Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١
لُعُ (٣) - آل عمران: ١٤/٣
فتنة تتطلب الحذر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:
ج
١٥/٦٤] والفتنة بالأولاد: الابتلاء بجمع المال لأجلهم.
وسبب حب الأولاد والزوجات واحد: هو بقاء النوع الإنساني، وحب
بقاء الأثر والسمعة والذِّكْر.
وعبر بالبنين ويشمل البنات من باب التغليب؛ إذ أن حب الابن عادة
أقوى من حب البنت؛ لأن بقاء الذِّكْر والسمعة بين الناس يكون عن طريق
البنين، ولأن الأنثى تنفصل من عشيرتها وتلتحق بعشيرة أخرى، ولأن الأمل
بدعم الولد لوالده وكفالته له حين الحاجة يتعلق بالابن، ولأن مخاطر الأنثى
أكثر من مخاطر الذَكَر.
٣ - القناطير المقنطرة من الذهب والفضة:
المراد المال الكثير؛ لأن العرب تريد بالقناطر المال الكثير، والمقنطرة تأكيد.
وحب المال غريزة في البشر؛ لأنه وسيلة لتحقيق الحوائج وتلبية الرغبات.
جاء في السنة: ((لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانياً، ولو كان له
واديان لابتغى لهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على
من تاب))(١).
وذم المال ليس لذاته، فهو نعمة من الله، وإنما لما يؤديه من طغيان وتكبر
٧
أَن رَّءَاهُ أَسْتَغْنى
وفسوق كما قال تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَيَطْفَىٌ
[العلق: ٦/٩٦-٧]، أما إذا أدى المسلم فيه حقوق الله والناس، وشكر النعمة،
ووصل به الرحم، وأنفق منه في سبيل الله، كان خيراً وسبباً للسعادة والتقرب
من الله، جاء في الحديث الثابت المتقدم: ((نعم المال الصالح للرجل الصالح)).
(١) رواه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس بن مالك، ورواه أحمد والشيخان أيضاً عن ابن
عباس.
١٨٢
الُ (٣) - آلِ ◌ّعَتْرَانَ: ١٤/٣
٤ - الخيل المسؤَمة:
المعْلَمة أو التى ترعى في المراعي أو المطهّمة الحسان الأصيلة التي يقتنيها
السادة والأغنياء: من المتع التي يفاخر بها الناس بعضهم، ويتنافسون فيها،
وهي مذمومة إن كانت سبباً للشر والبعد عن الله وإهمال واجبات الله. وتكون
محمودة إن استخدمت للجهاد في سبيل الله، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم
مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ اٌلْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠/٨]. قال العلماء أخذاً
بحديث: حب الخيل على ثلاثة أقسام: تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل
الله، فهؤلاء يثابون. وتارة تربط فخراً لأهل الإسلام فهذه على صاحبها وزر،
وتارة للتعفف واقتناء نسلها ولم ينس حق الله في رقابها، فهذه لصاحبها ستر.
٥ - الأنعام:
وهي ثروة الناس الأصلية إلى عهد قريب، وبها معايشهم، وتفاخرهم
وتكاثرهم، وهي زينة، فإن اقتناها صاحبها بقصد المعيشة كانت خيراً، وإن
اقتناها مفاخرة ورياء، كانت شراً.
٦ - الحرث:
الزرع والنبات: هو مصدر دائم للحياة في البادية والحضر، والحاجة إليه
أشد من الحاجة لما سواه من الأنواع السابقة، فإن قصد به نفع العباد، كان
صاحبه مأجوراً، وإن قصد به التكثر والبطر كان عليه شراً.
ثم وصف الله تلك الأصناف الستة وصفاً عاماً وهو أنها متاع يتمتع به في
الدنيا، والله عنده حسن المآب أي المرجع في الحياة الآخرة. فعلى المؤمن ألا
يغتر بهذه الشهوات، وإنما يعتني بها بجعلها مجرد وسيلة للمعيشة في الدنيا، ولا
تشغله عن واجباته الدينية نحو الآخرة، فالمؤمن يعمل لسعادة الدارين، كما
قال تعالى: ﴿رَبََّآ ءَانِنَا فِِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١/٢].
١٨٣
لُرعُ (٣) - العمران: ١٤/٣
فقه الحياة أو الأحكام:
الآية توبيخ لمعاصري محمد ولو من اليهود وغيرهم، ممن صرفتهم الأهواء
والشهوات عن اتباع دعوة الإسلام، فإذا أراد الإنسان النجاة من حساب الله
يوم القيامة، ابتعد عن مزالق الشهوات الممنوعة، فإن اتباع الشهوات مُرْدٍ في
النار ومهلكة، جاء في صحيح مسلم عن أنس: ((حُفَّت الجنة بالمكاره وحُقَّت
النار بالشهوات)) والمعنى أن الجنة لا تنال إلا بتجاوز المكاره وبالصبر عليها،
وأن النار لا يُنْجَى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها.
