Indexed OCR Text

Pages 781-800

٧٨١
◌ِالزُرُ (٢) - البقرة: ٢٤٣/٢-٢٤٥
موت الأمم بالجبن والبخل وحياتها بالشجاعة والإنفاق
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ
لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَخْيَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ
،وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ
مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ وَاللَّهُ
يَقْبِضُ وَيَبْقُطْ وَإِلَيْهِ تُجَعُونَ
٢٤٥
القراءات:
﴿فَيُضَعِفَهُ﴾: قرئ:
١- (فَيُضَعِّفُه)، بالتشديد، وهي قراءة ابن كثير، وقرأ ابن عامر (فيضعِّفَهُ).
٢- (فيضاعفَه) بالنصب، وهي قراءة عاصم.
٣- فيضاعفُهُ، بالرفع عطفاً على صلة (الذي) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَيَبْضُظٌ﴾: قرئ:
١- بالصاد (يبصط) وهي قراءة نافع، والبزي، والكسائي.
٢- بالسين، وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿مَنْ ذَا الَّذِى﴾ من: استفهامية مبتدأ، وذا: خبره، والذي: صفة: ذا أو
بدل منه . ﴿قَرْضًا﴾ منصوب؛ لأنه اسم أقيم مقام المصدر، وهو الإقراض،
فانتصب انتصاب المصدر. ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالنصب، معطوف بالفاء حملاً على
المعنى دون اللفظ، كأنه قال: من ذا الذي يكون منه قرض، فتضعيف من الله

٧٨٢
لُزُرُ (٢) - البقرة : ٢٤٣/٢-٢٤٥
تعالى، فقدر (أن) بعد الفاء ونصب بها الفعل، وصيَّرها مع الفعل في تقدير
مصدر، ليعطف مصدراً على مصدر. وعلى قراءة الرفع: إما معطوف على صلة
﴿الَّذِى﴾ وهو ﴿يُفْرِضُ﴾، وإما منقطع عما قبله.
البلاغة:
قال أبو حيان في تفسيره (البحر المحيط: ٢٥٣/٣): تضمنت الآية الكريمة
من ضروب البلاغة وصنوف البيان أموراً كثيرة، منها الاستفهام الذي أُجري
مجرى التعجّب في قوله: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ والحذف بين ﴿مُوتُواْ ثُمَّ
أَحْيَهُمْ﴾ أي فماتوا ثم أحياهم، والطّباق في قوله: ﴿مُوتُواْ﴾ و﴿ أَخْيَهُمْ﴾،
وكذلك في قوله: ﴿يَقْبِضُ﴾ و﴿وَيَبْضُطْ﴾، والتكرار في قوله: ﴿فَضْلٍ عَلَى
النَّاسِ﴾ و﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾، والالتفات في ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ﴾، والتشبيه بدون الأداة في قوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ شبه قبوله تعالى إنفاق
العبد في سبيله بالقرض الحقيقي، فأطلق عليه اسم القرض، والتجنيس في
قوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ وقوله: ﴿أَضْعَافًا﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام تعجيب واعتبار وتشويق إلى استماع ما بعده، أي ألم
ينته علمك، والرؤية بمعنى العلم، إذ الاستفهام الحقيقي محال على الله. ﴿وَهُمْ
أُوفُ﴾ أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفاً، وهو
جمع كثرة، والقلّة: آلاف، ومعناه كثرة كاثرة وألوف مؤلفة. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾
مفعول لأجله، وهم قوم من بني إسرائيل وقع الطاعون ببلادهم ففرّوا،
والحذر: الخوف والخشية. ﴿ مُوتُواْ﴾ أي فماتوا. ﴿ثُمَّ أَخْيَهُمْ﴾ بعد ثمانية أيام
أو أكثر بدعاء نبيِّهم حِزْقيل، فعاشوا دهراً عليهم أثر الموت، لا يلبسون ثوباً
إلا عاد كالكفن، واستمرت في أسباطهم . ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ ومنه إحياء هؤلاء.
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَ النَّاسِ﴾ وهم الكفار. ﴿لَا يَشْكُّرُونَ﴾ القصد من ذكر خبر

٧٨٣
لُحُ (٢) - البقرة: ٢٤٣/٢-٢٤٥
هؤلاء تشجيع المؤمنين على القتال، ولذا عطف عليه الأمر بالقتال بقوله:
﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي لإعلاء دينه. ﴿سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم. ﴿عَلِيمٌ﴾
بأحوالكم فيجازيكم.
﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ﴾ أي يتصدّق لوجه الله. ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ بأن ينفقه
لوجه الله عن طيب قلب.
﴿فَيُضَعِفَهُ﴾ يضيف له مثله ومثله. ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ من عشرة إلى أكثر
من سبع مئة.
﴿يَقْبِضُ﴾ يقتر أو يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاءً. ﴿وَيَبْضُّطْ﴾ يوسعه لمن
يشاء امتحاناً.﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الآخرة بالبعث، فيجازيكم بأعمالكم.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٤٥):
روى ابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر،
قال: لما نزلت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾
[البقرة: ٢٦١/٢] الآية، قال رسول الله وَ﴾: ((ربِّ، زِد أمتي فنزلت: ﴿مَّن ذَا
الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ لَهُمْ أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾.
المناسبة:
ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحكام الأسرة لتنظيم العلاقة بين
أفرادها، وبنائها على دعائم وطيدة وأسس ثابتة راسخة، ثم ذكر بعدها أحكام
الجهاد للدفاع عن الأمة وصون مقدّساتها والدِّفاع عن عقيدتها، إذ لا صلاح
للأسرة إلا بصلاح المجتمع، وللجمع بين الحفاظ على المصلحة الخاصة
والمصلحة العامة، فيتحقق التوازن والتعادل بين ما يحفظ الجماعة وما يحفظ

