إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث، فلم تُركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضعيف، والوصيلة التي ولدت جَدْياً وعناقاً، فيقولون: وصلت أخاها، فلا يذبحون أخاها من أجلها، ولا تشرب لبنها النساء، وكان للرجال، وجرت مجرى السائبة. ولآ مرتّهم فليغيرن خلق الله بخصي الدواب، والوشم في الوجه ونحوهما مما فيه تشويه الفطرة وتغييرها عما فطرت عليه، ثبت في الصحيح عند أحمد وأصحاب الكتب الستة عن ابن مسعود أنه قال: ((لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله عز وجل)) ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله وَل، وهو في كتاب الله عز وجل، يعني قوله: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانَهُواْ﴾. [الحشر: ٥٩ /٧]. وقال جماعة من المفسرين: تغيير خلق الله معناه دين الله عز وجل، كقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفَأْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠/٣٠] وكما ثبت في الصحيحين: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، أو ينصرانه، أو يمجِّسانه، كما تولد البهيمة جمعاء، هل تجدون بها من جدعاء))(١). ومن يتخذ الشيطان ولياً يتولى أمره وإماماً يقتدي به، فقد خسر خسراناً ظاهراً في الدنيا والآخرة، بل إنه خسرهما في الواقع، وتلك خسارة لا جبر لها، ولا استدراك لفائتها، وأي خسران أعظم من ترك هدي القرآن واتباع أساليب الشيطان؟! الشيطان يعد أولياءه الباطل، ويمنيهم بما هو كاذب، يعدهم بالفقر (١) الجمعاء: السليمة الأعضاء، والجدعاء: مقطوعة الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة. ٢٨٨ لُ (٥) - الشَّاءِ: ١١٦/٤-١٢٢ والمرض والتخلف عن ركب التقدم إذا أنفقوا شيئاً من أموالهم في سبيل الله، ويعدهم الغنى والثروة بالقمار مثلاً، ويمنيهم بأنهم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك. وما يعدهم الشيطان إلا غروراً أي باطلاً يغترون به، فيزين لهم النفع في بعض الأشياء كالزنى والقمار وشرب الخمر، وهي مشتملة على كثير من المضار والشرور والآلام، كما قال تعالى مخبراً عن إبليس يوم القيامة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَمْتُمْ لِ﴾ [إبراهيم: ٢٢/١٤]. أولئك المستحسنون لما وعدهم الشيطان ومنَّاهم مصيرهم ومآلهم جهنم يوم القيامة، ولا يجدون عنها مهرباً يفرون إليه، أي ليس لهم مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص، ولا مناص، يتهافتون فيها تهافت الفراش على النار. ثم ذكر الله تعالى حال السعداء والأتقياء وما لهم من الكرامة التامة فقال: والذين آمنوا: صدقوا بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر ورضوا بقضائه، وعملوا الصالحات، أي الأعمال الطيبة وما أمروا به من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات، سيدخلهم الله جنات تجري من تحتها الأنهار بما اشتملت عليه من ألوان النعيم المقيم، ويصرفونها حيث شاؤوا وأين شاؤوا، وهم ماكثون مقيمون فيها على الدوام، بلا زوال ولا انتقال، وذلك هو الفوز العظيم الأسمى الذي تطمح إليه النفوس. وهو وعد حق لا شك فيه، أي هذا وعد من الله، ووعد الله واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر، وهو قوله ((حقاً)) فهو القادر على كل شيء، وهو الواسع الكرم والرحمة والفضل، وأما وعد الشيطان فهو غرور من القول وزور. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ أي لا أحد أصدق منه قولاً، أي خبراً، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. ٢٨٩ لُزُعُ (٥) - النِشَاءِ: ١١٦/٤-١٢٢ وكان رسول الله وهو يقول في خطبته فيما رواه الترمذي وغيره: ((إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد رَله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)). فقه الحياة أو الأحكام: في الآيات دلالة على مايأتي: اً - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ رد على الخوارج؛ حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر. وقد ذكرت حديثاً عن علي أن هذه الآية أحب آي القرآن