Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
الُ (٤) - آلِ عُقْرَأَنَ: ١٥٢/٣-١٥٥
الله عز وجل يقول في أحُد: ﴿وَلَقَدْ صَدَتَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم
بِإِذْنِهِ﴾ والحسّ: القتل.
ولم يكن فرار المسلمين في أحد مقبولاً؛ لأن القائد وهو النبي ◌ُّو مايزال
صامداً يقاتل في قلب المعركة، ويدعو الفارّين إلى العودة والكرّ، فلما لم
يرجعوا جازاهم الله بالغم والحزن وهو القتل والجراح وعدم الظفر بالغنيمة،
بسبب الغم والضيق الذي ملأ قلب النبي ◌ُّ لمخالفتهم إياه. وسمي الغم ثواباً
كما سمي جزاء الذنب ذنباً.
ولكن فضل الله ورحمته بالمؤمنين بعد هذا الغم ألقى عليهم النعاس أو النوم
ليشعرهم بالأمن وليجددوا عزائمهم وترتاج نفوسهم من بعد هذه الهزيمة. أما
المنافقون فظلوا في قلقهم واضطرابهم لا ينامون ولا يشعرون بالطمأنينة
والأمن، ويقولون: ﴿هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَىْءٍ﴾ استفهام معناه الجحد
والإنكار، أي مالنا شيء من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرهاً، بدليل قولهم:
﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَا﴾ قال الزبير: أُرسْل علينا النوم
ذلك اليوم، وإني لأسمع قول مُعَنِّب بن قُشير، والنعاس يغشاني يقول: (لَو
كَانَ لنَا من الأمرِ شيءٌ ما قُتلنا ههُنا). وقيل: المعنى: يقول ليس لنا من الظَّفَر
الذي وَعَدنا به محمد شيء.
فرد الله تعالى عليهم: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلُّ لِلَّهِ﴾ أي النصر بيد الله، ينصر من
يشاء، ويخذل من يشاء. والأجل والعمر بيد الله، ومامن ميت إلا ويموت
بأجله، سواء في الحرب وساحاتها، أم في المنازل والمضاجع وغرفها
وحدائقها. وهكذا كان أهل غزوة أحد بعد انتهائها فريقين:
١ - فريق ذكروا ما أصابهم، فعرفوا أنه كان بتقصير من بعضهم، وذكروا
وعد الله بنصرهم، فاستغفروا لذنوبهم وآمنهم ربهم.
٢ - وفريق أذهلهم الخوف، حتى شغلوا عن كل ماسواه، إذ لم يثقوا بوعد
الله ولم يؤمنوا برسول الله وله.

٤٦٢
الجُرُ (٤) - آل عمران: ١٥٦/٣-١٥٨
وأما سبب انهزام المؤمنين يوم أحد فكان بتأثير الشيطان وإغوائه
ووسوسته، وبما اقترفوا من ذنوب سابقة، فإنه ذكرهم خطايا سلفت منهم،
فكرهوا الثبوت لئلا يُقتلوا، ولكن الله بفضله ورحمته عفا عنهم ولم يعاجلهم
بالعقوبة. قال القرطبي: ونظير هذه الآية توبةُ الله على آدم عليه السلام، وقوله
عليه الصلاة والسلام: ((فحجَّ آدمُ موسى)) أي غلبه بالحجة؛ وذلك أن موسى
عليه السلام أراد محاجّة آدم ولومَه في إخراج نفسه وذرّيته من الجنة، بسبب
أكله من الشجرة؛ فقال له آدم: ((أفتلُومُني على أمر قدّره الله تعالى علي قبل أن
◌ُخلَقَ بأربعین سنة، تاب علي منه، ومن تاب علیه، فلا ذنب له، ومن لا ذنب
له، لا يتوجّه عليه لوم)). وكذلك من عفا الله عنه. وإنما كان هذا لإخباره تعالى
بذلك، وخبره صِدْق. وغيرهما من المذنبين التائبين يرجون رحمته ويخافون
عذابه، فهم على وَجَل وخوف ألا تُقبل توبتهم، وإن قُبلت فالخوف أغلب
عليهم، إذ لا علم لهم بذلك(١).
تحذير المؤمنين من أقوال المنافقين
وترغيبهم في الجهاد وبيان فضله
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَكُونُواْ كَذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى
اُلْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَا تُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً
فِ قُلُوبِهِمٌّ وَاللَّهُ يُحِىء وَيُمِثْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيٌ ﴿ وَلَيِنِ قُتِلْتُمْ فِ سَبِيلِ
اللَّهِ أَوْ مُتُمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ مِّمَّا يَحْمَعُونَ
﴿﴿ وَلَيِن مُتُمْ أَوْ
١٥٨
قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَّرُونَ
القراءات:
تَعْمَلُونَ﴾: قرئ:
(١) تفسير القرطبي: ٢٤٥/٤