٧٨٤
الُزُرُ (٢) - البقرة: ٢٤٣/٢-٢٤٥
الفرد والأسرة، بل إن صون المصالح الخاصة لا يتم في الحقيقة بدون صيانة
المصالح العامة وحماية الأمة، والذود عن حياضها ووجودها أمام أعدائها.
التفسير والبيان:
ألم يصل إلى علمك حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وأوطانهم، وهم
قوم كثيرون من بني إسرائيل، لما لحقهم العدو وطاردهم؟ خرجوا وهم كثرة
تعدّ بالألوف المؤلفة، حذر الموت والخوف منه، بسبب الجبن والخوف والهلع،
وضعف العزيمة، وعدم الإيمان بالله ورسله، مع أن كثرتهم تدعو إلى الثبات،
والشجاعة، والصمود، والدفاع عن النفس والحمى.
ولم يبيِّن الكتاب الكريم عددهم وجنسهم وبلدهم، لأن المقصود هو العظة
والاعتبار، وذكر جماعة من السلف أنهم قوم من بني إسرائيل أو في زمان بني
إسرائيل وهم أهل قرية يقال لها: دَاوَرْدَان: قرية على فرسخ من قبل واسط،
أو أهل أذرعات، خرجوا هاربين فراراً من الطاعون، وقالوا: نأتي أرضاً
ليس بها موت، فتمكن منهم العدو، ففتك بهم، وقتل أكثرهم، وفرَّق
شملهم، أو أنّ الله أماتهم دون قتال ثم أحياهم، ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفرَّ
من حکم الله وقضائه.
وعلى التأويل الأول: لما فرّوا أماتهم الله ببطش أعدائهم وتنكيله بهم
وتعذيبه لهم، ولم يكن تمكين العدو فيهم إلا بسبب جبنهم وتخاذلهم، ثم أحياهم
الله بدعاء نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حِزْقيل، فأحسّوا بخطئهم
الفاحش، وكتَّلوا صفوفهم، وقاتلوا عدوهم بإخلاص، واستعادوا عزّتهم
وكرامتهم واستقلالهم.
وقيل عن الضَّحّاك: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد،
فهربوا، حذراً من الموت، فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم، ليعرِّفهم أنه لا
ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال ابن عطية: وهذا القصص كله ليِّن الأسانيد.

٧٨٥
الُزُ (٢) - البقرة: ٢٤٣/٢-٢٤٥
وقوله: ﴿وَهُمْ أُلُوفُ﴾ فيه دليل على الألوف الكثيرة.
وقوله: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ قال فيه الزمخشري: معناه فأماتهم، وإنما
جيء به على هذه العبارة، للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد، بأمر الله
ومشيئته، وتلك ميتة خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالاً
من غير إباء ولا توقُّف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ
﴾ [يس: ٨٢/٣٦]. وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد
كُنْ فَيَكُونُ
والتعرُّض للشهادة، وأن الموت إذا لم يكن منه بدّ، ولم ينفع منه مفرّ، فأولى أن
يكون في سبيل الله(١). وقال أبو حيان: وفي الكلام حذف، التقدير: فماتوا،
وظاهر هذا الموت: مفارقة الأرواح الأجساد، قيل: ماتوا ثمانية أيام، وقيل:
سبعة أيام (٢).
وعلى أي حال فقد وقع الموت والإحياء فعلاً، كما يدل عليه ظاهر الآية،
والله على كل شيء قدير، وتكرر مثل هذا في زمان بني إسرائيل وغيرهم في
قصص القرآن.
وإذ لم تثبت الروايات المنقولة في سبب خروج القوم، أهو الفرار من الحمّى
أو الطاعون، أو الفرار من الجهاد، فإني أرى أن المعنى مارآه الطبري: وهو
أن الله تعالى أخبر نبيه محمداً وَله إخباراً في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من
البشر، خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فأماتهم الله تعالى. ثم أحياهم؛
لِيَرَوْا هم وكل من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالی، لا بید
غيره، فلا معنى لخوف خائف، ولا لاغترار مغتر. وجعل الله هذه الآية مقدمة
بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد رَله بالجهاد.
إن الله لذو فضل على الناس فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج
(١) الكشاف: ٢٨٦/١
: (٢) البحر المحيط: ٢٥٠/٢

