Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ لُزُ (٥) - النَِّّاءِ: ٩٧/٤-١٠٠ وكانت أسباب الهجرة إلى المدينة في صدر الإسلام كثيرة منها : أَ - التمكين من إقامة شعائر الدين والبعد عن الاضطهاد الديني، فعلى كل مضطهد البحث عن مكان يأمن فيه، وإلا ارتكب إثماً كبيراً. أَ - التمكن من تعلم أمور الدين والتفقه في أحكامه، فعلى كل مسلم يقيم في بلد ليس فيه علماء يعلّمون أحكام الدين أن يهاجر إلى بلد يتلقى فيه العلوم الدينية. ٢ - الإعداد لإقامة دولة الإسلام ونشر الدعوة الإسلامية في أنحاء الأرض، والدفاع عنها وعن الدعاة إلى الله. وظلت هذه الأسباب واضحة قائمة إلى فتح مكة، حتى إذا فتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وانتشر الصحابة في البلاد يعلمون الناس أحكام دينهم، وقويت شوكة الإسلام، وتطهرت الجزيرة العربية من رجس الشرك والوثنية، زال حكم وجوب الهجرة، روى أحمد والشيخان عن ابن عباس أن النبي وَلّ قال: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنْفرتم فانفروا)). ويلاحظ أنه إذا وجدت الدواعي للهجرة وتوافر أحد الأسباب المتقدمة، وجبت الهجرة في أي عصر وزمان. ويحسن أن أذكر أقسام الهجرة كما أوضحها ابن العربي فقال: الهجرة تنقسم إلى ستة أقسام: الأول - الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام؛ وكانت فرضاً في أيام النبي ◌َّ مع غيرها من أنواعها. وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي ◌َّ - حيث كان، فإن بقي في دار الحرب عصى، ويُختلف في حاله كما تقدم بيانه. الثاني - الخروج من أرض البدعة: قال ابن القاسم: سمعتُ مالكاً يقول: ٠ ٢٤٢ لُ (٥) - الشَّةِ: ٩٧/٤-١٠٠ لا يحلُّ لأحد أن يقيم ببلد يُسَبُّ فيها السلف. قال ابن العربي: وهذا صحيح؛ فإن المنكر إذا لم تقدر على تغييره فَزُل عنه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ◌َئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا [الأنعام: ٦٨/٦]. ٦٨ نَفْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِمِينَ الثالث - الخروج عن أرض غلب عليها الحرام: فإن طلب الحلال فرض علی کل مسلم. الرابع - الفرار من الإذاية في البدن: وذلك فضل من الله عز وجل أرخَص فيه، فإذا خشي المرء على نفسه في موضع فقد أذن الله سبحانه له في الخروج عنه، والفرار بنفسه؛ ليخلِّصها عن ذلك المحذور. الخامس - خوف المرض في البلاد الوَخِمة والخروج منها إلى الأرض النَّزِهة. وقد أذن النبي وََّ للرِّعاء حين استوخموا المدينة أن يتنزهوا إلى المشرح، فيكونوا فيه حتى يَصِحّوا. وقد استُثني من ذلك الخروج من الطاعون، فمنع الله سبحانه منه بالحديث الصحيح عن النبي وَّر، بيد أني رأيت علماءنا قالوا: هو مكروه. السادس - الفرار خوف الإذاية في المال؛ فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، والأهل مثله أو آكد (١). (١) أحكام القرآن: ٤٨٤/١-٤٨٦، وانظر تفسير القرطبي: ٣٤٩/٥ وما بعدها. ٢٤٣ الجُزُ (٥) - الِشَكَاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ قصر الصلاة في السفر وصلاة الخوف ﴿وَإِذَا ضَيْثُمُّ فِ الْأَرْضِ فَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوْةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ يَفْئِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (® فَأَقَمْتَ لَهُمُ الضَّلَوةَ فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمَّ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآَبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةُ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن قَطَرٍ أَوْ كُنْتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَذَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴿َ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِشَبًا مَوْقُوتًا القراءات: ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ﴾ وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً: (ولياخذوا). ﴿ وَلْتَأْتِ﴾: وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً: (ولتات). ﴿أَطْمَأْنَتُمْ﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (اطماننتم). الإعراب: (كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا شُبِينًا﴾ إنما قال: عدواً بلفظ المفرد، وإن كان ماقبله جمعاً؛ ٢٤٤ الجُزءُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ لأنه بمعنى المصدر، كأنه قال: كانوا لكم ذوي عداوة، وهذا كقوله تعالى: ٧٧ ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ . ﴿قِيَمًا وَقُعُودًا﴾ منصوبان على الحال من واو ﴿فَأَذْكُرُواْ﴾. وكذلك قوله: ج ﴿ وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ في موضع نصب على الحال؛ لأنه في موضع: مضطجعين. البلاغة: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ﴾ فيه إطلاق العام وإرادة الخاص؛ لأن المراد بها صلاة الخوف. ﴿ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا قَّوْقُوتًا﴾ فيه إطناب بتكرار لفظ الصلاة، تنبيهاً على فضلها. المفردات اللغوية: ﴿ وَإِذَا ضَرَبُِّمَّ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ سافرتم فيها ﴿ جُنَاحُ﴾ تضييق، وهذا يدل للشافعي أن القصر رخصة لا واجب ﴿أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ تتركوا شيئاً منها بأن تصلوا الصلاة الرباعية ركعتين فقط ﴿يَفْئِنَكُمْ﴾ يؤذوكم بالقتل أو غيره أو ينالوكم بمكروه ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بيان للواقع إذ ذاك، فلا مفهوم له. وبينت السنة أن المراد بالسفر: الطويل وهو أربعة برد وهي مرحلتان تقدر بـ (٨٩كم) ﴿عَدُوًّا مُبِينًا﴾ بَيِّني العداوة. ﴿ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾ إقامة الصلاة: الذكر الذي يدعى به للدخول في الصلاة. وهذا جري على عادة القرآن في الخطاب، فلامفهوم له. ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾ جمع سلاح: وهو كل مايقاتل به من الأسلحة القديمة كالسيف والخنجر والسهم، والأسلحة الحديثة كالبندقية والمسدس والمدفع ونحوها. ﴿قَضَيْتُمُ الصَّلَوَةَ﴾ أديتموها ﴿فَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ ائتوا بها مقوَّمة تامة ٢٤٥ المُرُ (٥) - النَشَاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ الأركان والشروط ﴿ كِتَبًا قَوْقُوتًا﴾ فرضاً ثابتاً محدداً بوقت معلوم لابد من أدائها فيه. سبب النزول: نزول الآية (١٠١): ﴿وَإِذَا ضَرَيُِّ﴾: أخرج ابن جرير الطبري عن علي قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله ◌َ﴾، فقالوا: يارسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله: ﴿ وَإِذَا ضَرَيُّ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوْةِ﴾ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي بَّ، فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها، فأنزل الله بین الصلاتين: ﴿إِنْ خِفْثُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا مُّهِينًا﴾ فنزلت صلاة الخوف. نزول الآية (١٠٢): ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾: أخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي والدار قطني عن أبي عيَّاش الزرقي(١) قال: كنا مع رسول الله بَّهَ بِعُسْفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلَّ بنا النبي وَلَّ الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غِرَّتهم؛ قال: ثم قالوا: تأتي الآن عليهم صلاة هي أحبّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم؛ قال: فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ اُلصّلَوَةَ﴾ وذكر الحديث. وهذا كان سبب إسلام خالد بن الوليد رضي الله (١) في كتاب أسباب النزول للواحدي: أبو عياش الورقي. ٢٤٦ ◌ِلُعُ (٥) - النِشَكَّاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ عنه. وروى الترمذي نحوه عن أبي هريرة، وابن جرير نحوه عن جابر بن عبد الله وابن عباس. نزول الآية: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ﴾ أخرج البخاري عن ابن عباس قال: نزلت: ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذَ مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَ﴾ في عبد الرحمن بن عوف حينما كان جريحاً. المناسبة: لا يزال الكلام في الجهاد والهجرة، والجهاد يستلزم السفر، فبيَّن الرب تبارك وتعالى