Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
الجُوعُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩
سلمة من الأوس من الأنصار من التراجع بقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ حين رجع
المنافقون إلى المدينة.
◌ّ - شارك النبي ◌َ ◌ّ فعلاً في القتال في تسع غزوات، منها غزوة أحد،
وفيها جرح في وجهه، وكسرت رَباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البَيْضة
(الخوذة)(١) من على رأسه، وكان الذي رماه في وجهه عمرو بن قمئة الليثي،
الذي أدمى شفته وأصاب رباعيته عُثْبة بن أبي وقاص.
٤ - كان من كوارث أحد أن قتل حمزة عم النبي وَل وسيد الشهداء، قتله
وحشي الذي كان مملوكاً لجبير بن مطعم، وقد كان جبير قال له: إن قتلت
محمداً جعلنا لك أعنة الخيل، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلنا لك مئة
ناقة كلها سُود الحدق، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حر.
فقال وحشي: أما محمد فعليه حافظ من الله لا يخلُص إليه أحد. وأما علي
ما برز إليه أحد إلا قتله. وأما حمزة فرجل شجاع، وعسى أن أصادفه فأقتله.
مو
وكانت هند كلما تهيأ وحشي أو مرَّت به قالت: إنهاً أبا دَسَة، اشف
واستشف. فكمن له خلف صخرة، وكان حمزة حمل على القوم من المشركين؛
فلما رجع من حملته، ومرَّ بوحشي زَرَقه بالمزْرَاق (رمح قصير) فأصابه فسقط
ميِّتاً، رحمه الله ورضي عنه. قال ابن إسحاق: فبقرت هند عن كبد حمزة،
فلاكتها، ولم تستطع أن تسيغها، فلفظتها، ثم علت على صخرة مُشْرفة،
فصرخت بأعلى صوتها، فقالت أبياتاً مطلعها :
نحن جَزَيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذاتُ سُعْرٍ
ماكان عن عُتْبة لي من صبر ولا أخي وعمه ويَكْري
٥ - دل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ على أن التوكل على الله
(١) وهي زرد ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة.
٤٠٢
الُرُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩
من الإيمان. والتوكل في اللغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير. وأما في
الشرع فليس هو ترك الأسباب، كما زعم قوم، وإنما هو الثقة بالله والإيقان
بأن قضاءه ماض، واتباع سنة نبيه و 98 في السعي فيما لابد منه من الأسباب
من مَظْعم ومَشْرب وتحرز من عدوّ، وإعداد الأسلحة، واستعمال سنة الله
تعالى المعتادة(١). وقال النبي وَطّ فيما رواه الطبراني والبيهقي عن ابن عمر،
وهو ضعيف: ((إن الله يحب العبد المؤمن المحترف)).
أَ - أرشدت الآيات ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ
بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوَكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ
١٢٤
اَلْمَلَتِكَةِ مُنْزَلِينَ
رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ اٌلْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (٣٥)﴾ [آل عمران: ١٢٣/٣-١٢٥] إلى أن
الله تعالى نصر عباده المؤمنين في بدر أول لقاء مسلح مع المشركين، فرق الله بين
الحق والباطل وسماه ((يوم الفرقان))، وأسفر عن معركة حاسمة بعيدة المدى في
التاريخ الإنساني، وأمد الله تعالى به المؤمنين بالملائكة، باعتباره سبباً من
أسباب النصر، لتطمئن قلوبهم وتتعلق بالله وتثق به، وليمتثلوا ما أمرهم به
من اتخاذ الأسباب التي قد خلت من قبل: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾
[الأحزاب: ٦٢/٣٣].
أما في الحقيقة فالناصر هو الله تعالى بسبب وبغير سبب: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا
(A)) [يس: ٨٢/٣٦].
أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
وأما كلمة ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر الواو اسم فاعل: فمعناها أنهم أعلموا
أنفسهم بعلامة، وأعلموا خيلهم، وقال كثير من المفسرين: مسؤِّمين أي
مُرسِلین خيلهم في الغارة. وأما بفتح الواو اسم مفعول: فالمعنى: مُعَلَّمين
(١) تفسير القرطبي: ١٨٩/٤
٤٠٣
اِلُزُ (٤) - آلِ عَتْ أَنَ: ١٢١/٣-١٢٩
بعلامات. وعلى القراءة الأولى اختلفوا في سيما الملائكة، فروي عن علي بن
أبي طالب وابن عباس وغيرهما ((أن الملائكة اعتمت بعمائم بيض قد أرسلوها
بين أكتافهم)) ذكره البيهقي عن ابن عباس، وحكاه المهدوي عن الزجاج.
وقال الربيع: كانت سيماهم أنهم كانوا على خيل بُلْق(١).
وذلك دليل على اتخاذ الشارة (الهيئة) والعلامة للقبائل والكتائب، يجعلها
السلطان لهم، لتتميز كل قبيلة وكتيبة عن غيرها عند الحرب.
لاً - إن الإمداد بالملائكة يوم بدر كان إمداداً فعلياً، لا معنوياً، بدليل
الثابت في الروايات الكثيرة في السنة النبوية. وقد جعله الله بشرى للمؤمنين
بالنصر وتطميناً لقلوبهم، وإهلاكاً لأعدائهم. والنصر الحقيقي بسبب أو بغير
سبب هو من عند الله القوي الغالب الحكيم الصنع، المدبر لكل الأمور على
وفق الحكمة بوضع كل شيء في المحل المناسب له.