٧٨٦
الجزء (٢) - البقرة: ٢٤٣/٢ -٢٤٥
١
القاطعة، وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم
القيامة، أو لذو فضل عليهم فيما ابتلاهم به من الطاعون أو المرض أو
العدو، ليعتبروا ويتعظوا ويأخذوا من المصائب عبرة ودرساً في الإيمان، أو
فيما تتمخض عنه الحوادث من تصفية وصقل وتمييز الخبيث من الطيب؛ لأن
الحوادث تنبت الرجال، وتحيي الأمة، وتوقظها من رقادها، وتنبهها إلى
أخطائها ومفاسدها.
ولكن أكثر الناس لا يؤدون شكر ما أنعم الله عليهم في دينهم ودنياهم، لذا
أمر الله تعالى بالتضحية والقتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق ونشر الدين؛
لأنه لا يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، والله سميع لكل
قول، عليم بكل فعل، يحاسب كل إنسان على ماقدم ..
وبما أن لفناء الأمم سببين: الجبن والبخل، قرن الله الآية السابقة التي
تندد بالجبن والخوف والفرار من قدر الله، بالآية التي تدعو إلى البذل
والإنفاق: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ﴾ إذ عبر الله تعالى عن الإنفاق بالقرض،
ليحث عباده على الإنفاق في سبيل الله، وكرر الله تعالى هذه الآية في غير
موضع من كتابه العزيز، ولله ملك السماوات والأرض، وبيده وحده خزائن
السماوات والأرض، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ويضاعف ثوابه أضعافاً
كثيرة لا يعلم عددها إلا الله، ومن نماذج تضعيف الثواب ما قاله تعالى:
[َثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى
كُلّ سُنْبُلَةٍ مِّأْتَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴿4﴾ [البقرة:
٢/ ٢٦١]، فأنفقوا ولا تبالوا، فالله هو الرزاق، يضيق على من يشاء من عباده
في الرزق، ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك، وإليه المرجع
والمآب يوم القيامة، فاعملوا أيها المؤمنون عملاً صالحاً تجدون ثمرته عند
الرجوع إلى الله في الدار الآخرة.

٧٨٧
الُرُ (٢) - البقرة: ٢٤٣/٢-٢٤٥
فقه الحياة أو الأحكام:
يرى القرطبي أن أصح الأقوال وأشهرها عملاً بما روي عن ابن عباس:
أنهم خرجوا فراراً من الوباء، فقال ابن عباس: خرجوا فراراً من الطاعون،
فماتوا، فدعا الله نبيٌ من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه، فأحياهم الله. وروي
عن الحسن البصري أيضاً أنهم فروا من الطاعون(١).
وعلى هذا تترتب الأحكام في هذه الآية:
١- الأعمار والأقدار والبلايا والأمراض بيد الله، والإيمان بذلك
واجب، ولن يغني في الواقع حذر من قدر، ولكن لما كانت الأقدار غير
معروفة لدينا، جاز للإنسان اتخاذ أسباب الوقاية من المكاره، وتجنب الأشياء
المخوفة قبل هجومها، والحذر من المهالك ، قال الله تعالى: ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾
[النساء: ٧١/٤] وقال: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيَكُمْ إِلَى النَُّلْكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥/٢] فإذا نزلت
المصيبة فعليه الصبر وترك الجزع؛ لأنه عليه الصلاة والسلام نهى من لم يكن في
أرض الوَبَاء عن دخولها إذا وقع فيها، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد
وقوعه فيها، فراراً منه. وهكذا الواجب على كل مُتَقّ من الأمور غوائلها،
سبيله في ذلك سبيل الطاعون. وهذا المعنى نظير قوله عليه الصلاة والسلام:
((لا تتمنوا لقاء العدو، وسلُوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا))(٢).
وهذا مادلت عليه الأحاديث، روى الأئمة، واللفظ للبخاري من حديث
عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعداً أن رسول الله
نَّم- ذكر الوجع(٣)، فقال: ((رِجْز أو عذاب عُذِّب به بعض الأمم، ثم بقي منه
بقيةٌ، فيذهب المرة ويأتي الأخرى، فمن سمع به بأرض، فلا يَقدِمنَّ عليه، ومن
كان بأرض وقع بها، فلا يخرج فراراً منه)).
(١) تفسير القرطبي: ٢٣٢/٣، وانظر أحكام القرآن للجصاص: ٤٥٠/١
(٢) رواه الشيخان (البخاري ومسلم) عن أبي هريرة.
(٣) ورد الحديث في البخاري في كتاب الحيل بلفظ الوجع، وفي كتاب الطب بلفظ الطاعون.

