Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
الجُزء (٣) - البقرة: ٢٧٥/٢-٢٨١
يَرْيُواْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩/٣٠]، وهذا يقابل آية الخمر المكيّة: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ
اُلْتَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧/١٦]، وفي كلا
الآيتين تمهيد للتحريم وتعريض به وإيماء إلى ضرورة تجنُّبه.
٢ - ثم قصّ علينا القرآن في المدينة سيرة اليهود الذين حرّم عليهم الرِّبا
فأكلوه وعاقبهم الله بمعصيتهم، فقال: ﴿ وَأَخْذِهِمُ الْرِّبَوْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾
[النساء: ١٦١/٤](١)، وهذا نظير المرحلة الثانية في تحريم الخمر: ﴿يَسْئَلُونَكَ
عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ
مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩/٢]، وكلا الآيتين إنذار بالتَّحريم، وتعريض به،
وإيذان بعقوبة المخالف.
٣ - ثم نهى تعالى عن الرِّبا الفاحش الذي يتزايد حتى يصير أضعافاً
مضاعفة، وهو ما كان في الجاهلية: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوْأْ
[آل عمران: ١٣٠/٣]. وهذا
أَضْعَلِفًا مُضَعَفَةٌ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
يشابه المرحلة الثالثة من مراحل تحريم الخمر: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ
اُلْضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣/٤]، فكلا الآيتين
نهي جزئي صريح، إلا أنّ آية الرِّبا نهي عن صورة فاحشة من صور الرِّبا وهو
الرِّبا الجاهلي، وآية الخمر نهي جزئي عن تناول المسكر وقت إرادة الصلاة.
٤- ثم جاء التَّحريم القاطع لكل من الرِّبا والخمر، أما الرِّبا فقد نهى الله
عن كل ما يزيد عن رأس مال المدين: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ
مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوْاْ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ (﴿1﴾ الآيات. وأما الخمر فقد أمر الله
باجتنابه في كل الأحوال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَأْ إِنََّ الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ
يِحْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
[المائدة: ٩٠/٥].
(١) قال القرطبي: ولم يرد به الرِّبا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا، وإنما أراد المال الحرام، كما
قال تعالى: ﴿أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ﴾ أي المال الحرام من الرِّبا وما استحلوه من أموال غير اليهود.
١

١٠٢
الجزءُ (٣) - البََرة: ٢٧٥/٢-٢٨١
وقوله تعالى: ﴿وَحَزَّمَ الْرِّبَواْ﴾ اللام للجنس أي حرّم جنس الرِّبا، وليست
ج
للمعهود الذهني وهو ربا الجاهلية أو ربا النَّسيئة، وإنما يفيد النّص بإطلاقه
تحريم جميع أنواع الرِّبا، مثل إباحة أنواع البيع في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ.
الْبَيْعَ﴾.
فقه الحياة أو الأحكام:
وفيه بيان نوعي الربا وسبب تحريمه:
تضمّنت الآيات أموراً خمسة: إباحة البيوع، وتحريم الرِّبا والحملة الشديدة
على أكلة الرِّبا، والصبر على المعسر (نَظِرَة الميسرة)، وجزاء الإيمان والعمل
الصالح، والأمر بالتقوى والتذكير بزوال الدنيا وإتيان الآخرة.
الموضوع الأول:
إباحة سائر البيوع التي ليس فيها نهي شرعي عنها، والبيع: هو تمليك مال
بمال بإيجاب وقبول عن تراضٍ منهما.
الموضوع الثاني:
تحريم الرِّبا وإعلان الحرب على أكلته من الله ورسوله: والرِّبا في اللغة:
الزيادة مطلقاً، يقال: ربا الشيء يربو: إذا زاد. وفي الشرع: فضل مال بدون
عوض في معاوضة مال بمال . والرِّبا نوعان: ربا النَّسيئة وربا الفضل.
وربا النَّسيئة: هو الزيادة الفعلية في أحد العوضين بسبب الأَجَل، أو تأخير
تسليم أحد العوضين لأجَل بدون زيادة. ويكون إما في القرض أو في البيع.
وصورته في القرض: أن يتم إقراض قدر معيّن من المال لزمن محدود كسنة أو
شهر، مع اشتراط زيادة عند الوفاء بسبب امتداد الأجل. وهذا هو الذي كان
متعارفاً في الجاهلية بين العرب، لا يعرفون غيره، فكانوا يدفعون المال على أن