٤٦٣
الزُعُ (٤) - الغز ان: ١٥٦/٣-١٥٨
١- بالياء على الغيبة، وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، والكسائي.
٢- بالتاء، على الخطاب، وهي قراءة الباقين.
﴿مُتُّمْ﴾: قرئ:
١- (مِتم) وهي قراءة نافع، وحمزة، والكسائي.
٢- (مُتم) وهي قراءة باقي السبعة.
يَجْمَعُونَ﴾: قرئ:
١- بالياء وهي قراءة حفص.
٢- بالتاء وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿إِذَا ضَرَبُواْ﴾ أتى بالفعل الماضي بعد إذا التي هي للاستقبال؛ لأن إذا
بمنزلة إن، و(إن) تنقل الفعل الماضي إلى معنى المستقبل.
لِيَجْعَلَ﴾ لام العاقبة، ومعناه: لتصير عاقبتهم إلى أن يجعل الله جهاد
المؤمنين وإصابة الغنيمة أو الفوز بالشهادة حسرة في قلوبهم، مثل آية:
فَلْنَقَطَهُ: عَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨/٢٨].
﴿أَوْ مُتُمْ﴾ يقرأ ميم ﴿مُتُّمْ﴾ بالضم والكسر، وهما لغتان. واللام في
﴿وَلَيِنِ﴾: عوض عن القسم. وإنما لم تدخل نون التوكيد مع اللام على فعل
﴿تُحْشَرُونَ﴾ الذي هو جواب القسم مثل: ﴿وَلَيِنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ﴾ [الإسراء:
٨٦/١٧]؛ لأنه فصل بين اللام والفعل بالجار والمجرور. ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، وخبره:
﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
البلاغة:
﴿إِذَا ضَرَبُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ استعارة، شبّه المسافر براً بالضارب السابح في
البحر.

٤٦٤
الُعُ (٤) - آل عمران: ١٥٦/٣-١٥٨
المفردات اللغوية:
﴿ كَلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ هم المنافقون بزعامة عبد الله بن أبي ﴿ وَقَالُواْ لِخْوَنِهِمْ﴾
أي في شأنهم، والأخوة تشمل أخوة النسب والدين والمودة ﴿إِذَا ضَرَبُواْ فِى
اُلْأَرْضِ﴾ سافروا في الأرض للتجارة والكسب.
﴿أَوْ كَانُواْ غُزَّى﴾ أي مقاتلين في الحرب، واحدهم غازٍ ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ
ذَلِكَ﴾ القول في عاقبة أمرهم ﴿حَسْرَةً﴾ ندامة في قلوبهم. ﴿وَاللَّهُ يُحِىءَ
وَيُمِيثٌ﴾ فلا يمنع الموت قعود.
المناسبة:
حذر الله تعالى في الآية السابقة من وسوسة الشياطين التي أدت إلى الهزيمة
يوم أحد، وحذر هنا من وسواس المنافقين أعوان الشياطين.
التفسير والبيان:
ينهى الله تعالى عباده المؤمنين ويحذرهم من مشابهة الكفار في اعتقادهم
الفاسد الذي وضح بقولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب: لو
كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم.
يا أيها المؤمنون لا تكونوا كأولئك المنافقين الذين قالوا في شأن إخوانهم
حين سافروا في البلاد للتجارة فماتوا، أو كانوا غزاة محاربين فقتلوا: لو كانوا
باقين عندنا ما ماتوا وما قتلوا.
لأن هذا جهل في الدين وضلال في الإيمان؛ لأن الحياة والموت بيد الله،
كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل
عمران: ١٤٥/٣].
والقضاء والقدر لا يجعلان الإنسان مجبوراً على أفعاله؛ لأن القضاء: معناه

٤٦٥
الزُعُ (٤) - آل عمران: ١٥٦/٣-١٥٨
تعلق العلم الإلهي بالشيء، والعلم انكشاف وإحاطة بالشيء لا يقتضي
الإلزام؛ والقدر: وقوع الشيء بحسب العلم، وعلم الله لا يكون إلا مطابقاً
للواقع، وإلا كان جهلاً. والإنسان مختار في أعماله، لكنه ناقص القدرة
والإرادة والعلم، وله حدود لا يتعداها، فقد يعزم على شيء أو يختار عملاً،
ولكنه لا يحيط علماً بأسباب الموت. ومتى وقع الشيء علم أن وقوعه لا بد منه،
وإذا كان الإنسان مؤمناً بمعونة الله وتأييده وأنه يوفقه إلى ما يجهل من أسباب
سعادته، يكون مع أخذه بالأسباب أنشط في العمل وأبعد عن العثرات
والفشل.
لا تكونوا كالذين كفروا الذين قالوا فيمن ماتوا أو قتلوا ماقالوا، ليكون
عاقبة ذلك القول حسرة في قلوبهم على من فقدوا، تزيدهم ضعفاً، وتورثهم
ندماً، فإذا كنتم مثلهم أصابكم من الحسرة مثل مايصيبهم، وتضعفون عن
القتال كضعفهم.
فالله خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم.
ثم رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَاَللَّهُ يُحِىءَ وَيُمِيتٌُ﴾ أي بيده الخلق والإيجاد،
وإليه يرجع الأمر والإعدام، ولا يحيى أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته
وقدره، ولا يزاد في عمر أحد، ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره.
والله بما تعملون بصير، أي علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه
شيء من أمورهم ظاهرها وباطنها، يعلم بما تكنّه النفوس وما تعتقده، وإن لم
تعبر عنه. وفي هذا ترغيب للمؤمنين وتهديد للكافرين.
والقتل في سبيل الله والموت أيضاً وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه،
وذلك خير من البقاء في الدنيا وجميع حطامها الفاني الذي يجمعونه.
فما أجدر المؤمن أن يؤثر مغفرة الله التي تمحو الذنوب، ورحمته التي ترفع
الدرجات على حظوظ الدنيا الفانية، فما هو خالد باقٍ خير مما هو مؤقت
فان.

