Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ الُ (٤) - الْتَشَخّةِ: ١٣/٤-١٤ الإعراب: ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ حال من هاء ﴿يُدْخِلْهُ﴾، والهاء تعود على ﴿مَنْ﴾ و(مَنْ): تصلح للواحد والجماعة، وإنما جمع حملاً على المعنى. (خَلِدًا فِيهَا﴾ حال من هاء ﴿يُدْخِلْهُ﴾، والهاء تعود على ﴿مَنْ﴾. ووحّد ﴿خَلِدًا﴾ حملاً على لفظ ﴿مَنْ﴾ وهم تارة يحملون على اللفظ وتارة على المعنى. البلاغة: يوجد طباق في ﴿وَمَن يُطِعِ﴾ .. و﴿وَمَنْ يَعْصِ﴾. المفردات اللغوية: ﴿خُدُودُ اللَّهِ﴾ جمع حد، وهي هنا شرائع الله وأحكامه التي حدها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها. وقد تطلق الحدود على المحارم التي منعها الله، ومنه سميت العقوبات المقدرة ((حدوداً)) ﴿مُهِيرٌ) ذو إهانة وذل. التفسير والبيان: أكد سبحانه وتعالى مضمون الإنذار السابق في قوله: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. بهذه الآيات، منبهاً إلى أن تلك الأحكام المتقدمة من بيان أموال اليتامى وأحكام الأزواج وأحوال المواريث هي حدود الله أي فرائضه ومقاديره وأحكامه التي جعلها الله قانون الأسرة في شأن اليتامى والرابطة الزوجية وقسمة المواريث بين الورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه. هي حدود الله وأحكامه فلا تعتدوها ولا تجاوزوها، ولا يصح لمسلم أن یتخطاها. ٦٢٢ الُرُ (٤) - النِشَكَّةِ: ١٣/٤-١٤ ومن يطع الله باتباع ماشرعه من الدين وأنزله على رسوله الكريم، ويطع الرسول باتباع ما بلَّغ به عن ربه من أحكام وآيات، فطاعة الرسول طاعة لله : ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠/٤]، من يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، ونحن نؤمن بها ونعتقد أنها أرفع من كل نعيم في الدنيا، وأن الطائعين خالدون فيها، وذلك هو الفوز العظيم: وهو الظفر والفلاح الذي لا يماثله فوز في الدنيا. ومن يتعدَّ حدود الله ويعص الله ورسوله ويتجاوز حرمات الله يدخله ناراً وقودها الناس والحجارة، وهم خالدون فيها، ولهم عذاب مقترن بالإهانة والإذلال؛ لأنه ضادّ الله في حكمه ولم يرض بما قسم الله وحكم. وفرق عظيم بين خلود أهل الجنة حيث يتمتعون بالنعيم الدائم والأنس مع بعضهم، وبين خلود أهل النار حيث يذوقون أشد العذاب مع إيحاش النفوس ونفرتها كما قال تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ◌َظَلَمْتُمْ أَتَّكُمْ فِ اُلْعَذَابِ ﴾ [الزخرف: ٣٩/٤٣]. (٣٩) مُشْتِكُنَ وأما عصاة المؤمنين فيعذبون في النار بقدر ذنوبهم، ثم يخرجون إلى الجنة، والعصيان الموجب للعذاب هو المقترن بتعمد المعصية والإصرار عليها، كما قال تعالى: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيْنَتُهُ فَأُوْلَئِكَ [البقرة: ٨١/٢]. أما المذنب الذي CAD أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ تورط في المعصية، ثم لام نفسه وتاب، فهو من الناجين كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥/٣]. فقه الحياة أو الأحكام: من رحمة الله العظمى بعباده أن بيَّن لهم الحلال والحرام وأوضح الشرائع والأحكام، ورغّب وأرهب، وحذّر وأنذر، فمن أطاع أوامر الله والرسول واجتنب المعاصي والمنكرات فجزاؤه الجنة خالداً فيها أبداً. ومن عصى الله ٦٢٣ الُ (٤) - النَِّّاءِ: ١٥/٤-١٦ والرسول فإن أدى عصيانه إلى الكفر فهو خالد في النار أبداً، وأما إن ظل مؤمناً وارتكب الكبائر وتجاوز أوامر الله فيستحق عذاب النار لمدة ما، دون خلود ولا مکث. جزاء الفاحشة في مبدأ التشريع ﴿ وَالَّتِ يَأْتِينَ اُلْفَحِشَةَ مِن ◌ِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُهُنَ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَقَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَّا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا القراءات: ﴿فِى الْبُيُوتِ﴾: قرئ: ١- بضم الباء (في البُيُوت)، وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص. ٢- (في البِيُوت) بكسر الباء، وهي قراءة الباقين. وَالَّذَانِ﴾: وقرئ: بتشديد النون، وهي قراءة ابن كثير. الإعراب: ﴿ وَأَلَّذَانِ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿فَاذُوهُمَّا) البلاغة: ﴿يَتَوَقَّهُنَّ اٌلْمَوْتُ﴾ مجاز عقلي، والمراد يتوفاهن الله أو ملائكته. ويوجد جناس مغاير في: «فإن تابا .. تواباً)». المفردات اللغوية: ﴿يَأْتِيِنَ اُلْفَحِشَةَ﴾ يفعلن الزنا. ﴿أَرْبَعَةُ مِّنكُمْ﴾ من رجالكم المسلمين. ﴿فَإِن شَهِدُواْ﴾ عليهن بها ﴿فَأَمْسِكُوهُنَ﴾ احبسوهن ﴿فِ اَلْبُيُوتِ﴾ ٦٢٤ الجُرُ (٤) - الْتَشَاءِ: ١٥/٤-١٦ امنعوهن من مخالطة الناس ﴿حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ﴾ أي يقبض أرواحهن ملَك الموت ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ طريقاً إلى الخروج منها. المناسبة: أبان سبحانه وتعالى سابقاً حكم الرجال والنساء في الزواج والميراث، وحذر من تخطي حدود الله، ثم بيَّن هنا حكم الحدود فيهن إذا ارتكبوا الفاحشة، أو الحرام أو الزنا؛ لأن ذلك من أقبح المعاصي التي يتخطى بها حدود الله، ولئلا تتوهم المرأة أنه يسوغ لها ترك التعفف. التفسير والبيان: كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت وثبت زناها بالبينة العادلة وهي أربعة شهود، حبست في بيت، فلا تمكَّن من الخروج منه حتى تموت. وكانت عقوبة الرجال الشتم والتعيير باللسان والضرب بالنعال، وظل الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد للأبكار، والرجم للمحصنين والمحصنات. عقوبة الزانيات: معنى الآية: النساء اللاتي يأتين أي يفعلن الفاحشة: وهي الفعلة القبيحة، والمراد بها هنا الزنا، فأشهدوا على زناهن أربعة من الرجال، فإن شهدوا فاحبسوهن في البيوت حتى يتوفاهن ملك الموت، أو يجعل الله لهن مخرجاً مما أتين به. وكان ذلك في مبدأ الأمر، ثم جعل الله لهن سبيلاً: الجلد والرجم. أخرج ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّتِ يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك: ﴿الزَِّيَةُ وَلَِّ فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا مِْئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢/٢٤] فإن كانا محصنين رُجما، فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما. ٦٢٥ الُزُ (٤) - النِّسَاءِ: ١٥/٤-١٦ وأخرج مسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت عن النبي وَّل ولفظه: ((خذوا عني، خذوا عني؛ قد جعل الله لهن سبيلاً؛ البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة؛ والثيب بالثيب جلد مئة والرجم)). واستقر رأي العلماء على أن الشطر الأخير من حديث عبادة منسوخ، وأن السبيل الذي جعل للثيب هو الرجم دون الجلد، لصحة الخبر عن رسول الله وَير أنه رجم ولم يجلد، فاستدلوا بما صح من فعل النبي وَّل على قوله في حديث عبادة. عقوبة الزناة: معنى الآية: الرجلان الزانيان اللذان يأتيان الفاحشة، وهذا قول مجاهد، أو الرجل والمرأة البكران اللذان يأتيان الفاحشة، وهذا قول السدي وابن زيد، فآذوهما بالقول وعيروهما ووبخوهما على فعلهما إذا لم يتوبا، فإن تابا وأصلحا عملهما وغيَرا أحوالهما، ورجعا عن فعل الفاحشة وندما، فاتركوا إيذاءهما، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ثم علل الأمر بالإعراض عنهما بقوله: إن الله كان تواباً على عباده، رحيماً بهم، وليس المراد بالإعراض: الهجر، ولكن المتاركة احتقاراً لهم بسبب المعصية المتقدمة. والخطاب هنا لأولي الأمر الحكام، والآية اشتملت على حكم الزانيات الثيبات، وحكم الزاني والزانية البكرين، ولم يذكر حكم الزاني الثيب، ولعله مقيس على المرأة الثيب. وهذا العقاب كان في مبدأ التشريع من قبيل التعزير المفوض أمره إلى الأمة في كيفيته ومقداره، ثم نسخ ذلك بآية النور: ﴿الَّانِيَةُ وَالَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢/٢٤] وبالأحاديث السابقة. ويرى أبو مسلم الأصفهاني الذي أنكر النسخ في القرآن: أن المراد بالآية ٦٢٦ الُ (٤) - الْشَاءِ: ١٥/٤-١٦ الأولى المساحقات التي تحصل بين النساء، وبالثانية: اللوطيان، وعلى هذا فلا نسخ. الأحكام: هذه أولى عقوبات الزناة في الإسلام، وكان هذا في ابتداء الإسلام، كما قال عبادة بن الصامت والحسن البصري ومجاهد حتى نُسخ بآية النور وبالرجم للثيب في الحديث. وهل كان السجن في البيت حداً أو توعداً بالحد؟ على قولين: أحدهما - أنه توعد بالحد. والثاني - أنه حد، قال ابن عباس والحسن البصري. وقال بعض العلماء: إن الأذى والتعيير باق مع الجلد؛ لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد. وأما الحبس فمنسوخ بالإجماع. أما الاستشهاد على الزنا بأربعة رجال مسلمين عدول فحكمه باق لم ينسخ. أما كونهم من المسلمين الذكور فلقوله تعالى: ﴿مِّنكُمْ﴾ وجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظاً على المدّعي وستراً على العباد، وتحديد الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَِّنَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثَُّّ لَ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤/٢٤]. وأما اشتراط العدالة في الشهود، فلأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة، والزنا أعظم، وهو بذلك أولى. وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل. ولا يصح كونهم من أهل الذمة، وإن كان الحكم على ذمية. وهل يجتمع النفي مع الجلد؟ الذي عليه الجمهور أنه ينفى الزاني مع الجلد، لحديث عبادة المتقدم، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد، وحديث العسيف وفيه: فقال النبي وَآل9: ٦٢٧ لُُ (٤) - النِّشَّةِ: ١٥/٤-١٦ ((والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد عليك، وجلد ابنه مئة وغرَّبه عاماً))(١). وقال الحنفية: لا تغريب مع الجلد؛ لأن النص الذي في القرآن إنما هو الجلد، والزيادة على النص نسخ، فيلزم عليه نسخ النص القاطع بخبر الواحد. وقد غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرَقْل فتنصر، فقال عمر: لا أغرِّب مسلماً بعد هذا. قالوا: ولو كان التغريب حداً لله تعالى ما ترکه عمر بعدُ. والجواب: قولهم: الزيادة على النص نسخ، ليس بمسلّم، بل زيادة حكم آخر مع الأصل، ثم إنهم زادوا الوضوء بالنبيذ بخبر لم يصح، على الماء. واشترطوا الفقر في ذوي القربى (وهم بنو هاشم وبنو المطلب) في إعطائهم من خمس الغنيمة في آية: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١/٨]. وأما حديث عمر وقوله: ((لا أغرب بعده مسلماً)) فيعني في الخمر، لما أخرجه الترمذي والنسائي عن ابن عمر: ((أن النبي ◌ََّ ضرب وغرّب، وأن أبا بكر ضرب وغرّب، وأن عمر ضرب وغرّب)). والتغريب للذكَر الحر، ولا تغرب المرأة في رأي المالكية؛ لأنها إذا غرِّبت ربما يكون ذلك سبباً لوقوعها فيما أخرجت بسببه وهو الفاحشة، وفي التغريب سبب لكشف عورتها وتضييع لحالها، ولأن الأصل منعها من الخروج من بيتها وأن صلاتها فيه أفضل. فحصل من هذا تخصيص عموم حديث التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار. (١) أخرجه الأئمة. ٦٢٨ الُرُ (٤) - النِّشَاءِ: ١٧/٤-١٨ حالة قبول التوبة ووقتها ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنّ تُبْتُ اُلْتَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّرُ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ١٨ القراءات: ﴿عَلَيْهِمْ﴾: وقرئ: (عليهم) وهي قراءة حمزة. ﴿َتُبْتُ الْكَنَ﴾: وقرئ: (تُبْتُ الآن)، بالنقل، وهي قراءة ورش. الإعراب: ◌ِجَهَلَةٍ﴾ حال. ﴿وَلَا الَّذِينَ﴾ مجرور بالعطف على قوله: ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾ وتقديره: وليست التوبة للذين يعملون السيئات ولا الذين يموتون وهم كفار. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّمَا الثَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي التوبة التي كتب على نفسه قبولها بفضله ﴿اُلُّوَءَ﴾ العمل القبيح أو المعصية. ﴿يَجَهَلَةٍ﴾ جاهلين إذا عصوا ربهم. والمراد بالجهالة: الجهل والسفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل، لا عدم العلم، وذلك يكون عند ثورة الشهوة أو الغضب، وكل من عصى الله فهو جاهل. ﴿أَعْتَدْنَا﴾ هيأنا وأعددنا. ٦٢٩ اِلُحُ (٤) - النِشَاءِ: ١٧/٤-١٨ المناسبة: أشار الله تعالى في الآية السابقة إلى أن توبة اللذين أتيا الفاحشة توجب ترك العقوبة والتعنيف وإزالة الإيذاء، فناسب أن يبين شروط قبول التوبة ووقتها. التفسير والبيان: إنما قبول التوبة والمغفرة متحقق على الله تفضلاً وإحساناً للذين يتورّطون في ارتكاب المعصية، ويقعون فيها جاهلين لا يقدرون الآثار والنتائج والمخاطر، ولم يصرّوا على المعصية؛ لأنهم فعلوها بدافع الهوى والشيطان، ثم تابوا قبل الغرغرة ولو بعد معاينة الملك يقبض الروح. وليس المقصود بالجهالة عدم العلم بالتحريم؛ لأن كل مسلم مطالب بتعلم ما هو حرام شرعاً، وإنما المراد تغلب الطيش والسفه على النفس عند ثورة الشهوة أو ثورة الغضب. قال مجاهد وغيره: كل من عصى الله خطأ أو عمداً فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب. وذكر قتادة عن أبي العالية: أنه كان يحدث أن أصحاب رسول الله وَلّ كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة(١). وقال عبد الرّزاق: أخبر معمر عن قتادة قال: اجتمع أصحاب رسول الله وَير، فرأوا أن كل شيء عُصي الله به فهو جهالة، عمداً كان أو غيره. بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣/٣٩] فليس المراد بالجهالة: أن يعمل السوء عالماً به. ويؤكد ذلك ما قال تعالى إخباراً عن يوسف عليه السّلام: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَ وَأَكُنُ مِنَ الَْهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣/١٢]، وقال تعالى لنوح: ﴿فَلَا تَسْتَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ إِّ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦/١١]. (١) رواه ابن جرير. ٦٣٠ لُُ (٤) - الْتَشَاءِ: ١٧/٤-١٨ والسّبب في تسمية العاصي جاهلاً وإن عصى عن علم: أنّ العاصي لربِّه لو قدر ما معه من العلم بالثواب والعقاب، لما أقدم على المعصية، إذ هو لا يرتكبها إلا جاهلاً بحقيقة الوعيد. هذا هو الشرط الأول: إيقاع المعصية عن جهالة، والشرط الثاني: أن يتوب الإنسان بعد الذنب بزمن قريب، والزمن القريب كما قال ابن عباس: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وقال الضّحاك: ما كان دون الموت فهو قريب. ومن: للتبعيض، والمعنى: ثم يتوبون بعد وقت قريب. وسمي ما بين وقوع المعصية وبين حدوث الموت زمناً قريباً، ففي أي جزء من هذا تاب فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد. ثم أكّد تعالى مبدأ قبول التوبة بالشرطين المذكورين فقال: أولئك الذين فعلوا الذنب بجهالة، وتابوا بعد زمن قريب، يتوب الله عليهم؛ لأنهم لم يصرّوا على ما فعلوا. وكان الله عليماً بضعف الإنسان أمام الشهوة والغضب، حكيماً في قبول توبة ذلك الضعيف. وبعد بيان حال من تقبل توبتهم، ذكر تعالى حال أضدادهم الذين لا تقبل توبتهم فقال: أوّلاً - لا توبة للذين يعملون السيئات، حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن، فلا أمل في الإصلاح حينئذٍ، ولا فائدة من التوبة. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٤٠] ٨٥]، وقوله حكاية عن فرعون لما أدركه الغرق: ﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَِّيلَ وَأَنْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ،َالْثَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنْتَ مِنَ [يونس: ٩٠/١٠-٩١]، وقوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ اٌلْمَوْتُ (٩١ الْمُفْسِدِينَ ٦٣١ للجُرعُ (٤) - النساء: ١٧/٤-١٨ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ ﴿ لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا [المؤمنون: ٩٩/٢٣ -١٠٠]. ثانياً - لا توبة أيضاً للذين يموتون وهم كفار. وهذا يحتمل وجهين: الأول - أن المراد بهم الذين قرب موتهم، بمعنى أن الإيمان لا يقبل من الكافر عند حضور الموت. الثاني - أن يكون المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر لا تقبل توبتهم. أولئك أي الفريقان السابقان أعتدنا أي هيأنا وأعددنا لهم عذاباً مؤلماً موجعاً، جزاءً لما كسبت أيديهم من السيئات، مع إصرارهم عليها حتى الممات. فقه الحياة أو الأحكام: اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اُلْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١/٢٤]. وقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ قيل: هذه الآية عامّة لكل من