Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
الْجُرُ (٥) - الشَّاءِ: ٤٩/٤-٥٥
٤ - الخلط في عقيدة اليهود: بالرغم من أن اليهود يؤمنون بالإله وعندهم
كتاب سماوي، يؤمنون أيضاً بالجبت والطاغوت أي بالأصنام والأوثان.
وهذا ما أعلنه بعض عظمائهم: كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، بدليل:
﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠/٤] ويقولون لكفار قريش:
أنتم أهدى سبيلاً من الذين آمنوا بمحمد، كما تقدّم في سبب النزول.
٥ - زوال الْمُلْك والسلطة عن اليهود: أنكر الله تعالى وجود السلطة والملك
على اليهود في ذلك الزمان، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ﴾ أي ليس لهم
من المُلك شيء، ولو كان لهم منه شيء لم يعطوا أحداً منه شيئاً، لبخلهم
وحسدهم.
أَ - البخل والحسد أسوأ أخلاق اليهود: أخبر الله تعالى عن اليهود بهاتين
الصفتين الذميمتين وهما البخل والحسد: الأول في قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا لَّا
يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ أي يمنعون الحقوق، وهو خبر من الله عزّ وجلّ بما يعلمه
منهم. والنقير: النكتة في ظهر النواة.
وأخبر عزّ وجلّ أيضاً عنهم أنهم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من
فضله، والمراد بالناس في رأي ابن عباس ومجاهد وغيرهما: النَّبي ◌َّتِ،
حسدوه على النّبوة، كما حسدوا أصحابه على الإيمان به. وقال قتادة: الناس :
العرب، حسدتهم اليهود على النّبوة. وقال الضّحّاك: حسدت اليهود قريشاً؛
لأن النّبوة فيهم. والأقوال كلها متقاربة.
والحسد مذموم، وصاحبه مغموم، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار
الحطب، كما رواه ابن ماجه عن أنس عن النَّبِي وَلِه.
لاً - نعم الله وأفضاله على آل إبراهيم: أخبر الله تعالى أنه آتى آل إبراهيم
الكتاب والحكمة وآتاهم ملكاً عظيماً. قال همام بن الحارث: أُيِّدوا بالملائكة.
وقيل عن ابن عباس: يعني ملك سليمان، وكان لداود تسع وتسعون امرأة،
ولسليمان أكثر من ذلك.

١٢٢
الُ (٥) - الشَّاءِ: ٥٦/٤-٥٧
واختار الطبري أن يكون المراد ما أوتيه سليمان من الملك وتحليل النساء.
والمراد تكذيب اليهود والرّدّ عليهم في قولهم: لو كان نبيّاً ما رغب في كثرة
النّساء، ولشغلته النّبوة عن ذلك؛ فأخبر تعالى بما كان لداود وسليمان
يوتِّجهم، فأقرّت اليهود أنه اجتمع عند سليمان ألف امرأة، فقال لهم النَّبي
﴿جر: ((ألف امرأة؟!))، قالوا: نعم، ثلاث مئة مَهْريّة، وسبع مئة سُرِّية(١)،
وعند داود مئة امرأة. فقال لهم النَّبِي وَلّ: ((ألف عند رجل، ومئة عند رجل
أكثر أو تسع نسوة؟)) فسكتوا.
عقاب الكافرين وثواب المؤمنين
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَصِحَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ
وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ
جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابُّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥)
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا أَبَدًا لَهُمْ
(٥٧
فِيهَا أَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا
الإعراب:
﴿خَلِينَ﴾ حال منصوب من ضمير ﴿سَنُدْ خِلُهُمْ﴾. ﴿أَبَدًا﴾ ظرف زمان
منصوب. ﴿لَهُمْ فِهَا أَزْوَجٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة حالية، أو استئنافية.
البلاغة:
يوجد طباق بين ﴿ءَامَنُواْ﴾ و﴿كَفَرُواْ﴾.
ويوجد جناس اشتقاق في ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾.
(١) الشُّرِّية: الأمة التي بوأتها بيتاً، وهي فُعْليّة منسوبة إلى السّر وهو الإخفاء لسترها عن الحرّة
عادة.