٤٦٦
الدُعُ (٤) - الغفران: ١٥٦/٣-١٥٨
ثم حث سبحانه وتعالى على العمل في سبيل الله؛ لأن المآل إليه، فأخبر بأن
كل من مات أو قتل، فمصيره ومرجعه إلى الله عز وجل، فيجزيه بعمله إن
خيراً فخير، وإن شراً فشر، فبأي سبب كان هلاككم فإلى الله مرجعكم،
وتحشرون، أي تجمعون إليه لا إلى غيره.
وهذا حث على العمل وبث لروح التضيحة والجهاد من أجل العقيدة ورفع
لواء الإسلام والدفاع عن الأوطان، ووعد قاطع بأن من يقتل في سبيل الله
فهو حي يرزق عند ربه، وله عند الناس أطيب الذكر والثناء الجميل.
فقه الحياة أو الأحكام:
يحرص القرآن الكريم على بروز الشخصية الذاتية للمسلمين، وعلى تعهدهم
بالرعاية والعناية، وإيجاد الموقف المتميز لهم أمام خصوم الدعوة الإسلامية،
لذا حذرهم ونهاهم من أن يقولوا مثل قول المنافقين الذين قالوا لإخوانهم في
النفاق أو في النسب في السرايا التي بعثها النبي ◌َّ إلى بئر معونة.
فالحياة والموت بيد الله، والله واسع العلم نافذ البصر بأعمال الناس
وخفاياهم، فمن الخطأ القول بأن الشخص لو كان في منزله أو بلده مامات
ولا قتل؛ لأن القعود عن الجهاد لا يحفظ الحياة، وكذا التعرض لقتال
الأعداء لا يسلب الحياة ولا يعجل بالموت.
لا تكونوا مثلهم، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوبهم؛ لأنه ظهر
نفاقهم. والله يقدر أن يُحيي من يخرج إلى القتال، وبميت من أقام في أهله،
فذلك تهديد للمؤمنين حتى لا يتشبهوا بالكفار في أقوالهم وأفعالهم.
ثم أخبر الله تعالى أن القتل في سبيل الله والموت فيه خير من جميع الدنيا، ثم
وعظ المؤمنين بقوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي لا تفرّوا من القتال ومما
أمركم به، بل فرّوا من عقابه وأليم عذابه، فإن مَرَدّكم إليه، لا يملك لكم أحد
ضّاً ولا نفعاً غيره.

٤٦٧
لُرُ (٤) - آل عمران: ١٥٩/٣-١٦٠
والخلاصة: إن الآيات تضمنت تحذيراً أو تهديداً للمؤمنين، ووعداً، وحثاً
على العمل والجهاد. أما التحذير فهو من مشابهة الكافرين بأقوالهم وأفعالهم،
وأما الوعد فهو أن ماينتظره المؤمن المقاتل في سبيل الله من مغفرة الذنوب
ورحمة الله التي ترفع الدرجة خير له من الدنيا وما فيها من لذات وشهوات.
وأما الحث على العمل في سبيل الله وبث روح التضحية والجهاد فهو مفهوم
من المصير المنتظر لجميع الخلائق، وهو حشرهم إلى الله لا إلى غيره، فيجازى
المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، ولا يرجى نفع من غيره، ولا يدفع
ضرر أو عقاب من سواه.
معاملة النبي لكلّة لأصحابه بالرفق
والعفو والمشاورة والوعد بالنصر
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الَّهِ لِنتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرُهُمْ فِ الْأَمْرِ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الَّهُّ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُتَوَّكِينَ ﴿ إِن يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى
يَنْصُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
١٦٠
الإعراب:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾: ما زائدة مؤكدة، والتقدير: فبرحمة من الله، وهي في
موضع نصب؛ لأن التقدير: لنت لهم برحمةٍ من الله.
﴿ يَنْصُُكُم مِّنْ بَعْدِهِ﴾ الهاء في: بعده إما عائدة على الله تعالى، أو عائدة
على الخذلان، لدلالة قوله تعالى: ﴿وَإِن يَخْذُلَكُمْ﴾ كقولهم: من كذب كان
شرّاً له، أي كان الكذب شراً له.
البلاغة:
توجد مقابلة بين ﴿إِن يَنصُرَّكُمُ﴾ و ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ﴾. ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ﴾
قدم الجار والمجرور لإفادة الحصر.