عمل ذنباً. وقيل: لمن جهل فقط، والتوبة لكل من عمل ذنباً في موضع آخر. وتصح التوبة من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه، خلافاً للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائباً من أقام على ذنب، ولا فرق بين معصية ومعصية. هذا مذهب أهل السنة. وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قبلها، وإن شاء لم يقبلها. وليس قبول التوبة واجباً على الله من طريق العقل كما قال المعتزلة؛ لأن من شرط الموجِب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه، والحق سبحانه خالق الخلق ومالكهم، والمكلّف لهم؛ فلا يصح أن يوصف بوجوب شيء عليه، تعالى الله عن ذلك. ٦٣٢ لِلُهُ (٤) - النِّسَاءِ: ١٧/٤-١٨ لكن الله سبحانه قد أخبر في قرآنه أنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده - وهو الصادق في وعده - بقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ اُلَّذِى يَقْبَلُ الثَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥/٤٢] وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوَبَّةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤/٩] وقوله: ﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢/٢٠] فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء. والخلاصة: ١ - العقيدة أنه لا يجب على الله شيء عقلاً؛ فأما النقل السمعي في القرآن فظاهره قبول توبة التائب. ٠ ٢ - التوبة تشمل كل أنواع السوء والمعاصي من كفر وغيره، فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته، كما تقدم، وأمور الدنيا كلها جهالة، سواء وقعت عمداً أو جهلاً. ٣ - التوبة في أثناء زمن قريب قبل المرض والموت، وكل ما كان قبل الموت فهو قريب. قال المالكية: إنما صحت من العبد في هذا الوقت؛ لأن الرجاء باقٍ، ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل. روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي ◌َّ قال: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِر)) قال: هذا حديث حسن غريب. ومعنى: ((ما لم يغرغر)): ما لم تبلغ روحه حُلْقومه، فيكون بمنزلة الشيء الذي یتغرغر به. ٤ - نفى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين صنفان: الأول - من حضره الموت وصار في حين اليأس؛ كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق، فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان؛ لأن التوبة في ذلك الوقت لا تنفع؛ لأنها حال زوال التكليف. والثاني - الكفار الذين يموتون على كفرهم، فلا توبة لهم في الآخرة، وإليهم الإشارة بقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وهو الخلود. وإن كانت الإشارة بقوله إلى الجميع، فهو في جهة العصاة عذاب لا ٦٣٣ اِلُ (٤) - النِشَاءِ: ١٩/٤-٢١ خلود معه؛ وهذا على تفسير السيئات بما دون الكفر، أي ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات، ثم تاب عند الموت، ولا لمن مات كافراً فتاب يوم القيامة. معاملة النساء في الإسلام تحريم إرث النساء كرهاً والعضل عن الزواج وأخذ شيء من المهور كرهاً والمعاشرة بالمعروف يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًّاً وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلََّ أَن يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَفٍْ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفٍ، فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًاً وَإِنْ أَرَدَثُمُ اُسْتِبْدَالَ زَوْجَ مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ كَثِيرًا قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُّبِينًا (٣) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَقًّا غَلِيظًا ٢١ القراءات: كَزْهًا﴾: وقرئ: (كُرْهاً) وهي قراءة حمزة والكسائي. ﴿ُبَيِّنَةٍَ﴾: وقرئ: (مبيّنة) وهي قراءة ابن كثير. الإعراب: ﴿أَنْ تَرِثُواْ﴾ فاعل مرفوع لفعل (يحل). ﴿كَرْهًا﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال .﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَ﴾ لا: إما نافية، والفعل منصوب بالعطف على ﴿أَنْ تَرِثُواْ﴾ وتقديره: لا يحل لكم أن ترثوا وأن تعضلوا، وتكون ﴿وَلَا﴾ تأكيداً للنفي غير عاملة. وإما ناهية، فيكون ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ مجزوماً بلا. ٦٣٤ لُعُ (٤) - النِّسَاءِ: ١٩/٤-٢١ ﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ﴾ في موضع نصب؛ لأنه استثناء منقطع. ﴿أَن تَكْرَهُواْ﴾ أن وصلتها في موضع رفع بعسى؛ لأن معناه: قربت كراهتكم لشيء. ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنًا﴾ منصوب على المصدر في موضع الحال من واو. تَأْخُذُونَهُ﴾ وتقديره: تأخذونه مباهتين.﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ حال أيضاً. البلاغة: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَقًّا غَلِيظًا﴾ استعارة تصريحية، استعار لفظ الميثاق للعقد الشرعي. ويوجد جناس ناقص في ﴿كِهْتُمُوهُنَّ﴾ ﴿أَنْ تَكْرَهُواْ﴾ ﴿وَءَاتَّيْتُمْ إِحْدَدهُنَّ قِنْطَارًا﴾ للمبالغة وتعظيم الشيء المعطى مهراً وأنه حق خالص للمرأة. (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ استفهام للتوبيخ والإنكار. المفردات اللغوية: ﴿النِّسَآءَ﴾ أي ذاتهن. ﴿كَرْهًا﴾ أي مكرهين على ذلك، وهو فعل أهل الجاهلية، كانوا يرثون نساء أقربائهم، فإن شاؤوا تزوجوهن بلا صداق، وإن شاؤوا زوجوهن وأخذوا صداقهن أو عضلوهن حتى يفتدين بما ورثنه، أو يمتن، فيرثوهن، فنهوا عن ذلك. ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم، بإمساكهن ولا رغبة لكم فيهن ضرراً. مأخوذ من العضل: وهو التضييق والمنع والحبس ومنه الداء العضال: الشديد الذي لا نجاة منه. ﴿بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ الفاحشة: الفَعْلة الشنيعة القبيحة أي الزنى أو النشوز، والمبينة: بكسر الياء: أي هي بينة ظاهرة واضحة، أو بفتح الياء أي بينت، فحينئذ لكم أن تضاروهن حتى يفتدين منكم ويختلعن ﴿وَعَاشِرُ وهُنَّ ٦٣٥ الُعُ (٤) - النِشَاءِ: ١٩/٤-٢١ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالإجمال في القول والنفقة والمبيت. والمعروف: ما تألفه الطباع السليمة ولا يستنكره الشرع ولا العرف ولا المروءة . ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ فاصبروا. (خَيْرًا كَثِيرًا﴾ لعله أن يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولداً صالحاً. (أُسْتِبْدَالَ زَوْجَ مَكَانَ زَوْجٌ﴾ بأن طلقتموها وأردتم أخذ بدلها. ﴿قِنِطَارًا﴾ مالاً كثيراً صداقاً ﴿بُهْتَنَا﴾ ظلماً وكذباً يبهت المكذوب عليه .﴿وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ حراماً بيناً. ﴿أَفْضَى﴾ وصل. ﴿بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي وصل كل منهما بالآخر بالجماع المقرر للمهر، كنى الله تعالى عن الجماع بلفظ الإفضاء لتعليم المؤمنين الأدب الرفيع، قال ابن عباس: الإفضاء في هذه الآية الجماع، ولكن الله كريم يكني .﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَقًا﴾ عهداً. (غَلِيظًا﴾ شديداً. فالميثاق الغليظ: العهد المؤكد الذي يربط الرجل بالمرأة بأقوى رباط وأحكمه، وهو ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. سبب النزول: نزول الآية (١٩): ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ﴾: روى البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري بسند حسن عن أبي أمامة سهل بن حنيف قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. ٦٣٦ الجُرْ (٤) - النِّسَاءِ: ١٩/٤-٢١ قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة، جاء ابنه من غيرها أو قرابته من عصبته، فألقى ثوبه على تلك المرأة، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها، ولم يعطها شيئاً، وإن شاء عضلها وضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها. فلما توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري، وترك امرأة: كُبَيْشَة بنت مَعْن الأنصارية، فطرح ابن له من غيرها يقال له: حصن ثوبه عليها، فورث نكاحها ثم تركها، فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارّها لتفتدي منه بمالها، فاشتكت إلى رسول الله