١٢٣
اِلُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٥٦/٤-٥٧
{ لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ استعارة، استعير لفظ الذوق الذي يكون باللسان، إلى
الألم الذي يصيب الإنسان، وله صفة الدوام وعدم الانقطاع.
المفردات اللغوية:
: كَفَرُوا﴾ أنكروا وغفلوا عن النظر في آيات الله، وشككوا فيها مع العلم
بصحّتها. ﴿بَايَتِّنَا﴾ أي بالأدلّة التي ترشد أن هذا الدّين حق، ومن أجلّها
القرآن.
﴿نُصْلِهِمْ﴾ نشويهم أو ندخلهم. ﴿نَضِحَتْ جُلُودُهُم﴾ احترقت وتلاشت.
﴿بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ بأن تعاد إلى حالها الأولى غير محترقة. ﴿لِيَذُوقُواْ
الْعَذَابٌ﴾ لیقاسوا شدّته.
﴿عَزِزًا﴾ غالباً قادراً لا يعجزه شيء. ﴿حَكِيمًا﴾ في خلقه، يضع الشيء في
موضعه المناسب، أو هو المدبِّر للأشياء على وفق الحكمة والصواب.
﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ من العيوب والأدناس الحسية كالحيض والمعنوية . ﴿خَالِدِينَ﴾
دائمين. ﴿ظِلََّ ظَلِيلًا﴾ ظلاًّ وارفاً دائماً لا تنسخه شمس ولا يصحبه حرّ ولا
برد، وهو ظلّ الجنّة. وهذه صيغة مبالغة وتأكيد، مثل قولهم: ليل أليل. وقد
يعبر بالظل عن العزة والنعمة والرفاهية، فيقال: ((السلطان ظل الله في أرضه)).
المناسبة:
هذا جزاء الفريقين: المؤمنين والكفار، الذين أشارت إليهم الآية السابقة
بأن بعض الناس صدَّق بالأنبياء، وبعضهم الآخر أعرض عن اتباع الحق.
التفسير والبيان:
إن الذين كفروا بآياتنا المنزلة على أنبيائنا، وبخاصة القرآن الذي هو خاتم
الكتب الإلهية وأكملها وأبينها، سوف نحرقهم بالنار، ثم أخبر الله تعالى عن

١٢٤
لُزُرُ (٥) - النَشَاءِ: ٥٦/٤-٥٧
دوام عقوبتهم ونكالهم فقال: ﴿كَلَّمَا نَضِحَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ أي
كلما احترقت جلودهم، حتى لم تعد صالحة لنقل الإحساس بالألم إلى الدماغ
في مركز الشعور، بدّلناهم جلوداً أخرى حيّة تشعر بالألم وتحسّ بالعذاب، عن
رسول الله وَالى: ((تبدّل جلودهم كل يوم سبع مرات)).
والسبب هو أن يذوقوا العذاب، أي يدوم لهم ذوقه ولا ينقطع، كقولك
للعزيز: أعزّك الله، أي أدامك على عزك وزادك فيه، وهذا مثل قوله تعالى:
(كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧ /٩٧].
ثم أكّد الله تعالى علّة العقاب وبيَّن مدى القدرة عليه، فذكر أنه تعالى عزيز
قادر لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين، حكيم لا يعذب إلا بعدل، ولا
يعاقب إلا على وفق الحكمة. ومن مقتضيات العدل: أن الكفر والمعاصي سبب
للعذاب أو العقاب، وأن الإيمان والعمل الصالح سبب للنعيم والجنة، فلكل
عمل ما يناسبه، لذا قرن ثواب المؤمن بجزاء الكافر، لإظهار الفرق بينهما.
والذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا صالح الأعمال، سيدخلهم ربهم سريعاً
جنّات تجري من تحتها الأنهار، يتمتعون فيها بالنعيم الدائم، وهم خالدون
فيها أبداً لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولاً، فلا ملل ولا سأم ولا
ضجر، جزاء لعملهم الصالح، إذ لا يكفي الإيمان وحده بغير العمل الصالح.
ولهم أزواج بريئات من العيوب الجسدية والخلقية أو الطباع الرّدية، فليس
فيهنّ ما يعكر المزاج، أو يكدر الصّفو. ونجعلهم في مكان ممتع ظليل لا حرّ
فيه ولا برد، وتلك نعمة كاملة، ورفاهية تامة.
ويلاحظ الفرق بين التعبير عن جزاء الكافرين بسوف وعن ثواب المؤمنين
بالسين، ليفيد تحقق الثواب بسرعة ويقين، ويبيِّن بُعْد العقاب المنتظر
للكافرين؛ لأنهم في أهوال المحشر ربّما كانوا في عذاب أشد من عذاب النّار.