٨ - إن جرح النبي ◌َّليه في معركة أحد أمر عظيم الوقع والتأثير على النبي
نفسه وعلى المؤمنين، لذلك قال كما ثبت في صحيح مسلم حينما جعل يمسح
الدم عنه: ((كيف يفلح قوم شجّوا رأس نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو
يدعوهم إلى الله تعالى)) فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾.
قال الضحاك: همَّ النبي ◌َّ أن يدعو على المشركين، فأنزل الله تعالى:
﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾.
وقيل: استأذن في أن يدعو في استئصالهم، فلما نزلت هذه الآية، علم أن
منهم من سیُسِلم، وقد آمن کثیر، منهم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص،
(١) البَلَق: سواد وبياض.
٤٠٤
الُرعُ (٤) - آل عمران: ١٢١/٣-١٢٩
وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم. وروى الترمذي عن ابن عمر قال: وكان النبي
وَ * يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾
فهداهم الله للإسلام، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
وعلى أي حال: فهذه الآية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ دليل قاطع على أن
القرآن من عند الله، فهذا تنبيه لرسول الله وإعلام له بأن الأمر كله لله، سواء
دعا على المشركين أو لم يدع.
ـة - بناء على ما ثبت من دعاء النبي وَل على جماعة من المشركين في صلاة
الفجر، اختلف العلماء في القنوت في صلاة الفجر وغيرها. فمنعه الكوفيون
(الحنفية والحنابلة) لما روي في الموطأ عن ابن عمر: ((أنه كان لا يقنُت في شيء
من الصلاة)) ولما روى النسائي أن النبي وَلير والخلفاء الراشدين لم يقنتوا.
وأجازه الحجازيون (المالكية والشافعية) لكن الأفضل عند المالكية قبل
الركوع، وعند الشافعية بعد الركوع؛ لما روى الدارقطني بإسناد صحيح عن
أنس أنه قال: ((ما زال رسول الله ◌َ لا يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا)).
وروى أبو داود في المراسيل عن خالد بن أبي عمران أن جبريل علَّم النبي ◌ِّ
دعاء القنوت وهو دعاء عمر: ((اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك
ونتوب إليك ... )) إلخ. وروى البيهقي صيغة القنوت بلفظ: ((اللهم اهدني فيمن
هدیت .. )) إلخ.
٤٠٥
اِلُرُ (٤) - الِ غَثْرَانَ: ١٣٠/٣-١٣٦
إرشادات للمؤمنين بفعل الخيرات
وترك المنكرات وجزاء الطائعين والعصاة
يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْ أَضْعَلِفًا مُضَعَفَةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ (
، وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
وَأَتَّقُواْ النَّارَ اُلَِّىّ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ إ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
وَسَارِعُوّاْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
(١٣٣
السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَتْ لِلْمُتَّقِينَ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَآءِ وَالضَّرَآءِ
وَالَّذِينَ
وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأُسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ
مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّتُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ
٢٦
اٌلْعَمِلِينَ
القراءات:
[ُضَعَفَةٌ﴾: وقرئ: (مضعَّفة) وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر.
﴿وَسَارِعُواْ﴾: وقرئ بلا واو، هي قراءة ابن عامر، ونافع.
الإعراب:
﴿أَضْعَلِفًّا مُضَعَفَةٌ﴾: أضعافاً حال منصوب من الربا، ومضاعفة: صفة
له ﴿وَسَارِعُواْ﴾ معطوفة على ما قبلها من القصص ﴿عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
وَالْأَرْضُ﴾ و﴿أُعِدَتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الأولى جملة اسمية والثانية فعلية، وهما في
موضع جر صفة لجنة.
﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ﴾: ﴿وَمَن﴾ استفهام معناه النفي: مبتدأ،
٤٠٦
لُعُ (٤) - آل عمران: ١٣٠/٣-١٣٦
و﴿ يَغْفِرُ﴾: خبره، وفيه ضمير يعود إلى ﴿وَمَن﴾. و﴿إِلَّا اللَّهُ﴾: بدل من
ضمير ﴿يَغْفِرُ﴾، وتقديره: مايغفر الذنوب إلا الله.
﴿وَجَنَّكٌُ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾
جملة تجري: فعلية في موضع رفع صفة لجنات، والعائد إليها الهاء في
﴿َتَحْتِهَا﴾. (خَلِينَ فِيهَا﴾ حال من أولئك، أي مقدرين الخلود فيها.
﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: ونعم أجر العاملين
الجنة، وحذف لدلالة الكلام المتقدم عليه.
البلاغة:
﴿أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ جناس اشتقاق.
﴿لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْاْ﴾ مجاز مرسل، سمي الأخذ أكلاً؛ لأنه يؤول إليه.
﴿عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ تشبيه بليغ حذف منه أداة الشبه، أي
كعرض السماوات والأرض.
{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ أي إلى موجب مغفرة، تسمية للشيء باسم سببه.
﴿السَّآءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ فيه طباق.
﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ﴾ استفهام يقصد منه النفي أي لا يغفر.