٧٨٨
الجُزءُ (٢) - البقرة: ٢٤٣/٢-٢٤٥
وبمقتضى هذا الحديث ونحوه عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم، لما
رجعوا من سَرْغ(١) حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث، على ماهو
مشهور في الموطأ وغيره. روى الزهري عن ابن عباس: أن عمر خرج إلى
الشام، حتى إذا كان بسَرْغ، لقيه التجار، فقالوا: الأرض سقيمة، فاستشار
المهاجرين والأنصار، فاختلفوا عليه، فعزم على الرجوع، فقال له أبو عبيدة:
أفراراً من قدر الله؟! فقال له عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نفر من قدر
الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل، فهبطت بها وادياً له عُدْوتان(٢):
إحداهما خصيبة، والأخرى جديبة، ألست إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر
الله، وإن رعيت الجديبة رعيتها بقدر الله، فجاء عبد الرحمن بن عوف، فقال:
عندي من هذا علم، سمعت رسول الله مَ له يقول:
((إذا سمعتم به في أرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا
تخرجوا فراراً منه)) فحمد الله عمر وانصرف.
ومعنى قول عمر: لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه، لكن أمرنا
الله تعالى بالتحرز من المخاوف والمهالك، وباستفراغ الوسع في التوقي من
المكروهات. وإذا كانت الآجال محصورة لا تتقدم ولا تتأخر عن وقتها، فإن
وجه النهي عن دخول أرض الطاعون في الحديث: هو أن الإنسان لو مات
فيها فلا يقول: لو لم يدخلها ما ما.
٢ - وجوب القتال: قوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خطاب لأمة
محمد بَّه بالقتال في سبيل الله، في قول الجمهور، وهو الذي يُنْوى به أن تكون
كلمة الله هي العليا، وسبل الله كثيرة، فهي عامة في كل سبيل. قال مالك:
سُبُل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أو لها، وأعظمها دين
الإسلام، لا خلاف في هذا.
(١) سرغ: قرية بوادي تبوك على طريق الشام، وهي على ثلاث عشرة مرحلة من المدينة.
(٢) العُدْوة: جانب الوادي وحافته، قالى الله تعالى: ﴿وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾. والخصيبة
والخصبة بمعنى واحد.

٧٨٩
الجُرُ (٢) - البقرة: ٢٤٣/٢ -٢٤٥
وقيل: الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل، وهو مروي عن ابن عباس
والضحاك.
والواو في قوله ﴿وَقَتِلُواْ﴾ على القول الأول: عاطفة جملة كلام على جملة ما
تقدم، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام. وعلى القول الثاني عاطفة على الأمر
المتقدم، وفي الكلام متروك تقديره: وقال لهم: قاتلوا.
٣ - الإنفاق في سبيل الله: لما أمر الله تعالى بالجهاد والقتال على الحق،
حرّض على الإنفاق في ذلك؛ لأن إعداد المقاتلة والجيش يحتاج إلى نفقات
كثيرة، وفي النفقة في سبيل الله ثواب عظيم، كما فعل عثمان رضي الله عنه
بتجهيز جيش العُشْرة.
قصة أبي الدحداح: روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: لما
نزلت: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال أبو الدحداح الأنصاري:
يارسول الله، أو إن الله تعالى يريد منا القرض؟ قال: ((نعم، يا أبا الدحداح))
قال: أرني يدك يارسول الله، قال: فناوله يده، قال: فإني أقرضت ربي عز
وجل حائطي (بستاني) وكان له فيه ست مئة نخلة، وأم الدحداح فيه،
وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح، فناداها يا أم الدحداح، قالت: لبيك،
قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي عز وجل.
٤ - أداء القرض: يجب على المستقرض رد القرض؛ لأن الله تعالى بيَّن أن
من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى، بل يُرّد الثواب قطعاً، وأبْهَم
الجزاء، وفي الخبر: ((النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر)).
٥ - ثواب القرض: ثواب القرض عظيم؛ لأن فيه توسعة على المسلم
وتفريجاً عنه، أخرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله
وَله: ((رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوباً: الصدقة بعشر أمثالها،

٧٩٠
الزُعُ (٢) - البقرة: ٢٤٣/٢-٢٤٥
والقرض بثمانية عشر، فقلت لجبريل: مابال القرض أفضل من الصدقة؟
قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة)).
٦- بعض أحكام القرض: على المقترض رد مثل ما أقرضه، ويجوز إقراض
النقود والأطعمة والحيوان، وأجمع المسلمون على أن اشتراط الزيادة في السلف
ربا، ولو حبة واحدة. ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه
نصاً أو عرفاً؛ لأن ذلك من باب المعروف، استدلالاً بحديث أبي هريرة لدى
البخاري ومسلم وغيرهما من الأئمة في البَكْر (١): ((إن خياركم أحسنكم
قضاء)).
ولا يجوز - في رأي مالك - أن يهدي من استقرض هدية للمقرِض، ولا
يحل للمقرض قبولها، إلا أن يكون عادتهما ذلك، كما جاء في السنة، أخرج
ابن ماجه أن النبي ◌َّ قال: ((إذا أقرض أحدكم أخاه قرضاً فأهدى له أو حمله
على دابته، فلا يقبلها ولا يركبها، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك)).
هل يجوز القرض أو التصدق بالعِرْض؟ أي من سبَّك فلا تأخذ منه حقاً
ولا تقم عليه حداً حتى تأتي يوم القيامة مُوفر الأجر.
فيه رأيان: رأي يجوز عملاً بحديث أبي ضَمْضَم عن النبي ◌َّ في صحيح
مسلم: ((أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج من بيته قال:
اللهم إني قد تصدقت بعِرْضي على عبادك)).
وقال أبو حنيفة وروي عن مالك: لا يجوز التصدق بالعرض؛ لأنه حق الله
تعالى، وقال عليه الصلاة والسلام في الصحيح: ((إن دماءكم وأموالكم
وأعراضكم عليكم حرام».
(١) البَكْر: الفتى من الإبل، والأنثى بَكْرة.