١٢٥
لِكُمْ (٥) - النَشَاءِ: ٥٦/٤-٥٧
فقه الحياة أو الأحكام:
هاتان الآيتان تعقدان مقارنة واضحة بين مصير الفريقين: فريق الكافرين
وفريق المؤمنين.
أما الكافرون: فعذابهم محقق، والعذاب: هو تعذيب الأبدان وإيلام
الأرواح. فإن قيل: كيف جاز أن يعذب جلداً لم يعصه؟ قيل له: ليس الجلد
بمعذَّب ولا معاقب، وإنما العذاب للجملة الحساسة وهي التي عصت، لا
للجلد، والألم واقع على النفوس؛ لأنها هي التي تُحس وتعرف، فتبديل الجلود
زيادة في عذاب النفوس. ولوأراد الجلود لقال: ليذْنَ العذاب.
وتبديل الجلود: أن تأكله النار كل يوم سبع مرات، كما قال مقاتل. أو
سبعين مرة كما قال الحسن البصري، أو سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم قيل
لهم: عودوا، فعادوا كما كانوا.
والله قادر على ذلك العذاب لا يعجزه شيء ولا يفوته، حكيم في تدبيره
شؤون خلقه وفي إبعاده عباده.
وأما المؤمنون: فثوابهم محقق أيضاً ومقطوع به يقيناً، له مظاهر عديدة،
منها التمتع بجنان الخلد، والتزوج بالحور العين، والاستظلال بظلّ كثيف لا
شمس فيه، ولا يدخله ما يدخل ظلّ الدُّنيا من الحرّ والسَّموم(١) ونحو ذلك.
(١) السَّموم: الريح الحارة، تؤنث، وجمعها سمائم.
...

١٢٦
مسـ
الجُزُ (٥) - النَشَاءِ: ٥٨/٤-٥٩
منهاج الحكم الإسلامي
أداء الأمانات والحقوق إلى أهلها والحكم بالعدل
وإطاعة الله والرسول وولاة الأمور
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُّكُمْ أَن تُؤَذُواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِّ إِنَّ اللَّهَ فِنَا يَعِتُكُمْ بٍِّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا لَه
أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
٥٩
القراءات:
﴿ يَأْمُرُّكُمْ﴾:
وقرأ ورش، وحمزة وقفاً: (يامركم).
﴿أَنْ تُؤَدُّواْ﴾:
وقرأ ورش، وحمزة وقفاً: (أن تَوَدوا).
نِعِمًا ﴾: قرئ:
١- (نَعِمًا) وهي قراءة ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (نِعِمًا) وهي قراءة ورش، وابن كثير، وحفص.
٣- (نِعْما) وهي قراءة قالون، وأبي عمرو.
الإعراب:
﴿أَنْ تُؤَدُّواْ﴾ و﴿ أَنْ تَحْكُمُواْ﴾ في موضع نصب؛ لأن التقدير: بأن تؤدوا
وبأن تحكموا، فلما حذف حرف الجر، اتصل الفعل به، فاستحق النصب.

١٢٧
الُعُ (٥) - الْتَشَاءِ: ٥٨/٤-٥٩
البلاغة:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ إيراد الأمر بصيغة الإخبار وتأكيده بـ ﴿إِنَّ﴾ للتفخيم
وتأكيد وجوب العناية والامتثال وتكرار الاسم الجليل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾،
﴿إِنَّ اللّهَ نِعِهَا يَعِظُكُمْ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيَعًا﴾ لغرس المهابة في النفس.
المفردات اللغوية:
﴿ اَلْأَمَنَتِ﴾ جمع أمانة: وهي ما يؤتمن الشخص عليه، وفي عرف الناس:
هي كل ما أخذته بإذن صاحبه. وتعمّ جميع الحقوق المتعلّقة بالذّمة، لله أو
للناس أو لنفسه، ويسمى حافظها أميناً وحفيظاً ووفيّاً، ومن لا يحفظها ولا
يؤدِّيها خائناً.
(پِالْعَدْلِ﴾ إيصال الحق إلى صاحبه من أقرب طريق .﴿نِعًِا﴾ فيه ادغام ميم
(نِعْم)) في ((ما)) النكرة الموصوفة أي نعم الشيء ﴿يَعِظُكُمْ بِّهِ﴾ تأدية الأمانة
والحكم بالعدل. ﴿تَأْوِيلًا﴾ مآلاً وعاقبة.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٨):
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾: عن ابن عباس قال: لما فتح رسول الله مَ له مكة، دعا
عثمان بن طلحة، فلما أتاه قال: أرني المفتاح، فأتاه به، فلما بسط يده إليه،
قام العباس، فقال: بأبي أنت وأمي، اجمعه لي مع السقاية، فکفّ عثمان یده،
فقال رسول الله وَلقر: هات المفتاح يا عثمان، فقال: هاك بأمانة الله، فقام
ففتح الكعبة، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل بردّ المفتاح، فدعا
عثمان بن طلحة، فأعطاه المفتاح، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ
إِلَ أَهْلِهَا﴾ حتى فرغ من الآية.
وأخرج شعبة في تفسيره عن حجاج عن ابن جريج قال: نزلت هذه الآية