﴿أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ الإشارة بالبعيد للدلالة على علو منزلتهم.
﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ حذف منه المخصوص بالمدح أي ونعم أجر
العاملين الجنة.
المفردات اللغوية:
﴿أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ بأن تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا
الطلب، وضعف الشيء: مثله، وهذه المضاعفة: إما في الزيادة فقط التي هي
٤٠٧
لُرعُ (٤) - آل عمران: ١٣٠/٣-١٣٦
الربا، وإما بالنسبة إلى رأس المال كاستدانة مئة بثلاث مئة ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ بترك
الربا بأن تجعلوا لأنفسكم وقاية من عذابه ﴿تُفْلِحُونَ﴾ تفوزون ﴿وَأَتَّقُواْ
النَّارَ﴾ أن تعذبوا بها ﴿أُعِدَّتْ﴾ هيئت ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ بادروا إلى
الأسباب المؤدية إليها من الأعمال الصالحة، كالصدقة وفعل الخير والتوبة عن
الآثام كالربا ونحوه ﴿عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَاُلْأَرْضُ﴾ أي كعرضهما لو وصلت
إحداهما بالأخرى، والعرض: السعة، والمراد وصف الجنة بالسعة.
﴿السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ﴾ السراء: الحال التي تسر، والضراء: الحال التي تضر،
وفسرهما ابن عباس باليسر والعسر ﴿ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْطَ﴾ الحابسين والكاتمين
له مع القدرة على إمضائه. والغيظ: أشد أنواع الغضب، وهو ألم شديد يحدث
في النفس عند الاعتداء على حق مادي كالمال والولد، أو معنوي كالشرف
والعرض والكرامة.
﴿اَلْمُحْسِنِينَ﴾ الإحسان: الإنعام والتفضل على الغير على نحو لا مذمة فيه
﴿فَاحِشَةً﴾ الفاحشة: الذنب الكبير والفعل القبيح الذي يتعدى أثره إلى الغير
كالزنا والغيبة ونحوهما. وظلم النفس: هو الذنب الذي يقتصر أثره على الفاعل
كشرب الخمر ونحوه.
﴿ذَكَرُواْ اللَّهَ﴾ تذكروا وعده ووعيده، وأمره ونهيه، وعظمته وجلاله.
﴿يُصِرُوا﴾ يداوموا، والمراد شرعاً بالإصرار على الذنب: الاستمرار في
فعل القبيح دون إقلاع عنه من غير تراجع ولا استغفار ولا توبة ﴿وَهُمْ
يَعْلَمُونَ﴾ أن الذي أتوه معصية.
سبب النزول:
نزول الآية (١٣٠):
أخرج الفريابي عن مجاهد قال: كانوا يبتاعون إلى الأجل، فإذا حل
٤٠٨
الزُعُ (٤) - آلِعَتْرَانَ: ١٣٠/٣-١٣٦
الأجل، زادوا عليهم، وزادوا في الأجل، فنزلت: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَأْكُلُواْ الرِّبَؤْ أَضْعَلِفًّا مُضَعَفَةٌ﴾.
وأخرج أيضاً عن عطاء قال: كانت ثقيف تداين بني النصير، فإذا جاء
الأجل قالوا: نُرْبيكم وتؤخرون عنا، فنزلت: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْاْ أَضْعَافًا
مُضَعَفَةٌ﴾.
نزول الآية (١٣٥):
قال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت الآية في نَبْهان التَّمّار، وكنيته أبو
مقبل، أتته امرأة حسناء، باع منها تمراً، فضمها إلى نفسه وقبَّلها، ثم ندم على
ذلك، فأتى النبي صَلّ وذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية.
المناسبة:
بعد أن حذر الله المؤمنين من اتخاذ البطانة من غير المسلمين، وبيَّن أنهم إن
يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيدهم شيئاً، وذكر مثالاً للصبر والتقوى في غزوتي
بدر وأحد وما فعله المشركون واليهود، حذر هنا المسلمين من فحش صفة
لازمة لليهود والمشركين وهي الربا، واستتبع هذا بيان ألوان من الترغيب
والترهيب والإرشادات وثمرة فعل الخير والشر.
التفسير والبيان:
يا أيها المؤمنون، إياكم أن تأكلوا الربا كما كان الناس يفعلون في الجاهلية،
فهو نهي صريح للمؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافاً مضاعفة، كما كانوا
في الجاهلية يقولون: إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن
قضاه وإلا زاده في المدة، وزاده الآخر في قدر الفائدة، وهكذا كل عام، فربما
تضاعف القليل حتى يصير كثيراً مضاعفاً.
٤٠٩
اِلُعُ (٤) - آل عمران: ١٣٠/٣-١٣٦
وضم الله تعالى إلى هذا النهي لتأكيد تحريم الربا أمر المؤمنين بالتقوى لعلهم
يفلحون في الدنيا والآخرة، ثم زاد النهي تأكيداً فتوعدهم بالنار، وحذرهم
منها ثم شدد في الأمر بإطاعة الله والرسول، ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل
الخيرات، والمسارعة إلى نيل القربات.