٧٩١
لُعُ (٢) - البقرة: ٢٤٦/٢-٢٤٧
قصة النبي صمويل والملك طالوت وترك بني اسرائيل الجهاد
﴿أَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاٍ مِنْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَىَ إِذْ قَالُواْ لِنَبِ لَّهُمُ أَبْعَثْ
لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ
اُلْفِتَالُ أَلَّا نُفَتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن
دِيَرِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمٌ وَاللّهُ عَلِيمٌ}
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكَاً
بالظَّالِمِين ◌َ
قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ اُلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةُ
مِّنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِىِ الْعِلْمِ
وَاُلْجِسْمِّ وَاللَّهُ يُؤْتِ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ
القراءات:
﴿لِنَبِّ﴾ :
وقرأ نافع: (لنبيء).
﴿عَسَيْتُمْ﴾:
وقرأ نافع: (عَسِيتُم).
نَبِيُّهُمْ﴾ :
وقرأ نافع: (نبيئهم).
الإعراب:
﴿عَسَيْتُمْ﴾ من أفعال المقاربة، يشبه ((كان)) في رفعه الاسم ونصبه الخبر،
ولا يكون خبرها إلا ((أن)) مع الفعل، والتاء والميم في عسيتم: اسمها، وألا

٧٩٢
الُزُ (٢) - البقرة: ٢٤٦/٢-٢٤٧
تقاتلوا: خبرها، وقد فصل الشرط بين الاسم والخبر وهو: ﴿إِن كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْفِتَالُ﴾.
﴿ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ﴾: ما: مبتدأ، و((لنا)) خبره، وتقديره: أي شيء لنا
في ألا نقاتل، فحذف حرف الجر. وقيل: أن: زائدة، ولا نقاتل: جملة فعلية
في موضع الحال، وتقديره: ومالنا غير مقاتلين. وطالوت: اسم أعجمي
كجالوت وداود، وإنما امتنع من الصرف للعلمية والعجمة.
﴿ وَاللَّهُ وَسِعُ﴾ فيه وجهان: إما بمعنى ذو سعة، مثل: لابن وتامر، أي ذو
لبن وتمر، وإما بمعنى: موسع، على طريقة حذف الزوائد، كقوله تعالى:
﴿ وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَاحَ لَوَقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢/١٥] بمعنى ملقحات.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام مفاده: ألم ينته إلى علمك خبر الملأ: وهم الجماعة
الأشراف أو القوم، سموا بذلك لأنهم يملؤون العيون رهبة إذا اجتمعوا.
والنبي: هو شمويل معرَّب صمويل أو صموئيل ﴿أَبْعَثْ﴾ أقم لنا ملكاً نقاتل
معه في سبيل الله لتنتظم به كلمتنا ونرجع إليه . ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أراد
بالاستفهام، التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه، كقوله
تعالى: ﴿هَلْ أَتَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾ [الإنسان: ١/٧٦] معناه التقرير و﴿أَلَّا نُقَتِلُواْ﴾:
خبر عسى ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَلِلَ﴾: وأيّ داع لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا
فيه. ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾ أي بسبيهم وقتلهم، وقد فعل بهم
ذلك قوم جالوت، أي لا مانع من القتال مع وجود مقتضيه، وذلك أن قوم
جالوت كانوا يسكنون على ساحل البحر المتوسط بين مصر وفلسطين، فأسروا
أربع مئة وأربعين.
﴿تَوَلَّوْاْ﴾ عنه وجبنوا ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمٌ﴾ وهم الذين عبروا النهر مع
طالوت. قيل: كان عددهم ثلاث مئة وثلاثة عشر، على عدد أهل بدر.