١٠٣
الُرُ (٣) - الظَفَرة: ٢٧٥/٢-٢٨١
يأخذوا كل شهر قدراً معيَّناً، فإذا حلَّ أجل الدَّين طولب المدين بكل الدَّين،
فإذا تعذّر الأداء زادوا في الحقّ والأجل، قائلين: إما أن تقضي أو تربي، أي
تزيد الدَّين مع زيادة الأجل، فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطالب
علیه.
وهذا هو المستعمل الآن في المصارف المالية، وهو الذي نصّ القرآن الكريم
على تحريمه. وقد اتَّفق العلماء على أنّه محرَّم، وأنه من الكبائر، وأنّ التَّحريم لا
يقتصر على آخذ الرِّبا، وإنما يشمل الدافع والكاتب والشاهدين، للحديث
المتقدم الذي رواه أحمد وغيره عن ابن مسعود: ((لعن الله آكل الرِّبا ومُوكله
و کاتبه وشاهده)).
وأما ربا النَّسيئة في البيوع: فمثاله: بيع رطل من القمح برطل ونصف يدفع
للبائع بعد شهرين، أو بيع صاع من القمح بصاعین من الشعير يدفعان له بعد
ثلاثة أشهر، فهو حرام بسبب الزيادة الواضحة، وقد يكون بدون زيادة وهو
حرام أيضاً كبيع رِطل من التمر ناجز تسليمه برطل آخر من التمر مؤجل
التسليم، ولا يلجأ لهذا البيع عادةً إلا بسبب كون الرَّظْل الحالي أكثر قيمة في
الواقع من المؤخر تسليمه؛ لأن المعيَّن خير من الدَّين في الذّمة، والمعجّل أكثر
قيمة من المؤجّل. وهذا النوع حرام لقوله وَ لّ فيما يرويه الشيخان من حديث
أسامة: ((لا ربا إلا في النسيئة)).
وربا الفضل في البيوع: هو أن يباع مال مخصوص مع زيادة أحد العوضين
على الآخر، كبيع رطل من القمح أو العسل أو التّمر برطلين، وبيع درهم
بدرهمين. وهو حرام للحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد الخدري وعبادة
ابن الصامت رضي الله عنهما عن النَّبي ◌ََّ - وأختار هنا ما رواه مسلم -
قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبُرّ، والشَّعير بالشَّعير،
والتَّمر بالتَّمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت

١٠٤
الُ (٣) - البَقَرَة: ٢٧٥/٢-٢٨١
هذه الأجناس، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)) أي مقابضة. وهذا الحديث
حينما بلغ ابن عباس الذي كان لا يحرّم إلا ربا النَّسيئة، ويجيز ربا الفضل،
رجع عن قوله. وأجيب عن حديث: ((إنما الرِّبا في النَّسيئة)) بأن القصد منه بيان
الرِّبا الأشد خطورة، الأكثر وقوعاً، أو أنه محمول على حالة التفاضل بين
جنسين مختلفين كبيع رطل من القمح برطلين من الشَّعير إلى أجل، فإن النَّسيئة
في ذلك حرام، وأما التفاضل في الحال فليس حراماً.
وقد يكون ربا الفضل في القرض: وهو الزيادة المشروطة للدَّائن بغير
مقابل، كأن أقرض خالد عليّاً مئة دينار على أن يدفع له في العام القادم مئة
وعشرة.
والخلاصة: أن الآية دلّت بإطلاقها عن التقييد بربا النَّسيئة على تحريم كل
من ربا النَّسيئة الجاهلي وربا الفضل أيضاً بسبب الزيادة، ويحرم أيضاً الصلح
على خمسمائة حالَّة (معجَّلة) مثلاً مع من عليه ألف مؤجَّلة، فإن هذا في معنى
ربا الجاهلية الذي كان قرضاً مؤجّلاً بزيادة مشروطة، فكانت الزِّيادة عوضاً
عن الأجل، وفي مسألة الصلح انتفع المدين بباقي الدَّين مقابل إسقاط الأجل،
فيصبح منتفعاً بزيادة (فضل) من المال بدون عوض مالي.
ومن أنواع الرِّبا: بيع الدَّين بالدّين، روى الدارقطني عن ابن عمر عن
النَّبي ◌َّر: ((أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ)).
والخلاصة: أن قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ اُلْرِّيَواْ﴾ مجمل متوقف على ورود
البيان، فمن الرِّبا ما هو بيع، ومنه ما ليس ببيع وهو ربا الجاهلية: وهو
القرض المشروط فيه الأجل وزيادة مال على المستقرض.
وهل تحريم الرِّبا مقصور على الأصناف السّة المذكورة في الحديث السابق،
أو يقاس عليها ما في معناها؟

١٠٥
الجزءُ (٣) - البقرة: ٢٧٥/٢-٢٨١
قال نفاة القياس وهم الظاهرية: إن الحرمة مقصورة على هذه الأصناف
الستّة، لا يزاد عليها.
وقال جمهور الفقهاء منهم أئمة المذاهب الأربعة: إن الحرمة غير مقصورة
على هذه الأصناف، وإنما تتعدّاها إلى كل شيء هو في معناها؛ لأن النّص
معلل بعلة مفهومة منه، فتتعدى الحرمة إلى كل ما توجد فيه العلّة؛ إذ لا تعقل
التّفرقة بين متماثلين، وإنما نصّ الحديث على أصول الأشياء في عصر النّبوّة.
فقال الحنفية، والحنابلة في أشهر الروايات الثلاث عندهم: إنّ العلّة هِي
اتّحاد هذه الأصناف في الجنس والقدر، أي الكيل والوزن، فمتى اتَّد
العوضان في الجنس، والقدر الذي يباع به من كيل أو وزن، حرم الرِّبا
بنوعيه، كبيع الحنطة بالحنطة، والحديد بالحديد؛ وإذا عدما معاً حلّ التفاضل
والنَّسيئة كبيع الحنطة بالدراهم إلى أجل؛ وإذا عدم القدر واتَِّد الجنس حلَّ
التفاضل دون النَّسيئة، كتفاحة بتفاحتين، وإذا عدم الجنس واتَّد القدر حلَّ
الفضل دون النَّسيئة أيضاً كبيع الحنطة بالشَّعير.
وقال الشافعية، والمالكية في ظاهر المذهب: علّة تحريم الزيادة في الذهب
والفضة هي النقدية (أي الثمنية - كونهما ثمناً للأشياء عادةً).
والعلّة في الطّعام في ربا النَّسيئة: هي مجرّد المطعومية، لكن عند المالكية:
على غير وجه التداوي، وعند الشافعية: ولو بقصد التداوي، فيحرم هذا الرِّبا
في الخضار والفاكهة، وأما المأخوذ تداوياً فلا ربا فيه عند المالكية، وفیہ الرِّبا
عند الشافعية.
وأما علّة ربا الفضل: فقد اختلف هذان المذهبان فيها، فذهب المالكية إلى
أنّ العلّة هي اتّحاد الجنس مع الاقتيات والادِّخار، فيجري هذا الرِّبا في
الحبوب كلها والزَّبيب واللحوم والألبان وما يصنع منها، ولا يجري في
الخضروات والفواكه لعدم قابليتها الادِّخار، وفي معنى الاقتيات: إصلاح
القوت كملح ونحوه من التوابل والخلّ والبصل والثوم والزيت والسّمن.

١٠٦
لُزْءُ (٣) - البَقَرَة: ٢٧٥/٢-٢٨١
وذهب الشافعية إلى أن العلة في الطعام: هي اتحاد الجنس والطُعْمية أي
كونها مطعومة، والمطعوم يشمل كل ما يصلح الجسد مما يؤخذ اقتياتاً أو
تفكهاً أو تداوياً.
واتفق الجمهور على منع بيع التمرة الواحدة بالتمرتين والحبة الواحدة من
القمح بحبتين؛ إذ لا فرق بين كثرة المال الربوي وقلته، وأجاز الحنفية هذا
البيع؛ لأنه لا مكيل ولا موزون، فجاز فيه التفاضل. وقال الجمهور: عقد
الربا مفسوخ لا يجوز بحال، فيجب فسخ صفقة الربا ولا تصح بحال. وقال
الحنفية: بيع الربا فاسد؛ لأنه بيع جائز بأصله من حيث هو بيع، ممنوع
بوصفه من حيث هو رباً، فيسقط الربا ويصح البيع.
ويلاحظ أن أكثر البيوع الممنوعة إنما منعت بسبب وجود معنى الزيادة إما في
عَيْن المال، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه. وهناك بيوع ممنوعة ليس
فيها معنى الزيادة، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكالبيع وقت النداء الصلاة
الجمعة.
ويلاحظ أيضاً أن الجودة والصنعة في الأموال الربوية ملغاة، فجيدها
ورديئها سواء، سداً للذرائع، ولا ينظر إلى الصنعة، فالدينار الذهبي المسكوك
والدرهم الفضي المسكوك والذهب والفضة غير المسكوكين (التبر) سواء،
وكذا الذهب أو الفضة غير المصوغ والمصوغ حلياً سواء أيضاً، خلافاً لما كان
يراه معاوية بن أبي سفيان، فقد اتفق العلماء على أن ما ذهب إليه معاوية غير
جائز، وليس مستبعداً أن يكون قد خفي عليه ما قد علمه أبو الدرداء وعبادة
اللذان جادلا معاوية في خطأ رأيه، لما ثبت عن النبي وقلّه من تحريم التفاضل في
بيع الذهب والفضة والمطعومات.
وبناء عليه يجب بيع الشيء بجنسه بوزن مساوٍ له، وإن اختلفا في الصياغة
وعدمها، ويصح بيع الذهب أو الفضة بالنقود الورقية الحالية مع التفاضل،

١٠٧
المُعُ (٣) - البقرة: ٢٧٥/٢-٢٨١
لاختلاف الجنس، بشرط التقابض في مجلس العقد لكونهما نقدين، سداً
للذرائع، وبسبب تفاوت سعر الذهب والفضة ارتفاعاً وانخفاضاً بين وقت
وآخر، فما يحدث في أسواق الصاغة من بيع وشراء كيلو ذهب مثلاً أو سبيكة
بوزن معين وبسعر معين دون قبض المبيع ودفع الثمن نقداً: لا يجوز شرعاً،
درءاً للمنازعات.
سبب تحريم الربا:
الإسلام دين الجهد والعمل، والتعاطف والتراحم، والود والحب
والوئام، والصفاء وسلامة النفوس من الأحقاد، والحق والعدل.
فلا يجيز كسباً بغير عمل، ويرغب في الصدقة والقرض الحسن، ويحرم
استغلال حاجة الضعيف، ويحظر كل ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء
والمنازعات، ويستأصل الحقد والحسد والجشع والطمع من النفوس، ويوجب
أخذ المال من طريق مشروع حلال لا ظلم فيه، ويكره تكديس الثروة في أيدي
فئة قليلة من الناس تتحكم في مصائر الآخرين وأقواتهم وتتلاعب باقتصاديات
الدولة والأمة.
لهذه المبادئ السامية كلها، وحفاظاً عليها حرم الله الربا للأضرار التالية:
اً - إنه يعوِّد الإنسان على التكسب بدون عمل أو حرفة، كالتجارة أو
الصناعة أو الزراعة أو المهنة الشريفة التي اقتضتها ظروف الحياة المعاصرة مثل
الطبابة والهندسة والصيدلة والمحاماة بشرط الدفاع عن الحق والعدل وتحامي
الدفاع بالباطل، أو تبرئة الجاني أو المجرم. وهذا يجعل المرابين مصاصين لدماء
الفئة العاملة الكادحة، ويعتمد في عيشه ودخله على مورد بغير جهد، وذلك
مما يستفيده من فوائد الأموال المودعة في المصارف الربوية للإقراض بفائدة.
اً - والربا هو مجرد كسب من غير عوض، والشرع يجرم أخذ المال ظلماً
بغير حق شرعي، ويمنع استغلال القوي الضعيف.

١٠٨
الجزءُ (٣) - البَقَة: ٢٧٥/٢-٢٨١
٣ - إنه يؤدي إلى زرع الأحقاد والحسد في قلوب الفئة الفقيرة على
الأغنياء، ويولد العداوة والبغضاء، ويثير المشاحنات والخصومات بين
الناس؛ إذ هو يقضي على عاطفة التراحم والتعاون، ويجعل الإنسان عبداً
للمال، وكأنه ذئب ينقض على ما في جيوب الناس بأسلوب هادئ ماكر خبيث
دون إثارة أو معرفة الغريم.
٤ - إنه يقضي على وشائج الصلة بين الناس، ويقطع المعروف بينهم
بالقرض الحسن، ويسلب مال الفقير أو المحتاج وهو في أشد حالات الحاجة
والعوز، لتسيير شؤون عمله وحياته.
٥ - إن عاقبته العامة تدمير القيم الإنسانية وتوليد الصراع بين الأفراد،
والتحكم في الاقتصاد العام للأمة، وعاقبته الخاصة الوقوع في الخراب والفقر
والحرمان في نهاية الأمر؛ إذ يمحق الله الربا، ويربي الصدقات، كما بينا.
والخراب يشمل المرابي، كما يشمل دافع الربا، فكثير ما أدى اقتراض
المزارعين من المصارف الزراعية إلى بيع أراضيهم لتسديد القروض المصرفية
وفوائدها؛ لأن الزراعة كثيرة النفقات، معرضة للآفات الزراعية، والقحط
والجدب.
وكذلك أصحاب المعامل وتجار المحلات إذا اقترضوا من المصارف لا
يتمكنون غالباً من سداد الديون، ويصبحون عاجزين عنها وبخاصة في
السنوات الأولى من العمل والإنتاج، فكيف يسددون أصل الدين مع ما يضم
إليه من فوائد؟! والفوائد المصرفية تتضاعف مع مرور السنوات، فتصبح
الفوائد تكاد تعادل أصل القرض.
ولا فرق في تحريم الربا بين ما يسمى بالقروض الإنتاجية، والقروض
الاستهلاكية؛ إذ لا يجوز الاقتراض بفائدة إلا لضرورة قصوى، وهي الحالة
التي يغلب على الظن فيها الوقوع في الهلاك أو التسيب في الشارع ونحو ذلك

١٠٩
الُرُ (٣) - البَقَرة: ٢٧٥/٢-٢٨١
من الحالات النادرة التي لا تنطبق على ما يدعيه أصحاب المعامل والمحلات
التجارية من ضرورات، وهم يقصدون بذلك إما توسيع دائرة العمل
والنشاط، أو دعم المصنع بآلات حديثة مثلاً، وكل هذه المزاعم لا تدخل في
دائرة الضرورة بحسب ضوابطها الشرعية، ولا تحل الحرام القطعي التحريم.
والربا حرام ويبطل ما قبض منه، ولا يجوز أخذ ما زاد على أصل رأس
المال، قلَّ أو كثر، وقد دلت الآية على ذلك: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
أَمْوَلِكُمْ﴾ ودلت أيضاً على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر، لكونه سبباً
في معاداة الله ورسوله. جاء رجل إلى مالك بن أنس رضي الله عنه، فقال: يا
أبا عبد الله، إني رأيت رجلاً سكراناً يتعاقر، يريد أن يأخذ القمر، فقلت:
امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشرُّ من الخمر، فقال: ارجع حتى
أنظر في مسألتك. فأتاه من الغد، فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه
من الغد، فقال له: امرأتك طالق؛ إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه، فلم أر
شيئاً أشرّ من الربا؛ لأن الله أذن فيه بالحرب.
وسبيل التوبة مما بيد الإنسان من الأموال الحرام إن كانت من ربا،
فليرّها على من أربى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضراً، فإن أيس من وجوده
فليتصدق بذلك عنه. وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه.
الموضوع الثالث - نَظِرَةُ الميسرة:
لما حکم جل وعز لأرباب الربا برؤوس أموالهم عند المدینین، حکم في ذي
العسرة بالانتظار إلى حال الميسرة؛ وذلك أن ثقيفاً لما طلبوا أموالهم التي لهم
على بني المغيرة، شكوا - أي بنو المغيرة - العسرة، كما بينا في سبب النزول،
وقالوا: ليس لنا شيء، وطلبوا الأجل إلى وقت ثمارهم، فنزلت هذه الآية:
﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةِ﴾.
ودل قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ مع قوله: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ

١١٠
لُعُ (٣) - البقرة: ٢٧٥/٢-٢٨١
رُهُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ على ثبوت حق المطالبة لصاحب الدين (الدائن) على
المدين، وجواز أخذ ماله بغير رضاه، ودل أيضاً على أن الغريم متى امتنع من
أداء الدين مع الإمكان، كان ظالماً؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ
أَمْوَلِكُمْ﴾ فجعل له المطالبة برأس ماله، فإذا كان له حق المطالبة، فعلى من
عليه الدين (المدين) لا محالة وجوب قضائه.
ومن كثرت ديونه وطلب غرماؤه مالهم، فللحاكم أن يخلعه عن كل ماله
ويترك له ما كان من ضرورته، والمشهور عن مالك أنه يترك له كسوته المعتادة،
ما لم يكن فيها فضل، ولا ينزع منه رداؤه إن كان ذلك مُزْرياً به. وفي ترك
کسوة زوجته وفي بیع کتبه إن کان عالماً خلاف. ولا يترك له مسکن ولا خادم،
ولا ثوب جمعة ما لم تقلّ قيمتها، والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو
عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
ويحبس المفلس في قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم حتى يتبين
عُدْمه. ولا يحبس عند مالك إن لم يُتَّهم أنه غيَّب مالَه، ولم يتبين لَدَدَه أي
خصومته ومماطلته. وكذلك لا يحبس إن ثبت عسره، للآية المتقدمة: ﴿وَإِن
كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَنِسَرَةٍ﴾.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ﴾ يدل على أن الله تعالى ندب بهذه الألفاظ إلى
الصدقة على المعسر، وجعل ذلك خيراً من إنظاره. وقد أوردت سابقاً
الأحاديث الكثيرة الدالة على فضل إنظار المعسر وإبرائه من الدين، ومدى
الثواب العظيم في ذلك عند الله تعالى.
الموضوع الرابع - جزاء الإيمان والعمل الصالح:
مدح الحق تعالى المؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدين شكره، المحسنين إلى
خلقه في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، مخبراً عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم
يوم القيامة من التبعات آمنون؛ ليكون ذلك في خلال المقارنة مع أكلة الربا

١١١
لِلُعُ (٣) - البَقَرَة: ٢٧٥/٢-٢٨١
أدعى إلى الامتثال، والبعد عن الربا الحرام، وفي هذا تعريض بأكلة الربا
وأنهم لو كانوا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لكفوا عن تعاملهم
الربوي.
والخلاصة: أن الله تعالى أتبع وعيد المرابي بهذا الوعد، وإنما خص الصلاة
والزكاة بالذكر مع اندراجهما في الصالحات لمنزلتهما العظمى في الإسلام.
الموضوع الخامس - التحذير من أهوال يوم القيامة:
ختم الله تعالى آيات الربا بموعظة بالغة، إذا وعاها المؤمن هانت عليه
الدنيا ومطامعها وسامح بالمال والنفس، فالدنيا زائلة، والأموال فانية،
والآخرة آتية خالدة باقية، والحساب أمام الله أمر حتمي، يجازي كل امرئ
بما عمل من خير أو شر، دون بخس أو ظلم أو نقصان، فليحذر المؤمن عقوبة
ربه، وليتق الله بامتثال الأوامر الإلهية، واجتناب النواهي ومن أخطرها
الربا، فمن اتقى وحذر العقوبة لقي خيراً، ونال سعادة دائمة في جنان الخلد
الباقية.
%

١١٢
المُرُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣
آية الدين وآية الرهن
توثيق الدين المؤجل بالكتابة أو الشهادة أو الرهن
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب
بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْنُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبُ
وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ, وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِى
عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِلْعَدْلِّ
وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَنهُمَا الْأُخْرَىَّ وَلَا يَأْبَ
الثُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلَا تَسْئَمُوْ أَنْ تَكْتُبُهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ، ذَلِكُمْ
أَقْسَطُ عِندَ الَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُوَاْ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً
تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُرَّ وَلَا
يُضَآرَ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقُ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ
وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ
٨٢
وَيُعَلِمُكُمُ اللَّهُ وَاَللَّهُ بِكُلٍ شَىْءٍ عَلِيمٌ
تَجِدُواْ كَلِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَِّّ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ: ءَائِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
القراءات:
﴿أَنْ﴾: من قوله تعالى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثَهُمَا﴾ قرئ:
١- بكسر الهمزة، وهي قراءة حمزة، على جعلها حرف شرط و﴿فتذكر﴾
بالتشديد ورفع الراء، جواب الشرط.
٢- بفتح الهمزة، وهي قراءة الباقين، وهي الناصبة، وتفتح راء ﴿فتذكر﴾
عطفاً على ﴿أن تضل﴾.

١١٣
لُزْءُ (٣) - البَقَرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣
﴿فَتُذَكِّرَ﴾: قرئ:
١- بتسكين الذال وتخفيف الكاف، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو.
٢- بفتح الذال وتشديد الكاف، وهي قراءة باقي السبعة.
تِجَرَةً حَاضِرَةٌ﴾: قرئ:
١- بنصبهما، وهي قراءة عاصم، على أن (كان) ناقصة، والتقدير: إلا أن
تكون هي، أي: التجارة.
٢- برفعهما، وهي قراءة الباقين، على أن تكون (كان) تامة، و(تجارة)
فاعل.
( فَرِهَانٌ]
:
- جمع رهن، وهي قراءة الجمهور.
- وقرئ: فرهن، بضم الراء والهاء أو تسكينها، وهي قراءة ابن كثير،
وأبي عمرو.
﴿الَّذِى أَقْتُمِنَ﴾: وقرئ: بإبدال الهمزة ياء، وهي قراءة ورش.
الإعراب:
صلے
{كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ كما: في موضع نصب متعلق بفعل ﴿يَكْثُبَ﴾ أو
بقوله: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ أو بقوله: ﴿يَأَبَ﴾. ﴿ وَلِتُّهُ﴾ الضمير يعود على المدين.
﴿فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾: إما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فالشاهد رجل
وامرأتان، وإما مرفوع بتقدير فعل وتقديره: فليكن رجل وامرأتان. ويكون
((فليكن)) تامة. و﴿مِن رِجَالِكُمْ﴾: متعلق باستشهدوا، ومن ابتدائية، أو
متعلق بمحذوف صفة لشهيدين، ومن تبعيضية، أي بعض رجالكم المسلمين
الأحرار؛ لأن الكلام في معاملاتهم.

١١٤
الجزءُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣
﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ في موضعه ثلاثة أوجه: الجر والنصب والرفع، فالجر:
على أنه بدل من قوله: ﴿مِن رِّجَالِكُمْ﴾ والنصب على أنه صفة لشهيدين،
والرفع على أنه وصف لقوله: رجل وامرأتان.
﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ أن: مصدرية في موضع نصب بتقدير فعل، وتقديره:
يشهدون أن تضل إحداهما، وقرئ بكسر إن الشرطية ورفع: تذكر.
﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾ منصوبان على الحال من هاء ﴿تَكْثُبُوهُ﴾ وهي عائدة
على الدين .﴿إِذَا مَا دُعُواْ﴾ ما: زائدة.
﴿أَلَّا تَرْتَابُواْ﴾ أن وصلتها في موضع نصب بأدنى، وتقديره: وأدنى من ألا
ترتابوا، فحذف حرف الجر فاتصل به.
﴿إِلَّ أَن تَكُونَ تِجَرَةَ﴾ أن وصلتها في موضع نصب على الاستثناء
المنقطع. وتجارة: بالنصب خبر تكون الناقصة، واسمها مقدر فيها، والتقدير:
إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة. وعلى قراءة الرفع: ﴿تَكُونَ﴾ تامة أي
تقع.
ج
﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: الكاتب والشهيد إما فاعلان ليضارَّ وهو
الأحسن، فيكون أصله: يضارِر: بكسر الراء. وإما نائب فاعل فيكون أصله:
يضارَر بفتحها، فأدغمت الراء الأولى في الثانية.
﴿وَيُعَلِمُكُمُ اللَّهُ﴾ حال مقدرة، أو مستأنف.
ج
﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ وقرئ ((فرهُنٌ)) وكلاهما جمع رَهْن عند الأكثرين، وهو
مبتدأ، وخبره مقدّر، وتقديره: فرهان مقبوضة تكفي من ذلك.
﴿ اقْتُمِنَ﴾ أصله اؤتمن على وزن افتعل، إلا أنه أبدلت الهمزة الثانية واواً
لسكونها وانضمام ما قبلها، فصار: أَوْتُمن.

١١٥
الجزء (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣
﴿وَءَائِمٌ قَلْبُهُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أن يكون آثم خبر ((إن)) وقلبه فاعل له، أو
أن يكون ﴿قَلْبُهُ﴾ مبتدأ، و﴿ ءَائِمٌ﴾ خبره، والجملة منهما في موضع رفع خبر
إن، أو أن يكون ﴿ءَائِمٌ﴾ خبر إن، و﴿قَلْبُهُ﴾: بدل من الضمير المرفوع في
﴿ءَائِمٌ﴾، بدل بعض من كل.
البلاغة:
توجد أنواع من الجناس في قوله ﴿تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ و﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ)
و﴿اقْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾ و﴿وَيُعَلِّمُكُمْ﴾ و﴿عَلِيمٌ﴾.
ويوجد طباق في قوله: ﴿صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾ و﴿أَنْ تَضِلَ﴾ و﴿فَتُذَكِّرَ﴾
تضل: أي تنسى.
وتشتمل الآية على إطناب في قوله: ﴿فَأَكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَائِبُ
بِاَلْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَائِبٌ﴾ وفي ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا
يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِىِ عَلَيْهِ أَلْحَقُّ﴾ وفي ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا
فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَىَّ﴾.
وتكرار لفظ الجلالة في جمل ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ ﴿وَيُعَلِمُكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿وَاللَّهُ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ لتربية المهابة في النفس وتعظيم الأمر.
ج
﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ الجمع بين لفظ الجلالة والوصف بالربوبية: للمبالغة في
التحذير.
المفردات اللغوية:
﴿تَدَايَنُ﴾: داين بعضكم بعضاً أي تعاملتم بدين مؤجل ﴿بِدَيْنٍ﴾: أي
ببيع مؤجل أو سَلَم أو قرض، والدين: هو المال الذي يثبت في الذمة ﴿إِلَى
أَجَلِ تُسَنَّى﴾ الأجل: هو الوقت المحدد لانتهاء شيء، والمسمى: الموعد

١١٦
الجُرُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣
المعلوم أو المحدود بالأيام أو الشهور أو السنين، ويشمل الدين المؤجل: بيع
الأعيان إلى أجل، والسَلَم (السلف)، والقرض ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ ندباً استيثاقاً
للدين ودفعاً للنزاع ﴿وَلْيَكْتُب﴾ سند الدين أو كتابه ﴿بِالْعَدْلِ﴾ بالحق في
كتابته، أو بالتسوية بين الجانبين، من غير ميل إلى أحدهما، ولا زيادة أو نقص
في المال والأجل.
﴿وَلَا يَأَبَ﴾ أي لا يمتنع ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ أي على الطريق التي علمه الله
صے
إياها من كتابة الوثائق، فلا يبخل بها ولا يقصر في شيء ﴿وَلْيُمْلِلٍ﴾ أي
وليلق على الكاتب ما يكتبه، والإملال والإملاء بمعنى واحد ﴿ الَّذِى عَلَيْهِ
اُلْحَقُّ﴾ أي الدين، والمراد به هنا المدين، لأنه المشهود عليه، فيقر بكامل
الحق، ليعلم ما عليه.
﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في إملائه ﴿وَلَا يَبْخَسْ﴾ لا ينقص من الحق شيئاً ﴿فَإِن
كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ مبذراً ﴿ضَعِيفًا﴾ عن الإملاء لصغر أو كبر بأن
كان صبياً أو شيخاً هرماً ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ بأن كان جاهلاً أو
أخرس أو نحو ذلك.
﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ متولي أمره من والد ووصي وقيّم ومترجم ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ﴾
اطلبوا أن يشهد على الدين شاهدان ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ لدينه وعدالته.
﴿أَنْ تَضِلّ﴾ لأجل أن تنسى أو تخطئ إحداهما الشهادة لعدم ضبطها وقلة
عنايتها فتذكر إحداهما (الذاكرة) الأخرى (الناسية)، وجملة ((تذكر)) للتعليل
أي لتذكر إن ضلت. وقرئ بكسر إن شرطية، ورفع فعل ((تذكر)) المستأنف،
وهو جواب الشرط، والشرط والجزاء يكونان صفة للنكرة: ﴿وَأَمْرَأَتَانِ﴾.
﴿دُعُواْ﴾ إلى تحمل الشهادة وأدائها ﴿وَلَا تَسْتَمُوّا﴾ تملوا وتضجروا من ﴿أَنْ
تَكْثُبُوُهُ﴾ أي ما شهدتم عليه من الحق، لكثرة وقوع ذلك. ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾ وقت
حلول أجله.

١١٧
لُرُ (٣) - البَقَرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣
﴿ذَلِكُمْ﴾ أي الكتْب ﴿أَفْسَطُ﴾ أعدل ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ﴾ أي أعون على
إقامتها وأثبت لها؛ لأنه يذكّرها. ﴿ وَأَدْنَّ أَلَّا تَرْتَابُواْ﴾ أي أقرب إلى ألا تشكوا
في قدر الدين وأجله ﴿ تُدِيُرُونَهَا﴾ أي تقبضونها ولا أجل فيها، والمراد
تتعاملون بها يداً بيد . ﴿ وَلَا يُضَارُّ كَاِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ نهي عن وقوع الضرر من
الجانبين، فلا يضر الكاتب والشاهد صاحبَ الحق ومن عليه الحق بتحريف أو
زيادة أو نقص، أو امتناع من الشهادة أو الكتابة، ولا يضرهما صاحبُ الحق
بتكليفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة.
﴿وَإِن تَفْعَلُواْ﴾ ما نهيتم عنه ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقًا بِكُمْ﴾ خروج عن الطاعة لا
حق بكم. ﴿ وَأَتَّقُواْ اللّهَ﴾ في أمره ونهيه ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ مصالح أموركم.
﴿وَإِن كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي مسافرين وتداينتم، وبينت السنة جواز الرهن
ووجود الكاتب في الحضر. وذكرت حالة السفر؛ لأن التوثيق فيه أشد ﴿فَرِهَانٌ
مَّقْبُوضَةٌ﴾ تستوثقون بها، ودل قوله: مقبوضة على اشتراط القبض في الرهن،
والاكتفاء بقبض المرهون من المرتهن أو وكيله. ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي
أمن الدائن المدين على حقه، فلم يرتهن أو لم يكتب الدين ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِى
آٌؤْتُمِنَ﴾ أي المدين ﴿أَمَنَتَهُ﴾ دينه ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في أدائه ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ
الشَّهَدَةَ﴾ إذا دعيتم لأدائها ﴿فَإِنَّهُ: مَائِمٌ قَلْبُهُ﴾ خص القلب بالذكر؛ لأنه
محل الشهادة، ولأنه إذا أثم تبعه غيره، فيعاقب عليه معاقبة الآثمين. ﴿ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى الإنفاق وجزاءه الطيب، والربا وقباحته وخطره، أعقبه
بذكر القرض الحسن بلا فائدة، والتعامل بالدين المؤجل، وطريق توثيقه
وحفظه بالكتابة والشهادة والرهن، وطريق تنميته بالتجارة التي تقتضي
السرعة، ففي الصدقة والقرض الحسن تراحم وتعاون، وفي الربا قسوة

١١٨
الجُرَءُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣
وطغيان، وفي أحكام التعامل بالدين المؤجل والتجارة الحاضرة غاية الحكمة
والمصلحة والعدل؛ إذ من يؤمر بالإنفاق والصدقة والقرض، ويُنهى عن
التعامل بالربا لا بد له من تنمية ماله بالتجارة، وحفظ حقه من الضياع.
فتكون مناسبة الآية لما قبلها بيان حالة المداينة الواقعة في المعاوضات الجارية
بين الناس، ببيع السلع بالدين المؤجل، بطريقة تحفظ الأموال وتصونها عن
الضياع، بعد بيان حكم التعامل بالربا ومنعه، أوأن المراد بيان كيفية حفظ
المال الحلال، بعد بيان الإنفاق في سبيل الله وتحريم الربا، اللذين يترتب
عليهما نقص المال إما حالاً أو مالاً.
وكون هذه الآية أطول آية في القرآن الكريم دليل على أن المال في ذاته ليس
مبغوضاً عند الله، وعلى أن الإسلام معني باقتصاديات الأمة، وأنه دين ودولة
وحياة ونظام مجتمع، وليس دين رهبنة وفقر، وانعزال عن الحياة، فتنظيم
التعامل بين الناس، وتبيان طريق حفظ الحقوق، وتعاطي التجارة وتنمية
المال، يدل كل ذلك على أن الإسلام دين عمل وجهد وكفاح، وحرص على
الكسب والربح من أوجه الحلال، روى أحمد والطبراني من حديث عمرو بن
العاص: ((نعمًا المال الصالح للمرء الصالح».
وأما البذل في المصالح العامة وتحريم الربا فهو عنوان على تضامن الأمة
وتراحمها، ونبذها الظلم والاستغلال والكسب من غير جهد وكدّ وعمل.
وأما ذمّ الدنيا أو المال في بعض الآيات والأحاديث: فإنما هو عند نسيان
جانب الآخرة، واستعباد المال صاحبه، فيبخل في إنفاقه، ولا يبالي في جمعه
من طريق حلال أو حرام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ
الْحَا:
أَعْلَمُوَا أنّمَا
[التغابن: ١٥/٦٤] وقال سبحانه:
١٥
عِندَهُ: أَجْرٌ عَظِيمٌ
الذُّنْيَا لَعِبٌ وَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ
أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَائُ ثُّ بَهِيجُ فَرَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًّا وَفِىِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ
شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ

١١٩
الُ (٣) - البَقَرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣
[الحديد: ٢٠/٥٧]. وروى البخاري عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: (تَعِس عبد
الدينار، تعس عبد الدرهم».
التفسير والبيان:
يا من اتصفتم بالإيمان إذا تعاملتم بالدَّيْن المؤجل في الذمة بيعاً أو سَلَماً أو
قرضاً، كبيع شيء بثمن مؤجل، أو بيع سلعة مؤجلة إلى أجل مسمى مع بيان
الجنس والنوع والقدر، بثمن معجل وهو المسمى بالسلم أو السلف، وقرض
مبلغ من المال، إذا تعاملتم ببدل مؤجل، فاكتبوا ما يدل على هذا التعامل، مع
بيان الأجل بالأيام أو بالأشهر أو بالسنين، أي بكونه معلوماً، لا بالتأجيل
إلى الحصاد والدياس مما لا يرفع الجهالة في رأي الجمهور؛ لأن الكتابة أوثق
في ضبط المتفق عليه، وأرفع للنزاع.
ثم بيَّن الله كيفية الكتابة وعين من يتولاها: بأن يكتب كاتب مأمون عادل
محايد، فقيه متدين يقظ: الحقَّ دون ميل لأحد الجانبين، مع وضوح المعاني،
وتجنب الألفاظ المحتملة للمعاني الكثيرة، فهو كالقاضي بين الدائن والمدين.
وهذا يدل على اشتراط العدالة في الكاتب.
ثم أوصى الكاتب ونهاه عن الإباء: فلا يمتنع أحد من الكُتَّاب عن كتابة
وثيقة الدين، ما دام يمكنه ذلك، على الطريقة التي علمه الله في كتابة الوثائق،
أو كالتي علمه الله، فالكاف صفة لموصوف محذوف، فلا يزيد ولا ينقص ولا
يضر أحداً، والكتابة نعمة من الله عليه، فمن شُكْرِها ألا يمتنع عنها، وإن
كانت بأجر، وهذا يدل على إشتراط كون الكاتب عالماً بالأحكام الشرعية
والشروط المرعية عرفاً ونظاماً. وقدَّم اشتراط العدالة على العلم؛ لأنها أهم
من العلم. فالعادل يمكنه تعلم ما تتطلبه كتابة الوثائق، وأما العالم غير العادل
فلا يهديه علمه للعدالة، وإنما يفسد ولا يصلح.
ودل قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ﴾ على أن العالم العادل إذا دعي للقيام بالكتابة
.

١٢٠
الجُرُ (٣) - البقرة: ٢٨٢/٢-٢٨٣
ونحوها، وجب عليه تلبية الدعوة، ثم أكد الله تعالى النهي عن الإباء بالأمر
بالكتابة بالحق، لكون الوثيقة متعلقة بحفظ الحقوق.
ثم أرشد الله تعالى إلى أن الذي يتولى إملاء البيانات على الكاتب إنما هو
المدين، فإنه المكلف بأداء مضمون الكتابة، ليكون بيانه وإملاؤه حجة عليه،
ثم أوصاه تعالى بأمرين: هما تقوى الله في الإملاء، بأن يذكر ما عليه كاملاً،
وألا ينقص من الحق الذي عليه شيئاً.
ويلاحظ أن الكاتب أمر بالعدل فلا يزيد ولا ينقص، والمدين نهي عن
النقص فقط؛ لأن هذا هو المنتظر منه أو المتصور منه دون سواه.
ثم أوضح تعالى أحوال ناقصي الأهلية، فإن كان المدين (الذي عليه الحق)
سفيهاً أي مبذراً في ماله ناقص العقل والتدبير، أو ضعيفاً بأن كان صبياً أو
مجنوناً أو جاهلاً أو هرِماً لم تساعده قواه العقلية على ضبط الأمور، أو عاجزاً
عن الإملاء لكونه جاهلاً أو ألكن أو أخرس أو معتقل اللسان، أو أعمى،
فعلى وليه الذي يتولى أموره من قيِّم أو وكيل أو مترجم أن يملي الحق على
الكاتب بالعدل والإنصاف، بلا زيادة ولا نقص.
ثم جاء دور الإثبات، فأرشد تعالى على سبيل الندب لضبط الوقائع وحفظ
الأموال إلى الشهادة على المداينة، ونصاب الشهادة: رجلان أو رجل
وامرأتان.
وقوله: ﴿مِن رِّجَالِكُمْ﴾ دليل على اشتراط الإسلام والحرية في الشهود؛
لأن الكلام وارد في معاملاتهم. وأما العدالة في الشهود فاشترطوها بقوله
تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢/٦٥].
مقبول الشهادة ومرفوضها:
يرى أبو يوسف أن من سلم من الفواحش التي يجب فيها الحدود، وما