وقد أوضحت في الجزء الثالث في تفسير آيات الربا (٢٧٥ - ٢٧٦، ٢٧٨ -
٢٧٩) من سورة البقرة أن هذه الآية نزلت في المرحلة الثالثة من مراحل تدرج
التشريع في تحريم الربا، وأن قليل الربا ولو ١٪ وكثيره حرام، وأن الآيات
القرآنية التي في سورة البقرة والتي هي آخر الأحكام نزولاً دلت على تحريم
نوعي الربا: ربا النسيئة (أي الأجل) وربا الفضل (أي الزيادة الحالية) وأن
تحريم الربا بنوعيه إنما هو لمصلحة الأمة، لما فيه من خطر على الفرد والجماعة،
وأن تحريم ربا الفضل من باب سد الذرائع، أي حتى لا يكون ذريعة يتذرع به
إلى ربا النسيئة، وأن كل قرض جر نفعاً فهو ربا، سواء كانت المنفعة نقداً أو
عيناً مادية كثيرة أو قليلة.
وربا الجاهلية أو ربا النسيئة هو ما يسمى اليوم في المصارف الربوية بالربا
الفاحش أو الربح المركب أو الفائدة المركبة مع مرور الزمن، وهو محرم قطعاً
بنص القرآن الكريم، وأما التقييد بالأضعاف المضاعفة في الآية فهو قيد لبيان
الواقع وتصوير للحالة التى كان عليها الناس في الجاهلية، وتشنيع عليهم بأن
في هذه المعاملة ظلماً صارخاً واستغلالاً واضحاً لحاجة المدين. ولا يعني هذا
التقييد أصلاً أن الربا اليسير حلال، وأن الحرام هو الربا الفاحش فقط،
فذلك ليس مراداً من الآية، فالربا قل أو كثر هو حرام وكبيرة من الكبائر،
وليس لهذا القيد أي مفهوم. ولا يباح الربا بحال إلا للمضطر في حدود
الضرورة القصوى، مثل الإقدام على أكل الميتة، كأن غلب على ظنه الوقوع في
الهلاك جوعاً، أو تعرض للعيش في الشارع بلا مسكن يأوي إليه، أما
الاقتراض بفائدة للتوسع في التجارة أو الصناعة أو الزراعة، فهو حرام، إلا
٤١٠
اِلُءُ (٤) - آلِ عُثْر انَ: ١٣٠/٣-١٣٦
إذا كان مهدداً بغالب الظن بالإفلاس أو تلف المحصول الزراعي، ولم يجد
أحداً يقرضه القرض الحلال، فله الاقتراض بفائدة بقدر إنقاذ نفسه من
الضائقة المستحكمة؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها.
ومما يبشر بخير في ظاهرة الصحوة الإسلامية الحالية نجاح مؤسسات
المصارف وشركات التأمين الإسلامية التي تقوم على أساس عقود المضاربة
والمرابحة والضمان وغيرها مما أباحه الفقهاء، وليس فيه الربا الحرام أو الغرر
والمقامرة المحرمان شرعاً.
وأكد الله تعالى النهي عن الربا بالأمر بتقوى الله فيما نهينا عنه من الأمور،
ومنها الربا، لنحقق لأنفسنا الفوز والفلاح في الدنيا بالتعاون والتراحم
المؤديين إلى المحبة، والمحبة أساس السعادة، وفي الآخرة بالظفر برضوان الله
وبا لجنة.
وزاد النهي تأكيداً بالتحذير مما يؤدي إلى النار، ومنه الربا، تلك النار التي
هيأها الله للكافرين ومنهم المرابون، فإذا لم يمتثلوا جانب التقوى واتقاء
المعاصي، صاروا في عداد أهل النار، روي عن أبي حنيفة رحمه الله: إن هذه
أخوف آية في القرآن، حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدَّة للكافرين إن لم
يتَّقوه في اجتناب محارمه. وقد عرفنا في سورة البقرة أن الله تعالى أعلن الحرب
والعداوة من الله ورسوله على أكلة الربا.
ثم شدد تعالى في النهي تشديداً بليغاً، فأمر بإطاعة الله ورسوله فيما نهى عنه
الله ورسوله من أخذ الربا، كي يرحم الناس في الدنيا بصلاح حالهم، وفي
الآخرة بحسن الجزاء على أعمالهم.
ثم أمر عز وجل بالمبادرة إلى ما يوجب مغفرة الذنوب ودخول الجنان
الواسعة الفسيحة التي أعدها الله للمتقين، وهذا دليل على أن الجنة مخلوقة
الآن. روى الإمام أحمد في مسنده: أن هرقل كتب إلى النبي ◌َّ: إنك دعوتني
٤١١
لُعُ (٤) - آل عمران: ١٣٠/٣-١٣٦
إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فأين النار؟ فقال النبي ◌َّلهم: ((سبحان الله
فأين الليل إذا جاء النهار؟)) أي أنه إذا دار الفلك كان النهار في جانب من العالم،
والليل في الجانب الآخر، فكذا الجنة في ناحية العلو، والنار في جهة السفل، فلا
تنافي بين كونها كعرض السماوات والأرض وبين وجود النار. ويمكن أن يكون
المعنى: أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار ألا يكون في مكان،
وإن کنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حیث شاء الله عز وجل، قال ابن كثير:
وهذا أظهر لحديث أبي هريرة عند البزار قال: جاء رجل إلى رسول الله وآل﴾ فقال:
أرأيت قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ قال:
((أرأيت الليل إذا جاء، لبس كل شيء، فأين النهار؟)) قال: حيث شاء الله، قال:
((وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل)).