١٢٨
الْجُمُ (٥) - النِّسَاءِ: ٥٨/٤-٥٩
في عثمان بن طلحة، أخذ منه رسول الله وَلاو مفتاح الكعبة، فدخل به البيت
يوم الفتح، فخرج، وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فناوله المفتاح. قال:
وقال عمر بن الخطاب: لما خرج رسول الله وَل من الكعبة، وهو يتلو هذه
الآية، فداه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك، قلت: ظاهر هذا أنها نزلت
في جوف الكعبة.
نزول الآية (٥٩):
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ﴾: روى البخاري عن ابن عباس قال: نزلت
هذه الآية في عبد الله بن حُذافة بن قيس، إذ بعثه النَّبِي ◌َِّ في سرية.
قال الداودي: هذا وهم يعني الافتراء على ابن عباس، فإن عبد الله بن
حذافة خرج على جيش فغضب، فأوقد ناراً، وقال: اقتحموا، فامتنع بعض،
وهم بعض أن يفعل، قال: فإن كانت الآية نزلت قبل، فكيف يخصّ عبد الله
بن حذافة بالطاعة دون غيره، وإن كانت نزلت بعد، فإنما قيل لهم: ((إنما
الطاعة في المعروف)) وما قيل لهم: لمَ لم تطيعوه؟
وأجاب الحافظ ابن حجر بأن المقصود من قصته: فإن تنازعتم في شيء،
فإنهم تنازعوا في امتثال الأمر بالطاعة والتوقف، فراراً من النار، فتناسب أن
ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع، وهو الرد إلى الله
والرسول.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى ثواب الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ذكر بعض تلك
الأعمال وأجلَّها وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس وإطاعة الله
والرسول وأولي الأمر.
التفسير والبيان:
إن السبب الخاص الذي نزلت آية أداء الأمانات من أجله لا يخصص
بـ٧

١٢٩
لُزْءُ (٥) - الشَّة: ٥٨/٤-٥٩
عموم اللفظ، وإنما العبرة عادة في كل آي القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب، فهي أمر عام بأداء الأمانات إلى أهلها لكل مسلم في كل أمانة في ذمته
أو تحت يده، ويتناول كل ما يؤتمن عليه الإنسان، سواء أكان ذلك في حق
نفسه، أم في حق غيره من العباد، أم في حق ربه.
فرعاية الأمانة في حقوق الله: امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، واستعمال
مشاعره وأعضائه فيما يقربه من ربه. ذكر أبو نعيم في الحلية حديثاً مرفوعاً من
حديث ابن مسعود عن النبي وَّ قال: ((القتل في سبيل الله يكفِّر الذنوب كلها))
أو قال: ((كل شيء إلا الأمانة)) والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم،
والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع. وقال جمع من الصحابة (ابن مسعود
والبراء بن عازب وابن عباس وأبي بن كعب): الأمانة في كل شيء في الوضوء
والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع. وقال ابن
عباس: لم يرخص الله لمعسر ولا موسر أن يمسك الأمانة. وقال ابن عمر:
خلق الله فَرْج الإنسان، وقال: هذا أمانة خبأتها عندك، فاحفظها إلا بحقها.
ورعاية الأمانة في حق النفس: ألا يفعل الإنسان إلا ما ينفعه في الدين
والدنيا والآخرة، وألا يقدم على عمل يضره في آخرته أو دنياه، ويتوقی أسباب
المرض، ويعمل بقواعد علم الصحة، لقوله ◌َ﴿ فيما رواه أحمد والشيخان
وأبو داود والترمذي عن ابن عمر: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته))
وقوله في الحديث الصحيح: ((إن لنفسك عليك حقاً)).
ورعاية الأمانة في حق الآخرين: رد الودائع والعواري، وعدم الغش في
المعاملات، والجهاد والنصيحة، وعدم إفشاء أسرار الناس وعيوبهم.
ووردت آيات وأحاديث كثيرة في حفظ الأمانة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَجَمَلَهَا اُلْإِنسَنُ﴾ [الأحزاب: ٧٢/٣٣]. ومنها: ﴿وَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ

١٣٠
الجُزُعُ (٥) - النِّسَاءِ: ٥٨/٤-٥٩
[المؤمنون: ٨/٢٣] ومنها: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
رَعُونَ
وَتَخُونُواْ أَمَنَتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧/٨].
وقال ◌َله - فيما يرويه أحمد وابن حبان عن أنس -: ((لا إيمان لمن لا أمانة
له، ولا دين لمن لا عهد له)) وقال أيضاً فيما رواه الشيخان والترمذي والنسائي
عن أبي هريرة: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا
اؤتمن خان».
وأداء الأمانات واجب، ولا سيما عند طلبها من صاحبها، ومن لم يؤدها
في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول
الله وَّ قال فيما رواه أحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي عن أبي
هريرة: ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القَرْناء)).
وإذا هلكت الأمانة أو ضاعت أو سرقت، فإن كان ذلك بتعدٍ أو تقصير أو
إهمال ضمنت، وإلا فلا تضمن.
وبعد استقرار الأمانات يأتي دور الحكم بالعدل بين الناس، لذا أمر الله
تعالى به، فالأمانة هي أساس الحكم الإسلامي، والعدل هو الأساس الثاني،
والمخاطب بالأمرين هم جمهور الأمة.
والعدل: أساس الملك، وأمر تقتضيه الحضارة والعمران والتقدم، وتشيد
به كل العقول، وأصل من أصول الحكم في الإسلام، ولا بد للمجتمع منه
حتى يأخذ الضعيف حقه، ولا يبغي القوي على الضعيف، ويستتب الأمن
والنظام، وأجمعت الشرائع السماوية على وجوب إقامة العدل، فعلى الحاكم
وأتباعه من الولاة والموظفين والقضاة التزام العدل، حتى تصل الحقوق
لأهلها، وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في الأمر بالعدل، منها قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠/١٦] ومنها: ﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢/٦] ومنها: ﴿أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَنَ﴾