٧٩٣
لُرُ (٢) - البقرة: ٢٤٦/٢-٢٤٧
﴿وَاللَّهُ عَلِيمُ بِلَّلِينَ﴾ وعيد لهم على ظلمهم في القعود عن القتال وترك
الجهاد، فهو مجازيهم، وسأل النبي ربه إرسال ملك، فأجابه إلى إرسال
طالوت.
﴿أَنَى﴾ كيف ومن أين، وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ
بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ لأنه ليس من سبط المملكة ولا النبوة، وكان دباغاً أو راعياً.
والواو في ﴿وَنَحْنُ﴾ للحال، وفي ﴿وَلَمْ يُؤْتَ﴾ لعطف الجملة على الجملة
الواقعة حالاً، والمعنى: كيف يتملك علينا؟ والحال أنه لا يستحق التملك،
لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير، ولا بد للملك من مال يعتضد به؛
وإنما قالوا ذلك لأن النبوة كانت في سبط لاوي بن يعقوب، والملك في سبط
يهوذا، ولم يكن طالوت من أحد السبطين، ولأنه كان رجلاً سقاء أو دباغاً
فقيراً.
وطالوت: معرب شاول، لقب به لطوله.
﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِّ﴾ يستعين بها على إقامة الملك.
﴿أَصْطَفَنَهُ﴾ اختاره للملك ﴿بَسْطَةً﴾ سعة ﴿فِِ اُلْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾
وكان أعلم بني إسرائيل يومئذ وأجملهم وأتمهم خلقاً، وكان أطول من كل
الشعب، وبسطة الجسم: عظمه وامتداده. والظاهر: أن المراد بالعلم: المعرفة
بماطلبوه لأجله من أمر الحرب، ويجوز أن يكون عالماً بالديانات وبغيرها،
فمقومات الملك وهي العلم والجسامة متوافرة فيه؛ لأن الجاهل مزدرى غير
منتفع به، والجسيم أعظم في النفوس وأهيب في القلوب.
المناسبة:
قال البقاعي: ولعل ختام بني إسرائيل بهذه القصة، لما فيها للنبي وَّ من
واضح الدلالة على صحة رسالته؛ لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق
علماء بني إسرائيل(١).
(١) محاسن التأويل للقاسمي: ٦٥٠/٣

٧٩٤
لدُهُ (٢) - البقرة: ٢٤٦/٢-٢٤٧
وبعد أن بيَّن الله تعالى في الآيات السابقة حكمة تشريع القتال لحماية الحق
وصون عزة الأمة وكرامتها، بيَّن هنا قصة قوم من بني إسرائيل أُخرجوا من
ديارهم وأبنائهم بالقهر، كما خرج أصحاب القصة الأولى بالجبن، لكن
جاءت هذه القصة مفصلة تبين ما في القصة الأولى المجملة.
والهدف من هذه الآيات البيان للمؤمنين بأن القتال كان مطلوباً مشروعاً في
الأمم السابقة، فليس حكماً مخصوصاً بهم(١).
التفسير والبيان:
ألم ينته إلى علمك قصص جماعة من بني إسرائيل بعد موسى في عصر داود
عليهما السلام، حين قالوا لنبيهم، قيل: إنه ((صمويل)): اختر لنا قائداً
للحرب وجمع الكلمة، فإنا صممنا على طرد أعدائنا واسترداد حقوقنا
المغتصبة، ولا شك أن طرد العدو من البلاد قتال في سبيل الله، كما قال الله
تعالى: ﴿فَقَئِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٤/٤] وقال سبحانه: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ
مِل
نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَنِتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ أَدْفَعُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٧/٣].
ولكن نبيهم بسبب معرفته لهم وتجربته معهم قال لهم: أتوقع منكم التخلي
عن القتال إن فرض عليكم، فردوا عليه: أي شيء يدعونا إلى ترك القتال،
وقد أخرجنا من ديارنا وأوطاننا، ومنعنا من أبنائنا، واغتربنا عنهم؟!
فلما فرض عليهم القتال كما طلبوا، تخلفوا عن الجهاد وجبنوا وأعرضوا
إلا قليلاً منهم، عبروا النهر مع طالوت، وانتحلوا المعاذير، ولكن الله عليم
بالذين يظلمون أنفسهم، بتركهم الجهاد في سبيل الله، دفاعاً عن أمتهم
ووطنهم، ورداً لحقهم المغتصب، فصاروا أذلة في الدنيا، معذبين في الآخرة.
ثم أوضح القرآن مادار من نقاش بين شيوخ بني إسرائيل وبين نبيهم
(١) البحر المحيط: ٢٥٣/٢

٧٩٥
الُزْءُ (٢) - البقرة: ٢٤٦/٢-٢٤٧
صمويل، إذ طلبوا منه أن يختار لهم ملكاً؛ لأن أهل فِلَسْطين تسلطوا عليهم،
وقتلوا منهم العدد الكثير، وأخذوا تابوت عهد الرب، وكانوا من قبل
يستفتحون به (يطلبون الفتْح والنصر به) على أعدائهم.
فحذرهم وأنذرهم ظلم الملوك، فألحوا، فاختار لهم طالوت (شاول) ملكاً
وقائداً حربياً.
فقالوا: كيف يكون ملكاً علينا؟ وهو لا يستحق هذا الملك؛ لأنه ليس من
سلالة الملوك ولا من سلالة الأنبياء، وقد كان الملك في سبط يهوذا بن
يعقوب، ومنهم داود وسليمان، وكانت النبوة في سبط لاوي بن يعقوب،
ومنهم موسى وهرون، وهناك من هو أحق بالملك منه؛ ولأنه فقير لا مال له
فلا يستطيع الحكم، وهذا قائم على وهم أن الغنى شرط أساسي في الملك، وأن
الملك حق موروث، لا يتجاوز أبناء الملوك أو الأشراف، حتى يخضع الناس
له، فقولهم ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ كلام من تعنت وحاد عن أمر
الله، وهي عادة بني إسرائيل(١).
فقال لهم نبيهم: إن الله قد اختاره ملكاً عليكم، والله لا يختار إلا مافيه
الخير لكم، وماعليكم إلا الطاعة والامتثال، ومقومات الملك متوافرة فيه
وهي مايأتي:
الاستعداد الفطري، وسعة العلم والمعرفة بتدبير الأمور، وبسطة الجسم
وكمال قواه المستلزمة لصحة الفكر والهيبة وفرض النفوذ، وتوفيق الله تعالى له
بسبب أهليته وصلاحه، وهذا هو المراد بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ
يَشَآءٌ ﴾ أي الملك له غير منازع فيه، فهو يؤتيه من يشاء ومن يصلح للملك،
فلا اعتراض على حكم الله، وهو أعلم بخلقه وبالصالح منكم، وبما
يستحقونه، والله واسع عليم، أي واسع التصرف والقدرة، لا حد لسعة
(١) البحر المحيط: ٢٥٧/٢