لديه. وأجمع المالكية وغيرهم من أهل السنة على أنه لا تخليد إلا للكافر، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب، فإنه إن عُذب بالنار، فلا محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول؛ أو بابتداء رحمة من الله تعالى. وقال الضحاك: إن شيخاً من الأعراب جاء إلى رسول الله وَالقول فقال: يارسول الله، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أشرك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به، فما حالي عند الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَآءُ﴾. ٣ - وصف الله الأصنام بالإناث إيماء إلى الضعف، فقوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ: إِلَّ إِنَثًا﴾ نزل في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام، وهي إناث كاللات والعُزَّى ومَنَاة، وكان لكل حي صنم يعبدونه ويقولون: أنثى بني فلان، فخرج الكلام مخرج التعجب؛ لأن الأنثى من كل جنس أخسه، فهذا جهل ممن يشرك بالله جماداً، فيسميه أنثى، أو يعتقده أنثى. وقيل: ﴿إِلَّ إِنَاثًا﴾ مواتاً؛ لأن الموات لا روح له، كالخشبة والحجر. وقيل: ﴿إِلَّ إِنَثًا﴾ ملائكة؛ لقولهم: الملائكة بنات الله، وهي شفعاؤنا عند الله. ٢٩٠ لُ (٥) - الشَكَاءِ: ١١٦/٤-١٢٢ ٣ - إطاعة الشيطان عبادة له: فقوله تعالى: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَنَّا قَرِيدًا﴾ يريد إبليس؛ لأنهم إذا أطاعوه فيما سوَّل لهم، فقد عبدوه. ونظيره في المعنى: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١/٩] أي أطاعوهم فيما أمروهم به، لا أنهم عبدوهم. ٤ - اللعنة على إبليس: هي في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب، ولعنة الله على إبليس على التعيين جائزة، وكذلك على سائر الكفرة الموتى كفرعون وهامان وأبي جهل، فيجوز لعن الكفار جملة من غير تعيين، جزاءً على الكفر وإظهارٍ قبح كفرهم، ويجوز أيضاً لعن الظالمين، لقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨/١١] ويجوز إجماعاً لعن العاصي مطلقاً لقوله وَعليه فيما رواه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة: ((لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده)) وهذا كله دون تعیین. ٥ - تلامذة الشيطان هم الكفرة والعصاة، فهؤلاء الذين يستخلصهم الشيطان بغوايته، ويضلهم بإضلاله. وفي الخبر: ((من كل ألف واحد لله، والباقي للشيطان)) وبَعْث النار الذي أخبر عنه النبي ◌َّ في صحيح مسلم: هو نصيب الشيطان. اً - وسائل الشيطان: هي الإضلال (الصرف عن طريق الهدى) وزرع التمنيات الباطلة طوال الحياة بإمهال الخير والتوبة، والمعرفة مع الإصرار على المعصية، وتقطيع آذان الأنعام وجعل علامات عليها للأصنام، وتغيير أصل الخلقة تغييراً حسياً كالخصاء وفقء الأعين وقطع الآذان ونحو ذلك مما فيه تعذيب الحيوان، أو تغييراً معنوياً كتغيير الاعتقاد، والتحريم والتحليل بالطغيان. أخرج مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله وَله: ((قال الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم)). ٢٩١ لُ (٥) - النِّسَاءِ: ١١٦/٤-١٢٢ ولما كان هذا التغيير من فعل الشيطان وأثره أمرنا رسول الله وَ له - فيما رواه أبو داود عن علي في الأضاحي - ((أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحّي بعوراء ولا مقابلة، ولا مُدابَرة ولا خرقاء، ولا شرقاء)»(١) فلم يجز مالك والشافعي وجماعة الفقهاء الأضحية بمقطوعة الأذن أو جُلّ الأذن، أو السكاء: وهي التي خلقت بلا أذن. وأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من العلماء إذا قصدت فيه المنفعة إما لسمن أو غيره، وأجاز الجمهور أن يضحى بالخصي. وأما الخصاء في الآدمي فحرام، لما فيه من ألم عظيم ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك، وهو مُثْلة نهى عنها النبي ◌َّر، ومؤد إلى قطع النسل المأمور به في قوله عليه السلام فيما رواه عبد الرزاق عن سعيد بن أبي هلال مرسلاً: ((تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة)). والوسم والإشعار في الحيوان من أجل تمييزها عن