أن الصلاة لا تسقط بعذر السفر، ولا بعذر الجهاد وقتال العدو. وكانت الآيات في إثبات مشروعية القصر بالسفر، وصلاة الخوف في الجهاد. التفسير والبيان: وإذا سرتم في الأرض وسافرتم فيها، فليس عليكم تضييق ولا إثم في قصر الصلاة الرباعية، إذا خفتم فتنة الكافرين لكم بالقتل أو الأسر أو غيرهما، أو خفتم من قطاع الطريق، وذلك بأن يتخذ أعداؤكم الاشتغال بالصلاة فرصة لتغلبهم عليكم، فلا تمكنوهم من هذا، بل اقصروا من الصلاة. ويصح أن يكون المراد: إن خفتم أن يفتنكم الكافرون في حال الركوع والسجود حيث لا ترون حركاتهم، فصلوا راجلين أو راكبين. ثم أكد تعالى تحذيرنا من الأعداء فذكر: إن الكافرين لكم أعداء واضحة عداوتهم، فهم ذوو عداوة بينة، فاحذروهم أن يوقعوا بكم، ويغلبوكم، فلا تتركوا لهم فرصة لتحقيق أغراضهم. وعملاً بظاهر الآية: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمْ﴾ قال بعضهم: المراد هنا القصر في صلاة الخوف المذكور في الآية الأولى، والمبيَّن في الآية التي بعدها وفي سورة البقرة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩/٢]. قال ٢٤٧ الُ (٥) - التِشَاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ الشافعي: القصر في غير الخوف بالسُّنة، وأما في الخوف مع السفر فبالقرآن والسُّنة، ومن صلَّ أربعاً فلاشيء عليه، ولا أحب لأحد أن يتم في السفر رغبة عن السُّنة. ورأى آخرون: أن قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ خرج الكلام على الغالب، إذ كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار؛ ولهذا قال يعلى بن أمية لعمر فيما رواه مسلم: ما لنا نقصر وقد أمِنَّا؟ قال عمر: عجبت مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله وَل﴿ عن ذلك، فقال: ((صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)). ثم إن صلاة الخوف لا يعتبر فيها الشرطان؛ فإنه لو لم يضرب في الأرض ولم يوجد السَّفر، بل جاءنا الكفار وغزونا في بلادنا، فتجوز صلاة الخوف، فلا يعتبر وجود الشَّرطين. ودلّ سبب النزول المتقدم عن علي على مشروعية القصر للمسافر، قال القرطبي: فإن صحّ هذا الخبر فليس لأحد معه مقال، ويكون فيه دليل على القصر في غير الخوف بالقرآن. وقد روي عن ابن عباس أيضاً مثله، قال: إن قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَيُمْ فِىِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ نزلت في الصلاة في السفر، ثم نزل: ﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ﴾ في الخوف بعدها بعام. فالآية على هذا تضمنت قضيتين وحكمين، فقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَيُِّمْ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ يراد به في السفر؛ وتم الكلام، ثم ابتدأ فريضة أخرى، فقدّم الشرط، والتقدير: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة، والواو زائدة، والجواب: ﴿فَلْنَقُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا غُبِينًا﴾ اعتراض (١). (١) تفسير القرطبي: ٣٦١/٥ وما بعدها. ٢٤٨ الجُزُرُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاتَُّ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ ظاهره التخيير بين القصر والإتمام، وأن الإتمام أفضل (١)، وإلى التخيير ذهب الشافعي، وروي عن النَّبِي بَّ أنه أتم في السفر، وعن عائشة رضي الله عنها فيما رواه الدار قطني: ((اعتمرت مع رسول الله وَّه من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة، قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي: قصرتَ وأتممتُ، وصمتَ وأفطرتُ؟ فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب علي)). وكان عثمان رضي الله عنه يتم ويقصر. وعند أبي حنيفة رحمه الله: القصر في السفر عزيمة غير رخصة، لا يجوز غيره. بدليل قول عمر رضي الله عنه: ((صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيِّكم))، وقول عائشة رضي الله عنها فيما رواه أحمد: ((أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرّت في السفر، وزيدت في الحضر)). ولأن النَّبِي وَلّ التزم القصر في أسفاره كلها، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله وَ ل﴿ إذا خرج مسافراً، صلَّ ركعتين حتى يرجع. وروي عن عمران بن حصين: حججت مع النَّبي ◌ِّ، فكان يصلِّي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة، وقال لأهل مكة: صلّوا أربعاً فإنّا قوم سَفْر. وقال ابن عمر فيما رواه الشيخان: صحبت رسول الله صل# في السفر، فلم يزد على ركعتين، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في السفر، فلم يزيدوا على ركعتين حتى قبضهم الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١/٣٣]، وقال: ﴿فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِثُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨/٧]، ولو كان مراد الله التَّخيير بين القصر والإتمام، لبَيَّن ذلك كما بيَّنه في الصوم. (١) الكشاف: ٤٢٠/١ ٢٤٩ الجُزُ (٥) - التِشَكّاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ وأما ما ورد عن عثمان فقد اعتذر عنه بأنه قد تأهل (أقام) فقال: إنّا أتممت لأني تأهلت بهذا البلد، وقد سمعت رسول الله وسلم يقول: ((من تأهّل بیلد فهو من أهله». وأجاب الزمخشري عن آية ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ﴾ بقوله: كأنهم ألفوا الإتمام، فكانوا مظنّة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر، فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه (١). واختلف العلماء في المراد بالقصر هنا، أهو القصر في عدد ركعات الصلاة أم هو القصر من هيئتها (٢)؟ فقال جماعة: إن القصر قصر عدد الركعات، لما روى مسلم عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب، كيف نقصر وقد أمنّا؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت النَّي وَّ فقال: ((صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)). وهذا يدلّ كما أوضحت على أن المراد بالقصر في الآية القصر في عدد الركعات. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيِّكم وََّ في الْخَضَر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. لكن قال القاضي ابن العربي في كتابه القبس: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: هذا الحديث مردود بالإجماع. وأيضاً فإن القصر: أن تقتصر من الشيء على بعضه، والقصر في الصفة تغيير لا إتيان بالبعض؛ لأنه جعل الإيماء بدل الرّكوع والسّجود مثلاً. وأيضاً فإن ((مِنْ)) في قوله: ((من الصلاة)) للتبعيض، وهو يدلّ على الاقتصار على بعض الركعات. (١) الكشاف: ١/ ٤٢٠ وما بعدها. (٢) أحكام القرآن للجصاص: ٢٥١/١ وما بعدها، أحكام القرآن لابن العربي: ٤٨٨/١، تفسير القرطبي: ٣٦٠/٥ ٢٥٠ الجُ (٥) - النَّاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ وقال آخرون كالجصاص: إن المراد بقصر الصلاة في الآية قصر الصفة والهيئة، دون نقصان أعداد الرّكعات، أي بترك الرّكوع والسّجود والإيماء، وبترك القيام إلى الرّكوع؛ لأن الآية في صلاة السفر، لابتدائها بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبُّمْ فِى الْأَرْضِ﴾ ولأن قول عمر المتقدم: ((صلاة السفر ركعتان ... )) إلخ يدلّ على أن صلاة السفر، سواء أكانت صلاة أمن أم خوف تمام غير قصر، فيكون معنى القصر في الآية قصر الصفة، لا قصر عدد الركعات. أما السفر المبيح للقصر ففيه خلاف على آراء أهمها ما يأتي: اً - قال الحنفية: من الكوفة إلى المدائن وهي مسيرة ثلاثة أيام. ويروى عنهم: يومان وأكثر الثالث. ودليل الحنفية: قوله عليه الصّلاة والسّلام فيما رواه أحمد عن عوف بن مالك الأشجعي، فيما معناه: (يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام)). وورد في السُّنّة منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم. فدلّ هذا على أن ما دون الثلاث ليس سفراً، بل هو في حكم الإقامة. اً - وقال مالك والشافعي: أربعة برد، كل بريد أربعة فراسخ؛ لما روى الدار قطني عن ابن عباس أنّ النَّبي ◌َّ قال: ((يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عُسْفان)). والفرسخ (٥٥٤٤ م). صلاة الخوف: ثم بَيَّن الله تعالى كيفية صلاة الخوف ومجملها في القرآن ما يأتي: وإذا كنت يا محمد أو من يقوم مقامك من الأئمة في جماعة المؤمنين، وأردت أن تقيم بهم الصلاة وناديتهم بالأذان والإقامة فاقسم الجيش طائفتين: تصلِي طائفة معك الرّكعة الأولى بجماعة، ومعهم أسلحتهم حتى يستعدّوا عقب ٢٥١ ◌ِلُعُ (٥) - النَّةِ: ١٠١/٤-١٠٣ الصلاة لمجابهة العدوّ الذي قد يباغتهم، فإذا سجدوا حرستكم الطائفة الأخرى من خلفكم؛ لأن المصلِّي أشدّ ما يكون حاجة للحراسة حين السجود، لعدم رؤيته العدوّ. ثم تتم الطائفة الأولى الركعة الثانية وحدها، وأنت واقف في أول الرّكعة الثانية. ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلِّي معك أيضاً ركعة هي الثانية لك، كما صلّت الطائفة الأولى، وعليها أن تأخذ حذرها وأسلحتها في الصلاة، كما فعل الذين من قبلهم. والحكمة في الأمر بالحذر للطائفة الثانية أن العدو قلَّما يتنبّه لصلاة الطائفة الأولى، فإذا سجدوا فربّما باغتهم. ثم تنتظر الطائفة الثانية في جلوس التّشهد الأخير، حتى تقوم هي، وتصلِي الرّکعة الثانية، ثم تسلِّم بها. وعلى هذا تحظى الطائفة الأولى بالتكبير مع الإمام، والثانية بالتّسليم معه. ثم بَيَّن الله تعالى علّة الأمر بأخذ الحذر والسلاح في الصلاة، وهي أن الكفار يودّون ويتمنّون أن تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم بسبب انشغالكم بالصلاة، فينقضّون عليكم ويميلون ميلة واحدة أو حملة واحدة بالقتل والنّهب، والله يريد لكم الفوز والنصر، فيحذركم ويأمركم بالاستعداد الدائم. ثم أبان الأعذار التي يشقّ معها حمل السلاح، فذكر: ولا إثم عليكم في وضع أسلحتكم إذا أصابكم أذى من مطر أو مرض أو عذر، ولكن مع أخذ الحذر والاستعداد للعدوّ؛ لأن العدوّ ينتظر أي فرصة من الضعف، ويراقب تحركاتكم، فاحذروه ولا تغفلوا عنه. إن الله أعدّ للكافرين عذاباً شديد الإهانة في الدُّنيا والآخرة. أما في الدُّنيا فهو تغلّب المسلمين عليهم، وأما في الآخرة فهو العذاب الخالد في نار جهنم، وهذا وعيد للكفار بأنه مهينهم وخاذلهم وغير ناصرهم، لكن الحذر مطلوب ٢٥٢ لُحُ (٥) - الْشَكّاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ من المؤمنين أخذاً بسنّة الله في إتباع المسببات الأسباب، حتى لا يتهاونوا ويتركوا الأسباب جانباً. وقد روى الجماعة إلا ابن ماجه عن سهل بن أبي حَثْمة عن النَّبِي ◌ِّ يوم ذات الرقاع: ((أن طائفة صفت مع النَّبِي وَلَّ، وطائفة وجاه العدوّ (أي جهته) فصلّ بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدوّ. وجاءت الطائفة الأخرى فصلّ بهم الرّكعة الثانية التي بقيت من صلاته، فأتموا فسلّم بهم)). فإذا أدَّيتم الصلاة أي صلاة الخوف على هذه الصورة، فاذكروا الله تعالى في أنفسكم، بتذكّر نعمه ووعده بنصر من ينصرونه في الدّنيا ونيل الثواب في الآخرة. وبألسنتكم بالحمد والتكبير والدعاء، فذكر الله مما يقوي القلب، ويُعلي الهمّة، وبالثبات والصبر يتحقق النصر، كما قال تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥/٨]. فإذا اطمأننتم بانتهاء الحرب والإقامة في بلادكم بعد السفر، فأقيموا الصلاة كالمعتاد تامة الأركان والشروط؛ لأن الصلاة عماد الدِّين. والسبب في فرضية الصلاة حتى في وقت الخوف: أن الصلاة مفروضة فرضاً ثابتاً في أوقات معلومة، فلا يصحّ تركها أبداً حتى في الحروب وساعة الخوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُواْ [البقرة: ٢٣٩/٢]. (١٢٩) اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ فقه الحياة أو الأحكام: الآيات في مشروعية قصر الصلاة الرباعية في السفر، وكيفية صلاة الخوف. فَآيَة ﴿وَإِذَا ضَرَبُّ﴾ واضحة الدّلالة - بغضّ النّظر عن الاختلاف الفقهي - على حكم القصر في السفر. ٢٥٣ لُرعُ (٥) - التشَّةِ: ١٠١/٤-١٠٣ أما العلماء فاختلفوا في حكم القصر، كما سبق بيانه، فقال جماعة منهم الحنفية: إنه فرض؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين)) لكن قال القرطبي: ولا حجّة فيه لمخالفتها له، فإنها كانت تتم في السفر، وذلك يوهنه، وإجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر: صلاة المسافر خلف المقيم، أي إنه إذا اقتدى المسافر بالمقيم أتم صلاته بالإجماع. وقال آخرون منهم عمر وابن عباس وجبير بن مطعم: ((إن الصلاة فرضت في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة)». ومشهور مذهب المالكية: أن القصر سنة، وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه رخصة يخير فيها المسافر بين القصر والإتمام، وهو الظاهر من قوله تعالى: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾. وأيهما أفضل؟ الصحيح في مذهب مالك التّخيير للمسافر بين الإتمام والقصر، وأما مالك رحمه الله فيستحب له القصر، ويرى عليه الإعادة في الوقت إن أتم، والقصر أفضل من الإتمام مطلقاً عند الحنابلة؛ لأن النَّبي ◌َ ◌ّ داوم عليه. وهو عند الشافعية أفضل من الإتمام إذا وجد في نفسه كراهة القصر، أو إذا بلغ ثلاث مراحل عند الحنفية تقدر بـ ٩٦ كم، اتِّباعاً للسُّنة، وخروجاً من خلاف من أوجبه كأبي حنيفة. والسفر المبيح للقصر: هو السفر الطويل الذي تلحق به المشقة غالباً، وهو عند الحنفية بمقدار ثلاثة أيام تقدر بـ ٩٦ كم، عملاً بقول عثمان وابن مسعود وحذيفة، وبالأدلّة السابقة. وعند الجمهور: بمقدار ثمانية وأربعين ميلاً هاشمية أو مرحلتين وهما سير يومين بلا ليلة معتدلين أو ليلتين بلا يوم معتدلتين، أو أربعة برد وهي ستة عشر فرسخاً؛ لأن ابن عمر وابن عباس كانا يفطران ويقصران في أربعة برد، تقدر بـ ٨٩ كم. وأجمع الناس على جواز القصر في الجهاد والحج والعمرة ونحوها من صلة رَحِم وإحياء نفس، واختلفوا فيما سوى ذلك. ٢٥٤ الُ (٥) - النَشَاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ فالجمهور: على جواز القصر في السفر المباح كالتّجارة ونحوها؛ لقول ابن مسعود: لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد، ولا قصر في سفر المعصية، كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما. وأباح أبو حنيفة والأوزاعي القصر في جميع ذلك، فيصحّ القصر ولو لعاصٍ بسفره. واختلفوا متى يقصر المسافر؟ فالجمهور على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، وحينئذٍ هو ضارب في الأرض. وروي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفراً، فصلّ بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن مسعود، وبه قال عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى. ويكون معنى الآية على هذا: ﴿وَإِذَا ضَرَيْثُمْ فِى الْأَرْضِ﴾ أي إذا عزمتم على الضرب في الأرض. وعلى المسافر أن ينوي القصر من حين الإحرام، فإن افتتح الصلاة بنيّة القصر، ثم عزم على المُقام في أثناء صلاته، جعلها نافلة. واختلف العلماء في مدّة الإقامة التي إذا نواها المسافر أتم: فقال مالك والشافعي وأحمد: إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم، إلا أن الإمام أحمد قال: إذا نوى الإقامة مدة تتسع لإحدى وعشرين فريضة قصر. وقال الحنفية: إذا نوى إقامة خمس عشرة ليلة أتم، وإن كان أقل قصر، عملاً بقول ابن عمر وابن عباس. والمسافر يقصر أبداً حتى يرجع إلى وطنه، أو ينزل وطناً له، وإن بقي سنين. أما صلاة الخوف المذكورة في القرآن فيحتاج إليها، والمسلمون مستدبرون ۔ ٢٥٥ الُءُ (٥) - النِّسَاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ القبلة، ووجه العدو القبلة، وهذا موافق لصلاة النَّي ◌َّ بذات الرقاع. أما صلاته عليه الصّلاة والسّلام بعُسْفان والموضع الآخر المروي عن ابن عمر فالمسلمون كانوا في قبالة القبلة. واختلفت الرّوايات في السُّنة النَّبوية في هيئة صلاة الخوف، واختلف العلماء لاختلافها، فذكر ابن القصَّار أنه وَ لّ صلاها في عشرة مواضع. قال ابن العربي: رُوي عن النَّبي ◌َّهِ أنه صلَّ صلاة الخوف أربعاً وعشرين مرة (١). وقال الإمام أحمد: لا أعلم أنه رُوي في صلاة الخوف إلا حديث ثابت. وهي كلها صحاح ثابتة، فعلى أي حديث منها صلَّ المصلِّي صلاة الخوف أجزأه إن شاء الله(٢). وأذكر هنا أقوال الفقهاء بصفتها نموذجاً عملياً مطبقاً بين المسلمين، ويمكن تأويل الآية بما يوافق هذه الأقوال: اً - ذهب أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إلى الكيفية التالية لصلاة الخوف وهي: أن يقسم الإمام القوم طائفتين: تقوم طائفة مع الإمام، وطائفة إزاء العدوّ، فيصلِّي بهم ركعة وسجدتين، ثم ينصرفون إلى مقام أصحابهم، ثم تأتي الطائفة الأخرى التي بإزاء العدوّ، فيصلِّي بهم الإمام ركعة وسجدتين ويسلِّم هو، ولم يسلِّموا؛ لأنهم مسبوقون، وإنما يذهبون مشاة للحراسة في وجه العدو، ثم تجيء الطائفة الأولى إلى مكانها الأول، أو تصلي في مكانها تقليلاً للمشي، فتتمم صلاتها وحدها بغير قراءة؛ لأنهم في حكم اللاحقين، ثم تشهدوا، وسلموا، وعادوا لحراسة العدوّ. ثم تأتي الطائفة الثانية، فتتمم صلاتها بقراءة سورة مع الفاتحة؛ لأنهم لم يدخلوا مع الإمام في أول الصلاة، فاعتبروا في حكم السابقين. وهذه الكيفية (١) أحكام القرآن: ٤٩١/١ (٢) تفسير القرطبي: ٣٦٥/٥ وما بعدها. ٢٥٦ الزُ (٥) - النَّاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ مروية عن الزهري عن سالم عن أبيه: وهي أن رسول الله وَل﴾ل صلَّ بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة للعدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أولئك، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلّم، ثم قام هؤلاء، فقضوا ركعتهم، وهؤلاء فقضوا ركعتهم. وروي مثله أيضاً عن نافع، وابن عمر في حديث متفق عليه، وابن عباس. أَّ - قال عبد الرّحمن بن أبي ليلى: إذا كان العدوّ بينهم وبين القبلة، جعل الناس طائفتين، فيكبر ويكبرون جميعاً، ويركع ويركعون جميعاً، ويسجد الإمام والصف الأول، ويقوم الصف الآخر في وجه العدو، فإذا قاموا من السجود سجد الصف الآخر، فإذا فرغوا من سجودهم قاموا، وتقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، فيصلي بهم الإمام الركعة الأخرى كذلك. وإذا كان العدوّ في دبر القبلة، قام الإمام ومعه صف مستقبل القبلة والصف الآخر يستقبل العدو، فيكبر ويكبرون جميعاً، ويركع ويركعون جميعاً، ثم يسجد الصف الذي مع الإمام سجدتين، ثم ينقلبون فيكونون مستقبلي العدو، ثم يجيء الآخرون، فيسجدون، ويصلي بهم الإمام الركعة الثانية، فيركعون جميعاً، ويسجد الصف الذي معه، ثم ينقلبون إلى وجه العدوّ، ويجيء الآخرون، فيسجدون معه، ويفرغون، ثم يسلم الإمام وهم جميعاً. وهذه الكيفية رواها ابن عباس في صلاة الَّبِي ◌ََّ بِعُسْفان، ورواها أيضاً أحمد ومسلم وابن ماجه من حديث جابر. وقد اعتمدها الشافعية والحنابلة إذا كان العدوّ في جهة القبلة. ◌ّ - قال مالك رضي الله عنه: يتقدم الإمام بطائفة، وطائفة بإزاء العدوّ، فيصلِي بالتي معه ركعة وسجدتين، ويقوم قائماً، وتتم الطائفة التي معه لأنفسها ٢٥٧ الُ (٥) - التَشَاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ ركعة أخرى، ثم يتشهدون ويسلِّمون، ثم يذهبون إلى مكان الطائفة التي لم تصلِّ، فيقومون مكانهم، وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم ركعة وسجدتين، ثم يتشهدون ويسلّم، ويقومون فيتمون لأنفسهم الرّكعة التي بقیت. وهذه كيفية صلاة النَّبِي وَ لَّ في غزوة ذات الرِّقاع، رواها الجماعة إلا ابن ماجه عن سهل بن أبي حَثْمة، وهي التي قال عنها أحمد: وأما حديث سهل فأنا أختاره. وقد اعتمدها الشافعية والحنابلة إذا كان العدوّ في غير جهة القبلة. لكن الفرق بين مالك وبين هؤلاء أنهم قالوا: لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة الثانية لأنفسها ثم يسلِّم معهم. صلاة الخوف في المغرب: اختلف الفقهاء في كيفية صلاة الخوف في المغرب: فقال الحنفية والمالكية والشافعية: يصلِي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعة، غير أن المالكية والشافعية يقولون: إن الإمام ينتظر قائماً حتى تتم الطائفة الأولى لنفسها، وتجيء الثانية، لكن لا يسلم الإمام في رأي الشافعية، كما تقدم(١). الصلاة حال اشتباك القتال: اختلف الفقهاء أيضاً في صلاة الخوف عند التحام الحرب وشدّة القتال، وخيف خروج الوقت : فقال الحنفية: لا صلاة حال اشتباك القتال، فإن قاتلوا فيها، فسدت صلاتهم، ويؤخرون الصلاة. (١) أحكام القرآن للجصاص: ٢٦٣/٢ ٢٥٨ الجُرُ (٥) - الْشَاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ وقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وعامة العلماء: يصلي المجاهد كيفما أمكن؛ لقول ابن عمر: فإن كان خوف أكثر من ذلك، فيصلِّي راكباً أو قائماً، يومئ إيماء. قال مالك في الموطأ: مستقبل القبلة وغير مستقبلها، أي إن الصلاة تكون بالإيماء إذا لم يقدر على الرّكوع والسجود. وقال الشافعي: لا بأس أن يضرب الضربة، ويطعن الطعنة، فإن تابع الضرب والطعن، فسدت صلاته. والأدلّة من غير الآية(١). صلاة الطالب والمطلوب: واختلفوا أيضاً في صلاة الطالب والمطلوب: فقال مالك وجماعة من أصحابه: هما سواء، كل واحد منهما يصلِّي