والشهوات المذكورة في الآية هي التي يحدث فيها الإفراط أو المغالاة أو
التي تكون سبباً للتفريط في الواجبات الدينية، فإن قصدت ضمن الحدود
المعتدلة المعقولة لم تكن وبالاً على صاحبها، وقد تكون سبباً للثواب وزيادة
الأجرة إن قصد بها الخير والصون والعفاف وتسخيرها في سبيل الله ومرضاته.
قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كل نوع من المال يتموَّل
به صنف من الناس: أما الذهب والفضة فيتموّل بها التجار، وأما الخيل
المسوَّمة فيتمول بها الملوك، وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي، وأما
الحرث فيتمول بها أهل الريف والقرى.
ودل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا﴾ أي ما يُتمتع به فيها ثم
يذهب ولا يبقى، على تزهيد الناس في الدنيا وتحقيرها، والترغيب في الآخرة،
روى ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَ لو قال: ((إنما الدنيا
متاع، وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة)). وثبت في الحديث
الصحيح: ((ازهد في الدنيا يحبّك الله)) أي ازهد في متاعها من الجاه والمال
الزائد على الضروري، وأخرج الترمذي عن المقدام بن معديكرب أن رسول
الله ◌َّ﴾ قال: ((ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيتٌ يسكنه، وثوب
يواري عورته، وجِلْف(١) الخبز والماء)).
(١) الجلف: الخبز وحده لا أدم معه.
١٨٤
الُرءُ (٣) - العمر ان: ١٥/٣-١٧
وأما قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ عِندَهُ حُسْبُ الْمَعَابِ﴾ فيدل على تقليل الدنيا
وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة.
الجنات التي هي خير من الدنيا ومفاتنها
﴿﴿﴿ قُلْ أَوْنَبِئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَالِكُمَّ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن
تَّحْتِهَا اُلْأَنْهَدُ خَلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوٌَ مِّنَ اللهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ
بِالْعِبَادِ ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ
١٧
اُلصَِّينَ وَالْفَدِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِنَ بِالْأَسْحَارِ
النَّارِ
الإعراب:
﴿جَنَّتُ﴾: مبتدأ، وخبره المقدم: للذين اتقوا، كقولك: لله الحمد.
﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ﴾: جملة فعلية في موضع رفع صفة: جنات.
{خَلِدِينَ فِيهَا﴾ منصوب على الحال من ﴿الَّذِينَ﴾ المجرور باللام.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ الذين: بدل مجرور من قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾.
﴿الضََّبِينَ﴾ إما منصوب على المدح، وتقديره: أمدح الصابرين، وإما
مجرور بدل من الذين، أو وصف للذين أو وصف للعباد.
البلاغة:
﴿ أَوْنَبِّئُكُمْ﴾ استفهام تقرير.
﴿بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ﴾ إبهام الخير لتفخيم شأنه والتشويق لمعرفته.
﴿لِلَّذِينَ أَتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ عبَّر بكلمة الرب، وأضافها لضمير المتقين
لإظهار مزيد اللطف بهم.
١٨٥
لُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ١٥/٣-١٧
المفردات اللغوية:
أَؤُنِبِّئُكُمْ﴾ أخبركم ﴿مِّن ذَلِكُمٌ﴾ المذكور من الشهوات ﴿لِلَّذِينَ أَتَّقَوْأَ
الشرك ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ طاهرات من الفواحش والحيض والنفاس ﴿ وَرِضْوَنٌ﴾
رضا كثير ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ عالم بهم، فيجازي كلاً منهم بعمله.
﴿الصََّبِينَ﴾ على الطاعة وعن المعصية، والصبر: حبس النفس عند كل
مكروه يشق عليها احتماله ﴿ وَالضَدِقِينَ﴾ في الإيمان. والصدق يكون في القول
والعمل، والصفة كالحب ﴿ وَاُلْقَنِتِينَ﴾ المداومين على الطاعة والعبادة.
﴿وَالْمُسْتَغْفِنَ بِالْأَسْحَارِ﴾ أي المصلين وقت السحر، القائلين: اللهم اغفر
لنا. ﴿ِلْأَسْحَارِ﴾ أواخر الليل، جمع سحر: وهو الوقت الذي يختلط فيه ظلام
آخر الليل بضياء النهار.
المناسبة:
هذه الآية تفضيل وتفصيل، فهي تبين الأفضل من زخارف الدنيا وزينتها
التي تشتمل على فضيلة إن استعملت في خير وحق ولم تؤد إلى إهمال الواجب
نحو الله. وهي تفصل المراد من قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَعَابِ﴾
الذي أبهم فيه الخير تفخيماً لشأنه وتشويقاً إليه، ثم وضح بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ
أَنَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّتٌ﴾.
التفسير والبيان:
قل لهم يامحمد: أأخبركم بما هو خير من جميع الأصناف المذكورة
للشهوات؟ وعبر بالاستفهام التقريري لاجتذاب الأنظار وتشويق النفوس إلى
الجواب. ثم أجاب عن الاستفهام: للمتقين: جنات تجري من تحتها الأنهار،
ماكثين فيها أبداً، وزوجات طاهرات من النقائص والفواحش والشوائب
كالحيض والنفاس. وهذا نعيم جسدي مادي: وهو الجنة، ولهم أيضاً نعيم
١٨٦
الُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ١٥/٣-١٧
روحاني وهو رضوان الله الذي لا يشوبه شيء، وهو أعظم وأكبر من كل نعمة
ولذة مادية. وقد بدأ بذكر المقر وهو الجنات، ثم ذكر ما يحصل به الأنس التام من
الأزواج المطهرة، ثم ذكر ماهو أعظم الأشياء وهو رضا الله عنهم، فحصل
بمجموع ذلك اللذة الجسمانية والفرح الروحاني حيث علم برضا الله عنه.
وقوله: للذين اتقوا عند ربهم جنات: جواب عن الاستفهام، وكلام
مستأنف فيه دلالة على بيان ماهو خير من أصناف الشهوات، سواء استعملت
في محالها ومواضعها التي خلقت من أجله: وهي تحقيق حوائج الناس، أو
أسيء استعمالها، وقرن بها الشر والفساد، كما تقول: هل أدلك على رجل
عالم، أو تاجر صدوق في السوق؟ هو فلان.
هذه الآية التي اشتملت على بيان نوعين من الجزاء: المادي وهو الجنة
والأزواج، والروحي وهو رضوان الله، تشبه قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ
الْمُؤْمِنِينَ وَاُلْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ
◌َيِّبَةُ فِي جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ
VY
﴾ [التوبة: ٧٢/٩] وقوله: ﴿وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنٌ
وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآَ إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠/٥٧].
ثم ختمت الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)ي أي خبير بأحوالهم،
وبأسرارهم، وحقيقة تقواهم، فيجازي كل نفس بما كسبت من خير أو شر،
وفي هذا إيماء ليحاسب كل إنسان نفسه على التقوى، فليست التقوى بالمظاهر،
وإنما المتقي: من يعلم منه ربه التقوى. وهذه الجملة وعد ووعيد. ولما ذكر
المتقين ذكر شيئاً من صفاتهم.
فذكر الله تعالى أوصاف المتقين، وهم الذين يقولون: ربنا إننا آمنا بما
أنزلته على رسلك إيماناً ثابتاً راسخاً في القلب، مهيمناً على كل أعمالنا، فاستر
ذنوبنا بعفوك، وادفع عنا عذاب النار، إنك أنت الغفور الرحيم.
١٨٧
الُزُ (٣) - آلِ عَتْرَانَ: ١٥/٣-١٧
وهم أيضاً الصابرون على أداء الطاعات وترك المعاصي، الراضون بقضاء
الله وقدره، ولا شك أن الصبر يقوي الإرادة، ويعصم النفس عن الانزلاق
في الأهواء والشهوات والمنكرات.
وهم الصادقون في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم، يترجمون عنه بكل شيء حميد
وخلق عال، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بٌِ أُوْلَبِّكَ هُمُ
٣٤
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِهِمَّ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ
اُلْمُتَّقُونَ
[الزمر: ٣٣/٣٩-٣٤].
وهم القانتون المداومون على الخشوع والطاعة والضراعة إلى الله، وذلك
لب العبادة وروحها. والمنفقون أموالهم في سبيل الله نفقة واجبة أو مستحبة.
والمستغفرون بالأسحار بالتهجد في آخر الليل، والدعاء بالمغفرة والرضا.
والاستغفار المطلوب: مايقرن بالتوبة النصوح والعمل على وفق حدود الدین،
ولا يكفي الاستغفار باللسان مع الإقامة على المعصية، فإن المستغفر من
الذنب، وهو مقیم على معصیته، کالمستهزئ بربه.
وأفضل صيغة للاستغفار: مارواه البخاري عن النبي ◌َّ قال: سيد
الاستغفار أن تقول: ((اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك،
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك
بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)).
فقه الحياة أو الأحكام:
إن نظرة الإنسان في الغالب آنية وقتية، لا ينظر إلى المستقبل البعيد، ولا
يقارن بين الباقي الدائم والمنقطع المؤقت، لذا كان القرآن أكبر مساعد للعقل
على التزام جادة التفكير السوي والاستقامة. فإن الخالد المستمر أفضل من
الذي يزول بسرعة، وهكذا كانت هذه الآية مع الآية السابقة مقارنة مبينة
ما هو الأصلح للإنسان، تسليةً عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها.
١٨٨
اِلُ (٣) - إِ عَتْرَانَ: ١٥/٣-١٧
وهذه الآية والتي قبلها نظير قوله عليه الصلاة والسلام: ((تنكح المرأة
لأربع: لمالها وحسبها وجمالها ودينها، فاظفر بذات الدين، تَرِبتْ يداك))(١).
والذي هو خير من الدنيا وشهواتها وكل مافيها هو جنان الخلد ومافيها من
متع خالصة كالحور العين والولدان المخلدين، وعبر عن الحور بالأزواج
المطهرة المبرأة من عيوب نساء الدنيا خَلْقاً وخُلُقاً، وهو أيضاً الفوز برضوان
الله، وهو أعظم المتع كلها في الآخرة عند أهل التقوى، فإذا دخل أهل الجنة
الجنة يقول الله تعالى لهم: ((تريدون شيئاً أزيدكم؟)) فيقولون: ياربنا، وأي شيء
أفضل من هذا؟ فيقول: ((رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) (٢).
والجمع بين الجنات والرضوان الإلهي يشير إلى أن أهل الجنة درجات، كما
أن أهل النار في دركات، فمن أهل الجنة: من يرغب في لذات الدنيا الحسية،
ومنهم من ارتقى إدراكه واشتد اهتمامه بقربه من ربه، فيتمنى رضاه ويفضله
على أي شيء سواه.
والقصد من قوله: ﴿ءَامَنَا﴾ في دعاء المتقين: الإيمان الصحيح الذي تصدر
عنه آثاره من ترك المعاصي وفعل الصالحات، إذ الإيمان: اعتقاد وقول وعمل.
وصرحت الآية بصفات المتقين: وهي الإيمان، والصبر، والصدق،
والقنوت (الخشوع والطاعة) والإنفاق في سبيل الله، والاستغفار بالأسحار:
وهو الصلاة في آخر الليل (أي التهجد) وسؤال المغفرة، فإن المستغفرين
بالأسحار يصلون ويستغفرون. وخص السحر بالذكر؛ لأنه مظانّ القبول
ووقت إجابة الدعاء. سأل النبي وقالله جبريل: ((أي الليل أسمع؟)) فقال: ((لا
(١) أخرجه مسلم وغيره عن أبي هريرة، ومعنى: تربت يداك: افتقرت، ولا يراد بها الدعاء،
وإنما يراد الحث والتحريض.
(٢) أخرجه مسلم.
١٨٩
الُرعُ (٣) - إِلِ غَيْرَانَ: ١٥/٣-١٧
أدري غير أن العرش يهتز عند السحر)). والسحر: من حين يدبر الليل إلى أن
يطلع الفجر، وقيل: هو سدس الليل الأخير. والأصح من هذا: ماروى
الأئمة عن أبي هريرة عن النبي و لو قال: ((ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل
ليلة، حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملِك، أنا الملِك، من ذا الذي
يدعوني، فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يستغفرني
فأغفِر له، فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر)) (١). ووضحت وقت السحر رواية
النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد: ((إن الله عز وجل يمهل، حتى يمضي شطر
الليل الأول .. )) وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع، هل
جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح(٢).
والاستغفار: طلب المغفرة باللسان مع حضور القلب؛ لأن الله لا
يستجيب دعاء غافل، لاهٍ، معرض قلبُه عن الله.
(١) هذا لفظ مسلم، وتأول القرطبي أول الحديث: ((ينزل الله .. )) بأنه من باب حذف المضاف، أي
ينزل مَلَك ربنا، فيقول. ويرى أهل السلف: أن هناك نزولاً يليق بذات الله من غير تحديد
بمكان وكيفية، وهو أولی.
(٢) رواه ابن أبي حاتم.
١٩٠
الزُ (٣) - أَلِّعَتْ أَنَ: ١٨/٣-٢٠
الشهادة بوحدانية الله وقيامه بالعدل
ونوع الدين المقبول عند الله
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَابِمًا بِالْقِسْطِّ لَآ إِلَهَ
إِلَّا هُوَ اُلْغَيِزُ الْحَكِيمُ ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ وَمَا أُخْتَلَفَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمَّ وَمَنْ يَكْفُرُ
بِئَايَتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿ فَإِنْ حَاجُوَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنٍ
أَتَّبَعَنَّ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِِّنَ ءَأَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أُهْتَدَواْ
وَإِنْ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَاللّهُ بَصِيرًا بِالْعِبَادِ
القراءات:
﴿إِنَّ الدِّينَ﴾: قرئ:
١- (إن) بكسر الهمزة، وهي قراءة الجمهور.
٢- (أن) بفتح الهمزة، وهي قراءة الكسائي.
﴿وَجْهِىَ لِلَّهِ﴾: قرئ:
١- (وجهيَ الله) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص.
٢- (وجهيْ لله) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿ وَمَنِ أَتَّبَعَنْ﴾: وقرئ: (ومن اتبعني) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وصلاً.
الإعراب:
﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ حال مؤكدة من ﴿هُوَ﴾
١٩١
الُرحُ (٣) - آلغتر ان: ١٨/٣-٢٠
﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾ الدين اسم إن والإسلام خبره. ومن قرأ
ج
﴿إِنَّ﴾ بفتحها، فهي بدل منصوب من قوله: ﴿أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ بدل
الشيء من الشيء، ويجوز أن يكون بدل الاشتمال، على تقدير اشتمال الثاني
على الأول؛ لأن الإسلام يشتمل على شرائع كثيرة، منها التوحيد، ويجوز
كونها بدلاً مجروراً من (القِسْطِ) في قوله: ﴿قَابِمًا بِالْقِسْطِ﴾ بدل الشيء من
الشيء.
﴿بَغْيَّا بَيْنَهُمْ﴾ في نصبه وجهان: إما لأنه مفعول لأجله أو لأنه حال من
الذين.
﴿وَمَن يَكْفُرُ﴾ من: شرطية مبتدأ، وخبره: جملة: فإن الله سريع
الحساب، والعائد من الجملة إلى المبتدأ مقدر، وتقديره: فإن الله سريع
الحساب لهم.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ إما مرفوع بالعطف على تاء ﴿أَسْلَمْتُ﴾ أو مبتدأ وخبره
محذوف، وتقديره: ومن اتبعن أسلم وجهه لله متبعاً.
﴿ءَأَسْلَمْتُمْ﴾ لفظة استفهام، والمراد به الأمر، أي أسلموا، مثل ﴿فَهَلْ
أَنْثُم مُّنَهُونَ﴾ أي انتهوا.
﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ الجملة معرفة الطرفين، فتفيد الحصر،
ج
البلاغة:
أي لا دين إلا الإسلام.
﴿الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ التعبير بذلك عن أهل الكتاب لزيادة التشنيع
والتقبيح عليهم.
﴿بِقَايَتِ اَللَّهِ فَإِنَ اللَّهَ﴾ إظهار لفظ الجلالة لتربية المهابة وإلقاء الروعة في
النفوس.
١٩٢
الجُزْءُ (٣) - آلِعَتْر أنَ: ١٨/٣-٢٠
﴿ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ﴾ أطلق الوجه، وأراد الكل، فهو مجاز مرسل، من إطلاق
الجزء وإرادة الكل.
المفردات اللغوية:
﴿شَهِدَ اللّهُ﴾ الشهادة: الإخبار المقرون بالعلم والإظهار والبيان إما
بالمشاهدة الحسية، وإما بالمشاهدة المعنوية وهي الحجة والبرهان. والمراد: بيَّن
وأعلم الله تعالى لخلقه بالدلائل والآيات والبراهين(١) ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾
أي لا معبود في الوجود بحق إلا هو ﴿ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ هم أهل البرهان القادرون
على الإقناع، وهم الأنبياء والمؤمنون، بالاعتقاد واللفظ ﴿قَابِمًا﴾ بتدبير
مصنوعاته، أي تفرد ﴿بِالْقِسْطٍ﴾ بالعدل في الدين والشريعة وفي الكون
والطبيعة ﴿لَاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كرره تأكيداً ﴿اَلْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿اُلْحَكِيمُ﴾ في
صنعه ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ أي الملة والشرع، والمراد: الدين المرضي هو ((الإسلام))
أي الشرع المبعوث به الرسل المبني على التوحيد.
﴿ وَمَا أَخْتَلَفَ اَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ اليهود والنصارى، في الدين، بأن
وخَّد بعض وكفر بعض ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بالتوحيد ﴿بَغْيًّا﴾
حسداً أو ظلماً من الكافرين ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ المجازاة له.
﴿حَجُوكَ﴾ خاصمك الكفار يا محمد في الدين ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ﴾ انقدت
له، وخص الوجه بالذكر، لشرفه، فغيره أولى ﴿أُوْتُواْ الْكِتَبَ﴾ اليهود
والنصارى ﴿وَالْأُمِِّنَ﴾ مشركي العرب ﴿ءَأَسْلَمْتُمْ﴾ أي أسلموا ﴿اُلْبَلَغُ﴾
التبليغ للرسالة ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ خبير بأعمالهم، فيجازيهم عليها، وهذا
من قبيل الأمر بالقتال.
(١) قال الواحدي: شهادة الله: بيانه وإظهاره، والشاهد: هو العالم الذي بين ماعلمه، والله
تعالى بيَّن دلالات التوحيد بجميع ماخلق.
١٩٣
الجزء (٣) - آل عمران: ١٨/٣-٢٠
سبب النزول:
لما ظهر رسول الله وَّ بالمدينة، قَدِم عليه حِبران من أحبار أهل الشام،
فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة
النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي ◌َّ عرفاه بالصفة
والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: وأنت أحمد؟ قال: نعم،
قالا : إنا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك، فقال
لهما رسول الله وَله: سلاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله؟
فأنزل الله تعالى على نبيه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ
الْعِلْمِ﴾ فأسلم الرجلان، وصدّقا برسول الله عَل﴾(١).
التفسير والبيان:
بَيَّن الله تعالى لجميع الخلائق وحدانيته أو أنه المتفرد بالألوهية بالدلائل
التكوينية والتصرفية في الآفاق والأنفس. وأخبر الملائكة الرسل بهذا، وشهدوا
شهادة مؤيدة بعلم بدهي، وكذلك أخبر أولو العلم بذلك، وبينوه وشهدوا به
شهادة مقرونة بالدليل والحجة، وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام.
قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي
لي عند الله وديعة.
وأنه القائم بالعدل في جميع الأحوال من العقائد والعبادات والآداب
والأعمال وفي الكون والخليقة، ومن صفة العدل أنه يأمر حقاً بالعدل في
الأحكام، كما تقرر في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾
[النحل: ٩٠/١٦] وقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:
٥٨/٤]، فالله عادل في الشريعة وفي الكون، حيث إنه أتقن نظام الكون وعدل
(١) أسباب النزول النيسابوري: ص ٥٤
١٩٤
اِلُعُ (٣) - آلِعُثْر أنَ: ١٨/٣-٢٠
بين القوى الروحية والمادية، وأقام التوازن الدقيق في الأحكام بين الإنسان
والخالق، وبين الفرد والجماعة، وبين الإنسان وأخيه، وبين فئات الناس في
مجتمع ما، بين الغني والفقير ونحو ذلك.
ثم أكد سبحانه انفراده بالألوهية بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ
اُلْحَكِيمُ﴾ والعزيز: هو القوي الذي لا يغلب، الكامل القدرة، السامي
العظمة والكبرياء. والحكيم: الذي يضع كل شيء في موضعه الصحيح، سواء
في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
ثم ذكر نوع الدين الذي ارتضاه لعباده من بدء الخليقة إلى يوم القيامة: وهو
دين الإسلام لا غيره، فهذا إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد،
سوى الإسلام: وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا
بمحمد ◌ّر، أي اتباع الملل والشرائع التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، فهم
إن اختلفوا في الفروع، لم يختلفوا في الأصول وجوهر الدين: وهو التوحيد
والسلام، والعدل في كل شيء. فمن لقي الله بعد بعثة محمد وَ ط ولي بدين على غير
شريعته، فليس بمتقبل، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ الْإِسْلَِمِ دِينًا فَلَنْ
يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ مِنَ اُلْخَسِرِينَ (١٥﴾ [آل عمران: ٨٥/٣].
ومعنى الإسلام: السلام والصلح، والخضوع والانقياد لله، كما قال
تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةً
إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥/٤].
وتشريع الدين له هدفان: تصحيح الاعتقاد وحصر معنى الألوهية
والربوبية بالله تعالى، وإصلاح النفوس بالنية الخالصة لله وللناس وبالعمل
الصالح.
ثم أخبر الله تعالى بأن أهل الكتاب (اليهود والنصارى) إنما اختلفوا بعدما
قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم، وبأن محمداً
١٩٥
الُ (٣) - آلِّعَتْر ان: ١٨/٣-٢٠
هو خاتم الأنبياء وهو المبشر به عندهم: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا
يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦/٢].
فصاروا شيعاً ومذاهب يقتتلون في الدين، وتفرقت كلمتهم في شأن محمد
وَّلي بعدما جاءهم العلم اليقيني بنبوته، وبأن الدين واحد لا مجال للاختلاف
فيه، إلا بسبب البغي والحسد، فكان ذلك سبباً للفرقة، وكان اختلافهم في
شأن محمد حسداً من عند أنفسهم، وبغياً بينهم، وحرصاً على الدنيا وما فيها.
والخلاصة: أن اختلافهم في أصل الدين الحق وفي نبوة محمد وسائل# كان
بسبب بغي بعضهم على بعض، وتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فخالف
بعضهم البعض الآخر في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقاً.
ثم هدد تعالى بأن من أنكر آيات الله التكوينية في الأنفس والآفاق وجحد ما
أنزل الله في كتابه مما يوجب الاعتصام بالدين ووحدته، فإن الله سيجازيه على
ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه.
ثم حسم الله تعالى مجادلة أهل الكتاب وغيرهم في التوحيد، فقال: فإن
جادلك أهل الكتاب أو غيرهم في التوحيد، فقل: أخلصت عبادتي لله وحده
لا شريك له، ولانِدَّ له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، وهذا مبدئي ومبدأ من
اتبعني على ديني من المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيَّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ
عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أُتَّبَعَنِىْ﴾ [يوسف: ١٠٨/١٢] فلا فائدة في الجدل مع أمثال
هؤلاء، بعد أن قامت الأدلة على وجود الله ووحدانيته، وبطلت شبهات
الضالين.
ثم قال تعالى آمراً عبده ورسوله محمداً وسر أن يدعو إلى طريقته ودينه
والدخول في شرعه وما بعثه الله به، أهل الكتاب ومشركي العرب، فيقول
لهم: أسلموا، فإن أسلموا فقد اهتدوا إلى الصراط المستقيم، وتركوا
الضلال، وإن أعرضوا عن الاعتراف بما سألتهم عنه، فلن يضيرك شيء، إذ
١٩٦
الُ (٣) - إِلِغَتْ نَا: ١٨/٣-٢٠
ما عليك إلا البلاغ فقط، والله خبير بعباده عليم بحالهم وبمن يستحق الهداية
ممن يستحق الضلالة، فيحاسبهم ويجازيهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآية (١٨): إثبات وحدانية الله بالأدلة التكوينية التي أبانها الله في
الآفاق والأنفس وإنزال آيات التشريع، وأخبر الملائكة والعلماء بذلك
وبينوه، قال القرطبي: دلت الآية على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم،
فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته، كما قرن
اسم العلماء. ويؤكده أنه تعالى أمر نبيه وَالر أن يستزيد من العلم، بقوله:
﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾. وقال ◌َّيّه فيما جاء في السنن: ((العلماء ورثة الأنبياء))
وقال: ((العلماء: أمناء الله على خلقه))(١). وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحلّ
لهم في الدِّين خطير (٢). روى أنس عن النبي وَلّ أنه قال: ((من قرأ: ﴿شَهِدَ
اللَّهُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ
اُلْحَكِيمُ ﴾﴾، عند منامه، خلق الله له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى
يوم القيامة)).
وأعلنت الآية (١٩) أن الدين المرضي عند الله هو الإسلام فقط، والإسلام
هو الإيمان بالله وإطاعة أوامره، وهو شيء واحد متفق عليه بين جميع الأنبياء.
وأما الخلاف في الدين أي الملة فحاصل من قبل الأتباع والأنصار، حسداً
وظلماً. ويكون القصد من الآية نبذ الفرقة والخلاف في الدين، والابتعاد عن
التفرق فيه إلى شيع ومذاهب؛ لأن اختلاف أهل الكتاب في نبوة محمد دَاهـ
كان على علم منهم بالحقائق، وأنه كان بغياً وطلباً للدنيا، فقد أبانت كتبهم
صفته ونبوته، وأوضحت أن الله إله واحد، وأن جميع الخلائق عبيده، لذا
(١) رواه القضاعي وابن عساكر عن أنس، وهو حسن.
(٢) تفسير القرطبي: ٤١/٤
١٩٧
الجزء (٣) - ألغتزان: ١٨/٣-٢٠
وجب على أهل الإيمان الصادق نبذ الاختلاف والشقاق، والعودة إلى الوحدة
والاتفاق بين أتباع الدين، بالاعتقاد بوحدانية الله، والتصديق برسالة محمد
وعليّلاً.
وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله
وسلامه عليه إلى جميع البشر، كما دل عليه القرآن والسنة في غير ما آية
وحديث، منها قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ
جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٧/ ١٥٨] ومنها أيضاً: ﴿تَبَارَكَ أَلَّذِىِ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ،
[الفرقان: ١/٢٥]. وفي الصحيحين وغيرهما مما
لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيًّا (٦]
ثبت تواتره بالوقائع المتعددة: أنه وَلي بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق
وطوائف بني آدم، من عربهم وعجمهم، كتابيهم ومشركهم، امتثالاً لأمر الله
بذلك. وروى مسلم وعبد الرزاق عن أبي هريرة عن النبي وَل و أنه قال:
((والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني،
ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار)). وقال ◌َ له في
الحديث الثابت: ((بعثت إلى الأحمر والأسود)) وقال فيما رواه الشيخان
والنسائي عن جابر: ((كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس
عامة)). وروى البخاري عن أنس: أن غلاماً يهودياً كان يضع للنبي وّه
وضوءه، ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي وَلّر، فدخل عليه، وأبوه قاعد
عند رأسه، فقال له النبي وَالر: ((يا فلان، قل: لا إله إلا الله)) فنظر إلى أبيه،
فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي وَلّ، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا
القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فخرج
النبي وَليل وهو يقول: ((الحمد لله الذي أخرجه بي من النار)).
١٩٨
الُزْعُ (٣) - آلعمران: ٢١/٣-٢٢
جزاء قتل الأنبياء
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبْتِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ
الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ أُوْلَبِكَ
الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِى الذُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ
٢٢
القراءات:
﴿ النَّبِِّنَ﴾:
وقرأ ورش: (النبيئين).
﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ﴾: وقرئ: (ويقاتلون) وهي قراءة حمزة.
الإعراب:
[فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ خبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾. ودخلت الفاء في
الخبر، لشبه اسمها الموصول بالشرط، أي ضُمِّن معنى الشرط، أو للإبهام
الذي في ﴿الَّذِينَ﴾ مع كون صلته جملة فعلية. ولا يجوز أن تدخل الفاء في خبر
الذي إذا وقع مبتدأ حتى يكون صلته جملة فعلية، ولم يغيِّر العامل معناها. فلو
كانت صلته جملة اسمية نحو: الذي أبوه منطلق فقائم، أو غيَّر العامل معناها
نحو: ليت الذي انطلق أبوه فقائم، لم يجز دخول الفاء في خبره.
البلاغة:
﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ استعمل البشارة في الشّر، والأصل أن تكون
في الخير، للتهكم ويسمى ((الأسلوب التهكمي)) مثل قوله: ﴿بَشِّرِ الْمُنَفِقِينَ
حيث نزل الإنذار منزلة البشارة.
(٣٨
بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
١٩٩
الجُزءُ (٣) - آل عمران: ٢١/٣-٢٢
المفردات اللغوية:
﴿الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ المراد بهم اليهود خاصة. ﴿بِغَيْرِ حَقٍ﴾ أي بغير شبهة
لديهم. ﴿ بِاَلْقِسْطِ﴾ بالعدل. ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ وهم اليهود، روي أنهم قتلوا
ثلاثة وأربعين نبيّاً، فنهاهم مئة وسبعون من عبَّادهم، فقتلوهم من يومهم كما
ذكر السيوطي . ﴿فَبَشِّرْهُم﴾ أعلِمْهم، والبشارة: الخبر السّارّ، واستعمالها في
الشّر من باب التّهكم بهم والسّخرية. ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ مؤلم.
﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت. ﴿أَعْمَلُهُمْ﴾ ما عملوا من خير، كصدقة وصلة رحم.
﴿وَمَا لَهُم مِّنْ نَّصِرِينَ﴾ مانعين من العذاب.
سبب النزول:
قال أبو العباس المبرد: كان ناس من بني إسرائيل، جاءهم النَّبيون
يدعونهم إلى الله عزّ وجلّ، فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين،
فأمروهم بالإسلام، فقتلوهم؛ ففيهم نزلت هذه الآية.
وروى أبو عبيدة بن الجراح أن النَّبِي وَّ قال: ((قتلت بنو إسرائيل ثلاثة
وأربعين نبيّاً من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئة رجل واثنا عشر رجلاً
من عُبَّاد بني إسرائيل، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فقُتِلوا جميعاً في آخر
النهار من ذلك اليوم، وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية. ذكره المهدوي
وغيره.
فهذه الآية جاءت وعيداً لمن كان في زمانه وَله.
التفسير والبيان:
كانت الآيات السابقة في تبيان اختلاف أهل الكتاب الذي نشأ من البغي
بعد أن جاءهم العلم اليقيني، وفي محاجّة أهل الكتاب والمشركين للتَّبِي وَِّ،
٢٠٠
الجزء (٣) - آلعمران: ٢١/٣-٢٢
ثم ذكر هنا موقف اليهود من الأنبياء، ومنهم النَّبي محمد ◌َّ الذي هموا أيضاً
بقتله زمن نزول الآية، ويتمثّل موقفهم فيما يأتي:
إن الذين يجحدون من اليهود بآيات الله بعد معرفتها في كتبهم، ويقتلون
الأنبياء، كما فعلوا بزكريا ويحيى عليهما السلام بغير شبهة لديهم، ولا حق
ولا ذنب إلا أنهم قالوا: ربّنا الله، وجهروا بالحق، وبلغوا الرِّسالة، ويقتلون
الحكماء الذين يأمرون الناس بالعدل والقسط، ويأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر، ومرتبة هؤلاء في الإرشاد تلي مرتبة الأنبياء، أنبئ هؤلاء بالعذاب
الأليم في الدّنيا والآخرة. هؤلاء الذين ارتكبوا هذه الجرائم الشنيعة، البعيدون
في الضلال، بطلت أعمالهم في الدّنيا والآخرة، وما لهم في الآخرة من
ناصرين ينصرونهم من بأس الله وعذابه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنَفَعُ مَالٌ وَلَا
(٨٨) ) [الشعراء: ٨٨/٢٦].
بَنُونَ
والإخبار عن اليهود السابقين، ونسبة الكفر إلى اليهود المعاصرين
للنَِّي وَّ؛ لأنهم راضون عنه، بل إنهم هموا بمثل فعل آبائهم بقتل التَّبِي ◌ِّ
إمعاناً في الفساد والضلال.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى وقائع خطيرة وأحكام مهمة متعلقة باليهود وغيرهم:
اً - اليهود كانوا قتلة الأنبياء والحكماء أو العلماء، وكفروا بآيات الله
وشرائعه التي بلّغتها إياهم الرُّسل، استكباراً عليهم وعناداً لهم، وتعاظماً على
الحق، واستنكافاً عن اتِّباعه، فذمّهم الله على مآثمهم.
أَ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدمة، وهو
فائدة الرسالة وخلافة النّبوة. قال الحسن: قال النَّبِي وَّر: ((من أمر بالمعروف
أو نهى عن المنكر، فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله، وخليفة كتابه)).