٤٦٨
لُزُرُ (٤) - آلِ غَقْر أَنَ: ١٥٩/٣- ١٦٠
المفردات اللغوية:
(لِنْتَ لَهُمْ﴾ اللين: الرفق والتساهل في المعاملة، أي سهلت أخلاقك إذ
خالفوك. ﴿فَظَا﴾ سيء الخلق، شرس الطباع ﴿غَلِظَ الْقَلْبِ﴾ قاسياً جافياً لا
يتأثر قلبه بشيء ﴿لَأَنَفَضُواْ﴾ تفرقوا من حولك ﴿فَاعْفُ﴾ تجاوز عما أتوه
ج
﴿ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ذنبهم لأغفر لهم ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْيِ﴾ تعرّف على آرائهم في
سياسة الأمة في الحرب والسلم وشؤون الحياة الدنيوية تطبيباً لقلوبهم، وليستن
بك، وكان ◌َّه كثير المشاورة لهم ﴿فَإِذَا عَهْتَ﴾ على إمضاء ما تريد بعد
المشاورة ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به بعد المشاورة، والتوكل: الاعتماد على الله
في كل أمر.
المناسبة:
المناسبة واضحة، فالآيات ماتزال تتحدث عن غزوة أحد وآثارها، فبعد
أن عفا الله عما بدر من المسلمين في أحد، وحذرهم من التأثر بأقوال
المنافقين، أعقبه بعفو القائد المصطفى الذي ساءه هذا الموقف وما أدى إليه من
الجراح والآلام، فقد عاملهم بالرفق واللين والحلم، وخاطبهم باللطف
وحسن المعاشرة، بل استشارهم في مستقبل الأحداث ومصالح الدنيا؛ لما
عرف عنه من سمو الأخلاق وحكمة القيادة، فهو رحمة للعالمين، ووصفه
[القلم: ٦٨ / ٤].
القرآن بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (®
التفسير والبيان:
خاطب الله نبيه بعد خطاب المؤمنين، ممتناً عليه وعليهم فيما ألان به قلبه
على أمته المتبعين لأمره التاركين لزجره. فبرحمته تعالى وتوفيقه لك ولهم جعلك
الله ليِّن المعاملة، رفيق المعاشرة، لطيف اللفظ والكلام، في إرشادهم وقبول
عذرهم فيما فرط منهم في غزوة أحد.

٤٦٩
لُعُ (٤) - آل عمران: ١٥٩/٣-١٦٠
وهذا إظهار لسمو القيادة، وحكمة الرئاسة، وأخلاق النبوة، وهي مثل
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمِ ﴿٣﴾ [القلم: ٤/٦٨] وقوله: ﴿لَقَدْ
جَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٣٦)
[التوبة: ١٢٨/٩]. وقال ◌َله: ((لا حلم أحبَّ
إلى الله تعالى من حلم إمام ورِفْقه، ولا جهلَ أبغضَ إلى الله من جهل إمام
وخُرْقه)).
ولو كنت غليظ الكلام خشناً قاسي القلب جافَّ الطبع في معاملتهم،
لتفرقوا من حولك، وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم،
تأليفاً لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: ((إني أرى صفة رسول الله وَ الهر في
الكتب المتقدمة أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا
يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) وروى محمد بن إسماعيل الترمذي
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَله: ((إن الله أمرني بمداراة
الناس، كما أمرني بإقامة الفرائض))(١).
وإذا كنت يا محمد بهذه الأخلاق فاعف عنهم، وتجاوز عما صدر منهم،
واطلب لهم المغفرة من الله حتى يغفر لهم، وشاورهم في أمور السياسة العامة
ومصالح الأمة في الحرب والسلم، وكل شؤون المصالح الدنيوية.
وكان رسول الله وَ ي فعلاً يشاور أصحابه في الأمور كلها، تطييباً لقلوبهم،
وليستن الناس بفعله، قال الحسن رضي الله عنه: قد علم الله أن مابه إليهم
حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعدهم. وقال النبي وهلّ فيما ذكره
الماوردي: ((ماتشاور قوم إلا هُدُوا لأرشد أمرهم)) وقال أبو هريرة رضي الله
عنه فيما رواه الترمذي: ((لم يكن أحد أكثر مشاورة من رسول الله (وَ ل﴾)).
(١) حديث غريب.