وَله، فقال لها: اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية. التفسير والبيان: كانت المرأة قبل الإسلام مهضومة الحق، فقرر لها الله تعالى حقوقاً في شؤون الزواج، ونهى عن الاعتداء عليها. الحق الأول - تحريم إرث ذات النساء: ليست المرأة متاعاً يورث، فلا تورث زوجة المتوفى، ولا يحل لكم أيها المؤمنون تقليد أهل الجاهلية، فترثون المرأة كما ترثون الأموال والأمتعة، وتتصرفون فيها كما تشاؤون، وهن كارهات لذلك، فإن شاء أحدكم تزوجها، وإن شاء زوجها غيره، وإن شاء منعها الزواج. الحق الثاني - عضل المرأة: أي منعها من الزواج والتضييق عليها: ولا يحل لكم إرث النساء ولا التضييق عليهن حتى تفتدي المرأة نفسها منكم بالمال من ميراث أو صداق ونحو ذلك. أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كانت قريش بمكة ينكح الرجل منهم ٦٣٧ اِلُحُ (٤) - النِّسَاءِ: ١٩/٤-٢١ المرأة الشريفة فلعلها ما توافقه فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي الشهود فيكتب ذلك عليها، فإذا خطبها خاطب، فإن أعطته وأرضته أذن لها، وإلا عضلها، وكثيراً ما كانوا يضيقون عليهن ليفتدين منهم بالمال. والخطاب إلى الذين نهوا عن العضل إما الأزواج، وإما أولياء الميت الذين يرثون زوجته ويمنعونها من الزواج حتى تموت فيرثوها، وإما أولياء المرأة، وهذا غير مقبول؛ لأن أولياءها لم يؤتوها شيئاً ثم يذهبوا ببعض ما آتوه لها. والمراد بقوله: ﴿لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ألا تضاروهن في العشرة لتترك لكم ما أصدقتموها أو بعضه أو حقاً من حقوقها عليكم، أو شيئاً من ذلك على وجه القهر لها والإضرار. ثم استثنى الله تعالى حالاً واحدة يجوز فيها العضل أي الحبس والتضييق وهي حالة إتيان الفاحشة المبينة كالزنى والسرقة والنشوز عن الطاعة، ونحو ذلك من الأمور الممقوتة شرعاً وعرفاً، ففي هذه الحال يجوز العضل لاسترداد ما أعطوه من صداق وغيره من المال؛ لأن الإساءة من جانبها، واشتراط كون الفاحشة مبينة أي ظاهرة ثابتة إنما هو لمنع عضلها بمجرد سوء الظن والتُّهْمة بسبب غيرة الرجل الشديدة وتسرعه في الحكم على الزوجة البريئة، أو المرأة العفيفة، فيقع الرجل في الظلم حينئذ. الحق الثالث - المعاشرة بالمعروف: أي تطييب القول وتحسين الأفعال والهيئات والإنصاف بالنفقة والمبيت، فإن المرأة ذات عواطف ومشاعر وحساسية مرهفة، وهي تحب من الرجل مثل ما يحب هو منها، كما قال تعالى: ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨/٢] وقال رسول الله صل﴿ه فيما رواه ابن عساكر عن علي: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)) وكان من أخلاقه وَلّ أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى : ٦٣٨ للزُعُ (٤) - النِّسَاءِ: ١٩/٤-٢١ إنه كان يسابق عائشة رضي الله عنها يتودد إليها بذلك، ويجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك وَ له، وقد قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١/٣٣] وكان عليه الصلاة والسلام يقول فيما رواه ابن عمر في خطبة الوداع: ((استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوانٍ عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً، ولا يعصينكم في معروف، وإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف)». وأمره تعالى بقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِّ﴾ للرد على ما كان في الجاهلية، إذا كان الرجال يسيئون عشرة النساء، فيغلظون لهن القول، ويضاروهن. فإن كرهتموهن لعيب في أخلاقهن أو قبح في خَلْقهن، أو لتقصير في عمل واجب عليهن كخدمة البيت، أو لميل منكم إلى غيرهن، فاصبروا ولا تعجلوا بمضارتهن ولا بمفارقتهن، فربما يجعل الله فيهن خيراً كثيراً، فيجعل منهن زوجات رضيات يصلحن أحوالكم، أو يرزقكم منهن بأولاد نجباء صالحين، قال ◌َله فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة قال: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً، رضي منها آخر)) المعنى: لا يبغضها بغضاً كلياً يحمله على فراقها، فلا ينبغي له ذلك، بل يعفو ويصفح ويتغاضى عما يكره لما يحب. ولو تعقل الرجل الآية والحديث وعمل بهما شعر