١٣١
الزُ (٥) - النِّشَاءِ: ٥٨/٤-٥٩
[المائدة: ٨/٥] ومنها: ﴿كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨/٥] وأمر
الله به داود: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِى الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ﴾
[ص: ٢٦/٣٨].
وروى أنس عن النبي وَليقول: ((لا تزال هذه الأمة بخير، ما إذا قالت
صدقت، وإذا حكمت عدلت، وإذا استرحمت رحمت)).
وندد الله تعالى بالظلم والظالمين في آيات عديدة منها: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ
غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢/١٤] ومنها: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢/٣٧]. ومن أخطر أنواع الظلم: الحكم بغير ما أنزل
الله، وظلم الحكام: ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةًٌ بِمَا ظَلَمُواْ﴾ [النمل: ٥٢/٢٧]
وظلم القضاة. وتحاشي الظلم من القاضي يكون بفهم الدعوى أولاً، ثم عدم
التحيز إلى أحد الخصمين، ومعرفة حكم الله، وتولية الأكفاء.
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ﴾ إشارة إلى أنه لا بد من إقامة
حاكم يحكم بين الناس بالحق.
ثم بَيَّن الله تعالى فائدة الأمر بالعدل وأداء الأمانة، فقال: ﴿إِنَّ اللََّ نِنَّا
يَعِظُكُم بِنَّةٍ﴾ أي نعم الشيء الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف يرجع
إلى المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَنَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ يبصر ما يحدث منكم من أداء الأمانة وخيانتها،
ويسمع ما يكون من حكمكم بين الناس، فيحاسبكم ويجازيكم، فهو أعلم
بالمسموعات والمبصرات.
ثم أمر الله تعالى بما يدعو إلى أداء الأمانة والتزام العدل وهو الأساس
الثالث للحكم الإسلامي، وهو إطاعة الله بتنفيذ أحكامه، وإطاعة الرسول
المبيِّن حكم ربه، وإطاعة ولاة الأمور.

١٣٢
لُرُ (٥) - النّشَكَاءِ: ٥٨/٤-٥٩
ومن هم أولو الأمر؟ ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بهم الحكام أو
أمراء السرايا. وذهب آخرون إلى أنهم العلماء الذين يبينون للناس الأحكام
الشرعية. وذهب الشيعة الإمامية إلى أنهم الأئمة المعصومون.
والظاهر إرادة الجميع، فتجب طاعة الحكام والولاة في السياسة وقيادة
الجيوش وإدارة البلاد، وتجب إطاعة العلماء في بيان أحكام الشرع، وتعليم
الناس الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال ابن العربي: والصحيح
عندي أنهم الأمراء والعلماء جميعاً، أما الأمراء فلأن أصل الأمر منهم
والحكم إليهم. وأما العلماء فلأن سؤالهم واجب متعين على الخلق، وجوابهم
لازم، وامتثال فتواهم واجب(١).
ويرى الفخر الرازي أن المراد من أولي الأمر: أهل الحل والعقد، ليستدل
بالآية على حجية الإجماع الصادر من العلماء.
فإن حدث تنازع واختلاف بينكم وبين أولي الأمر منكم في شيء من أمور
الدين، ولم يوجد نص في القرآن ولا في السنة، يرد الأمر المتنازع فيه إلى
القواعد العامة المقررة في القرآن والسنة، فيؤخذ بما يوافقهما، ويرد ما
يخالفهما، وهذا ما يسمى في علم أصول الفقه بالقياس.
وقد أقر النبي ◌َسير العمل بالقياس، فحينما أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن
قاضياً قال له: كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله،
قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنة نبي الله، قال: فإن لم يكن في
كتاب الله وسنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال: فضرب رسول الله
على صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول
الله(٢).
(١) أحكام القرآن: ٤٥٢/١
(٢) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن عدي والطبراني والدارمي والبيهقي.