٤٧٠
لُرُ (٤) - آلِّعَتْرَانَ: ١٥٩/٣-١٦٠
- شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يارسول الله، لو
استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى بَرْك الغماد
لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك
فقاتلا، إنا ههنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب فنحن معك وبين يديك، وعن
يمينك وعن شمالك مقاتلون.
- وشاورهم أيضاً أين يكون المنزل، حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم
أمام القوم.
- وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار
جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم.
- وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ،
فأبى ذلك عليه السعدان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك.
- وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين، فقال له
الصدِّيق: إنا لم نجئ لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ماقال.
- وقال ◌َله في قصة الإفك: ((أشيروا علي معشر المسلمين في قوم أَبَنُوا
أهلي(١) ورموهم، وايم الله، ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم بمن والله
ماعلمت عليه إلا خيراً)).
- واستشار علياً وأسامة في فراق عائشة رضي الله عنها(٢).
وللشورى فوائد كثيرة أهمها تقدير المستشارين، وإنضاج بحث الرأي
المقترح بعد تقليب وجهات النظر، واتحاد الناس على مسعى واحد، واختيار
(١) أُبن فلان يُؤبَن بكذا: يذكر بقبيح وأَبَنُوا أهلي: عابوهم، وفعله: أَبَنَ يأبُن أو يأبِن.
(٢) تفسير ابن كثير: ٤٢٠/١

٤٧١
◌ِلُزُُ (٤) - آلِّعَثْرَانَ: ١٥٩/٣- ١٦٠
الرأي الأصوب. جاء في مصنف أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
وَالى: ((المستشار مؤتمن)).
فإذا عزمت فتوكل على الله، أي إذا شاورتهم في الأمر، وعزمت عليه،
فتوكل على الله فيه، إن الله يحب المتوكلين عليه الواثقين به، فينصرهم
ويرشدهم إلى مافيه الخير لهم. وليس معنى التوكل هو التواكل وإهمال
الأسباب، وإنما هو حسن الاعتماد على الله والثقة به وتفويض النتائج إليه،
بعد اتخاذ الأسباب.
قال الرازي: دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه كما
يقول بعض الجهال، وإلا كان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، بل
التوكل عليه أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعوِّل بقلبه
عليها، بل يعول على عصمة الحكمة.
ففي الكسب والمعاش لابد من السعي في الأرض، كما قال تعالى:
﴿ فَأَمْشُواْ فِىِ مَنَكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النَّشُورُ﴾ [الملك: ١٥/٦٧].
وفي السياسة والحرب يجب الانتباه والحذر والإعداد المكافئ لقوى العدو:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾
٤/ ٧١] ﴿ وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا
اُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠/٨].
ومن أجل الدنيا والآخرة لابد من الصلاح والاستقامة والتزود بالتقوى:
﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧/٢].
وفي كل شيء يكون التوكل مقروناً بالسعي، روى أحمد والترمذي والنسائي
وابن ماجه: ((لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير،
تغدو خماصاً، وتروح بطاناً)) وأخرج ابن حبان في صحيحه: ((حديث الرجل
الذي جاء النبي ◌َّه وأراد أن يترك ناقته، وقال: أأعقلها وأتوكل، أو أطلقها
وأتوكل؟ فقال النبي ◌َّ: اعقلها وتوكل)).

٤٧٢
إِلُعُ (٤) - آلِغَتْرَانَ: ١٥٩/٣-١٦٠
ثم أعلن الله تعالى عن مصدر النصر في الحقيقة فأخبر أنه إن أراد الله أن
ينصركم في أحد، كما نصركم في بدر، حين التزمتم الطاعة، وثبتم، واتكلتم
على توفيق الله ومعونته، فلا غالب لكم من الناس. وإن يرد خذلانكم
وهزيمتكم وبمنعكم تأييده بما كسبت أيديكم من الفشل والتنازع وعصيان
القائد فيما أمركم به، كما جرى يوم أحد، فلا يملك لكم أحد تحقيق النصر.
وعلى الله فليتوكل المؤمنون، وليثقوا به بعد اتخاذ الأسباب؛ لأنه لا ناصر لهم
سواه. وفي هذا ترغيب في التوكل على الله بعد المشاورة والاستعداد وعقد
العزيمة الصادقة على فعل شيء مرغوب به شرعاً.
فقه الحياة أو الأحكام:
إيراد هذه الأخلاق للنبي وَل يقصد به الاقتداء به فيها؛ لأنه الأسوة
الحسنة للمؤمنين، وهو قائدهم وهاديهم بالقول والفعل والصفات. ودلت آية
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ على اختصاص نبينا بمكارم الأخلاق، وكان يجمع بين
دواعي السمو كشرف النسب والحسب، وطهر النفس، والسخاء، وفصاحة
البيان، وخاتم النبيين، وبين التواضع التام، فكان يرقع ثوبه ويخصف نعله
ويجامل أهله والمستضعفين. قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة
وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين، فعزله واجب. هذا مالا
خلاف فيه. وقد مدح الله المؤمنين بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٤٢/
٣٨].
ودل قوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ الْأَمَِّ﴾ على جواز الاجتهاد في الأمور
والأخذ بالظنون، مع إمكان الوحي؛ فإن الله أذن لرسوله وَ له في ذلك.
وهل الشورى ملزمة وواجبة على النبي وَله أو من باب الندب تطييباً
لقلوبهم؟ اختلف الفقهاء على قولين، والظاهر القول الأول؛ لما روى الإمام
أحمد أن رسول الله وَ﴾ قال لأبي بكر: ((لو اجتمعتما في مشورة ماخالفتكما))

