Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١
الُ (٤) - آلِ عَتْ أَنَ: ١٨٥/٣-١٨٦
ومن جرائمهم: الكذب السافر على الله وافتراؤهم عليه أنه عهد إليهم
وأنزل عليهم كتاباً فيه: ألا يؤمنوا لرسول يزعم أنه من عند الله، حتى يأتيهم
بقربان (تأكله النار). ويكون هذا من قبيل المعجزة الدالة على صدقه.
فرد الله تعالى عليهم أن معجزات النبي ◌َّ- دليل قاطع في إبطال دعواهم،
وكذلك معجزات عيسى، ومن علم صدقه وجب تصديقه.
والقضية قضية مخالفة ومعاندة، وليست قضية قناعة وحجة وبرهان،
فوضح الأمر وبان الطريق، والناس في الماضي والحاضر وكل زمان: منهم من
يصغي إلى الحق ويستجيب لندائه، كما فعل الكثير من الناس ومنهم بعض
اليهود الذين قبلوا بالإيمان بدعوة الإسلام والقرآن، ومنهم من يجهر بمقاومة
الحق، ومناصرة الباطل، والإعراض عن دعوة الله الخيّرة المحققة لنفع البشرية
وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
الموت مصير كل نفس والثواب
يوم القيامة والابتلاء في الدنيا
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةٍ فَمَنْ
زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا اُلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ
(١٨٥
لَتُبْلَوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَتْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًاً وَإِن تَصْبِرُواْ
١٨٩
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
الإعراب:
﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ المَوْتِ﴾ مبتدأ وخبر، جملة تامة مفيدة.
﴿وَإِنَّمَا نُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾: ما في ﴿وَإِنَّمَا﴾ كافة، ولا يجوز أن تكون
٥٢٢
اِلُعُ (٤) - آلِ عَتْر أنَ: ١٨٥/٣-١٨٦
- بمعنى الذي؛ لأنها لو كانت بمعنى الذي لوجب رفع ﴿أُجُورَكُمْ﴾ على أنه
الفاعل، وتقديره: إن الذي تُوقَّونه أجورُكم.
البلاغة:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْنِ﴾ استعارة مثل قوله ﴿تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ لأن حقيقة
الذوق تكون بحاسَّة اللسان، كما أن حقيقة الأكل للإنسان والحيوان.
﴿زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ اُلْجَنَّةَ﴾ فيه ما يسمى في علم البديع بالمقابلة.
﴿مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ استعارة، شبه الدنيا بالمتاع الذي يغرر به المشتري ثم يظهر
فساده، والمدلِّس والمغرر هو الشيطان(١).
المفردات اللغوية:
﴿ كُلُّ نَفْسِ ذَائِقَةُ اٌلْوَّتِ﴾ أي أن الموت مصير كل نفس ونهاية كل حي،
ولا يبقى إلا وجهه الكريم ﴿تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ تعطون جزاء أعمالكم وافياً
غير منقوص. ووجه اتصال هذه الجملة بما قبلها: أن كلكم تموتون، ولا بد
لكم من الموت، ولا توفون أجوركم على طاعاتكم ومعاصيكم عقيب موتكم،
وإنما توفونها يوم قيامكم من قبوركم، والتوفية: تكميل الأجور، وما يكون
قبل ذلك في القبر من روضة أو نعمة فبعض الأجور.
﴿فَمَنْ زُحْرِجَ عَنِ النَّارِ﴾ نحي عنها وأبعد، والزحزحة: التنحية والإبعاد.
﴿فَقَدْ فَازَ﴾ نال غاية مطلوبة، وسعد ونجا أي تحقق له الفوز المطلق
المتناول لكل مايفاز به، ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الله، والعذاب
السرمد، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد.
(١) الكشاف ٣٦٦/١
٥٢٣
الُ (٤) - آل عمران: ١٨٥/٣-١٨٦
﴿ وَمَا اُلْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ أي العيش فيها ﴿إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ المتاع: مايتمتع
وينتفع به مما يباع ويشترى، والغرور: مصدر غره أي خدعه، والغرور:
الخداع والغش، أي أن الدنيا مثل المتاع المشترى بسبب التغرير والغش
والخداع ثم يتبين له فساده ورداءته. عن سعيد بن جبير: إنما هذا لمن آثرها على
الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها، فإنها متاع بلاغ.
﴿لَتُبْلَوُنَ﴾ لتختبرن أي لتعاملن معاملة المختَبَر، لتظهر حالتكم على
حقيقتها.
﴿فِى أَمْوَلِكُمْ﴾ بإيجاب الزكاة المفروضة فيها والنفقة في سبيل الله،
وبالجوائح والآفات ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ بالقتل والأسر والجراح والمخاوف
والمصائب في سبيل الله وبالعبادات المفروضة، وبالأمراض وفقد الأحبة
والأقارب.
﴿أَوْتُواْ الْكِتَبَ﴾ اليهود والنصارى ﴿الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ هم مشركو
العرب.
﴿أَذَى كَثِيرًا﴾ كالسب والطعن في الدين والافتراء على الله والرسول
والتشبيب بنسائكم.
﴿وَإِن تَصْبِرُواْ﴾ على ذلك، والصبر: حبس النفس على ما تكره وكظم
الغيظ ومقاومة الجزع والشدة بالتقوى والرضا ﴿ وَتَتَّقُواْ﴾ الله بامتثال الأمر
واجتناب النهي، والتقوى: الابتعاد عن المعاصي والتزام المأمورات.
﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي من معزومات الأمور التي يعزم عليها لوجوبها.
والمعنى: أن الصبر والتقوى من صواب التدبير، وقوة الإرادة، وكمال العقل
والفكر، ومن الأمور المحتمة التي لا يجوز التساهل فيها.
٥٢٤
لُعُ (٤) - آلِعَتْرَانَ: ١٨٥/٣-١٨٦
سبب النزول:
نزول الآية: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ﴾: روى ابن أبي حاتم وابن المنذر بسند حسن عن
ابن عباس أنها نزلت فيما كان بين أبي بكر وفِنْحاص من قوله السابق: ﴿إِنَّ
اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾.
وذكر عبد الرزاق: أنها نزلت في كعب بن الأشرف فيما كان يهجو به
النبي ◌َّ من الشعر، ويحرض عليه كفار قريش في شعره.
المناسبة:
كانت الآيات السابقة تسلية وتعزية لرسول الله وَ ل*، واستمرت هذه
الآيات في زيادة تسليته بأن كل ماتراه من عنادهم فهو منتهٍ إلى غاية، وكل آت
قريب، فلا تضجر ولا تحزن، وإنهم سيجازون على أعمالهم يوم القيامة، فإن
أمد الدنيا قريب، ويوم القيامة يوم الجزاء.
وهي أيضاً خطاب للمؤمنين ليوطنوا أنفسهم على احتمال ماسيلقون من
الأذى والشدائد والصبر عليها، حتى إذا فاجأتهم بغتة، وهم مستعدون
لتحملها، لم يرهقهم شيء، كما يرهق غير المؤمن فتضيق نفسه ويشمئز ويكره
الحياة.
التفسير والبيان:
هذا إخبار عام من الله تعالى يعم جميع الخلائق بأن كل نفس ذائقة الموت،
كقوله تعالى: ﴿كُلَّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ
٢٧
[الرحمن: ٢٦/٥٥-٢٧] فكل الجن والإنس والملائكة وحملة العرش يموتون، والله
وحده الحي القيوم الذي لا يموت، ينفرد بالديمومة والبقاء، فيكون آخراً كما
کان أولاً.
وفي الآية تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض وفي
٥٢٥
الجُزءُ (٤) - آلِ عُثْر انَ: ١٨٥/٣-١٨٦
السماء حتى يموت، وتذوق كل نفس طعم مفارقة الروح البدن. ثم يوم القيامة
توفى كل نفس بما عملت، من خير أو شر، وتعطى ثواب عملها الطيب كاملاً
غير منقوص، ويجازى المسيء الجزاء الأوفى، فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان
مثقال ذرة.
وفي ذكر توفية الأجور على الطاعات والمعاصي إشارة إلى أن بعض الأجور
من خير أو شر قد تصل إليهم في الدنيا أو في القبور، بدليل ما أخرجه الترمذي
والطبراني مرفوعاً إلى النبي وَ له: ((إن القبر روضة من رياض الجنة أو حُفْرة من
حُفَر النار)).
فمن نُحِّيَ عن النار وأبعد عنها وأدخل الجنة، فقد فاز بالمقصد الأسمى
والمطلوب الأعلى الكامل، ورد عن النبي ◌َّه: ((من أحب أن يزحزح عن
النار، ويدخل الجنة، فلتدركه منيته، وهو مؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى
الناس ما يحب أن يؤتى إليه)). وهذا شامل للمحافظة على حقوق الله وحقوق
العباد. وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((موضع
سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا ومافيها)). اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِعَ
عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ اُلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾. فاللهم وفقنا لما ندرك به الفوز بالجنة
والنجاة من النار.
وما الحياة الدنيا التي نعيشها ونستمتع بها باللذات الجسدية من طعام
وشراب والمعنوية من جاه ومنصب وسمو إلا كالمتاع المشترى بخداع وتغرير، ثم
يتبين فساده ورداءته؛ لأن صاحبها دائماً مغرور مخدوع بها، أو لأنها حقيرة
﴿ وَالَْخِرَةُ خَرٌ
متروكة فانية زائلة، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ اُلْحَيَوَةَ الدُّنيا
وَأَبْقَىَّ (٣)﴾ [الأعلى: ١٦/٨٧-١٧] وقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَحُ اُلْحَيَوَةِ
اُلُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىْ﴾ [القصص: ٦٠/٢٨] وفي الحديث: ((والله
٥٢٦
المُعُ (٤) - ال عمران: ١٨٥/٣-١٨٦
ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بِمَ
یرجع)»(١).
وتهوين شأن الدنيا على هذا النحو لمن آثرها على الآخرة، قال سعيد بن
جبير: ((إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع
بلاغ))(٢). فمن فضل الدنيا على الآخرة، كان كمن اشترى صفقة خاسرة،
غشه فيها البائع ودلس علیه، ثم تبین له فسادها ورداءتها.
ثم أراد تعالى بعد غزوة أحد توطين النفس وتربيتها على تحمل الأهوال
والشدائد والمصائب، فخاطب النبي المصطفى وَل﴾﴿ والمؤمنين مخبراً إياهم: أن
الدنيا دار ابتلاء واختبار في الأنفس والأموال؛ ففي الأنفس: بالقتل والأسر
والجراح وأنواع المخاوف والمصائب، وفي الأموال: بالإنفاق في سبل الخير وما
يقع فيها من الآفات، وهي مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ
٢٥٥) ﴾ [البقرة: ٢/
وَالْجُوعِ وَنَقْصِ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَتِ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ
١٥٥].
٠ ٠
وأن المسلمين ونبيهم يسمعون ما يؤذيهم أذى كثيراً من اليهود والنصارى
ومشركي العرب، والأذى قد يتناول الدين والقرآن والنبي وَيّ. ولكن الله
تعالى قال للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسلياً لهم عما ينالهم
من الأذى من هؤلاء، وواصفاً لهم العلاج الناجع وهو الصفح والصبر
والعفو والتزام تقوى الله بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، فإن تحقق منهم
ذلك آتاهم أجرين من رحمته؛ لأن الصبر والتقوى من معزومات الأمور، أي
التي ينبغي أن يعزمها كل أحد.
(١) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه عن المستورد.
(٢) الكشاف: ٣٦٦/١
٥٢٧
الُعُ (٤) - آلِ عَثْرَانَ: ١٨٥/٣-١٨٦
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الحقائق التالية:
اً - الدنيا فانية، والآخرة باقية، وكل شيء هالك إلا وجه الله الكريم،
وكل حي سيموت، وأن الآخرة دار الجزاء والحساب، وأن السعادة كل
السعادة، في الفوز بالجنة، والنجاة من النار.
ويسن عند احتضار الميت تلقينه الشهادة دون إعادة لئلا يضجر، لقوله عليه
الصلاة والسلام فيما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أبي سعيد:
(لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله)) لتكون آخر كلامه فيُختَم له بالشهادة. ويستحب
ذلك الوقت، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((اقرؤوا يس
قراءة ﴿يس (@)
على موتاكم))(١). وذكر الآجُرِّي من حديث أم الدرداء عن النبي ◌َّ قال: ((ما
من ميت يُقرأ عنده سورة يس إلا هُوِّن عليه الموت)).
ويغسل الميت إلا الشهيد ويكفَّن ويُصلى عليه ويدفن في التراب، ويسن
الإسراع في المشي بالجنازة، لقوله لهم فيما رواه الجماعة عن أبي هريرة:
((أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة فخيرٌ تقدِّمونها إليه، وإن تكن غير ذلك
فشرٌّ تضعونه عن رقابكم)).
أَ - إن إيفاء الأجور على الطاعات والعقاب على السيئات مقره يوم
القيامة، فأجر المؤمن ثواب، وأجر الكافر عقاب.
◌َّ - الدنيا غرّارة تغرّالمؤمن وتخدعه، فيظن طول البقاء وهي فانية. وهي
أشبه بالمتاع الحقير الذي يتمتع وينتفع به كالفأس والقِدْر والدلو والقَصْعة، ثم
يزول ولا يبقى ملكه. وهذا رأي أكثر المفسرين في قوله: ﴿ وَمَا اُلْحَيَوَةُ الذُّنْيَا
إِلَّا مَتَعُ اُلْغُرُورِ﴾.
(١) أخرجه أبو داود.
٥٢٨
لُعُ (٤) - آلِ عُثْرَانَ: ١٨٧/٣-١٨٩
٤ - لا اطمئنان إلى نعيم الدنيا ولا إلى إعراضها وفقدها، فالناس فيها في
مرصد الاختبار والابتلاء في الأموال بالمصائب والأحداث، والإنفاق في
سبيل الله، وسائر تكاليف الشرع، وفي الأنفس بالموت والأمراض، وفقد
الأحباب.
وقد يتأذى المؤمن بطعن في قرآنه ودينه ونبيه، فعليه الصبر والاعتصام
بالتقوى، والإعراض عن الطاعنين الكافرين، والثبات على العقيدة، وتحمل
الشدائد والقتال في سبيل الله عند اللزوم، فقد نَدَب الله عبادَه إلى الصبر
والتقوى، وأخبر أنه من عزم الأمور، أي من معزوماتها التي ينبغي أن يعزمها
كل أحد، وهي دليل على قوة الإرادة، ومضاء العزيمة، وعلو الهمة. قال
القرطبي: عزم الأمور: شدها وصلابتها.
والأظهر أن هذه الآية - كما ذكر القرطبي - ليست بمنسوخة، فإن الجدال
بالأحسن والمداراة أبداً، مندوب إليها، وكان عليه الصلاة والسلام مع الأمر
بالقتال يوادع اليهود ويُداريهم، ويصفح عن المنافقين(١).
أخذ الميثاق على أهل الكتاب بالبيان للناس
ومحبتهم المدح بغير موجب
﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ
لا
MVI
فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاً فَتْسَ مَا يَشْتَرُونَ
تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوْ فَلَا تَحْسَبَّهُم
بِمَغَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضُِ وَاللَّهُ
(١٨٩
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ
(١) تفسير القرطبي: ٣٠٤/٤
٥٢٩
لُحُ (٤) - الِ غَيْرَانَ: ١٨٧/٣-١٨٩
القراءات:
﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾: قرئ:
١- بالياء فيهما على الغيبة، هي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.
٠
٢- بالتاء فيهما، وهي قراءة باقي السبعة.
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَنَوْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَاَ
تَحْسَبَنَّهُم﴾: قرئ:
١٠- (ولا يحسَبَن ... فلا تَحسَبنهم) وهي قراءة نافع.
٢- (ولا يحسَبن .. فلا يحسَبنهم) وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير.
٣- لا تحسَبَن .. فلا تَحسَبنهم) وهي قراءة عاصم وحمزة.
٤- (لا تحسِبن ... فلا تحسِبنهم) وهي قراءة الكسائي.
الإعراب:
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ هذه القراءة بالتاء، ويكون ﴿اُلَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾
منصوباً على أنه مفعول أول، وحذف المفعول الثاني لدلالة ما بعده عليه وهو
قوله ﴿بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ،﴾ ويكون قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَّهُمْ﴾ بدلاً من ﴿لَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ والفاء زائدة، فلا تمنع البدل، وهذا على هذه القراءة
وعلى قراءة من قرأ بالياء.
ومن قرأ: (يحسبن) بالياء جعل ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ في موضع رفع فاعل،
و﴿ الَّذِينَ﴾: اسم موصول، و﴿يَفْرَحُونَ﴾: صلته، و((هم)) من قوله: ﴿فَلاَ
تَحْسَبَّهُم﴾ المفعول الأول. و﴿بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾: في موضع المفعول
الثاني، وتقديره: فائزين. ومن قرأ الأول بالياء والثاني بالتاء فلا يجوز فيه
٥٣٠
لُرعُ (٤) - آلِّعُثر أنَ: ١٨٧/٣-١٨٩
البدل لاختلاف فاعليهما، ولكن يكون مفعولا الأول قد حُذفا لدلالة مفعولي
الثاني عليهما.
البلاغة:
{فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ توجد استعارة في النبذ
والاشتراء، إذ شبه عدم التمسك بالميثاق بالشيء المنبوذ الملقى، وشبه العمل
بالبديل باشتراء عوض قليل من أموال الدنيا، مقابل كتم آيات الله.
وتوجد مقابلة بين ﴿لَتُبَّيِّنُنَّهُ﴾ و﴿ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ﴾ اذكر إذ أخذ ﴿مِيثَقَ﴾ الميثاق: العهد المؤكد، وهو العهد المأخوذ
عليهم في التوراة بواسطة الأنبياء. ﴿أُوْتُواْ الْكِتَبَ﴾ هم اليهود والنصارى.
﴿لَمُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ لتُظهِرُن جميع ما فيه من الأحكام والأخبار بما فيها خبر نبوة
محمد رَّهَ، حتى يعرفه الناس على وجهه الصحيح. ﴿ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ أي لا
تخفون الكتاب . ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ طرحوا الميثاق ولم يعتدّوا به.
﴿ وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أخذوا بدله من الدنيا عوضاً حقيراً، بسبب
رياستهم في العلم، فكتموه . ﴿فَتْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ شراؤهم هذا.
﴿أَنَواْ﴾ بما فعلوا في إضلال الناس. ﴿أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ أن
يحمدهم الناس بما لم يفعلوا من التمسك بالحق، وهم على ضلال . ﴿فَلَا
تَحْسَبَّهُمْ﴾ تأكيد. ﴿بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ أي بمنجاة من العذاب في الآخرة،
بل هم في مكان يعذبون فيه وهو جهنم . ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم فيها.
سبب النزول:
نزول الآية (١٨٨):
﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾: روى الشيخان وغيرهما من طريق حميد بن عبد الرحمن بن
٥٣١
لُرُ (٤) - آلِ عُثر انَ: ١٨٧/٣-١٨٩
عوف: أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل
امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذَّباً، لنعذبن أجمعون،
فقال ابن عباس: ما لكم وهذه؟ إنما نزلت هذه الآية في أهل الكتاب، سألهم
النبي وَّل عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أنهم قد
أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمان
ما سألهم عنه.
وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري: أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا
خرج رسول الله وَّيّة إلى الغزو، تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول
الله، فإذا قدم اعتذروا إليه، وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت
الآية: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوَأْ﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق في تفسيره عن زيد بن أسلم أن رافع بن خديج وزيد بن
ثابت كانا عند مروان، فقال مروان: يا رافع في أي شيء نزلت هذه الآية: ﴿لَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ﴾؟ قال رافع: نزلت في ناس من المنافقين كانوا إذا
خرج النبي ◌َّواعتذروا وقالوا: ما حبسنا عنكم إلا شغل، فلوددنا أنا معكم،
فأنزل الله فيهم هذه الآية، وكان مروان أنكر ذلك، فجزع رافع من ذلك، فقال
لزيد بن ثابت: أنشدك بالله، هل تعلم ما أقول؟ قال: نعم.
قال الحافظ ابن حجر: يجمع بين هذا وبين قول ابن عباس بأنه يمكن أن
تكون نزلت في الفريقين معاً.
المناسبة:
تحدثت سورة آل عمران عن أهل الكتاب، فناقشت النصارى، وحكت
أفعالاً غريبة عن اليهود ومطاعن في نبوة محمد پژ، واستتبع ذلك بيان غزوتي
أحد وبدر، وهنا ذكرت الآيات حالاً عجيبة اليهود والنصارى وهي الطعن في
الدين، مع أنهم أمروا ببيان ما في كتابهم (التوراة والإنجيل) من دلائل ناطقة
بنبوة محمد ال وصدق رسالته.
٥٣٢
الجُرُ (٤) - إِلِعَثْر أنَ: ١٨٧/٣-١٨٩
التفسير والبيان:
هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على
ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد رَ له، وأن ينوهوا بذكره في الناس، فيكونوا
على أهبة من أمره، فكتموا ذلك، وأخذوا عوضاً زهيداً عنه، وفاتهم ما
وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست
البيعة بيعتهم.
وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم، فيصيبهم ما أصابهم، فعلى
العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا
يكتموا منه شيئاً، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي وَّه
أنه قال: ((من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار))(١).
وبيان معنى الآية: اذكر يا محمد حين أخذ الله العهد المؤكد (الميثاق) على
أهل الكتاب من اليهود والنصارى بوساطة الأنبياء: أن يبينوا كتابهم للناس
ويظهروه من غير كتمان شيء منه، وألا تحريف أو تأويل لبعض نصوصه،
وتبيانه للمؤمنين به لهدايتهم وإرشادهم، ولغير المؤمنين به لدعوتهم إليه.
لكنهم نبذوا كتابهم وراء ظهورهم، وتركوا التوراة والإنجيل، وكان منهم
فئة يحملونه دون فهم ولا وعي لما جاء فيه، وفئة أخرى حرّفوه وأولوه على غیر
وجهه الصحيح، واشتروا به ثمناً قليلاً من حطام الدنيا، أي أخذوا عوضاً عنه
فائدة دنيوية حقيرة كالشهرة الزائفة، والرياسة الظاهرة، والمال الزائل،
فكانوا في الحقيقة مغبونين في هذا البيع أو المبادلة، إذ تركوا الغالي الثمين في
الدنيا والآخرة وهو الخير الذي وعدوا به، وأخذوا التافه الحقير، وهو
الرشاوى والهبات والمنح المالية ليحافظوا على كيانهم ومراكزهم.
(١) رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم عن أبي هريرة.
٥٣٣
لِلُرُ (٤) - آل عمران: ١٨٧/٣-١٨٩
فبئس الشيء المشترى من شرائهم؛ لأنهم جعلوا الفاني بدلاً من النعيم
الدائم.
وهذا يدل على وجوب نشر العلم وتعليمه للناس، قال علي كرَّم الله
وجهه: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن
يُعلِّموا. وقال الحسن البصري: لولا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على أهل
العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه.
ثم بيَّن تعالى موقف المرائين المتكثرين من أهل الكتاب والمنافقين بما لم
يعطوا، كما جاء في الصحيحين عن النبي وَله: ((من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر
بها، لم يزده الله إلا قلّة)) وفي الصحيحين أيضاً عن النبي ◌َّر ((المتشبع بما لم يعط
کلابس ثوبي زور".
هذه حال أخرى من أحوال أهل الكتاب وغيرهم، ليحذر الله المؤمنين
منها، فلا تظنن يا محمد أن الذين موَّهوا الحقائق، وكتموا العلم الصحيح
ودلَّسوا عليك، وفرحوا بما أتوا من التأويل والتحريف للكتاب، ورأوا
لأنفسهم شرفاً فيه وفضلاً يستحقون أن يحمدوا بأنهم حُفَّاظ الكتاب
ومفسروه، ويشكروا على شيء بغير موجب ولا داع للشكر، أو على أنهم
أخبروك بالصدق عما سألتهم عنه، أو على ما فعل المنافقون في التخلف عن
الغزو (الجهاد) وجاؤوا به من العذر، وكل ما فعلوا أنهم حولوا الحق والنور
والهداية إلى ما يوافق أهواء الحكام وعامة الناس.
فهؤلاء لا تظنن أنهم ناجون من العذاب، بل لهم عذاب أليم شديد الألم في
الدنيا بالخذلان والخسف والزلزال والطوفان وغير ذلك من الجوائح
والمصائب العامة المدمرة، وفي الآخرة بحشرهم في جهنم جزاء إفكهم وتحريفهم
وتبديلهم وتغييرهم كتاب الله. وذلك كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا
﴾ [هود: ١٠٢/١١].
١٠٣
أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ: أَلِيمٌ شَدِيدٌ
٥٣٤
الجُرعُ (٤) - آل عمران: ١٨٧/٣-١٨٩
ثم كان قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ﴾ احتجاجاً على الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ
فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾، وتكذيباً لهم، فقال للمؤمنين: ولا تحزنوا أيها المؤمنون
على عمل أهل الكتاب وعلى ما فاتكم من نصر، ولا تضعفوا عن القيام
بالواجب، وبينوا الحق ولا تكتموا منه شيئاً، ولا تأخذوا عن حكم الله
الصحيح عوضاً مهما كثر، فإنه قليل، ولا تفرحوا على ما لم تعملوا، فإن الله
يكفيكم همومكم وينصركم على أعدائكم، ومدكم بالخير والفضل؛ لأنه تعالى
مالك كل شيء، والقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه،
واحذروا غضبه ونقمته، فإنه الأعظم والأقدر من كل شيء في هذا الوجود.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات توبيخاً، وتحذيراً، واحتجاجاً وتكذيباً.
فهي توبيخ لأهل الكتاب الذين أمروا بالإيمان بمحمد عليه الصلاة
والسلام وبيان أمره، فكتموا نعته. ويفهم من هذه الآية واجبات ثلاثة:
توضيح العلماء كتاب الله وإفهامه للناس وإظهار ما فيه من عظة وأسرار في
الأحكام العامة والخاصة، وتبيين الدين للمسلمين حتى يفهموه على حقيقته
ويعرفوا أنه طريق الخلاص الوحيد من تخلف الأمة وضعفها وفسادها،
وتوضيح أحكام الدين لغير المسلمين ودعوة الناس إلى صراط مستقيم حتى
يهتدوا به.
وهي أيضاً تحذير من أفعال أهل الكتاب والمنافقين الذين يدلسون الحقائق،
ويزيفون معاني الكتب المنزلة، ويتخلفون عن الجهاد بالأعذار الواهية.
وهي كذلك احتجاج على اليهود الذين نسبوا الفقر إلى الله والغنى
لأنفسهم، وتكذيب لهم، ورد قاطع بأن الله مالك السماوات والأرض ومن
فيهن، وله القدرة الباهرة على كل شيء، والسلطان النافذ في كل شيء.
٥٣٥
الجُرُ (٤) - آل عمران: ١٩٠/٣-١٩٥
توجيه النفوس نحو التفكر في خلق السماوات
والأرض وجزاء العاملين ذكوراً وإناثاً
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِأُوْلِىِ
اُلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَنَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ
الْأَلْبَبِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿ رَبَّ
رَّبَّنَآ إِنَّنَا
١٩١
إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلَّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَقَامَنَا رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ
وَكَفِّرْ عَنَّا سَبِّئَاتِنَا وَتَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ()
فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِى لَاّ
١٩٤
وَلَا تُخْرِنَا يَوْمَ اُلْفِيَمَةِّ إِنَّكَ لَا تُخلِفُ المِيعَادَ
أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَّىُّ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضِ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ
وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ
وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ
١٩٥٦
الثَّوَابِ
القراءات:
﴿ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ﴾: قرئ:
١- (قُتِلوا وقاتلوا) وهي قراءة حمزة والكسائي.
٢- (قاتلوا وقُتِّلوا) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر.
٣- (قاتلوا وقُتِلوا) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿الَّذِينَ﴾ إما في موضع جر صفة لأولي الألباب، أو في موضع رفع مبتدأ،
٥٣٦
الُ (٤) - آلِ عُقْرَانَ: ١٩٠/٣-١٩٥
وخبره: ﴿رَبَّنَا﴾ على تقدير: يقولون: ربنا، أو خبر مبتدأ محذوف، أو في
موضع نصب على تقدير فعل محذوف ﴿قِيَمًا﴾ حال منصوب من ضمير
﴿يَذْكُرُونَ﴾. ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ حال من ضمير ﴿يَذْكُرُونَ﴾. و﴿وَنَفَكَّرُونَ﴾:
معطوف على ﴿يَذْكُرُونَ﴾. ﴿بَطِلًا﴾ مفعول لأجله. ﴿سُبْحَنَكَ﴾ اسم مصدر
منصوب انتصاب المصادر.
﴿يُنَادِى﴾ جملة فعلية في موضع نصب لأنه صفة ﴿مُنَادِيًا﴾. ﴿لِلْإِيمَنِ﴾
اللام إما بمعنى إلى الإيمان، أو متعلق بـ ﴿مُنَادِيًا﴾ أي سمعنا منادياً للإيمان
ينادي . ﴿أَنْ ءَامِنُواْ﴾ منصوب بـ ﴿يُنَادِى﴾ أي ينادي بأن آمنوا، فحذف
حرف الجر فاتصل الفعل به. ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ أي أبراراً مع الأبرار، وهو جمع
بارّ أو بَرّ. ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي على ألسنة رسلك، فحذف المضاف وأقام
المضاف إليه مقامه.
﴿ أَنِى لَا أُضِيعُ﴾ أي بأني، فحذف حرف الجر. ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ مبتدأ،
وخبره ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾. ﴿وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ﴾: عطف على عطف. ﴿ثَوَابًا﴾ إما منصوب
على المصدر المؤكد لما قبله، كأنه قال: لأثيينهم ثواباً، أو منصوب على القطع بتعبير
الكوفيين وهو الحال عند البصريين، أو منصوب على التمييز. والوجه الأول أوجه
الأوجه. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ مبتدأ ثان، و﴿عِندَهُ﴾: خبر المبتدأ
الثاني، والجملة منهما خبر المبتدأ الأول وهو اسم الله تعالى.
البلاغة:
﴿رَبَّنَا﴾ كرر خمس مرات مبالغة في التضرع من قبيل الإطناب. ﴿وَمَا
لِلَّلِمِينَ﴾ وضع الظاهر موضع المضمر لتخصيص الخزي بهم. وهناك طباق
في قوله ﴿السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ و﴿الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ و﴿قِيَمًا وَقُعُودًا﴾ و﴿ذَكَرٍ أَوْ
أُنثَىُّ﴾. وهناك إيجاز بالحذف في ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي على ألسنة رسلك، وفي قوله
وَيَّفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا﴾ أي قائلين ربنا.
٥٣٧
الُهُ (٤) - آل عمران: ١٩٠/٣-١٩٥
وفي الآيات جناس مغاير في قوله ﴿ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَشَامَنَا﴾ وفي ﴿عَمَلَ
عَمِلٍ﴾ وفي ﴿مُنَادِيًّا يُنَادِى﴾. ﴿لَآَيَتٍ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ دخول اللام في خبر
إن لزيادة التأكيد، والتنکیر للتفخیم.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ﴾ الخلق: التقدير والترتيب الدال على النظام والإتقان.
﴿السَّمَوَاتِ﴾ كل ما علاك مما تراه في الأعلى. ﴿وَاُلْأَرْضِ﴾ ما تعيش عليه،
وهو بشكل كروي، كوكب دائر غير ثابت و﴿خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾:
إيجادهما من غير مثال سابق، ويشمل كل ما فيهما من العجائب.
﴿ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ تعاقبهما ومجيء كل منهما خلف الآخر، مع
زيادة ونقصان بحسب الفصول والموقع الجغرافي من الكرة الأرضية. ﴿لَأَيَتٍ﴾
الأدلة على وجود الله وقدرته ووحدانيته . ﴿لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ لذوي العقول.
﴿ وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ مضطجعين، أي في كل حال. وعن ابن عباس: يصلون
كذلك حسب الطاقة. ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ ليستدلوا به على
قدرة صانعهما. ﴿رَبَّنَا﴾ يقولون: ربنا. ﴿بَطِلًا﴾ عبثاً لا فائدة منه، بل دليلاً
على قدرتك. ﴿سُبْحَنَكَ﴾ تنزيهاً لك عن العبث وعما لا يليق بك.
﴿ أَخْزَيْتَهُ﴾ أهنته. ﴿وَمَا لِلَّلِمِينَ﴾ الكافرين، وضع الظاهر موضع
المضمر إشعاراً بتخصيص الخزي بهم . ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ من زائدة، أي مؤيدين
يمنعونهم من عذاب الله تعالى.
﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ استر معاصينا، واحدها ذنب: وهو مخالفة الأوامر
والنواهي الشرعية.
﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ غطّ إساءاتنا، أي الصغائر أو أنواع التقصير في
حقوق العباد، فلا تظهرها بالعقاب عليها.
٥٣٨
الُ (٤) - آل عمران: ١٩٠/٣-١٩٥
﴿وَتَوَقَّنَا﴾ أمتنا أي اقبض أرواحنا. ﴿مَعَ اُلْأَبْرَارِ﴾ في جملة الأخيار
المحسنين أعمالهم وهم الأنبياء والصالحون.
﴿وَءَائِنَا﴾ أعطنا. ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي على ألسنة رسلك من الرحمة والفضل.
ويلاحظ أن سؤال الناس تلك الأمور هو أن يجعلهم من مستحقيه،
وتكرار: ﴿رَبَّنَا﴾ مبالغة في التضرع. ﴿المِيعَادَ﴾ الوعد بالبعث والجزاء.
فَأَسْتَجَابَ﴾ أجاب دعاءهم ﴿لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنْكُمْ﴾ أي لا أترك
ثوابه. ﴿بَعْضُكُمْ مِنُ بَعْضِ﴾ أي بعضكم كائن من بعض أي الذكور من الإناث
وبالعكس، والجملة مؤكدة لما قبلها، أي سواء في المجازاة بالأعمال وترك
تضييعها. نزلت لما قالت أم سلمة: يا رسول الله، إني لا أسمع النساء في الهجرة
بشيء . ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ أي في مبدأ الإسلام من مكة إلى المدينة . ﴿فِي
سَبِيلٍ﴾ أي بسبب ديني وطاعتي وعبادتي. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أسترها
بالمغفرة. ﴿ثَوَابًا﴾ مصدر مؤكد من معنى لأكفرن. ﴿مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ فيه التفات
عن التكلم .﴿حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ الجزاء.
سبب النزول:
نزول الآية (١٩٠):
﴿إِنَّ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ﴾ : أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس
قال: أتت قريش اليهود فقالوا: بِمَ جاءكم موسى به من الآيات؟ قالوا:
عصاه ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى؟
قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى؛ فأتوا النبي ◌َّر فقالوا: ادع
لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً، فدعا ربه، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ
السَّمَوَتِ﴾ فليتفكروا فيها. قال ابن كثير: وهذا مشكل، فإن هذه الآية
مدنية، وسؤالهم أن يكون الصفا ذهباً كان بمكة(١).
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ٤٣٨/١
٥٣٩
الجُزءُ (٤) - آلِ عُقْرَانَ: ١٩٠/٣-١٩٥
نزول الآية (١٩٥):
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾ : أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والترمذي
والحاكم وابن أبي حاتم عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله
ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ﴾.
المناسبة:
ختمت سورة آل عمران بهذه الآيات، بعد مجادلة الكفار والمنافقين
والمقصرين من المؤمنين وردّ الشبهات، لتوجيه الأنظار نحو ما يثبت وجود الله
ووحدانيته وعظمته و کبریاءه.
فضل هذه الآيات:
ورد في فضل هذه الآيات أحاديث كثيرة منها: ما رواه ابن مردويه وعبد
ابن حميد عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة
رضي الله عنها، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت: يا عبيد؛ ما
يمنعك من زيارتنا؟ قال: قول الشاعر: زر غباً تزدد حباً، فقال ابن عمر:
ذرينا أخبرينا بأعجب ما رأيتيه من رسول الله وَ لّر، فبكت، وقالت: كل أمره
كان عجباً، أتاني في ليلتي حتى مسَّ جلده جلدي، ثم قال: ((ذريني أتعبد لربي
عز وجل)) قالت: فقلت، والله، إني لأحب قربك، وإني أحب أن تعبد ربك،
فقام إلى القربة، فتوضأ، ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي، فبكى حتى بلَّ
لحيته، ثم سجد، فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه، فبكى، حتى
إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح قالت: فقال: يا رسول الله، ما يبكيك وقد
غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: ((ويحك يا بلال، وما يمنعني
أن أبكي وقد أنزل الله علي في هذه الليلة: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
) ثم قال: ((ويل لمن قرأها ولم
وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ
يتفكر فيها)).
:
٥٤٠
الُعُ (٤) - أَلِغَقْرَانَ: ١٩٠/٣-١٩٥
قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرؤهن وهو يعقلهن(١).
التفسير والبيان:
إن في إبداع السماوات والأرض، الأولى في ارتفاعها واتساعها، والثانية
في انخفاضها وكثافتها وصلاحيتها للحياة، وما فيها من نظام بديع وأفلاك
وكواكب ومجرّات، وبحار وجبال وأنهار، وزروع ونبات وأشجار مثمرة وغير
مثمرة، ومعادن وثروات، وتعاقب الليل والنهار مع الطول والقصر
والاعتدال على مدار العام وبحسب الفصول والموقع، لأدلة دالة على وجود الله
وكمال قدرته وعظمته ووحدانيته، بشرط أن يكون من ذوي العقول التامة
الناضجة التي تدرك الأشياء بحقائقها، وليسوا كالصم البكم الذين لا
يعقلون، الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَأَيْنِ مِّنْ ءَايَةٍ فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم
)﴾ [يوسف: ١٠٥/١٢-١٠٦].
◌ُشْرِكُنَ
ثم وصف الله تعالى أولي الألباب بأنهم يجمعون بين التذكر والتفكير،
يذكرون الله في مختلف أحوالهم من قيام وقعود واضطجاع، لا يقطعون ذكره
في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم.
ويتفكرون ويفهمون ما في السماوات والأرض من أسرار ومنافع وحِكم
دالة على عظمة الخالق وقدرته وعلمه ورحمته.
والتفكر يكون في مصنوعات الخالق لا في الخالق، لاستحالة الوصول إلى
حقيقة ذاته وصفاته، أخرج الأصبهاني عن عبد الله بن سلام قال: ((خرج
رسول الله وَ﴿ على أصحابه، وهم يتفكرون، فقال: تفكروا في الخلق، ولا
تفكروا في الخالق، فإنكم لا تقدرون الله قدره)). وقال الحسن البصري: تفكر
ساعة خير من قيام ليلة.
(١) تفسير ابن كثير: ٤٤٠/١ وما بعدها.
-
م