١٣٣
الُزُ (٥) - التَشَاءِ: ٥٨/٤-٥٩
وأشعر قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أن المتنازع فيه مما لا نص فيه،
وإلا كان واجب الطاعة، غير محل للنزاع.
وردوا الشيء المتنازع فيه إلى الله ورسوله بعرضه على الكتاب والسنة إن
كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فإن المؤمن لا يقدم شيئاً على حكم الله، كما
أنه يقصد الآخرة ورضوان الله أكثر من حرصه على الدنيا. وهذا وعيد من الله
لكل من حاد عن طاعة الله ورسوله، والرد إليهما عند الاختلاف، وهو في
معنى قوله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥/٤] وعن النبي ◌َّر فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي
هريرة: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع
أميري فقد أطاعني، ومن يعص أميري فقد عصاني)).
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ إشارة إلى ما أمروا به من طاعة الله ورسوله
والرد إليهما عند التنازع، وذلك أحسن تأويلاً أي مآلاً وعاقبة.
فقه الحياة أو الأحكام:
آية الأمانة والعدل من أمهات آيات الأحكام التي تضمنت جميع الدين
والشرع. والأظهر أن الآية خطاب عام لجميع الناس، فهي تتناول الولاة فيما
إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد الظلامات، والعدل في الأقضية.
وهي تدل على أساسين من أسس الحكم في الإسلام، ويتبع الأفراد
الحكام:
الأول - أداء الأمانات إلى أهلها. أما الوديعة فلا يلزم أداؤها حتى تطلب.
وأما اللقطة فتعرَّف سنة ثم تستهلك وتضمن إن جاء صاحبها، والأفضل أن
يتصدق بها. وأما المأجور والعارية فيلزم ردهما إلى صاحبهما بعد انقضاء عمله،
قبل أن يطلبهما، وأما الرهن فلا يلزم فيه أداء حتی یؤدی إلی الدائن دينه.

١٣٤
الجُزءُ (٥) - النِّسَاءِ: ٥٨/٤-٥٩
الثاني - الحكم بالعدل بين الناس.
والخطاب في الحكمين كما أوضحت للولاة والأمراء والحكام، ويدخل
معهم جميع الخلق. قال ◌َّ﴾ فيما رواه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو:
((إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه
يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما وَلُوا)) وقال أيضاً: ((كلكم راع
وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع
على أهله وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولةً
عنه، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم
مسؤول عن رعيته))(١). فجعل النبي في هذه الأحاديث الصحيحة كل هؤلاء
رعاة وحكّاماً على مراتبهم، وكذلك العالم الحاكم؛ لأنه إذا أفتى، حكم
وقضى، وفصل بين الحلال والحرام، والفرض والندب، والصحة والفساد،
فجميع ذلك أمانة تؤدى، وحكم يُقْضَى.
والله تعالى سميع وبصير، يسمع ويرى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَآ
أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦/٢٠] يسمع الأحكام الصادرة فيجازي بها، ويبصر
وقائع أداء الأمانات وخيانتها، فيحاسب عليها.
ولما أمر الله الولاة والحكام بأداء الأمانات والحكم بين الناس بالعدل، أمر
الرعية بطاعته عز وجل أولاً بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله
ثانياً فيما أمر به ونهى عنه، ثم بطاعة الأمراء ثالثاً، لكن تجب طاعة الأمراء أو
السلطان فيما فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية. روي عن علي بن
أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي
الأمانة، فإذا فعل ذلك، وجب على المسلمين أن يطيعوه؛ لأن الله تعالى أمرنا
بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته.
(١) رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر.

١٣٥
الُ (٥) - النِّسَاءِ: ٥٨/٤-٥٩
وكذلك تجب طاعة أهل القرآن والعلم أي الفقهاء والعلماء في الدين.
وقال ابن كَيْسان: هم أولو العقل والرأي الذين يدبرون أمر الناس. والأصح
الرأي الأول؛ لأن أصل الأمر من العلماء والحكم إليهم. والعقل وإن كان
مؤيداً للدين وعماداً للدنيا، فلا يتفق مع ظاهر اللفظ.
فإن حدث التنازع بين الأمة وبين الأمراء، رد الحكم إلى كتاب الله، أو إلى
رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته وَلّ، وذلك نظير قوله
تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ
مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣/٤] وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ- أَنْ تُصِيبَهُمْ
فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣/٢٤] ومدعاة ذلك: الإيمان بالله
وباليوم الآخر، وعاقبة الرجوع إلى القرآن والسنة ومآله أو مرجعه هو خير من
التنازع.
واستنبط العلماء من هذه الآية أن مصادر التشريع الأصلية أربعة وهي:
الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ لأن الأحكام إما منصوصة في كتاب أو
سنة، وذلك قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ والسنة: هي ما أثر عن
النبي ◌َّ من قول أو فعل أو تقرير، وإما مجمع عليها من أهل الحل والعقد من
الأمة بعد استنادهم إلى دليل شرعي اعتمدوا عليه، وذلك قوله: ﴿وَأُوْلِ الْأَمِّ
مِنْكُمْ﴾ وإما غير منصوصة ولا مجمع عليها، وهذه سبيلها الاجتهاد والقياس :
وهو عرض المسائل المتنازع فيها على القواعد العامة في الكتاب والسنة، وذلك
قوله: ﴿فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُوُهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
وأما المصادر التبعية الأخرى كالاستحسان الذي يقول به الحنفية،
والمصالح المرسلة التي يقول بها المالكية، والاستصحاب الذي يقول به
الشافعية، فهي في الحقيقة راجعة إلى المصادر الأربعة الأصلية.