٧٩٦
لُرُ (٢) - البقرة: ٢٤٦/٢-٢٤٧
قدرته وتصرفه، وواسع الفضل والعطاء يوسع على من يشاء ويغنيه بعد فقر،
عليم بما يحقق الحكمة والمصلحة، وبما يؤدي إلى الفوز والنصر، وبمن
يصطفيه للملك.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه قصة أخرى للتحريض على القتال، جرت في بني إسرائيل، يستفاد
منها مايأتي:
اً - الجهاد في سبيل الله يتطلب إعداداً نفسياً وتربوياً وعلمياً، وخبرة
وكفاءة ومهارة، وجرأة وشجاعة، وعزيمة صادقة وإخلاصاً، وتضحية وتفانياً
في سبيل المبدأ والعزة والكرامة، فهو لا يكون بالأماني والتعللات، وإنما
بالبطولة ومضاء العزيمة وقوة الإرادة.
ولم يكن لدى بني إسرائيل شيء من هذه المقومات لسببين جوهريين: هما
خبث النفوس وعدم طهارتها وصدقها، وضعف الإيمان وحب الحياة بدون
تضحيات وعناء، لذا تولوا وأعرضوا عن المشاركة في القتال، لفقد مقوماته
السابقة.
مع أن القتال يحقق لهم أسمى الآمال من استرداد الحقوق المغتصبة، وتطهير
البلاد من المحتل والعدو القاهر، وتتويج الجهود بالعزة والكرامة والفوز
والغلبة.
أَ - إن الملك أو الحكم ليس بالوراثة أو بالغنى، وإنما بالكفاءة والعلم
والمهارة، وقوة الشخصية، وصلابة الإرادة. قال ابن عباس: كان طالوت
يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجملَه وأتمه؛ وزيادة الجسم مما تَهِيب العدو.
وقيل: سمي طالوت لطوله.
وقد بين الله في هذه الآية تعليل اصطفاء طالوت، وهو بسطته في العلم
الذي هو مِلاك الإنسان، والجسم الذي هو مُعِينه في الحرب وعدُتّه عند اللقاء.

٧٩٧
لدُرُ (٢) - الرَة: ٢٤٦/٢-٢٤٧
فتضمنت الآية بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة، وأنها مستحقة بالعلم
والدين والقوة، لا بالنسب، فلا حظّ للنسب فيها، مع العلم وفضائل
النفس، وأنها متقدمة عليه؛ لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه
وقوّته، وإن كانوا أشرف نسباً.
ودل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ﴾ على أن الله مالك
جميع ما في الكون من إنسان وحيوان وجماد؛ إذ إن إضافة ملك الدنيا إلى الله
تعالى في الآية إضافة مملوك إلى ملِك. ودلت الآية أيضاً على أن منح الملك أو
السلطة لإنسان إنما هو بمشيئة الله الذي لا يصدر عنه إلا الخير للناس، فهو
يصطفي لهم من يحقق المصلحة وتتوافر فيه الكفاءة المطلوبة.
◌َّ - لا ينضب الخير في الأمة، فإن تولى الأكثرون عن واجب الجهاد، فإن
الخير في القليل، والخيار هم الأقلون، وهم يعملون مالا يعمله الأكثرون،
والله عليم بأعمال هؤلاء فيجازيهم خيراً، وعليم بأفعال الظالمين، فيعذبهم بما
يستحقون.

٧٩٨
الجُرُ (٢) - البقرة: ٢٤٨/٢-٢٥٢
إثبات ملك طالوت واختباره الأتباع
وانهزام الفئة الكثيرة أمام الفئة القليلة
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْنِيَكُمُ الْتَابُوتُ فِيهِ
سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَرُونَ تَحْمِلُهُ
فَلَمَّا فَصَلَ
٤٨
الْمَلَبِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ
طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى
وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّىَ إِلَّا مَنِ اغْتَفَ غُرْفَةُ بِيَدِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا
مِنْهُمَّ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا أُلْيَوْمَ
بِجَالُوتَ وَجُنُودِهُِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ
قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِتَةً كَثِيرَةً بِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ ﴿ وَلَمَّا بَرَزُواْ
لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا
فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ
٢٥٠
وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ
جَالُوتَ وَءَاتَلَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ
اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ اُلْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ
عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿َ تِلْكَ ءَايَتُ اُللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ
٢٥٢)
اُلْمُرْسَلِينَ
القراءات:
نَبِيُهُمْ﴾ :
وقرأ نافع: (نبيئهم).
﴿ مِنَِّّ إِلَّا﴾:
وقرأ نافع وأبو عمرو: (مََّ إلا).