٤٧٣
اِلُعُ (٤) - آلِ غَيْر أَنَ: ١٥٩/٣-١٦٠
وروى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله وَ لّ عن العزم،
فقال: ((مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم)).
وصفة المستشار - كما قال العلماء: إن كان في الأحكام أن يكون عالماً
ديّناً، وقلما يكون ذلك إلا في عاقل. وصفة المستشار في أمور الدنيا: أن يكون
عاقلاً مجرّباً واداً في المستشير، روى أبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه
النسائي الحديث المتقدم عن أبي هريرة: ((المستشار مؤتمن)).
والعزم في الآية - كما بينا - هو إمضاء الأمر وتنفيذه بعد المشاورة. ولا بد
فيه من التوكل على الله، والتوكل: الاعتماد على الله مع إظهار العجز. وقال
قتادة: أمر الله تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على
الله، لا علی مشاورتهم.
والنصر مرهون بتنفيذ الأوامر وإطاعة الله والقائد، والخذلان وهو ترك
العون الإلهي منتظر عند العصيان والمخالفة، والمخذول: المتروك لا يعبأ به.
فعليه توكلوا فإنه سبحانه إن يعنكم ومنعكم من عدوكم لن تُغلبوا، وإن
يخذلكم ويترككم من معونته لا ينصركم أحد من بعد خذلانه إياكم.
والتوكل على الله محقق لأمرين:
أحدهما - محبة الله للعبد: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ﴾.
الثاني - كفاية الرحمن للإنسان: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾﴾

٤٧٤
الجُعُ (٤) - آل عمران: ١٦١/٣-١٦٤
في قسمة الغنائم
صَلَ الله
رسم
عدالة النبي
ومهامه في إصلاح أمته
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ثُمَّ تُوَلَى كُلُّ
نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَ اَللَّهِ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ
هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا
١٦٢
مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
يَعْمَلُونَ (
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ
عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى
١٦٤
ضَلَلٍ مُبِیٍ
القراءات:
﴿لِنَبِيٍّ﴾: وقرئ: (لنبيء) وهي قراءة نافع.
﴿أَنْ يَغُلَّ﴾: قرئ:
١- (أن يَغُل) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم.
٢- (أن يُغَل) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَمَأْوَنُهُ﴾: وقرئ: (ماواه) وهي قراءة السوسي، وحمزة وقفاً.
﴿وَبِئْسَ﴾: وقرئ: (بيس) وهي قراءة ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً.
الإعراب:
﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَغُلَّ﴾: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾: اسم كان، و﴿لِنَبِيّ﴾ خبر كان،
والمعنى: ماكان لنبي أن يخون.

٤٧٥
لُعُ (٤) - آل عمران: ١٦١/٣-١٦٤
﴿هُمْ دَرَجَتُ﴾ أي هم ذوو درجات عند الله، فحذف المضاف وأقام
المضاف إليه مقامه.
البلاغة:
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي ما شأنه، ونفي الشأن أبلغ من نفي الفعل.
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَ اَللَّهِ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اُللهِ﴾ استعارة، جعل ماشرعه
الله كدليل الهداية إلى رضوانه، وجعل العاصي كمن أمر أن يتبع شيئاً فامتنع.
﴿ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ التنكير للتهويل أي بسخط لا يوصف.
﴿هُمْ دَرَجَتُ﴾ على حذف مضاف أي ذوو درجات متفاوتة.
المفردات اللغوية:
﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ يخون في الغنيمة، فلا تظنوا به ذلك. أي ماكان من شأن أي نبي
أن يغل: يأخذ شيئاً من الغنيمة خفية؛ لأن الله عصم أنبياءه من سفساف
الأمور، فلا يقع منهم مالا يليق ﴿يَأَتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ حاملاً له على
عنقه ﴿أَتَّبَعَ رِضْوَنَ اللَّهِ﴾ أي أطاع ولم يغل ﴿كَمَنْ بَآءَ﴾ رجع ﴿بِسَخَطٍ مِّنَ
اللَّهِ﴾ أي بغضب عظيم، لمعصيته وغلوله. ﴿وَيْسَ الْصِيرُ﴾ المرجع هي ﴿هُمْ
دَرَجَتُ﴾ أصحاب درجات ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ أي مختلفو المنازل، فلمن اتبع
رضوانه الثواب، ولمن باء بسخطه العقاب ﴿ وَاَللَّهُ بَصِيرٌ﴾ أي يشاهد ويرى
كل شيء.
﴿لَقَدْ مَنَّ﴾ أنعم وتفضل ﴿مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ عربياً من جنسهم، ليفقهوا كلامه
ويشرفوا به . ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهرهم من الذنوب وأدران الوثنية والعقيدة
الفاسدة ﴿اَلْكِنَبَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ السنة النبوية ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي قبل
بعثته ﴿لَفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ أي ضلال بيِّن واضح لا ريب فيه.