هذه أربعة تأكيدات للتّنفير من الرِّبا: اتَّقوا الله، اتَّقوا النّار، أطيعوا الله،
أطيعوا الرّسول. ثم رغب تعالى بفعل الخير بعد التّرهيب، فأمر بالمبادرة إلى
فعل الطاعات كالصدقة والصِّلة والتّراحم والتّعاون والبعد عن الآثام كالرِّبا
ونحوه، وتلك الأعمال الخيرية هي التي تجعل المجتمع الإسلامي متراحماً سعيداً
مطمئناً لا أحقاد فيه ولا صراعات ولا حسد ولا بغض ولا كراهية بين
الفقراء والأغنياء.
ثم ذكر الله تعالى أوصاف أهل الجنة، وهي:
١ - الذين ينفقون في السراء والضراء، أي في الشدة والرّخاء، والمنشط
والمكره، والصّحة والمرض، وفي جميع الأحوال، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤/٢]، والمعنى
أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى
خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر، وجاء في الحديث عند أحمد والشيخين
عن عدي: ((اتَّقوا النّار ولو بشقّ تمرة)).
٤١٢
الجُزُ (٤) - آلِّعَتْرَانَ: ١٣٠/٣-١٣٦
والأمر بالإنفاق له هدفان:
الأول - أنّ الصدقة عون للمحتاج وأخذ بيده إلى طريق الكفاية، والرِّبا
استغلال الغني حاجة الفقير، لذا قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرْبُواْ فِيِّ
أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُواْ عِندَ اللّهِ وَمَآ ءَانَيْتُم مِّنْ زَّكَوْمٍ ثُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ
﴿يَ﴾ [الروم: ٣٩/٣٠]، وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِبَواْ وَيُرْبِىِ
هُمُ الْمُضْعِفُونَ
الصَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦/٢].
الثاني - أنّ الإنفاق في مختلف الأحوال يسراً وعسراً وغيرهما أدلّ على
التّقوى، وأعون على سدّ الحاجات المتكررة، بنحو تدريجي بطيء، فلا يكون
فيه إرهاق على المنفق، ولا إهمال للمحتاج حتى يصير في أدنى درجات
الحاجة، والحكمة تقول: ((أعط القليل فالحرمان أقل منه)). وحبّ الخير وتذُّر
الآخرة هو الذي يحرّك في الإنسان عاطفة الرّحمة، وداعية البذل لإنفاق القليل
الدائم، فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع، والقليل إذا اجتمع من الأفراد
والجماعات صار كثيراً محققاً للمطلوب، لذا قال الله تعالى: ﴿لِيُّفِقْ ذُو سَعَةٍ
مِّن سَعَنِةِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَائَنَهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلََّّ مَآَ
ءَاتَنَهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًّا (
﴾ [الطلاق: ٧/٦٥].
٢ - والكاظمين الغيظ أي إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموا، فلم
يُعملوه مع القدرة على إمضائه وإنفاذه، لا عن ضعف وعجز، قال عليه
الصّلاة والسّلام: ((ليس الشديد بالصُّرَعة، لكن الشديد الذي يملك نفسه عند
الغضب))(١). وروى أحمد أيضاً أن حارثة بن قدامة السعدي قال: يا رسول
الله، أوصني، قال: ((لا تغضب)).
وطريق علاج الغضب ما رواه أحمد وأبو داود عن عطية بن سعد السعدي
(١) رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه.
٤١٣
لُرُ (٤) - آل عمران: ١٣٠/٣-١٣٦
قال: قال رسول الله وَله: ((إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من
النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)). وروى عبد
الرّزاق عن أبي هريرة أن النَّبِي وَّ قال: ((من كظم غيظاً وهو يقدر على
إنفاذه، ملأ الله جوفه أمناً وإيماناً)).
وأُثر عن عائشة رضي الله عنها أن خادماً لها أغاظها فقالت: لله درُّ
التَّقوى، ما تركت لذي غيظ شفاء.
٣ - والعافين عن الناس أي الذين يتسامحون ويعفون عمن أساء إليهم مع
القدرة على ردّ الاعتداء، وتلك منزلة ضبط النفس التي تدلّ على سعة العقل
ورجاحة الفكر وقوة الإرادة ومتانة الشخصية، وهي أرقى من كظم الغيظ، إذ
ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا
غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧/٤٢]، وروى الحاكم والطبراني عن أبي بن
كعب أن رسول الله وَّه قال: ((من سرّه أن يشرف له البنيان، وترفع له
الدّرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه))(١). وعن
ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلجر: ((إذا كان يوم القيامة
نادى منادٍ يقول: أين العافون عن الناس؟ هلموا إلى ربِّكم، وخذوا
أجوركم، وحقّ على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة)).
وفي هذا إشارة إلى عفو النَّبِي وََّ عن الرّماة الذين خالفوا أمره في غزوة
أحد، وإلى تركه مجازاة المشركين بما فعلوه بحمزة رضي الله عنه حين قال - وقد
رآه مُثِّل به كما جاء في السيرة -: ((والذي نفسي بيده لأمثِّلنَّ بسبعين منهم)).