٧٩٩
الجُرُ (٢) - البقرة: ٢٤٨/٢-٢٥٢
غُرْفَةٌ﴾ : قرئ:
١- (غَرْفَة) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو.
٢- (غُرْفة) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ﴾ :
وقرأ نافع (ولولا دفاع).
الإعراب:
﴿ءَايَةَ﴾ أصلها: ((أيية)) فقلبت العين التي هي الياء الأولى ألفاً لتحركها
وانفتاح ما قبلها . ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ جملة اسمية في موضع نصب
على الحال من التابوت، وكذلك ﴿ تَحْمِلُهُ الْمَلَبِكَةُ﴾ جملة فعلية في موضع
نصب على الحال من التابوت أيضاً . ﴿غُرْفَةٌ﴾ قرئ بفتح الغين وضمها مثل
حَسْوة وحُسْوة ﴿كَم مِّن فِئَةٍ﴾ كم: للعدد وهي هنا خبرية، ويراد بها
الكثرة، وهي مبنية كنقيضتها ((رُبَّ))، وهي مبتدأ، وغلبت: خبره. ﴿دَفْعُ اللَّهِ
النَّاسَ﴾ قرئ أيضاً: دفاع الله، وهما مصدران لدَفَع، وكل من المصدرين
مضاف إلى الفاعل. و﴿النَّاسَ﴾: مفعول المصدر المضاف، و﴿ بَعْضَهُم﴾:
بدل من الناس.
﴿تِلْكَ ءَايَكُ اُللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، و﴿نَتْلُوهَا﴾ جملة فعلية حال من
ءَايَاتُ﴾.
البلاغة:
﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾: فيه استعارة تمثيلية، فقد شبه حالهم والله تعالى
يفيض عليهم بالصبر، بحال الماء الذي يصب على الجسم كله.

٨٠٠
للزُءُ (٢) - البقرة: ٢٤٨/٢ -٢٥٢
المفردات اللغوية:
﴿ءَايَةَ﴾ علامة ﴿الْتَّابُوتُ﴾ الصندوق المحفوظ فيه التوراة، ويروى أنه
مصنوع من خشب مموه (مطلي) بالذهب، أخذه العمالقة ثم ردوه إلى بني
إسرائيل الذين كانوا يستفتحون به على عدوهم، ويقدمونه في القتال،
ويسكنون إليه، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ فيه طمأنينة لقلوبكم. ثم
أخذه الفلسطينيون من بني إسرائيل حينما انتصروا عليهم، ولما طلب
الإسرائيليون من نبيهم صمويل الذي كان قاضياً أن يبعث لهم ملكاً، ففعل،
وجعل رجوع التابوت إليهم آية لملك طالوت.
﴿ وَبَقِيَّةٌ﴾ أي قطع الألواح، وعصا موسى ونعلاه، وعمامة هارون،
وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم . ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةً لَّكُمْ﴾ على
ملكه ﴿إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم
ينظرون إليه، حتى وضعته عند طالوت، فأقروا بملكه، وسارعوا إلى الجهاد،
فاختار من شبابهم سبعين ألفاً.
﴿ فَلَمَّا فَصَلَ﴾ خرج عن بلده بيت المقدس مصاحباً الجنود، لقتال
العمالقة، وكان الحر شديداً، وطلبوا منه الماء ﴿قَالَ إِنَ اللَّهَ مُبْتَلِكُم﴾
مختبركم، والابتلاء: الاختبار والامتحان ﴿بِنَهَرٍ﴾ كان بين فلسطين
والأردن، وكان الاختبار بشرب شيء من مائه ليظهر المطيع من العاصي.
﴿فَلَيْسَ مِنّ﴾ أي من أتباعي وأنصاري ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ يذقه ﴿غُرْفَةٌ﴾
المقدار الذي يملأ الكف بالاغتراف، وكان المسموح به هو غرفة واحدة لا
زيادة عليها. ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾ وهم أصحاب الغرفة الذين اقتصروا
عليها، وكانوا ثلاث مئة وبضعة عشر رجلاً ﴿لَا طَاقَةَ﴾ قوة ﴿بِجَالُوتَ
وَجُنُودِ﴾﴾ أي لاطاقة بقتالهم وقد جبنوا ولم يجاوزه الذين شربوا من النهر،
وجالوت: أشهر أبطال الفلسطينيين أعدائهم . ﴿كَم مِّن فِئَةٍ﴾ كم:
خبرية بمعنى كثير، والفئة: الجماعة من الناس، سواء كانوا قليلين أو كثيرين.