بالسعادة وأسعد الأسرة وتجنب كل ما قد يحدث من منازعات تؤدي إلى أبغض الحلال، وتوقع في الشقاء والخسران. الحق الرابع . حق المرأة في كامل المهر: الظلم قديم في الإنسان وفي طبعه، والرجل الظالم يعتمد على قوته عادة وعلى كون الطلاق بيده، وكان من ظلم الرجال للنساء وأطماعهم أن الرجل ٦٣٩ لُ (٤) - الْتَشَاءِ: ١٩/٤-٢١ إذا أراد تطليق امرأته، استرد ما دفعه لها من مهر، متذرعاً بوسائل كثيرة ومضايقات متنوعة منها الرمي بالفاحشة، فنهى الله عن ذلك في آيتي: ﴿وَإِنّ أَرَدَّثُمُ اُسْتِبْدَالَ﴾ و﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ وجعله بهتاناً وإثماً مبيناً، ووبخهم وأنكر عليهم ذلك بعد الإفضاء إلى المرأة وأخذ الميثاق الغليظ منهم، فقال: وإذا أردتم استبدال زوج مكان زوج كرهتموها، فاصبروا وأحسنوا المفارقة، ولا تتهموها بالفاحشة الظاهرة، ولا تأخذوا شيئاً من المهر الذي دفعتموه، ولو كان المدفوع قنطاراً: مالاً كثيراً ثم أنكر عليهم ذلك ووبخهم بقوله : أ - ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ أي باهتين مبطلين ظالمين آثمين. ومناسبة البهتان: وهو افتراء الكذب إما بإطلاق البهتان على كل باطل محيّر في بطلانه، وإما لإلصاق تهمة الفاحشة بالمرأة وهو طعن بها وظلم، وإما لرميها بتهمة باطلة لأخذ المهر. ب - وكيف تأخذونه وتستحلون أخذ مهور النساء لا لذنب ولا التقصير في التزام حدود الله، وقد حدث بينكم ما حدث من استمتاع أو جماع، أو إفضاء متبادل، وملابسة قد يتسبب منها إنجاب الولد، كيف تقطعون هذه الصلة، وتهتكون ستر المرأة، وتسيئون إلى سمعتها، ظلماً وغصباً وطمعاً في مالها، وأنتم أهل القدرة على العمل واكتساب الأموال. جـ - وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً أي عهداً مؤكداً والتزاماً بحق الصحبة والمعاشرة بالمعروف. قال قتادة ومجاهد: هذا الميثاق: هو ما أخذ الله للنساء على الرجال بقوله: ﴿فَإِمِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩/٢]. ووصفه الله بالغلظة لقوته وعظمته. وقالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ إن هذا الفعل قطع لصلة الود والرحمة التي جعلها الله بين الزوجين في قوله ٦٤٠ لِلُعُ (٤) - الِشَاءِ: ١٩/٤-٢١ تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ- أَنْ خَلَقَ لَّكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُوَاْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ [الروم: ٣٠/ بَيْنَكُمْ مَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ٢١]. فقه الحياة أو الأحكام: نهى الله الأولياء عن إرث النساء كرهاً، والمقصود نفي الظلم عنهن وإضرارهنَّ. وإبطال العادة الجاهلية القبيحة بإطلاق حق التصرف بزوجة الميت لأوليائه، وجعلهم أحق بامرأته، وهذا مناف للكرامة الإنسانية وإخلال باحترام المرأة وجعلها متاعاً يورث، وإساءة لزوجها السابق. كذلك نهى الله الأزواج وأولياء الميت عن عضل المرأة أي منعها من الزواج بمن تشاء، وحبسها والتضييق عليها، إلا في حال التلبس بفاحشة مبينة كالزنى والنشوز وغيرهما، بقصد أن يأخذوا بعض ما آتاه الزوج لها من مهر. أما في حال النشوز أو الزنى فيحل للرجل أخذ جميع المال الذي قدم مهراً للمرأة. ثم أمر الله بمعاشرة المرأة بالمعروف جميع الأزواج والأولياء، وإن كان المراد في الأغلب الأزواج، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ بأن يوفيها حقها من المهر والنفقة، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون مُنْطلقاً في القول، لا فّاً ولا غليظاً، ولا مُظهراً ميلاً إلى غيرها. والعشرة: المخالطة والممازجة. والمقصود من هذا الأمر الإلهي بحسن صحبة النساء بعد الزواج توفير مناخ السعادة والهدوء والاستقرار وهناءة العيش، لكل من الزوجين، وهذا واجب ديانة على الزوج، ولا يلزمه في القضاء. وتأثير الواجب ديانة بما يذكر بمراقبة الله وخشيته والعرض عليه في الحساب أوقع في نفس المؤمن من حسبان حساب القضاء. واستدل المالكية بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِّ﴾ على أن المرأة إذا كانت لا يكفيها خادم واحد أن عليه أن يخدمها قدر كفايتها، كابنة الخليفة