على دابته. وقال الأوزاعي والشافعي وفقهاء الحديث: لا يصلِّي الطالب إلا بالأرض. وقال القرطبي: وهو الصحيح؛ لأن الطلب تطوّع، والصلاة المكتوبة فرضها أن تصلّ بالأرض حيثما أمكن ذلك، ولا يصلِيها راكب إلا خائف شديدٌ خوفه، وليس كذلك الطالب. العسكر إذا رأوا سواداً فظنوه عدوّاً فصلّوا صلاة الخوف، ثم بان لهم أنه غير شيء: اختلفوا أيضاً في ذلك: قال بعض المالكية وأبو حنيفة: يعيدون الصلاة؛ لأنه تبيَّن لهم الخطأ فعادوا إلى الصواب كحكم الحاكم. وقال بعض آخر من المالكية، وهو أظهر قولي الشافعي: لا إعادة عليهم؛ لأنهم عملوا على اجتهادهم، فجاز لهم، كما لو أخطؤوا القبلة، وهذا أولى؛ لأنهم فعلوا ما أمروا به. - (١) المرجع والمكان السابق. ٢٥٩ الْجُرُ (٥) - النِّسَكَاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ أخذ الحذر وحمل السلاح: تأمر الآيتان: ﴿ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمّ﴾ و﴿ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ بالحذر وأخذ السلاح، لئلا ينال العدوّ أمله ويدرك فرصته. والسلاح: ما يدفع به المرء عن نفسه في الحرب. وهل حمل السلاح في الصلاة مندوب أو واجب؟ قال أبو حنيفة: لا يحملون الأسلحة؛ لأنه لو وجب عليهم حملها لبطلت الصلاة بتركها. وردّ عليه: بأنه لم يجب حملها لأجل الصلاة، وإنما وجب عليهم قوةً لهم ونظراً لمصلحتهم. وقال ابن عبد البر: أكثر أهل العلم يستحبّون للمصلّي أخذ سلاحه إذا صلَّ في الخوف، ويحملون قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾ على النّدبِ؛ لأنه شيء لولا الخوف لم يجب أخذه، فكان الأمر به ندباً. وقال ابن العربي المالكي والشافعي والظاهرية: أخذ السلاح في صلاة الخوف واجب؛ لأمر الله به، إلا لمن کان به أذى من مطر، فإن كان ذلك جاز له وضع سلاحه. وعلى كل حال: إن لم يجب فيستحب للاحتياط، كما قال القرطبي. هذا .. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ أي إذا سجدوا ركعة القضاء، وهم الطائفة المصلِّية فلينصرفوا، دلّ على أنّ السجود قد يعبر به عن جميع الصلاة، مثل قوله عليه الصّلاة والسّلام: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين))(١) أي فليصلِّ ركعتين. وقوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بيّن وجه الحكمة في الأمر بأخذ السلاح. (١) الرواية المشهورة عند أحمد وأصحاب الكتب الستة (الجماعة) عن أبي قتادة: ((إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة. ٢٦٠ اِلُعُ (٥) - النِّسَكَاءِ: ١٠١/٤-١٠٣ وذكر الحذر في الطائفة الثانية دون الأولى؛ لأنها أولى بأخذ الْخِذْر؛ لأن العدوّ لا يؤخّر قصده عن هذا الوقت؛ لأنه آخر الصلاة؛ وأيضاً يقول العدوّ: قد أثقلهم السلاح وكلّوا. وفي هذه الآية دليل على تعاطي الأسباب، واتخاذ وسائل النجاة وما يوصل إلى السلامة. ثم أمر الله تعالى بشيئين: ذكر الله، وأداء الصلاة في أوقات معلومة. أما ذكر الله تعالى فأبان سبحانه أنه متى فرغتم أيها المؤمنون من صلاة الخوف، فاذكروا الله في مختلف أحوالكم، حال القيام وحال القعود، وحال الاضطجاع على الجنوب، وذكره تعالى يكون في أنفسكم بتذكر وعده بنصر من ينصرونه في الدُّنيا ونيل الثواب في الآخرة، وبألسنتكم بالحمد والتكبير والتهليل والدُّعاء بالنّصر، فالذكر يكون بالقلب واللسان، أما الذكر بالقلب: فهو التّفكر في عظمة الله وجلاله وقدرته وفيما في خلقه وصنعه من الدّلائل عليه وعلى حكمه وجميل صنعه. وأما الذكر باللسان فهو بالتعظيم والتّسبيح والتقديس. وهذا الذكر المأمور به في رأي الجمهور إنما هو إثر صلاة الخوف، والذكر يكون مع التعظيم والخشوع، والحكمة فيه ربط المؤمنين المجاهدين بالله تعالى في كل الأحوال حتى يعتمدوا في جهادهم على الله تعالى، ويكون طلب النصر والظفر منه، فإنه الذي بيده النصر، وهو القادر على كل شيء، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأنفال: ٤٥/٨]. ٤٥ ◌َّعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ والذكر كما طلب الله تعالى يكون دائماً وبكثرة؛ لأنه أداة الفلاح؛ إذ هو وسيلة الخشية، ومتى وجدت الخشية وجدت الطاعة واجتنبت المعصية، وذلك هو الفوز والسعادة. روى ابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُواْ