Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١
الجُزءُ (٤) - آل عمران: ١٦٩/٣-١٧٥
٥ - قال السدي في آية ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفُ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذِكْرُ من يَقْدُم عليه من
إخوانه، فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا. وقال قتادة وابن
جريج والربيع وغيرهم: استبشارهم بأنهم يقولون: إخواننا الذين تركنا خلفنا
في الدنيا، يقاتلون في سبيل الله مع نبيهم، فيستشهدون فينالون من الكرامة
مثلَ ما نحن فيه، فيسرّون ويفرحون لهم بذلك.
٦ - الفضل في قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ لزيادة
البيان، والفضل داخل في النعمة، وفيه دليل على اتساعها، وأنها ليست كنعم
الدنيا. وقيل: جاء الفضل بعد النعمة على وجه التأكيد. روى الترمذي عن
المقْدام بن مَعْدِيكرِب قال: قال رسول الله وَلَه: ((للشهيد عند الله ست
خصال(١): يُغفر له في أول دُفعة(٢)، ويُرى مَقْعدَه من الجنة، ويُجار من عذاب
القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار: الياقوتة منها
خير من الدنيا وما فيها، ويُزوَّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويُشَفَّع
في سبعين من أقاربه)) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وما
تضمنه الحديث تفسير للنعمة والفضل.
٧- أشارت آية: ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ﴾ إلى أن الصحابة الذين تابعوا القتال
ومطاردة أبي سفيان وجماعته في ((حمراء الأسد)) لإرهاب العدو، وكان عددهم
سبعين رجلاً، استحقوا المديح والثناء من الله تعالى لسببين: إطاعة الرسول
وَّ فيما ندبهم إليه من الخروج معه، وتحاملهم على أنفسهم بالرغم مما فيهم
من جراح وآلام شديدة مبرَّحة أصابتهم في وقعة أحد.
(١) كذا في الترمذي وابن ماجه: ((ست)) وهي في العدد: سبع، وفي حاشية السندي على ابن
ماجه: قوله: ست خصال، المذكورات سبع إلا أن جعل الإجازة والأمن من الفزع واحدة.
(٢) الدفعة بالضم مثل الدفقة: ما دفع من إناء أو سقاء، فانصب بمرة واحدة.
.
٥٠٢
اِلُعُ (٤) - آلِ غَيْرَانَ: ١٦٩/٣ -١٧٥
٨ - أرشدت آية: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ إلى أن المؤمن الصادق لا
يكون جباناً، فالجبن لا يجتمع مع الإيمان؛ لأن علته: الخوف من الموت
والحرص على الحياة، وهما بعيدان عن المؤمن، وكان الصحابة الذين ذهبوا مع
النبي ◌َّ في العام التالي لأحد في بدر الصغرى مُثُلاً عالية للشجاعة والتضحية
والجرأة في سبيل الله.
٩ - ودلت هذه الآية أيضاً على أن المؤمن يمكنه التخلص من عوامل
الخوف، فيقول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي كافينا الله.
١٠- قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًّا﴾ أي فزادهم قول الناس إيماناً، أي
تصديقاً ويقيناً في دينهم، وقوة وجرأة واستعداداً، يومئ إلى أن الإيمان يزيد
بالأعمال الصالحة.
ويرى العلماء في زيادة الإيمان ونقصه: أن أصل الإيمان وجوهره وهو
التصديق شيء واحد، لا يدخل فيه زيادة إذا حصل، ولا يبقى منه شيء إذا
زال. وأما الزيادة والنقصان ففي متعلَّقاته دون ذاته. والذي عليه الجمهور: أن
الإيمان يزيد وينقص من حيث الأعمال الصادرة عنه، لحديث مسلم
والترمذي: ((الإيمان بضع وسبعون باباً، فأعلاها قول: لا إله إلا الله،
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) وهذه الزيادة في
رواية مسلم فقط.
١١ - وآية ﴿فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضَّلٍ﴾ يراد بها كما قال العلماء: لما
فوضوا أمورهم إليه، واعتمدوا بقلوبهم عليه، أعطاهم من الجزاء أربعة
معان: النعمة، والفضل، وصرف السوء، واتباع الرضا، فرضًّاهم عنه،
ورضي عنهم.
١٢ - يشير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ إلى أن الخوف يجب أن
يكون من الله فقط، لا من الأعداء، وأن أولياء الله لا يخافون الشيطان إذا
خوّفهم، وإنما يخوف أولياءه المنافقين، ليقعدوا عن قتال المشركين.
.
٥٠٣
اِلُرُ (٤) - آل عمران: ١٧٦/٣ -١٨٠
فالإيمان الصادق يحمل صاحبه على الخوف من الله وحده، وقد مدح الله
المؤمنين بالخوف، فقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠/١٦]. وفي سنن
ابن ماجه عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله وَله: ((إني أرى مالا تَرَوْن، وأسمع
ما لا تسمعون، أَطَّت(١) السماء، وحُقَّ لها أن تَتِطِ، مافيها موضع أربع أصابع
إلا ومَلَك واضع جبهتَه ساجداً لله، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم
قليلاً، ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفُرُشات، ولخرجتم إلى
الصُّعُدات(٢) تجأرون(٣) إلى الله)) قال أبو ذر: ((والله لوددت أني كنت شجرة
تُعضد(٤) )).
بعد أُحُد
صَلى الله
وَسلم
إزالة الحزن من قلب النبي
ومناقشة الكفار والبخلاء وتمييز الخبيث من الطيب
﴿ وَلَا يَحْزُنكَ اُلَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئً يُرِيدُ اللَّهُ
إِنَّ الَّذِينَ أَشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ
أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَقَِّا فِ اُلْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِإِيمَنِ لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
أَنََّا نُعْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
١٧٨
◌َّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيِّبٍ وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِىِ مِن رُسُلِهِ، مَن يَشَاءُ فَامِنُواْ بِاللَّهِ
وَرُسُلٍِّ، وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرُ عَظِيمٌ ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْا لَُّمَّ بَلَّ هُوَ شَرٌّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ،
يَوْمَ الْقِيَامَةُ وَلِلَّهِ مِيَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
١٨٠
(١) أطت السماء: صوتت.
(٢) الصعدات: الطرق.
(٣) تجأرون: رفع الأصوات بالدعاء متضرعين.
(٤) تعضد: تقطع بالمعضد كالمنجل.
٥٠٤
◌ِلُ (٤) - آل عمران: ١٧٦/٣ -١٨٠
القراءات:
﴿ وَلَا يَحْزُنكَ﴾: وقرئ: (ولا يُخْزِنك) وهي قراءة نافع.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾: قرئ:
١- (ولا تَحَسَبن) وهي قراءة حمزة.
٢- (ولا يحسَبن) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم.
٣- (ولا يحسِبن) وهي قراءة الباقين.
﴿يَمِيزَ﴾: وقرئ: (ُميِّز) وهي قراءة حمزة، والكسائي.
تَعْمَلُونَ ﴾: قرئ:
١- بالياء، على الغيبة، هي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.
٢- بالتاء، على الالتفات، وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿ وَلَا يَحْزُنكَ﴾ قرئ بفتح الياء وضمها، فمن قرأ بالفتح جعله من حزنه
وهو فعل ثلاثي، ومن قرأ بالضم جعله من أحزنه، وهو فعل رباعي.
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ﴿يَحْسَبَنَّ﴾: قرئ بالياء والتاء، فمن قرأ بالياء
كان ﴿اُلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ في موضع رفع بأنه فاعل ﴿يَحْسَبَنَّ﴾، وتقديره: ولا
يحسبن الكافرون. و﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول، والهاء المحذوفة من ﴿نُمْلِى﴾ هي
العائد إليه. و﴿خَيْرٌ﴾ خبر أن، وأن وما عملت فيه سدت مسدَّ المفعولين. ومن
قرأ بالتاء كان ﴿الَّذِينَ﴾ المفعول الأول، و﴿أَنَّمَا﴾ وما بعدها بدلاً من
﴿الَّذِينَ﴾ وسدّ مسد المفعول الثاني، وما بمعنى الذي، وتكون ما وغلي
مصدراً.
٥٠۵
لُعُ (٤) - آل عمران: ١٧٦/٣ -١٨٠
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ﴿يَحْسَبَنَ﴾: قرئ بالياء والتاء، فمن قرأ بالياء
فموضع ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ رفع؛ لأنه فاعل حسب، وحذَف المفعول الأول
لدلالة الكلام عليه. و﴿هُوَ﴾ ضمير فصل عند البصريين، وعماد عند
الكوفيين. و﴿خَيراً﴾ مفعول ثاني منصوب. وتقديره: ولا يحسبن الذين يبخلون
بما آتاهم الله من فضله البخل خيراً لهم. ومن قرأ بالتاء فموضع ﴿الَّذِينَ
يَبْخَلُونَ﴾ نصب؛ لأنه مفعول أول على تقدير حذف مضاف تقديره: ولا
تحسبن بخل الذين يبخلون. و﴿هُوَ﴾ فصل. و﴿خَيراً﴾ هو المفعول الثاني.
البلاغة:
يوجد استعارة في ﴿أَشْتَرَوُاْ اُلْكُفْرَ﴾ وفي ﴿يُسَرِعُونَ فِ اُلْكُفْرِ﴾ وفي
﴿الْخِيثَ مِنَ الطَّيِّبِّ﴾ إذ يراد به المؤمن والمنافق. ويوجد طباق في ﴿اُلْكُفْرَ
بالإِيمَنِ﴾
المفردات اللغوية:
﴿ وَلَا يَحْزُنكَ﴾ يكدرك ويؤلمك، من حزن بمعنى أحزن ﴿يُسَرِعُونَ فِى
اُلْكُفْرِ﴾ يبادرون في نصرته، وهم أهل مكة أو المنافقون، أي لا تهتم لكفرهم.
﴿حَظًا﴾ نصيباً من الثواب ﴿فِىِ الْآَخِرَةِ﴾ في الجنة، فلذلك خذلهم.
﴿أَشْتَرَوُاْ اُلْكُفْرَ﴾ أخذو الكفر بدل الإيمان، كما يفعل المشتري بمبادلة
المبيع بالثمن.
﴿نُمْلِى﴾ نمهل، والإملاء: الإمهال ﴿لَهُمْ﴾ بتطويل الأعمار وتأخيرهم.
﴿لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ بكثرة المعاصي أي لتكون عاقبتهم زيادة الإثم . ﴿وَلَمْ
عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ذو إهانة في الآخرة.
﴿يَمِيزَ﴾ أي يميِّزُ ويفرز ويفصل ﴿الْخَيْثَ﴾ المنافق ﴿مِنَ اُلَّيِّبٍ﴾ المؤمن،
٥٠٦
الُعُ (٤) - آلِ غَيْر أَنَ: ١٧٦/٣ - ١٨٠
أي ليظهر الفارق الواضح بين المنافق والمؤمن بالتكاليف الشاقة، كما في يوم
أحد.
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ فتعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز.
﴿يَجْتَبِىِ﴾ يختار ويصطفي ﴿مِن ◌ُسُلِهِ، مَن كَشَاءُ﴾ فيطلعه على غيبه، كما
أطلع النبي ◌َُّ على حال المنافقين ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ النفاق ﴿ءَاتَنُهُمُ﴾ أعطاهم من
مال غيره ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ أي سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق ﴿مَا بَخِلُواْ
بِهِ،﴾ أي بزكاته ﴿يَوْمَ الْقِيَمَةٌ﴾ بأن يجعل حية في عنقه تنهشه كما ورد في
الحديث. ﴿وَلِلَّهِ مِيَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِ﴾ يرثهما بعد فناء أهلهما والميراث:
مايتوارثه أهلهما من مال وغيره ﴿وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فيجازيكم به.
سبب النزول:
نزول الآية (١٧٩):
﴿َّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾: قال السدي: قال رسول الله وَّل: عرضت علي أمتي
في صورها كما عرضت على آدم، وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر، فبلغ ذلك
المنافقين فاستهزؤوا وقالوا: يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر،
ونحن معه ولا يعرفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الكلبي: قال قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار، والله
عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة، والله عنه راض،
فأخبرنا بمن بؤمن بك ومن لا يؤمن بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أبو العالية: سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرق بها بين المؤمن
والمنافق، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ٧٥-٧٦
٥٠٧
لُحُ (٤) - آلِعَتْرَانَ: ١٧٦/٣ -١٨٠
سبب نزول الآية (١٨٠):
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ جمهور المفسرين على أنها أنزلت في مانعي
الزكاة. وروى عطية عن ابن عباس أن الآية نزلت في أحبار اليهود الذين
كتموا صفة محمد بَّله ونبوّته، وأراد بالبخل: كتمان العلم الذي آتاهم الله
تعالى(١).
المناسبة:
أدى انتصار المشركين في أحد وإصابة المؤمنين بشيء كثير من الأذى، إلى
استغلال المنافقين تلك النتيجة، فصاروا يقولون: لو كان محمد نبياً ماقتل ولا
هزم، وإنما هو طالب ملك، فتارة ينتصر وتارة ينهزم، وبادروا في نصرة
الكفار وتثبيط المؤمنين عن القتال، فتألم النبي وَل# وحزن، فنزلت هذه الآيات
تسري عنه وتزيل الحزن من نفسه، كما سرّى عنه حينما أعرض الكافرون عن
الإيمان، وطعنوا في القرآن أو في شخصه، في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ
قَوْلُهُمُ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥/١٠] وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ
عَلَى ءَاثَِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا اُلْحَدِيثِ أَسَفًا
﴾ [الكهف: ٦/١٨].
التفسير والبيان:
يخاطب الله تعالى نبيه وَلو لشدة حرصه على الناس: لا يحزنك أيها الرسول
مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق ومناصرة الكفر، كأبي سفيان وغيره
من أهل مكة، واليهود والمنافقين.
إنهم لن يضروا أولياء الله وهم النبي وصحبه شيئاً من الضرر، وإنما يضرون
أنفسهم، ويحاربون الله تعالى ويسْتَعدُونه عليهم والدائرة تكون عليهم،
ويحرمون من ثواب الله تعالى في الآخرة، ولهم عذاب عظيم لا يعرف قدره،
(١) المرجع السابق: ص ٧٦
٥٠٨
الُ (٤) - آل عمران: ١٧٦/٣ -١٨٠
والله يعاقبهم على فعلهم لا يظلمهم، وإنما هم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم
وضلالهم ومناصرتهم ملة الكفر ومقاومة المؤمنين: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِّئُ
إِلَّا بِأَهْلِهِ،﴾ [فاطر: ٣٥/ ٤٣] وهذا يدل على أنه لا يؤبه بهم ولا يخشى خطرهم.
وهي مثل قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ اُلَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى
اُلْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوَاْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١/٥].
وهذا لا يقتصر عليهم، وإنما هو حكم عام مقرر يشمل كل من آثر الكفر
على الإيمان، لذا قال: إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئاً،
ولكن يضرون أنفسهم، ولهم عذاب مؤلم شديد الألم في الدنيا والآخرة.
◌َُارِعُ لَمْ فِ
٥٥
وهي تشبه آية ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن قَالٍ وَبَنِيِنَّ
﴾ [المؤمنون: ٥٥/٢٣-٥٦] وآية: ﴿فَذَرْنِ وَمَن يَكَذِّبُ بِهذَا
٥٦
اٌلْخَيْرَتِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ
الْحَدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (®)﴾ [القلم: ٤٤/٦٨] وآية: ﴿وَلَا تُعْجِبُكَ
أَمْوَهُمْ وَأَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُم بِهَا فِ اُلُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ
[التوبة: ٨٥/٩].
٨٥
كَفِرُونَ
ثم بيَّن تعالى استدراج الكافرين وإمهالهم لوقت معين، فأخبر أنه لا يحسبن
هؤلاء الكفار أن إمهالنا لهم وإطالة أعمارهم خير لأنفسهم؛ لأنهم لا
يستغلون العمر في عمل الخير، وإنما يستغلونه في الشر، فتكون عاقبتهم ازدياد
الإثم على الإثم، والمبالغة في الباطل والبهتان، ولهم عذاب مهين: ذو إهانة
وإذلال لهم، أي إنما هو معدّ لهم.
ولا يظنن الكفار أن إمهالنا يقصد به ازدياد الإثم كما يفعلون، وإنما
الإمهال لهم هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان، لا لزيادة الإثم وللتعذيب، فيكون
الإملاء خيراً لهم، ولكن علم الله سابقاً أن بعضهم لن يعود إلى دائرة الحق
والخير والرشاد، فهؤلاء لهم عذاب مهين.
٥٠٩
الجُزءُ (٤) - آلِ عَتْ أَنَ: ١٧٦/٣ - ١٨٠
قال الزمخشري في قوله: ﴿أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ﴾: ما: هذه حقها أن تكتب
متصلة؛ لأنها كافة، دون الأولى. وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها،
كأنه قيل: مابالهم لا يحسبون الإملاء خيراً لهم؟ فقيل: ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوَّأْ
إِيمًا﴾
فإن قلتَ: كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضاً لله تعالى في إملائه لهم؟
قلتُ: "هو علة للإملاء، وما كل علة بغَرَض، فلو قلت: قعدتُ عن الغزو
للعجز والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشر، ليس شيء منها بغرض لك،
وإنما هي علل وأسباب، فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإمهال وسبباً فيه.
فإن قلتَ: كيف يكون ازدياد الإثم علة للإملاء، كما كان العجز علة
للقعود عن الحرب؟ قلتُ: لما كان في علم الله المحيط بكل شيء أنهم مزدادون
إثماً، فكأن الإملاء وقع من أجله وبسببه، على طريق المجاز(١).
والخلاصة: إن هذا الإمهال والتأخير ليس عناية من الله بهم، وإنما هو قد
جرى على سنته في الخلق: بأن مايصيب الإنسان من خير أو شر، فإنما هو ثمرة
عمله. ومن مقتضى هذه السنة العادلة أن يغتر الإنسان بهذا الإمهال، ويسترسل
في فجوره، فيوقعه ذلك في الإثم، الذي يترتب عليه العذاب المهين(٢).
ثم بيَّن الله تعالى أن المحن والشدائد تظهر صدق الإيمان، وأنه لابد من أن
يعقد شيئاً من المحنة، يظهر فيه وليه ویفضح به عدوه، فلا يترك الناس على مثل
حالتهم يوم أحد، حتى يميز المؤمن من المنافق، ويعرف المؤمن الصابر والمنافق
الفاجر، كما قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ﴾
[محمد: ٤٧ /٣١].
(١) الكشاف: ٣٦٤/١
(٢) تفسير المنار: ٢٠٥/٤، تفسير المراغي: ١٤١/٤
٥١٠
للمرء (٤) - آل عمران: ١٧٦/٣-١٨٠
يقصد به أن يوم أحد كان اختباراً امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم
وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم الله تعالى ولرسوله وَالقتل، وهتك به ستار
المنافقين، فظهرت مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم لله تعالى ولرسوله
اللّهُ
وقد يفكر بعض الناس أن تمييز المؤمن الصادق من المنافق يحدث بالوحي
وبأن يطلع الله المؤمنين على الغيب، فأجاب الله تعالى: لم يكن من شأنه تعالى
أن يطلع عامة الناس على الغيب، وإنما خلق الإنسان وقدر له أن يصل إلى
مراده بعمله الكسبي الذي ترشد إليه الفطرة ويهدي إليه الدين وتدل عليه
النبوة، فهو تعالى يختار من رسله من يشاء، ويطلعه على بعض المغيبات، كما
قال سبحانه: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا * إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى
مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦/٧٢- ٢٧] ثم يخبر الرسول بعض الناس بنفاق رجل
وإخلاص آخر، فيكون مصدر ذلك الخبر هو إطلاع الله على كفر أناس
وإيمانهم، لا أنه يطلعه على ما في القلوب اطلاع الله.
ثم يترك الناس لتمييز المؤمن منهم والمنافق بواسطة الأسباب الكاشفة عن
ذلك.
لذا يجب عليكم الإيمان بالله والرسل ومنهم محمد بَلّه، وإطاعة الله
والرسول واتباعه فيما شرع لكم، والاعتقاد بأن الرسل لا يخبرون عن شيء
إلا بما أخبرهم الله به من الغيوب. وهذا رد على الكافرين، قال السُّدِّي: قال
الكافرون: إن كان محمد صادقاً فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر، فنزلت.
وإن تؤمنوا بما جاؤوا به من أخبار الغيب، وتتقوا الله بفعل ما أمر به
واجتناب مانهى عنه، فلكم ثواب عظيم لا يستطيع أحد تحديد مقداره.
ويلاحظ أن القرآن يقرن دائماً بين الإيمان والتقوى، كما يقرن بين الصلاة
والزكاة، لتلازمهما والإعلام بأن الإيمان لا يكتمل إلا بهما، ويقرن أيضاً بين
الجهاد بالنفس والجهاد بالمال.
،
ہے
٥١١
الُرُ (٤) - الِعَتْرَانَ: ١٧٦/٣- ١٨٠
وبما أن الآيات السابقة كانت في الحث على الجهاد والتحريض على بذل
النفس، أعقب ذلك الحث على بذل المال في الجهاد.
فلا يظن أحد أن بخل البخلاء خير لهم بكنز المال وادخاره، وأن الجود
والإنفاق يفقر، وإنما هو شر عظيم على الأمة والفرد في الدنيا والآخرة،
والمراد بالبخل: حجب الزكاة المفروضة عن المستحقين، وعدم الصدقة عند
رؤية حاجات المحتاجين.
أما ضرر البخل في الدنيا فتعريض مال الغني للضياع والنهب والسرقة
والأحقاد، وفي عصرنا وغيره ظهور الحملات الشنيعة على الأغنياء المترفين،
وانتشار الأفكار والنظريات المسماة بالاشتراكية التي ظهرت لتقويض أركان
الرأسمالية.
وأما ضرره في الآخرة والدين: فهو ما أخبر عنه تعالى بأنهم سيلزمون وبال
بخلهم وعاقبة شحهم إلزام الطوق في العنق، فلا يجدون مناصاً ولا مهرباً من
توجيه اللوم والسؤال والعقاب على فعلهم. أخرج البخاري عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله وَله: ((من آتاه الله مالاً، فلم يؤد زكاته، مُثِّل له شجاعاً
أقرع له زبيبتان، يُطَوَّقُه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - أي شدقيه - ثم يقول:
أنا مالك، أنا كنزك)) ثم تلا هذه الآية: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَلُهُمُ
اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرًا لَُّمَّ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ إلى آخر الآية.
والحقيقة أن لله مافي السماوات والأرض مما يتوارثه أهلهما من مال
وغيره، فكيف يصح لقوم يبخلون عليه بملكه، ولا ينفقونه في سبيله. وهذا
مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ تُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧/٥٧] فإن
الأمور كلها مرجعها إلى الله عز وجل، فقدموا من أموالكم ماينفعكم يوم
معادكم، والله خبير بنياتكم وضمائركم وأعمالكم، لا تخفى عليه خافية
منها، ويجازي كل نفس بما كسبت من خير أو سوء.
٥١٢
الُعُ (٤) - آل عمران: ١٧٦/٣-١٨٠
فقه الحياة أو الأحكام:
لا داعي للغم والحزن على مناصرة الكفار واليهود والمنافقين ألوان الكفر،
فهم لن يضروا إلا أنفسهم، بتعريضها للعذاب الشديد، وبالإعلام عن سوء
تصرفهم وسُخْف عقولهم وخطأ رأيهم، ولن يضروا بالتأكيد النبي وَّ، فإن
المطلوب منه هو الإبلاغ، والله مؤيده وناصره وحافظه وعاصمه من الناس.
لكن قال القشيري: والحزن على كُفر الكافر طاعة، ولكن النبي ◌َلّ كان
يُفرط في الحزن على كفر قومه، فنُهي عن ذلك، كما قال: ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ
عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ﴾ [فاطر: ٨/٣٥] وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَىَ ءَاثَارِهِمْ إِن لَّْ
يُؤْمِنُواْ بِهَذَا اُلْحَدِيثِ أَسَفًّا (٦َ﴾ [الكهف: ٦/١٨].
ولن يضروا الله شيئاً أي لا يَنْقصون من مُلْك الله وسلطانه شيئاً بكفرهم.
وقد أكد تعالى هذا المعنى في كلتا الآيتين (١٧٦، ١٧٧) فهم سواء بادروا إلى
نصرة الكفر، أو أخذوا الكفر بدلاً عن الإيمان، لن يضروا الله شيئاً قليلاً ولا
كثيراً، وإنما يضُرُّون أنفسهم بما أوجبوا لها من العذاب الأليم.
والله تعالى لا يعجل أحداً بعقوبة على ذنب ولو كان الذنب كالكفر كبيراً،
وإنما يمهله ويزيد في عمره ويوفر له رغد العيش ليتوب ويتمكن من العمل
الصالح، فكأن شأن الإمهال وإطالة العمر أن يحقق الأثر المنشود وهو الإيمان
وطاعة الله والرسول وزيادة الحسنات، والإقلال من السيئات، ولكن الأمر
في واقع الناس مفهوم خطأ، فاستمروا في غيهم وضلالهم وكفرهم، وتوهموا
أن زيادة العمر ورغد العيش وإرجاء العذاب عنهم هو خير لهم، مع أنه شر
مستطير وسبب لزيادة الإثم والذنب، واستحقاق العذاب الأليم جزاء وفاقاً.
لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين ويشككونهم في جدوى الإيمان
والعمل الصالح أنهم يفعلون خيراً، فإن الله قادر على إهلاكهم، ولا يظنون أن
ماأصابوه من ظفر يوم أحد كان خيراً لهم، وإنما كان ذلك سبباً في زيادة
٥١٣
لُرُ (٤) - آل عمران: ١٧٦/٣ - ١٨٠
عقوبتهم. قال ابن مسعود: مامن أحد برّ ولا فاجر إلا والموت خير له؛ لأنه إن
كان برّاً فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨/٣] وإن
كان فاجراً فقد قال الله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨/٣].
وفي الشدائد والمحن اختبار مدى صدق الإيمان، فبها يتميز المؤمن والمنافق،
وحينئذ ينكشف حال المنافقين فيحذرهم المسلمون، ويقدرون مدى مالديهم
من القوة الصحيحة التي يمكن الاعتماد عليها، بل إن المحنة توضح مدى إيمان
المؤمن، فلا يغتر بالظواهر، ويقف على حقيقة حاله من ضعف في الاعتقاد،
وفساد في الأخلاق، ومرض في النفس.
والاطلاع على الغيب مقصور على الأنبياء والرسل، فهم أهل الكرامة
والمرتبة العالية التي تؤهلهم لذلك الاطلاع، وما على الناس إلا أن يؤمنوا بما
جاء به الرسل من أخبار الغيب، ويتقوا الله حق تقاته بامتثال المأمورات وترك
المنهيات والمحظورات. ولا يشتغل الكفار بما لا يعنيهم من تعريفهم بمن يؤمن
منهم ومن لا يؤمن، وعليهم الاشتغال بما يعنيهم وهو الإيمان أي التصديق
واليقين لا التشوف إلى اطلاع الغيب، فإن آمنوا واتقوا لهم الجنة.
ودلت آية ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ على مايأتي:
١ - لا يحسبن الباخلون البخل خيراً لهم، بل هو شر لهم؛ لأنهم ببخلهم
يعرِّضون أموالهم للضياع والتلف والسرقة وغيرها، ويضرون أمتهم لتقصيرهم
بما يجب عليهم من التكافل الاجتماعي والتعاون على القضاء على ظاهرة
الفقر، والفقر يضر بالأمة جمعاء، وحياة الأمم متوقفة على بذل النفس والمال.
والفرق بين البخل والشح: أن الأول: هو الامتناع من إخراج ماحصل
عندك، والثاني: الحرص على تحصيل ماليس عندك. والصحيح أن الشح هو
البخل مع حِرْص، لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله وَله قال:
٥١٤
الُعُ (٤) - آلِعَتْرَانَ: ١٧٦/٣- ١٨٠
(«اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك
من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم)).
٢ - ﴿وَلِلَّهِ مِيَرَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ يدل على بقاء الله تعالى ودوام ملكه،
وأنه في الأبد كهو في الأزل غني عن العالمين، فيرث الأرض بعد فناء خلقه
وزوال أملاكهم، فتبقى الأملاك والأموال لا مُدَّعىَ فيها، فجرى هذا مجرى
الوراثة في عادة الخلق، وهو ليس بميراث في الحقيقة؛ لأن الوارث في
الحقيقة: هو الذي يرث شيئاً لم يكن مَلَكه من قبل، والله سبحانه وتعالى مالك
السماوات والأرض وما بينهما. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ
اُلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: ٤٠/١٩] والمعنى في الآيتين: أن الله تعالى أمر عباده
بأن يُنفقوا ولا يبخلوا قبل أن يموتوا ويتركوا ذلك ميراثاً لله تعالى، ولا ينفعهم
إلا ما أنفقوا.
٣ - علم الله تعالى واسع ودقيق، فهو يعلم صغار الأشياء والأعمال
وكبارها، ويعلم مادقًّ وخفي من الأعمال، بل يعلم السر وأخفى، فيجازي
كل عامل بما عمل، ويكافئه بحسب نيته، كما جاء في الحديث المشهور عن
عمر لدى الشيخين: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى)).
٥١٥
الجُزُ (٤) - آلِ عَتْر أن: ١٨١/٣ -١٨٤
بعض قبائح اليهود من نسبة الفقر إلى الله
وتكذيبهم النبي
صَكَ اللَّهِ
علبة
وسام
﴿لَقَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا
قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿ ذَلِكَ بِمَا
اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ
١٨٢
قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبٍَ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ
فَإِن
مِّن قَبْلِى بِالْبَيِّنَتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِّقِينَ
كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُو بِالْبِيِنَتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ
القراءات:
سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءَ﴾: قُرئ:
١- (سيُكتب ما قالوا وقَتلُهم الأنبياء) وهي قراءة حمزة.
٢- (سنكتب ما قالوا وقتلَهم الأنبئاء) وهي قراءة نافع.
﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ﴾: وقرئ: (وبالزبر والكتاب) وهي قراءة ابن ذكوان.
الإعراب:
﴿سَنَكْتُبُ مَا﴾ ﴿مَا﴾: مفعول به، و﴿ وَقَتْلَهُمُ﴾: معطوف منصوب على
﴿مَا﴾ و﴿اَلْأَنْبِيَآءَ﴾ منصوب بالمصدر المضاف وهو (قَتْلَهُمُ). وقرئ سيُكتَبُ
بالبناء للمجهول، وحينئذ تكون ﴿مَا﴾ مرفوعاً نائب فاعل.
البلاغة:
﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ أكد اليهود نسبة الفقر إلى الله على سبيل المبالغة
٥١٦
الجُرُ (٤) - آل عمران: ١٨١/٣-١٨٤
والإغراق في الكفر، ووصفوا أنفسهم بالغنى بجملة اسمية دون تأكيد للدلالة
على أن الغنى وصف لازم لهم لا يحتاج لمؤكد.
{سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ الله لا يكتب وإنما يأمر بالكتابة ملائكته، فأسند
الفعل إليه من قبيل المجاز العقلي.
﴿فَدَّمَتْ أَيِّدِيكُمْ﴾ مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل، وذكر الأيدي
بالذات لكثرة تداول الأعمال بهن.
﴿تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ إسناد الأكل إلى النار من طريق الاستعارة؛ لأن حقيقة
الأكل تكون للإنسان والحيوان. يوجد طباق بين ﴿فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ وجناس
مغاير في ﴿قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُواْ﴾ وفي ﴿كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ﴾. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ
بِظَلَامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ليست للمبالغة وإنما هي للنسب مثل عطار ونجار.
المفردات اللغوية:
سَنَكْتُبُ﴾ نأمر بكتب ﴿مَا قَالُواْ﴾ أي نأمر بكتب أقوالهم في صحائف
أعمالهم ليجازوا عليه، والمراد: أننا سنعاقبهم عليه ﴿ذُوقُواْ﴾ أصل الذوق:
إدراك الطعم في الفم، ثم استعمل في إدراك سائر المحسوسات، وهو المراد هنا
﴿اَلْحَرِيقِ﴾ المحرق والمؤلم، والحريق: اسم للملتهبة من النار، والنار تشمل
الملتهبة وغير الملتهبة والمراد عذاب هو المحرق والمؤلم، وهو النار، فعذاب
الحريق يراد به عذاب هو الحريق، أي سننتقم منهم ﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ أي أمرنا
في التوراة وأوصانا به.
بِقُرْبَانٍ﴾ هو ما یتقرب به إلى الله من حيوان ونقد وغيرهما، أي فلا نؤمن
لك حتى تأتينا به، والمراد من النار: النار التي تنزل من السماء . ﴿قُلْ﴾ لهم
توبيخاً ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ المعجزات الواضحة ﴿وَالزُّبُرِ﴾ جمع زبور وهو الكتاب،
مثل صحف إبراهيم ﴿الْمُنِيرِ﴾ الواضح، وهو التوراة والإنجيل، أي إذا
كذبك الناس فتكذيب الرسل أمر شائع فيمن قبلك، فاصبر كما صبروا.
٥١٧
لِلُزُعُ (٤) - آل عمران: ١٨١/٣ -١٨٤
سبب النزول:
نزول الآية (١٨١):
﴿َلَّقَدْ سَمِعَ﴾: أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال:
دخل أبو بكر بيت المدراس(١)، فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له
(فِنْحاص) فقال له: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير،
ولو كان غنياً عنا ما استقرض منا، كما يزعم صاحبكم، فغضب أبو بكر،
فضرب وجهه، فذهب فنحاص إلى رسول الله وَله، فقال: يا محمد، انظر
ماصنع صاحبك بي، فقال:
يا أبا بكر، ماحملك على ماصنعت؟ قال: يارسول الله، قال قولاً عظيماً،
يزعم أن الله فقير، وأنهم عنه أغنياء، فجحد فنحاص، فأنزل الله: ﴿لَّقَدْ
سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت اليهود النبي ◌َّ حين أنزل
الله: ﴿مَن ذَا الَّذِىِ يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فقالوا: يا محمد، افتقر ربك،
يسأل عباده، فأنزل الله: ﴿أَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآية.
المناسبة:
تناولت الآيات السابقة أحداث معركة أحد، وما صاحبها من مكائد
المنافقين ودسائسهم ومحاولاتهم تثبيط عزائم المسلمين عن الجهاد. وبدأت هذه
الآيات ببيان دسائس اليهود في محاربة المسلمين، ليحذرهم الله منها كما
حذرهم من المنافقين. غير أن أفعال اليهود كبائر ومخازي لا تحتمل، مثل
نسبتهم الفقر إلى الله، ونقضهم العهود، وقتلهم الأنبياء، وخيانة الأمانة.
(١) المدراس والمذْرَس: الموضع الذي يدرس فيه، والمذْرَس أيضاً: الكتاب.
٥١٨
اِلُحُ (٤) - آل عمران: ١٨١/٣-١٨٤
هذه الآيات تسجيل لبعض قبائح اليهود، فإنه تعالى سمع قولهم الشنيع
وسيعاقبهم عليه أشد العقاب، وهو تهديد ووعيد على مقالتهم، وهي نسبة
الفقر إلى الله والغنى إلى أنفسهم، ولكنه تعالى سيجازيهم على ذلك، إذ يلزم من
كتابة الذنب وحفظه إنزال العقوبة عليه.
ومن جرائمهم الشنيعة قتلهم الأنبياء قديماً بغير حق ولا ذنب، ونسبة القتل
إلى اليهود المعاصرين في زمن نبينا وَالر، مع أنه كان من أجدادهم؛ لأنهم كانوا
راضين عنه، مقرين بما ارتكبوا، متعاطفين مع بني جنسهم، مما يدل على أن
الأمة متكافلة متضامنة فيما بينها في القضايا العامة، وأنها تؤخذ بجريرة وذنب
أفرادها، إذا كانوا مقرين أفعالهم ولم ينكروها عليهم.
لذا قال تعالى: ﴿ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ اُلْحَرِيقِ﴾ أي النار، أي
سيجازيهم الله على ذلك شر الجزاء، وإن هذا العذاب المحرق المؤلم بسبب
أعمالكم في الدنيا وبما سلف من الذنوب كقتل الأنبياء، ووصف الله بالفقر،
ومناصرة الكفر وغير ذلك. وأضيف العمل إلى الأيدي؛ لأن أكثر أعمال
الناس تكون بالأيدي، وللدلالة على أن العذاب بسبب عملهم الصادر منهم
حقيقة، ولتوليهم الفعل ومباشرته، بل إنهم حاولوا قتل النبي ◌َّ بإلقاء الجدار
عليه في المدينة، وبدس السم في شاة في خيبر.