٤٧٦
الُزُرُ (٤) - آلعمران: ١٦١/٣-١٦٤
سبب النزول:
أخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في
قطيفة حمراء، افتقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله وَله
أخذها، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلَّ﴾.
وقال الكلبي ومقاتل: إن هذه الآية نزلت حين ترك الرماة المركز الذي
وضعهم فيه النبي ◌َّه يوم أحد، طلباً للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول النبي
وَله: من أخذ شيئاً من مغنم فهو له، وألا يقسم الغنائم، كما لم يقسمها يوم
بدر، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: ((ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز حتى
يأتيكم أمري؟ فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً، فقال لهم: بل ظننتم أنّا نغُل
ولا نقسم)»(١).
التفسير والبيان:
تتابع الآيات في بیان صفات النبي ګ ومهامه في إصلاح أمته، فما كان من
شأنه أن يخون، بل وما كان لنبي أن يخون؛ لأن الله عصم أنبياءه عما لا يليق
بمقامهم؛ لأن النبوة منزلة عالية تربأ بصاحبها عن فعل ما فيه دناءة وخسة،
مما يدل على هول الاتهام والخطأ الصادر من المنافقين بنسبة الخيانة والغلول
من المغتم للنبي وَّ، وهو منه براء.
وكل من يخون فيأخذ شيئاً من الغنائم خفية، يأتي به يوم القيامة حاملاً إياه
على عنقه، أي متحملاً مسؤولية فعله ووزر ما ارتكبه.
وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، أيدته السنة النبوية، أخرج البخاري
ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((قام فينا رسول الله وَل خطيباً،
فذكر الغلول وعِظَمه، وعظم أمره ثم قال:
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ٧٢- ٧٣

٤٧٧
الُعُ (٤) - آل عمران: ١٦١/٣-١٦٤
ألا لا أُلْفَيْنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء، فيقول:
يارسول الله، أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك.
لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة (١) فيقول:
يارسول الله، أغثني، فأقول لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك.
لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رِقَاع تخفُق(٢)، فيقول:
يارسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك.
لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت(٣)، فيقول: يارسول
الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك)».
وهذا كله من قبيل تمثيل الذنب وثقله وفضيحة صاحبه، وأنه يتحمل وزره
يوم القيامة، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا
سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١/٦].
فأخذ أي شيء بغير حق يستوجب العقاب، كما قال تعالى حكاية عن
لقمان: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ
[لقمان: ١٦/٣١].
السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ (@)
ثم توفى كل نفس في الآخرة ماكسبت من خير أو شر، فينال الغالّ وغيره
جزاء فعله دون ظلم، لا ينقص منه شيء، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ اُلْكِنَبُ
فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَنَنَا مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ
صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَاً وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا
[الكهف: ٤٩/١٨].
٤٩)
(١) حمحمة الفرس: صوته دون الصهيل. والثغاء: صياح الغنم.
(٢) الرقاع: هي التي يكتب عليها، وأراد بها ماعليها من الحقوق المكتوبة، وخفوقها: حركتها.
(٣) الصامت: الذهب والفضة، خلاف الناطق وهو الحيوان.
.

٤٧٨
الُعُ (٤) - آل عمران: ١٦١/٣-١٦٤
ثم بين سبحانه نفي المساواة بين المحسن والمسيء، فأخبر أن من اتقى الله
وعمل صالحاً لا يستوي مع من عصى الله وعمل سوءاً، أي فلا يستوي من
اتبع رضوان الله فيما شرعه، فاستحق بُّه رضوان وجزيل ثوابه وأمِن
العذاب، ومن استحق غضب الله وألزم به، فلا محيد له عنه، ومأواه يوم
القيامة جهنم وبئس المصير. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن
[السجدة: ١٨/٣٢] وقوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ
١٨
كَانَ فَاسِقَأَ لَّا يَسْتَوُنَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
[ص: ٢٨/٣٨].
وإن لكلٍ من أهل الخير وأهل الشر درجات ومنازل، يتفاوتون فيها،
فللمتقين الطائعين درجات في الجنة، وللعصاة دركات في النار، فهم يتفاوتون
في الجزاء بسبب تفاوت أعمالهم في الدنيا.
فأعلى الدرجات درجة النبي المصطفى وَلّ، وأسفل الدركات درك
المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُفِقِينَ فِ الذَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥/٤] والله
تعالى بصير بأعمال العباد، فلا يخفى عليه شيء من أعمالهم بدءاً من تزكية
نفوسهم إلى أرفع الدرجات، ومن إهمال التزكية إلى أسفل الدركات، كما قال
[الشمس: ٩/٩١-
تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زََّّنْهَا ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنْهَا
١٠]. وسيوفيهم جزاء أعمالهم، لا يظلمهم خيراً، ولا يزيدهم شراً، بل
يجازي كل عامل بعمله.
ثم بَيَّن تعالى ما امتن وتفضل به على الناس، فأرسل نبيه محمداً متصفاً
بأوصاف ومكلفاً بمهام هي:
- إنه عربي من ولد إسماعيل من جنس قومه، مما يدعوهم إلى الاهتداء به
والثقة برسالته، فضلاً عن أنهم شرفوا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ
[الزخرف: ٤٣ /٤٤] وتخصيصهم بالذكر يقتضيهم
33
وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ تُشْتَلُونَ