٤ - والله يحبّ المحسنين: الذين يقابلون الإساءة بالإحسان، إما بإيصال
النّفع لمن أساء، وإما بدفع الضّر عنه في الدُّنيا بألا يقابل الإساءة بمثلها، أو
(١) قال الحاكم: هو صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
ء
٤١٤
الجُرُ (٤) - آلِ عَثْرَأَنَ: ١٣٠/٣-١٣٦
في الآخرة بالعفو عما له عند النّاس من الحقوق. وهذه مرتبة هي أعلى المراتب
السابقة. أخرج البيهقي أنّ جارية لعلي بن الحسين رضي الله عنه جعلت تسكب
عليه الماء، ليتهيأ للصّلاة، فسقط الإبريق من يدها فشجّه، فرفع رأسه،
فقالت: إن الله يقول: ﴿وَالْكَظِينَ الْغَيْظَ﴾ فقال لها: قد كظمت غيظي،
قالت: ﴿ وَاَلْعَافِيْنَ عَنِ النَّاسُِ﴾ قال: قد عفا الله عنك، قالت: ﴿وَاَللَّهُ
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: اذهبي فأنت حرّة لوجه الله تعالى.
٥ - والذين إذا فعلوا فاحشة، أي ذنباً يتعدّى ضرره إلى الغير كالزّنى
والرِّبا والشّرقة والغيبة ونحوها، أو ظلموا أنفسهم أي فعلوا ذنباً يقتصر ضرره
عليهم كشرب الخمر ونحوه، ذكروا وعد الله ووعيده، وعظمته وجلاله،
فرجعوا إلیه تائبين مستغفرین لذنوبهم، طالبين رحمته.
علماً - وهذه جملة اعتراضية - بأنه لا يغفر الذنوب إلا الله، ومن فضله
وإحسانه وكرمه أنه يعفو عن المسيء، ويتجاوز عن المذنب مهما عظمت
الذنوب، غير الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨/٤]، وقال أيضاً: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ
شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦/٧].
وشرط قبول التوبة: عدم الإصرار على الذّنب، وهذا قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ
عَلَى مَا فَعَلُوْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥/٣] أي تابوا من ذنوبهم،
ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمرُّوا على المعصية ويصرُّوا عليها غير
مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذّنب تابوا منه، كما قال الحافظ أبو يعلى في
مسنده، فإنه مع أبي داود والترمذي والبزار في مسنده رووا عن أبي بكر رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله وَله: ((ما أصرّ من استغفر، وإن عاد في اليوم
سبعين مرّة))(١).
(١) حديث حسن.
٤١٥
الجُزُ (٤) - آل عمران: ١٣٠/٣-١٣٦
وهم يعلمون أن الذي أتوه معصية، ويذكرون ذنوبهم فيتوبون منها، وأن
من تاب تاب الله عليه، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوَبَةَ
عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤/٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ
(9)) [النساء: ١١٠/٤].
يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا
ثم أبان الله تعالى بعد وصف المتّقين بالأوصاف السابقة: أن أولئك المتّقين
الموصوفين بهذه الصِّفات جزاؤهم مغفرة من ربِّهم على ذنوبهم، وأمن من
العقاب، ولهم ثواب عظيم عند ربِّهم في جنّات تجري من تحتها الأنهار، أي
من أنواع المشروبات، وهم خالدون فيها أي ماكثون فيها، ونعم هذا الجزاء
على تلك الأعمال الصالحة وهو الجنة، فهو تعالى يمدح الجنة، وحقّ له المدح،
ففيها النعيم الأبدي المطلق، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا
خطر على قلب بشر.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات (١٣٠ - ١٣٢) على تحريم الرِّبا من نواح أربعة: النّهي عنه
﴿لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَؤْ﴾ واتِّقاء الله في أموال الرِّبا فلا تأكلوا، والوعيد لمن
استحلّ الرِّبا بالنّار، ومن استحلّ الرِّبا فإنه يكفر، والأمر بإطاعة الله في تحريم
الرِّبا، وإطاعة الرَّسول فيما بلَّغ الناس من التّحريم، كي يرحمهم الله.
قال مجاهد: كانوا يبيعون البيع إلى أجل، فإذا حلّ الأجل زادوا في الثّمن
على أن يؤخّروا، فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوَأْ
أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾.
قال القرطبي(١): وإنما خصّ الرِّبا هنا من بين سائر المعاصي؛ لأنه الذي
أذن الله فيه بالحرب في قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِّ﴾
(١) تفسير القرطبي: ٢٠٢/٤
٤١٦
الُرُ (٤) - آلِ غَيْرَانَ: ١٣٠/٣-١٣٦
[البقرة: ٢٧٩/٢]، والحرب يؤذن بالقتل؛ فكأنه يقول: إن لم تتّقوا الرِّبا هُزمتم
وقتلتم، فأمرهم بترك الرِّبا؛ لأنه كان معمولاً به عندهم.
ودلّت عبارة ﴿أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ المؤكّدة على شُنْعة فعلهم وقُبحه،
ولذلك ذكرت حالة التّضعيف خاصة، فإنهم كانوا يكرِّرون التَّضعيف عاماً
بعد عام.