غيرها مستثنى من نهيه عليه السلام عن شريطة الشيطان. والوسم: الكي بالنار، ثبت في صحيح مسلم عن أنس قال: ((رأيت في يد رسول الله وَّ الميسَم وهو يسم إبل الصدقة والفيء وغير ذلك، حتى يعرف كل مال، فيؤدى في حقه، ولا يتجاوز به إلى غیرہ)). والوسم جائز في كل الأعضاء غير الوجه؛ لأنه مقر الحسن والجمال، ولأن به يقوَّم الحيوان، ولما روى مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله وَل عن الضرب في الوجه، وعن الوسم في الوجه)». (١) أن نستشرف: نتأمل سلامة العين والأذن من آفة تكون بهما، وآفة العين: عورها، وآفة الأذن: قطعها. والمقابلة: المقطوعة طرف الأذن، والمدابرة: المقطوعة مؤخر الأذن، والشرقاء: مشقوقة الأذن، والخرقاء: التي تخرق أذنَها السِّمَة. ٢٩٢ الجُزُ (٥) - الْشَاءِ: ١١٦/٤-١٢٢ ومن حالات التغيير الممنوعة حديث ابن مسعود المتقدم في الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة. فهو نص في تحريم الوشم: وهو أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة ثم يحشى بالكحل أو بالنثور (دخان الشحم) فيخضر. وهو نص أيضاً في تحريم وصل الشعر. لا - إطاعة الشيطان خسارة: لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَنَ وَلِيًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي يطيعه ويدع أمر الله ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينَا﴾ أي نقص نفسه وغبنها بأن أعطى الشيطان حق الله تعالى فيه، وتركه من أجله. ٨ٌ - وُعُود الشيطان وأمنياته كاذبة وخديعة: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَنُ إِلَّا غُرُورًا (٣) المعنى يعدهم أباطيله وتُرَّهاته من المال والجاه والرياسة، وأن لا بعث ولا عقاب، ويوهمهم الفقر حتى لا ينفقوا في الخير، وكل ذلك خديعة وتغرير. قال ابن عرفة: الغرور: ما رأيت له ظاهراً تحبّه، وفيه باطن مكروه أو مجهول. والشيطان غَرور؛ لأنه يحمل على مَحابّ النفس، ووراء ذلك مايسوء. وَ - عقاب الطائعين للشيطان جهنم: ﴿أُوْلَِّكَ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّهُ وَلَا ملجأ. يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ١٠ - ثواب المؤمنين العاملين الصالحات والخيرات: جنات الخلد التي تجري من تحتها الأنهار، وذلك يرمز لكل ألوان النعيم المقيم، وأصناف المشتهيات، وطمأنينة النفس، وراحة البال، والسعادة الأبدية. ومن أصدق من الله قيلاً أي لا أحد أصدق قولاً ووعداً من الله تعالى. ٢٩٣ الجُزُ (٥) - الشَّاءِ: ١٢٣/٤-١٢٦ استحقاق الجنة ليس بالأماني والعبرة في الجزاء بالعمل شراً أو خيراً ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبِّ مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الضَّالِحَتِ مِن يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُؤْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ١٢٤ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا ) وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضَِّ وَكَانَ اللَّهُ ١٢٥ وَأَتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ١٢٦) بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطًا القراءات: ﴿يَدْخُلُونَ﴾: قرئ: ١- (يُدخلون) مبنياً للمفعول، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو. ٢- (يَدخلون) مبنياً للفاعل، وهي قراءة باقي السبعة. الإعراب: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مبتدأ وخبر في موضع الحال. البلاغة: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ استعارة، استعار الوجه للقصد والجهة. ويوجد جناس مغاير في ﴿أَحْسَنٌ﴾ ﴿مُحْسِنٌ﴾. المفردات اللغوية: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ ليس الأمر منوطاً بالأماني، بل بالعمل الصالح. ٢٩٤ الجُرُ (٥) - الشتاءِ: ١٢٣/٤-١٢٦ والأماني جمع أمنية: وهي تمني الشيء المحبوب ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،﴾ إما في الآخرة أو في الدنيا بالبلاء والمحن، كما ورد في الحديث. ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ من غيره ﴿وَلِيًّا﴾ يتولى أمره ويحفظه ويدفع العقاب عنه ﴿ وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصره، ويمنعه منه وينقذه مما يحل به. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ النقير والنقرة: النكتة التي تكون في ظهر النواة، ويضرب بها المثل في القلة ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي انقاد وأخلص عمله ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ عامل للحسناتِ تارك للسيئات ﴿وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ﴾ ديانته الموافقة لملة الإسلام. ﴿حَنِيفًا﴾ مائلاً عن الزيغ والضلال، أي مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين الحق القيم . (خَلِيلًا﴾ صفياً خالص المحبة له ﴿وَلِلَِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً ﴿مُحِيطًا﴾ أي عالماً بالأشياء مع القدرة عليها، ولم يزل متصفاً بذلك. سبب النزول: نزول الآية (١٢٣): ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت اليهود والنصارى: لا يدخل الجنة غيرنا، وقالت قريش: إنا لا نبعث، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ اُلْكِتَبِّ﴾. وأخرج ابن جرير الطبري عن مسروق قال: تفاخر النصارى وأهل الإسلام فقال هؤلاء: نحن أفضل منكم، وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم، فأنزل الله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَا أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾. وأخرج الطبري أيضاً عن مسروق قال: لما نزلت: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبِّ﴾ قال أهل الكتاب: وأنتم سواء، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾. المناسبة: لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة دور الشيطان في إلقاء الأماني الكاذبة، ٢٩٥ الُرُ (٥) - الِشَاءِ: ١٢٣/٤-١٢٦ وكان لهذا تأثير في نفوس أهل الكتاب وبعض ضعاف الإيمان من المسلمين، ناسب بيان أثر الأماني، وفضل العمل وجزائه. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السُّدِّي قال: التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى، فقال اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً. وقالت النصارى مثل ذلك، فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم، ونبينا بعد نبيكم، وقد أُمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم، فنحن خير منكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِّكُمْ﴾ الآية فأفلح الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان الأخرى. وذكر مثله عن قتادة. التفسير والبيان: ليس الأمر منوطاً بالأماني منكم أيها المسلمون، ولا أنتم أهل الكتاب، ولكن الجزاء منوط بالعمل، فليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله عز وجل واتباع ماشرعه على ألسنة الرسل الكرام، أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن موقوفاً: ((ليس الإيمان التمني، لكن ما وَقَر في القلب، وصدّقه العمل)) وقال الحسن: ((إن قوماً غرَّتهم المغفرة، فخرجوا من الدنيا وهم مملوؤون بالذنوب، ولو صَدَقوا لأحسنوا العمل)». فمن يعمل سوءاً يلق جزاءه؛ لأن الجزاء أثر للعمل، مثل قوله تعالى: ﴾ [الزلزلة: ٨/٩٩]، روى الإمام ٨ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ أحمد عن أبي بكر بن زهير قال: أخبرت أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يارسول الله، كيف الفلاح بعد هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ اُلْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ،﴾ فكل سوء عملنا جزينا به؛ فقال النبي وَالله: ((غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تنصَب - تتعب، ألست ٢٩٦ الُ (٥) - النِشَاءِ: ١٢٣/٤-١٢٦ تحزن، ألست تصيبك اللأواء - الشدة؟)) قال: بلى، قال: ((فهو مما تجزون به)). وروى سعيد بن منصور وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال: لما نزلت: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،﴾ شق ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله وَلير: ((سددوا وقاربوا، فإن في كل مايصاب به المسلم كفارة، حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها)). هذا الحديث وأمثاله يدل على أن الأمراض والبلايا والمصائب في الدنيا، وهمومها ومخاوفها، يكفر الله بها الخطايا. ومن يعمل السوء لا يجد له غير الله ولياً يتولى أمره ويدفع الجزاء عنه، ولا نصيراً ينصره وينقذه مما يحلّ به، وإنما المدار على الإيمان والأعمال، لا على الأماني والأحلام. وفي مقابل ذلك ومن أجل المقارنة والعدل: من يعمل صالحاً يصلح به نفسه، سواء كان العامل ذكراً أو أنثى، وهو صادق الإيمان، فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر، يدخلون الجنة، ولا يظلمون شيئاً من أجور الأعمال، ولو كان العمل تافهاً قليلاً جداً كالنقير. فسبيل الجنة والسعادة هو العمل الصالح مع الإيمان، وطريق النار هو العمل السيّىء، ولا ينفع الافتخار بالانتساب إلى ملة أو فئة أو نبي، من غير اتباع لشرع الله ودینه. ثم أردف الله تعالى بذكر درجات الكمال فقال: لا أحد أحسن ديناً ممن أسلم قلبه مخلصاً لله وحده، ولم يتجه إلى غيره في دعاء ولا رجاء، وجعل نفسه سالمة لله لا تعرف لها رباً ولا معبوداً سواه، وقد عبر عن توجه القلب والقصد بإسلام الوجه؛ لأن الوجه مرآة لما في القلب، وهو مع هذا الإخلاص القلبي ٢٩٧ الزُعُ (٥) - النَشَاءِ: ١٢٣/٤-١٢٦ والإيمان الذاتي الكامل، محسن للعمل أي عامل للحسنات، تارك للسيئات، متصف بفضائل الأخلاق والخصال، ومتبع ملة إبراهيم في حنيفيته بالميل عن الشرك والتبرؤ من الوثنية وأهلها، ملتزم الدين الحق وهو دين الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيُمُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَآءٌ مِّمَا تَعْبُدُونَ (®َ) إِلَّا وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَّةٌ فِى عَفِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٣٧ الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِینِ [الزخرف: ٢٦/٤٣-٢٨] وقال: ﴿بَلّ مِلَّةَ إِبْرِهِمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٢٨ اٌلْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥/٢]. ﴿ وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ جملة اعتراضية مجاز، مفادها أن الله اصطفى إبراهيم واختصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، ومن كانت له هذه المنزلة من الزلفى عند الله بأن اتخذه خليلاً، كان جديراً بأن تتبع ملته وطريقته. أي إن الله امتن على إبراهيم بسلامة الفطرة والاعتقاد، وقوة العقل وصفاء الروح، وكمال المعرفة بالله، وشدة العزيمة وعلو الهمة في محاربة الوثنية والشرك، حتى صار من أولي العزم، فهو خليل الرحمن، عدو الشيطان. ثم ذكر الله تعالى ماهو العلة والدافع على الطاعة فقال: جميع ما في السماوات والأرض ملك الله وعبيده وخلقه وهو المتصرف في جميع ذلك، لا رادّ لما قضى، ولا معقّب لما حكم، ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته، وعلمه محيط مع القدرة كل شيء، ونافذ في جميع ذلك، لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ومن كان عالماً بأعمال عباده فهو مجازيهم على خيرها وشرها، فعليهم أن يختاروا لأنفسهم ماهو أصلح لها. فهذه الآية متصلة بذكر العمال الصالحين والطالحين، والمعنى: أن له ملك السموات والأرض، فطاعته واجبة عليهم، فهو تعالى مستحق التوجه إليه في ٢٩٨ الُعُ (٥) - النَشَاءِ: ١٢٣/٤-١٢٦ كل شيء، حتى من إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء، لما يتصف به من القدرة الشاملة على الكون وإنجاز ماوعد وأوعد. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي من التوجيهات والأحكام: اً - لا تعلقّ لأحد بالآمال والتمنيات، وإنما الجزاء منوط بالعمل. فمن عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد. وأهل الصلاح وليهم وناصرهم هو الله، وأهل الضلال والفساد وليهم الشيطان، والشيطان أعجز من أن يدفع عن نفسه عذاب الله، فكيف يدفعه عمن غررهم في الحياة الدنيا؟! وليس للمشركين وليّ يتولى أمورهم ولا ناصر ينصرهم، أي إن الآية إن حملت على الكافر فليس له غداً ولي ولا نصير، وإن حملت على المؤمن فليس له ولي ولا نصير من دون الله. أَ - لا تقبل الأعمال الحسنة من غير إيمان: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية، فالإيمان شرط أساسي إذ هو قاعدة البناء الديني؛ لأن المشركين قاموا بخدمة الكعبة، وإطعام الحجيج وقرى الضيف، وأهل الكتاب لهم سبق، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، ولكن لم ينفع الجميع عملهم الصالح من غير إيمان، عملاً بمقتضى هذه الآية. ٣ - تفضيل دين الإسلام على سائر الأديان في أصولها الصحيحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الآية. ومعنى ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أخلص دينه لله، وخضع له، وتوجه إليه بالعبادة. ورأى بعضهم أن معنى ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي موحد، فلا يدخل فيه أهل الكتاب؛ لأنهم تركوا الإيمان بمحمد عليه السلام. والملة: الدين. والحنيف: المسلم. ٢٩٩ لُحُ (٥) - النَشَكَاءِ: ١٢٣/٤-١٢٦ ٤ - إبراهيم خليل الله: قال الزمخشري(١): مجاز عن اصطفائه واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله. والخليل: المخال وهو الذي يخالك أي يوافقك في خلالك ويسايرك في طريقك، أو يسد خللك كما تسُّد خلله. قال ثعلب: إنما سمي الخليل خليلاً؛ لأن محبته تتخلل القلب، فلا تدع فيه خللاً إلا ملأته. وقيل: هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، وإبراهيم كان محباً لله وكان محبوباً لله. وقيل: معناه الاختصاص، أي اختص إبراهيم في وقته للرسالة. وعلى كل حال، ليس في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً شيء من المقاربة في حقيقة الذات والصفات. وسبب اتخاذه خليلاً إما لإطعامه الطعام أو لأنه التزم أن يكون خادماً للرب حتى يموت، وعن القاسم بن أبي أمامة قال: قال رسول الله ◌َعليه: ((إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، وإنه لم يكن نبي إلا له خليل، ألا وإن خليلي أبو بكر))(٢). هَ - الله مالك السماوات والأرض وخالقهما. ومعنى الآية ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضَِّ﴾ هنا أنه اتخذ إبراهيم خليلاً بحسن طاعته لا لحاجته إلى مخالّته، ولا للتكثير به والاعتضاد، وكيف وله ما في السماوات ومافي الأرض، وإنما أكرمه لا متثاله لأمره. ٦ - سعة علم الله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطًا﴾ أي أحاط علمه بكل الأشياء. (١) الكشاف: ٤٢٦/١ (٢) أسباب النزول للواحدي: ص ١٠٤-١٠٥، أخرج الحديث الطبراني عن أبي أمامة، وهو ضعيف. ٣٠٠ لُرُ (٥) - الشَّاءِ: ١٢٧/٤ -١٣٠ رعاية اليتامى والصلح بين الزوجين بسبب النشوز والعدل بين النساء ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى اُلْكِتَبِ فِى يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَعَى بِالْقِسْطِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعِلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ اُللَّهَ كَانَ بِهِ، عَلِيمًا ® عَلَيْهِمَآ أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًاً وَالضُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةٍ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَإِن يَنَفَرَّقَا ١٢٩ يُغْنِ اللَّهُ كُلَّا مِّنِ سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ١٢٠ القراءات: ﴿ يُصْلِحًا﴾: قرئ: ١- (يُصلحا) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (يصَّالحا) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿وَمَا يُتْلَى﴾ في موضع رفع؛ لأنه معطوف على اسم الله تعالى، أي الله یفتیکم والمتلو. ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ضمير ﴿فِيهِنَّ﴾ لأنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور، وأجازه الكوفيون. والأولى أن تكون ((ما)) اسم موصول مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: والذي يتلى عليكم في القرآن كذلك، أي