١٣٦
الجُرُ (٥) - التَّاءِ: ٦٠/٤-٦٣
مزاعم المنافقين ومواقفهم
﴿أَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن
قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِّ، وَيُرِيدُ
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلَا بَعِيدًا
فَكَيْفَ إِذَا
وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا
أَصَبَتْهُم قُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوَكَ يَخْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ
إِلَّ إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا ﴿﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ
عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا
القراءات:
﴿قِيلَ﴾ :
وقرأ الكسائي بإشمام كسرة القاف الضم.
الإعراب:
يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾: صدوداً: منصوب انتصاب المصادر، وهو
اسم أقيم مقام المصدر، والمصدر في الحقيقة: هو الصدّ.
البلاغة:
﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ استفهام يراد به التعجب.
ويوجد جناس مغاير في ﴿يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا﴾ وفي ﴿ وَقُل لَّهُمْ فِى أَنْفُسِهِمْ
قَوْلًا﴾ وفي ﴿يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾.
المفردات اللغوية:
﴿يَرْعُمُونَ﴾ الزعم: القول حقاً كان أو باطلاً، ثم كثر استعماله في

١٣٧
الُعُ (٥) - الْشَاءِ: ٦٠/٤-٦٣
الكذب . ﴿الطَّاغُوتِ﴾ الكثير الطغيان وهو كعب بن الأشرف. (ضَلَلًا
بَعِيدًا﴾ إعراضاً عن قبول الحق.(صُدُودًا﴾ إعراضاً متعمداً عن قبول
حكمك.﴿إِحْسَنًا﴾ أي في المعاملة بين الخصوم. ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ أي تسوية
بينهم وبين خصومهم بالصلح. ﴿فَأَعْرِضٌ عَنْهُمْ﴾ اصرف وجهك عنهم.
﴿ وَعِظُهُمْ﴾ ذكرهم بالخير بنحو ترق له قلوبهم. ﴿قَوَّلَا بَلِيغًا﴾ كلاماً مؤثراً في
نفوسهم.
سبب النزول:
نزول الآية (٦٠):
﴿أَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَرْعُمُونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند
صحيح عن ابن عباس قال: كان أبو بَرْزَة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود
فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه أناس من أسلم، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّ إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الجلاس بن الصامت
ومُعْتِب بن قُشَير، ورافع بن زيد، وبِشْر يدّعون الإسلام، فدعاهم رجال من
قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله وَلير، فدعوهم إلى
الكهان: حكام الجاهلية، فأنزل الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾
الآية.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من
المنافقين خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك، أو قال إلى النبي؛
لأنه علم أنه لا يأخذ الرشوة في الحكم، فاختلفا واتفقا على أن يأتيا كاهناً في
جهينة، فنزلت.
وقال الكلبي عن ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين

١٣٨
الزُهُ (٥) - النِّسَاءِ: ٦٠/٤-٦٣
يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي
كعب بن الأشرف وهو الذي سماه الله تعالى الطاغوت، فأبى اليهودي إلا أن
يخاصمه إلى رسول الله وَّله، فلما رأى المنافق ذلك، أتى معه إلى رسول الله
وَل فيه، فاختصما إليه، فقضى رسول الله وَل و لليهودي، فلما خرجا من عنده،
لزمه المنافق، وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب.
فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمنا أنا وهذا إلى محمد، فقضی علیه،
فلم یرض بقضائه، وزعم أنه مخاصم إليك، وتعلق بي، فجئت إليك معه،
فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال لهما: رويداً حتى أخرج
إليكما، فدخل عمر وأخذ السيف فاشتمل عليه، ثم خرج إليهما، وضرب به
المنافق حتى برد (مات) وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء
رسوله، وهرب اليهودي، ونزلت هذه الآية، وقال جبريل عليه السلام: إن
عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق(١).
والخلاصة: اختار الطبري أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي.
المناسبة:
بعد الأمر الإلهي السابق بطاعة الله وطاعة الرسول وأولي الأمر، كشف الله
عن موقف المنافقين الذين لا يطيعون الرسول، ولا يرضون بحكمه، بل
يريدون حكم غيره كالكاهن أبي برزة الأسلمي أو الطاغية كعب بن الأشرف.
التفسير والبيان:
هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله
وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ٩٣، تفسير القرطبي: ٢٦٤/٥