﴾ على أنّ النّار مخلوقة،
ودلّت آية ﴿ وَأَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِّيّ أُعِدَتْ لِلْكَفِرِينَ
ردّاً على الْجَهْمية؛ لأنّ المعدوم لا يكون مُعَدّاً.
وأرشدت آية ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ إلى وجوب المبادرة إلى ما يوجب
المغفرة، وهي الطاعة، وقدم المغفرة على الجنّة؛ لأنّ التّخلي مقدم على التّحلي،
فلا يستحقّ دخول الجنّة من لم يتطهّر من الذّنوب أولاً.
واختلف العلماء في تأويل قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ﴾
فقال ابن عبّاس: تُقرن السماوات والأرض بعضها إلى بعض، كما تبسط
الثياب، ويوصل بعضها ببعض، فذلك عرض الجنّة، ولا يعلم طولها إلا الله.
وهذا قول الجمهور. ولم تقصد الآية تحديد العرض، ولكن أراد بذلك أنها
أوسع شيء رأيتموه. وأشارت آية ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُثَّقِينَ﴾ إلى أن الجنّة مخلوقة
موجودة كالنّار، وهذا قول عامّة العلماء. ويؤيده نص حديث الإسراء وغيره
في الصحيحين وغيرهما، وحديث أبي ذر عن الشَّي ◌َّ: ((ما السماوات السبع
والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض، وما
الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض».
وقالت المعتزلة: إنهما غير مخلوقتين في وقتنا، وإن الله تعالى إذا طوى
السماوات والأرض، ابتدأ خلق الجنّة والنّار حيث شاء؛ لأنهما دار جزاء
بالثّواب والعقاب، فخلقتا بعد التكليف في وقت الجزاء؛ لئلا تجتمع دار
التكليف ودار الجزاء في الدُّنيا؛ كما لم يجتمعا في الآخرة.
٤١٧
الجُعُ (٤) - آلِ عُقْرَانَ: ١٣٠/٣-١٣٦
ويلاحظ أنه تعالى أمر بالمسارعة إلى عمل الآخرة في آيات كثيرة: ﴿وَسَارِعُواْ
إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣/٣]، ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [الحديد: ٢١/٥٧]،
﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨/٢]، ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكِرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩/٦٢]،
﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ اَلْمُنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦/٨٣]، وأما السَّعي للدُّنيا فذكر
بها تذكيراً برفق مثل: ﴿فَأُمْشُواْ فِىِ مَنَكِهَا﴾ [الملك: ١٥/٦٧]، ﴿وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ
فِىِ الْأَرْضِ﴾ [المزمل: ٧٣/ ٢٠]. وفي الآية (١٣٤) صفات المتّقين الأبرار: وهي
الإنفاق في الرّخاء والشّدة، وفي حال الصّحة والمرض؛ وكظم الغيظ وكتمه
وردّه في الجوف دون إنفاذ وإمضاء مع القدرة على ذلك، والغيظ أصل الغضب
والفرق بينهما: أن الغيظ لا يظهر على الجوارح (الأعضاء) بخلاف الغضب
فإنه يظهر في الجوارح مع فعل ما، ولا بدّ أن يظهر، ولهذا جاء إسناد الغضب .
إلى الله تعالى؛ إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم؛ والعفو عن النّاس
عند الإساءة، وكل من استحقّ عقوبة فتركت له، فقد عُفي عنه، والإحسان
بعد الإساءة أعلى المراتب، والإحسان: أن تحسن وقت الإمكان، فليس كل
وقت يمكنك الإحسان. ومعنى قوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي يُثيبهم على
إحسانهم.
وهذه أصول الفضائل وأمّهات مكارم الأخلاق. ثم ذكر الله تعالى بقوله:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ صنفاً هم دون الصنف الأول، فألحقهم به
برحمته ومَنِّه، وهم التَّوابون. ذكر التّرمذي وقال: حديث حسن، وأبو داود
الطيالسي في مسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر
- وصدق أبو بكر - أن رسول الله وسلم قال: ((ما من عبد يذنب ذنباً، ثم
يتوضأ ويصلِّي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له))، ثم تلا هذه الآية:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾
الآية، والآية الأخرى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠/٤].
والفاحشة تطلق على كل معصية، وقد كثراختصاصها بالزِّنى، حتى فسّر جابر
٤١٨
الجُزءُ (٤) - آل عمران: ١٣٠/٣-١٣٦
ابن عبد الله والسُّدّي هذه الآية بالزِّنى. وذكر الله: معناه الخوف من عقابه
والحياء منه، وذكر العرض الأكبر على الله، والتّفكر في النّفس أن الله سائل
عن الذّنب.
والاستغفار عظيم وثوابه جسيم، ووقته الأسحار، روى التّرمذي عن
النَّبِي وَّر أنه قال: ((من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم،
وأتوب إليه، غفر له، وإن كان قد فرَّ من الزَّحف)). وروى مكحول عن أبي
هريرة قال: ((ما رأيت أكثر استغفاراً من رسول الله وَالآن)). قال علماء المالكية:
الاستغفار المطلوب: هو الذي يُحُلّ عَقْدَ الإصرار، ويثبت معناه في الْجَنَان، لا
التّلفُّظ باللسان. فأما من قال بلسانه: أستغفر الله، وقلبه مصرٌّ على معصيته،
فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبائر. قال الحسن
البصري: استغفارنا يحتاج إلى استغفار.