وليس هذا العذاب في غير محله، وإنما هو في غاية العدل والحكمة؛ لأن الله
لا يظلم أحداً، ولأنه لا يُعقل التسوية بين العاصي والطائع، وبين الكافر
والمؤمن، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ
ءَامَنُوْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءَ تَخْيَهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿4﴾ [الجاثية:
﴾ [القلم: ٦٨/
٢١/٤٥]. ﴿ أَفَجْعَلُ الْمُسْلِينَ كَُْخْرِمِينَ ﴿٣َ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (َ)
٣٥-٣٦] ﴿أَمَ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ
[ص: ٢٨/٣٨].
٢٨
اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارٍ
٥١٩
لِلُعُ (٤) - آل عمران: ١٨١/٣-١٨٤
يقال لهم تلك المقالات: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ اُلْحَرِيقِ، ذَلِكَ بِمَا فَدَمَتْ
تقريعاً وتوبيخاً، وتحقيراً
١٨٣
أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَامٍ لِلْعَبِيدِ
وتصغيراً، وتبياناً لبشاعة جرائمهم، وذلك إما في جهنم، أو عند الموت، أو
عند الحساب، والقائل إما الله أو الملائكة.
ثم يقول تعالى تكذيباً لليهود أيضاً الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم
ألا يؤمنوا لرسول، حتى يكون من معجزاته: أن من تصدق بصدقة من أمته
أي قربان، فتقبلت منه: أن تنزل نار من السماء تأكلها.
والقربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى من نُسُك (إراقة دم من المواشي)
وصدقة وعمل صالح.
والقصد من زعمهم هذا عدم الإيمان برسول الله وَلّ؛ لأنه لم يأت بما
قالوه، ولو أتى به لآمنوا.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف ومالك بن
الصَّيْف، وفِنْحاص بن عازوراء وفي جماعة آخرين، أتوا رسول الله وَليه
فقالوا: يا محمد، تزعم أنك رسول الله، وأنه تعالى أوحى إليك كتاباً، وقد
عهد إلينا في التوراة ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقُربان تأكله النار، ويكون
للنار دويّ خفيف حين تنزل من السماء، فإن جئتنا بهذا صدقناك، فنزلت
الآية.
ولكن ادعاء هذا العهد من مفترياتهم وأباطيلهم، لذا ردّ الله تعالى موبخاً
لهم ومكذباً، بأن نزول النار معجزة، والمعجزة لتأييد الرسالة، وإثبات صدق
النبي المبعوث، وقد جاءكم رسل كثيرون مثل زكريا ويحيى وغيرهما بالمعجزات
أو بالبينات الواضحة الدالة على صدق نبوتهم، فِلم كذبتموهم؟ ولمْ
تصدقوهم، ولَمَ قتلتموهم؟ إن كنتم صادقين أنكم تتبعون الحق وتنقادون
للرسل.
٥٢٠
الُ (٤) - آلِ عَتْرَانَ: ١٨١/٣-١٨٤
وقد نسب هذا الفعل لليهود الذين كانوا في عصر التنزيل القرآني، مع أن
تلك الجرائم كانت من أسلافهم؛ لأنهم كما بينا سابقاً راضون عما فعلوه،
معتقدون أنهم على حق في ذلك، والأمة أو القبيلة عادة تتأثر بصنع بعض
أفرادها، ويعيبها جرمه وانحرافه، لنسبته إلى تلك الجماعة.
ثم قال تعالى مسلياً لنبيه محمد وَل﴾ أي معزِّياً ومؤنساً له، ومخففاً عليه سوء
موقف اليهود وأمثالهم وهم قومه، وتكذيب الفريقين، فأخبر: إن كذبوك بعد
أن جئتهم بالدلائل - والمعجزات، فقد كُذِّب رسل من قبلك، جاؤوا بمثل
ماجئت به من البينات والمعجزات، والكتب ذات الأصل الإلهي كالصحف
المنزلة على المرسلين، والكتاب المنير أي الواضح الجلي وهو التوراة والإنجيل
والزبور، فصبروا على الأذى والسخرية، والمخالفة والمعاندة. وهذا من طبيعة
البشر في كل زمن، منهم من يصغي إلى الحق، ومنهم من يقاومه ويهزأ
بصاحبه، فلا تعجب من مقاومة دعوتك، فإن نفوسهم لا تنشد الوصول إلى
الحق، ولا تبغي الخير.
فقه الحياة أو الأحكام:
لم يرتكب شعب في الدنيا جرائم شنيعة مثل اليهود، ولم يقتصر إجرامهم على
البشرية، وإنما تجاوز ذلك إلى الله والرسل، فقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء،
وقتلوا الأنبياء بغير حق ولا ذنب، لذا قرعهم الله تعالى في القرآن الكريم
وهددهم وأنذرهم بعذاب النار على أفعالهم.
والسلف والخلف منهم راضون بتلك الجرائم، لذا صحت نسبة الجريمة إلى
المتأخرين منهم، وإضافتها إليهم مع أن القول السابق وقتل الأنبياء حدثا من
أسلافهم، وكان بينهم نحو سبع مئة سنة. وهذا يدل على أن الرضا بالمعصية
معصية، وقد روى أبو داود عن العُرْس بن عميرة الكِندِي عن النبي ◌َّ قال:
((إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرِهها - وقال مرة:
فأنكرها - كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها)).