١٣٩
الُ (٥) - النِّسَاءِ: ٦٠/٤-٦٣
إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب النزول. والآية أعم من ذلك
كله، فإنها ذامَّة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكم إلى ما سواهما من
الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا.
انظر إلى أمر فئة زعموا الإيمان بالنبي محمد وبالأنبياء قبله وبما أنزل إليهم
من الكتب، وشأن الإيمان الصحيح بكتب الله ورسله العمل بما شرعه الله على
ألسنة الرسل، فإذا تخطوا ذلك كانوا غير مؤمنين في الواقع.
هؤلاء المنافقون إذ لم يقبلوا التحاكم إلى النبي محمد بَله، وتحاكموا إلى
الطاغوت والضُّلّال من الكهنة كأبي بَرْزة الأسلمي، أو اليهود مثل كعب بن
الأشرف الذي سمي طاغوتاً لإفراطه في الطغيان وعداوة النبي ◌َّر والتأليب
عليه والبعد عن الحق، مع أنهم أمروا في القرآن أن يكفروا بالطاغوت
ويجتنبوه، إنهم إذ لم يقبلوا ذلك، دل على عدم إيمانهم، فألسنتهم تدعي الإيمان
بالله وبما أنزله على رسوله، وأفعالهم تدل على الكفر بهما، وإيمانهم بالطاغوت
وإيثارهم حكمه، وهذا دليل الخروج على الإسلام.
ومن أوامر القرآن بالكفر بالطاغوت قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِ
أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦/١٦] وقوله:
﴿فَمَن يَكْفُرْ بِلَّهُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)
[البقرة: ٢٥٦/٢].
وهم بفعلهم ذلك كانوا تلامذة الشيطان، ويريد الشيطان أن يضلهم
ويبعدهم عن الحق مسافة بعيدة، حتى لا يهتدوا إلى طريق الحق أصلاً.
والدليل على ذلك أنه إذا قيل لأولئك الزاعمين الإيمان: تعالوا نحتكم إلى
ما أنزل الله في القرآن وإلى الرسول، فهو الصراط القويم، رأيت هؤلاء
المنافقين يعرضون عنك يا محمد وعن دعوتك، ويرغبون عن حكمك، بكل
إصرار وعناد وتعمد للصدود. وهذه الآية مؤكدة لما سبق من تحاكمهم إلى

١٤٠
لُعُ (٥) - الْتَشَخَّاءِ: ٦٠/٤-٦٣
الطاغوت وأصحاب الأهواء والجهلة، فمن أعرض عن حكم الله متعمداً،
كان منافقاً بلا شك.
وكيف يكون حال هؤلاء المنافقين إذا أطلعك الله على شأنهم في إعراضهم
عن حكم الله وعن التحاكم إليك، ووقعوا في مصاب أو عقوبة بسبب ذنوبهم
وما قدمت أيديهم من الكفر والمعاصي والمواقف المفضوحة، ثم اضطروا إلى
الرجوع إليك لكشف ماحل بهم من المصائب، فلا يقدرون على الإعراض
والفرار منها، ثم جاؤوك - وهو معطوف على ﴿ يَصُدُّونَ﴾ - يزعمون کاذبین
أنهم ماكانوا يريدون بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحساناً في المعاملة، وتوفيقاً
بينهم وبين خصومهم بالصلح، أو اعتذروا إليك وحلفوا: ما أردنا بذهابنا إلى
غيرك، وتحاكمنا إلى أعدائك إلا الإحسان والتوفيق، أي المداراة والمصانعة،
لا اعتقاداً منا بصحة ذلك التحاكم، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: ﴿فَتَرَی
الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ يُسَرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اَللَّهُ أَن
يَأَنَِ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ
٥٢
[المائدة: ٥٢/٥]. وهذا وعيد شديد على مافعلوا، وأنهم يندمون حين لا ينفع
الندم. ونظير ذلك: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧/٩].
هذا النوع من الناس وهم المنافقون الله يعلم ما في قلوبهم، وسيجزيهم على
ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، وهو عالم بظواهرهم وبواطنهم، فأعرض
عنهم أي لا تأبه بهم ولا تعنفهم على ما في قلوبهم، وعظهم أي وانههم عما في
قلوبهم من النفاق وسرائر الشر، وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع
لهم.
وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ أسلوب يستعمل
فیما یعظم من خير أو شر، فمقدار ما في قلوبهم من كفر وحقد ومکر و کید بلغ
حداً لا يحيط به إلا من يعلم السر وأخفى.