وليس أحد يغفر المعصية، ولا يزيل عقوبتها إلا الله تعالى.
والباعث على التوبة وحلّ الإصرار: إدامةُ الفكر في كتاب الله العزيز
الغفار، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنّة، ووعد به المطيعين، وما
وصفه من عذاب النار وتهدَّد به العاصين، ودام على ذلك حتى قوِي خوفه
ورجاؤه، فدعا الله رَغَباً ورَهَباً، والرّغبة والرّهبة: ثمرة الخوف والرّجاء،
يخاف من العقاب، ويرجو الثَّواب، والله الموفق للصَّواب.
وتصحّ التّوبة بعد نقضها بمعاودة الذّنب؛ لأن التّوبة الأولى طاعة وقد
انقضت وصحّت، وهو محتاج بعد مواقعة الذّنب الثَّاني إلى توبة أخرى
مستأنفة، والعود إلى الذّنب وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه أضاف إلى الذّنب
نقض التّوبة، فالعود إلى التّوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنه أضاف إليها ملازمة
الإلحاح بباب الكريم، وأنه لا غافر للذّنوب سواه. ودليل ذلك ما أخرجه
مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبِي ◌َِّ، فيما يَحِكِي عن ربِّه
٤١٩
الُعُ (٤) - إِلا ◌ّغْرَانَ: ١٣٠/٣-١٣٦
عزّ وجلّ قال: ((أذنب عبد ذنباً، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك
وتعالى: أذنب عبدي ذنباً، فعَلِم أنّ له رباً يغفر الذّنب، ويأخذ بالذّنب، ثم
عاد فأذنب فقال: أيْ ربِّ اغفر لي ذنبي - فذكر مثله مرّتين، وفي آخره: اعمل
ما شئت فقد غفرتُ لك)). ومعنى العبارة الأخيرة وهو الأمر: الإكرام،
فيكون من باب قوله: ﴿أَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ﴾.
ودلّت الآية وهذا الحديث على عظيم فائدة الاعتراف بالذّنب والاستغفار
منه، أخرج الشَّيخان في صحيحيهما، قال رَّه: ((إن العبد إذا اعترف بذنبه،
ثم تاب إلى الله، تاب الله عليه)). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَله: ((والذي نفسي بيده لو لم تُذْنبوا، لذهب الله بكم، وَجَاء بقوم
يُذنبون ويستغفرون، فيغفر لهم)) وهذه فائدة اسم الله تعالى: الغفار والتّواب.
أنواع الذّنوب: الذّنوب التي يُتاب منها: إما كُفْر أو غيره، فتوبة الكافر:
إيمانُه مع ندمه على ما سلف من كفره، وليس مجرّد الإيمان نفسه توبة. وغير
الكفر إما حقّ الله تعالى، وإما حقّ لغيره.
فحقّ الله تعالى يكفي في التّوبة منه التّركُ، لكن مع القضاء كالصّلاة
والصّوم، أو مع الكفارة كالحنث في الأيمان والظهار وغير ذلك.
وأما حقوق الآدميين: فلا بدّ من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم يوجدوا
تُصدِّق عنهم. فإن كان معسراً فعفو الله مأمول وفضله مبذول.
وليس على الإنسان إذا لم يذكر ذنبه ويعلمه: أن يتوب منه بعينه، ولكن
يلزمه إذا ذکر ذنباً تاب منه.
ودلّ قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُواْ﴾ على أنّ الإنسان يؤاخذ بما وطّن عليه بضميره،
وعزم عليه بقلبه من المعصية. وهذا يدلّ على أنّ الهم بالمعصية يؤاخذ عليه إن
٤٢٠
الُرُ (٤) - آلِّعَتْرَانَ: ١٣٧/٣-١٤١
وظَن نفسه عليها(١). وأما معنى قوله عليه الصّلاة والسّلام في الحديث
الصحيح: ((من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت سيئة
واحدة)) أي لم يعزم على عملها، فإن أظهرها أو عزم عليها عوقب عليها. وفي
التّنزيل: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٢/
٢٥] عوقبوا قبل فعلهم بعزمهم.
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ فيه ترتيب فضل الله وكرمه بغفران
الذّنوب لمن أخلص في توبته، ولم يصرّ على ذنبه، وهذا يشمل من فرَّ في غزوة
أُحد، ثم تاب ولم يصرّ، فله مغفرة الله.
عاقبة المكذبين والمتَّقين
13
وتوفير العزّة للمؤمنين بالجهاد
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٣) وَلَا تَهِنُواْ وَلَا
اُلْمُكَذِّبِينَ
◌َّحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿ إِن يَمْسَسُكُمْ فَرٌْ فَقَدْ مَسَّ
اَلْقَوْمَ قَرٌْ مِّثْلُهُ, وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءٌ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ
ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ اُلْكَفِرِينَ
القراءات:
﴿فَرْحٌ﴾ : قرئ:
١- بضم القاف، وتسكين الراء، وهي قراءة حمزة، والكسائي.
(١) تفسير القرطبي: ٢١٥/٤