٤٧٩
الزُ (٤) - آل عمران: ١٦١/٣-١٦٤
مزيد الانتفاع به، وإن كان هو للناس كافة، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ
(@) [الأنبياء: ١٠٧/٢١].
إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ
- إنه يتلو عليهم آيات الله الدالة على قدرته ووحدانيته وعلمه وكمال
أوصافه، كما أشار تعالى في آية ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ
اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ
[آل عمران: ٣ /١٩٠].
- إنه يزكيهم ويطهرهم من زيف الوثنية وفساد العقيدة الجاهلية،
كاعتقادهم بتأثير الأصنام والأحجار، وبدلالة الطير، وغير ذلك من الأوهام
والخرافات، وينقلهم إلى معطيات العقل الصحيح والفكر الناضج، والمدنية
والحضارة، وإقامة الدولة والإدارة والسياسة التي تفاخر العالم وتنافس المجتمع
الدولي القائم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، لتزكو نفوسهم وتطهر
من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم.
- إنه يعلمهم القرآن والسنة، فيصبح منهم العلماء والكتاب والحكماء
والقادة وأساتذة العلوم والمعارف والثقافات المتنوعة، وإن كانوا من قبل هذا
الرسول لفي غي وجهل ظاهر، إذ كانوا أمة أمية، فأصبحوا بنور الإسلام،
وعلم القرآن، ومعرفة الحياة أمة متمدنة متحضرة نافست الأمم الأخرى
وسبقتهم.
وهذا يومئ إلى أن معرفة القرآن والسنة كانت للعرب مفتاح النور والعلم
وتعلم أصول الحياة الراقية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مايأتي:
· أ - إن الأنبياء على درجة عالية من السمو والأخلاق، فما كان من شأن
نبي أن يخون، أو يجور في القسمة، أو يأخذ شيئاً من الغنائم بغير حق واضح،

٤٨٠
لُعُ (٤) - آلِعَتْر ان: ١٦١/٣-١٦٤
فما كان من حقكم أن تتهموا نبيكم بتهمة باطلة. روى الطبراني عن عمرو بن
عوف حديثاً: ((لا إغلال ولا إسلال)) أي لا خيانة ولا سرقة.
ومن خان وتجه الله سلفاً بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد يوم القيامة،
ويعاقب على ذنبه، وجعل الله تعالى هذه العقوبات حسبما يعهده البشر
ويفهمونه.
والغلول كبيرة من الكبائر بدليل هذه الآية وحديث أبي هريرة المتقدم: أنه
یحمله على عنقه.
وإذا غلَّ الرجل في الْمَغْنَم ووُجد لديه، أخذ منه، وأُدِّب وعُوقب بالتعزير.
وقال أحمد والأوزاعي وإسحاق: يحرق متاع الغالّ كله إلا سلاحه وثيابه
التي عليه وسَرْجه، ولا تنزع منه دابته، ولا يُحرق الشيء الذي غُلَّ، عملاً
بحديث رواه أبو داود والترمذي عن عمر: ((إذا وجدتم الرجل قد غَلَّ،
فأحرقوا متاعَه، واضربوه)) لكن فيه صالح بن محمد بن زائدة، وهو ضعيف لا
يُحتجّ به.
وعند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والليث: لا يُحرق متاعه، إذ
لم يثبت ذلك في السنة النبوية.
وتجوز العقوبة في المال، بدليل أن عمر رضي الله عنه أراق لبناً شيب بماء،
وإذا باع الذمي خمراً لمسلم أريقت على المسلم، وينزع الثمن من الذمي عقوبة
له، لئلا يبيع الخمر من المسلمين.
وأجمع العلماء على أن للغالّ أن يرد جميع ما غلَّ إلى صاحب المقاسم قبل أن
يفترق الناس إن وجد السبيل إلى الرد، وأنه إذا فعل ذلك فهي توبة له،
وخروج عن ذنبه. فإن افترق العسكر دفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي في
رأي مالك والأوزاعي.