Indexed OCR Text
Pages 741-760
٠٠ ٧٤١ الُزْعُ (٢) - الَفَرَة: ٢٣٤/٢ والكحل الذي منعه النبي ◌َ و هو كحل الزينة، لا كحل التداوي بدليل حديث الموطأ عن أم سلمة أن رسول الله وَ له قال: ((اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار)). وقال بعضهم: إنما عدة المتوفى عنها زوجها أن تتربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والنقلة من المنزل، فلم تنه عن ذلك. واحتجوا بما روي عن أسماء بنت عُمَّيس قالت: ((لما أصيب جعفر، قال لي رسول الله ◌َ: تَسَلَّبي(١) ثلاثاً، ثم اصنعي ما شئت)) ويرد عليهم بأنه يحتمل أن يكون أمرها بالتسلب ثلاثاً، ثم لبس ما شاءت من الثياب التي يجوز للمعتدة لبسها، مما لم يكن زينة، ولا تطيباً؛ لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة، ولا ثياب تسلب. وتقدير المدة بأربعة أشهر وعشر أمر تعبدي، لا يبحث عن حكمته، فهو كأعداد الركعات ومقادير الزكوات. والحكمة في هذه العدة: استبراء الرحم من ماء الزوج المتوفى، فيمنع نكاح المعتدة حتى تمضي مدة تتبين فيها: أهي حامل، فيلحق ولدها بالزوج المتوفى؟ أم حائل (غير حامل) فإذا تزوجت وولدت لحق الولد بالزوج الثاني. ومنعت الطيب والزينة؛ لأنهما من دواعي الزواج، وذريعة إليه. ومنعت الخروج من البيت الذي كانت تسكنه لأن هذه الرقابة أدعى إلى الصيانة. ومنع عقد الزواج عليها وخطبتها صراحة في العدة؛ لأن ذلك ذريعة، ورخص في التعريض بالخطبة لمعتدة الوفاة. أما في الجاهلية فكانت المرأة تحد على زوجها سنة كاملة لا تمس طيباً ولا زينة، ولا تبدو للناس في مجتمعهم. ثم أبان الله تعالى ما يباح بعد انتهاء العدة بقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا (١) تسلّبي: البسي ثياب الحداد السواد، وهي السِّلاب على وزن كتاب. ٧٤٢ لُءُ (٢) - الْبَقَرَة: ٢٣٤/٢ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾(١) فخاطب الأولياء بأنه إذا أتممن عدتهن، فلا إثم عليكم أيها الأولياء وجميع الناس فيما فعلن في أنفسهن ما كان محظوراً عليهن قبل ذلك من التزوج فما دونه من التزين، والتعرض للخطاب، واختيار الأزواج وتقدير الصداق، والخروج من البيت على الوجه المعروف شرعاً وعرفاً: وهو ما أذن الله لهن فيه، والله بما تعملون خبير، فهو محيط بدقائق أعمالكم لا يخفى عليه شيء منها، ويعلم من يعضل النساء فيجازيه، ويعلم من يحسن توجيه النساء نحو التزام حدود الشرع، أو يتساهل ويفرط في حقوق الله، فإن جعلتم نساءكم تسير على نهج الشرع سعدتم، وإن فرطتم وانحرفتم عن حدود الله وقعتم في الشقاء والعذاب. فقه الحياة أو الأحكام: هذه الآية في عدة المتوفى عنها زوجها، وظاهرها العموم، ومعناها الخصوص فهي مخصوصة بغير الحوامل، لقوله تعالى: ﴿ وَأَوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤/٦٥]. وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله عزوجل: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ [البقرة: ٢٤٠/٢]. لأن الناس كانوا في مبدأ الإسلام إذا توفي الرجل وخلّف امرأته حاملاً أوصى لها زوجها بنفقة سنة، وبالسكنى ما لم تخرج فتتزوج، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، وبالميراث. وعدة الحامل المتوفى عنها زوجها: وضع حملها عند جمهور العلماء. وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين. لكن روي عن ابن عباس أنه رجع عن هذا. وحجتهما الجمع بين قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ (١) بلوغ أجلهن: هو انقضاء المدة المضروبة في التربص، والمخاطبون بعليكم: الأولياء أو الأئمة والحكام والعلماء؛ إذ هم المرجع. ٧٤٣ الُ (٢) - البَفَرَة: ٢٣٤/٢ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًاً﴾ وبين قوله: ﴿ وَأُؤَْتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. لأنها إذا قعدت أقصى الأجلين، فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل، فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح باتفاق علماء الأصول ما عدا الحنفية الذين يقدمون الترجيح على الجمع. ويرد على هذا الاتجاه بحديث سُبَيْعة الأسلمية في الصحيح، كما تقدم، وأنها نُفِست بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله و ير فأباح لها أن تتزوج. قال الزهري: ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أن زوجها لا يقربها حتى تطهر، وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء. واتفق العلماء على أن عدة الحامل المطلقة تنتهي بوضع الحمل. الجمهور، لانتهاء الزوجية بالموت، في رأي وليس لمعتدة الوفاة نفقة وأوجب لها المالكية السكنى مدة العدة إذا كان المسكن مملوكاً للزوج، أو مستأجراً ودفع أجرته قبل الوفاة، وإلا فلا، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام للفُرَيْعة: ((امكئي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله)). وأجمع أهل العلم على وجوب نفقة الحامل المطلقة ثلاثاً أو الرجعية، لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦/٦٥]. وعلى المرأة في رأي مالك إذا أتاها نَعْي زوجها، وهي في بيت غير بيت زوجها، الرجوع إلى مسكنه. وقال سعيد بن المسيب والنخعي: تعتد حيث أتاها الخبر حتى تنقضي العدة. والإحداد: ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطّيب والحلي والكُخْل والخضاب بالحنّاء ما دامت في عدتها؛ لأن الزينة داعية إلى الأزواج. فنهيت عنها سداً للذرائع، وحماية لحرمات الله تعالى أن تنتهك. والحداد على القريب ثلاثة أيام فقط، وعلى الزوج أربعة أشهر وعشراً، وهو ٧٤٤ اِلُعُ (٢) - الْبَقَرّة: ٢٣٤/٢ مقصور على ترك الزينة والطيب وعدم الخروج من المنزل إلا لضرورة أو عذر(١)، روى البخاري ومسلم عن أم عطية أن رسول الله وَ لَه قال: ((لا تُحدّ امرأة على ميّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا تلْبَس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عَصْب(٢)، ولا تكتحِلْ، ولا تَمَسّ طِيباً إلا إذا طَهُرت نُبْذةً من قُسْطِ أو أظفار))(٣) وفي حديث أم حبيبة: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تُحدُّ على ميِّت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً)) الحديث، وهو يدل على تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث، خلافاً للأعراف الفاسدة السائدة اليوم. وأجاز الحنفية والمالكية(٤) للمتوفى عنها زوجها لا المطلقة أن تخرج من منزل العدة نهاراً في حوائجها الضرورية، لاكتساب ما تنفقه؛ لأنه لا نفقة لها من الزوج المتوفى، بل نفقتها عليها، فتحتاج إلى الخروج لتحصيل النفقة، ثم تعود فتبيت في ذلك المنزل، ولا تخرج بالليل، لعدم الحاجة إلى الخروج ليلاً، كما لا تخرج لزيارة ولا تجارة ولا تهنئة ولا تعزية. ولا خلاف في أن الخضاب والكحل داخلان في جملة الزينة المنهي عنها، وأنه لا يجوز لبس الثياب المصبوغة والمعَصْفَرة، إلا ماصبغ بالسواد فإنه مرخص فيه في المذاهب الأربعة. وأجمع الناس على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها، واتفقوا على عدم وجوبه على المطلقة طلاقاً رجعياً؛ لأنها في حكم الزوجة، لها أن تتزين (١) قال المالكية: ولا تدخل حماماً ولا تكتحل إلا لضرورة، وتمسح الكحل نهاراً (الشرح الصغير: ٦٨٦/٢) (٢) العصب: من برود اليمن، وهو الذي يصبغ غزل السدي فيه دون اللحمة، ثم ينسج مصبوغاً فيخرج موشياً، لبقاء بعض ما عصب منه أبيض ولم ينصبغ. (٣) النبذة: الشيء اليسير، والقسط والأظفار: نوعان من البخور، ونبذة: منصوب على الاستثناء. (٤) البدائع: ٢٠٤/٣ - ٢٢٠، الشرح الصغير: ٦٨٩/٢، تفسير القرطبي: ١٧٩/٣ ٧٤٥ لُعُ (٢) - البَقَرّة: ٢٣٤/٢ لزوجها، ليرغب في إعادتها إلى الزوجية. أما المطلقة طلاقاً بائناً فلا يجب عليها الحداد عند الجمهور، وإنما يستحب فقط؛ لأن الزوج أذاها بالطلاق البائن، فلا تلزم بإظهار الحزن والأسف على فراقه، واستحباب الحداد لها لئلا تدعو الزينة إلى الفساد. وأوجب الحنفية الحداد على المبتوتة والمطلقة طلاقاً بائناً؛ لأنه حق الشرع، ولإظهار التأسف على فوات نعمة الزواج، كالمتوفى عنها. وتبدأ العدة في المذاهب الأربعة في الطلاق والوفاة من يوم الموت أو الطلاق. وأجمع العلماء على أن من طلق زوجته طلاقاً يملك رجعتها، ثم توفي قبل انقضاء العدة: أن عليها عدة الوفاة وترثه. واختلفوا في عدة المطلقة ثلاثاً في المرض، فقالت طائفة: وهي مالك والشافعي: تعتد عدة الطلاق؛ لأن الله جعل عدة المطلقات الأقراء. وقال أبو حنيفة ومحمد: عليها أربعة أشهر وعشر، تستكمل في ذلك ثلاث حيض. وتلزم عدة الوفاة الحرة والأمة والصغيرة والكبيرة، والتي لم تبلغ المحيض، والتي حاضت، واليائسة من المحيض، والكتابية، دخل بها أو لم يدخل، إذا كانت غير حامل، ومدة العدة كما بينا أربعة أشهر وعشرة أيام، لعموم الآية: ﴿ يَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعَشْرٌ﴾: سئل أبو العالية: لمَ ضمت العشر إلى الأربعة الأشهر؟ قال: لأن الروح تنفخ فيها. وقال الخطابي: قوله ﴿وَعَثْرًا) يريد - والله أعلم - الأيام بلياليها. وذهب أئمة المذاهب الأربعة إلى أن المراد بها الأيام والليالي. قال ابن المنذر: فلو عقد عاقد عليها النكاح على هذا القول، وقد مضت أربعة أشهر وعشر ليالٍ، كان باطلاً، حتى يمضي اليوم العاشر. وإنما ورد لفظ العشر مذكراً، فلأن المراد به المدة، في رأي المبرد، المعنى: وعشر مدد، كل مدة من يوم وليلة. والمراد به الليالي في رأي الزمخشري، كما ٧٤٦ لُرُ (٢) - البَقَة: ٢٣٥/٢ تقدم، فلم يقل ((عشرة)) تغليباً لحكم الليالي، إذ الليلة أسبق من اليوم، والأيام في ضمنها. ثم إن قوله ﴿وَعَشْرًا﴾ أخف في اللفظ. وفي آيَة ﴿فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ دليل على أن للأولياء والحكام منع النساء من التبرج والتشوف للزوج في زمان العدة، بل إن الأولياء من آباء وإخوة وغيرهم ممن له شأن مؤاخذون ومعاقبون على خروج النساء وتهتكهن وفعلهن غير المعروف شرعاً، فإن ذلك مما يضعف الأمة، ويهدم الأخلاق. خطبة المتوفى عنها زوجها تعريضاً ووقت العقد ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَزَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِىّ أَنْفُسِكُمَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرَّا إِلَّ أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفَأْ وَلَا تَغْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ، وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ٢٣٥ الإعراب: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ منصوب على تقدير حذف حرف الجر، وتقديره: ولا تعزموا على عقدة النكاح، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به، فنصبه، كقولهم: ضرب زيد البطن والظهر، أي على البطن والظهر. ويجوز نصبه على المصدر بمعنى: تعقدوا عقدة النكاح، والوجه الأول أولى وأوجه. البلاغة: ﴿ وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ عبر بالعزم للمبالغة في تحريم مباشرة الزواج، فإذا نهي عن العزم، كان النهي عن فعل الزواج من باب أولى أو أشد نهياً. وقيل: لا تقطعوا عقد عقدة النكاح؛ لأن العزم: القطع، فيكون الكلام صريحاً في النهي عن اليأس من الزواج وتحطيم الآمال، وتدمير الثقة بالنفس وتفويت عقد الزواج. : ٧٤٧ الجُزءُ (٢) - الْبَقَرَّة: ٢٣٥/٢ المفردات اللغوية: ﴿عَرَضْتُم﴾ لوَّحتم، والتعريض في الكلام: أن تفهم المخاطب المقصود الذي تريد بلفظ لم يوضع له صراحة، وإنما بالإشارة والتلويح، ويحتاج فهمه إلى قرينة، لبعده عن ذهن السامع، وبعبارة موجزة: هو القول المفهم للمقصود، ولیس بنص فيه. ﴿خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ المتوفى عنهن أزواجهن، والخطبة: طلب الرجل المرأة للزواج بالوسائل المعروفة بين الناس. والتعريض بخطبة معتدة الوفاة في أثناء العدة: أن يقول الإنسان مثلاً: إنك لجميلة، ومن يجد مثلك، ورب راغب فيك. ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنفُسِكُمَّ﴾ أضمرتم في النفس قصد النكاح أو العزم عليه بعد انقضاء العدة. ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُونَهُنَّ﴾ بالخطبة ولا تصبرون عنهن، فأباح لكم التعريض ﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ ◌ِرًّا﴾ أي زواجاً ﴿قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ أي ما عرف شرعاً من التعريض، فالقول المعروف: ما لا يُسْتحيا منه في المجاهرة كذكر حسن المعاشرة ورحابة الصدر للزوجات ونحو ذلك. ﴿ وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ أي عقده، والعزم: التصميم على تنفيذه ﴿اَلْكِنَبُ﴾ أي المكتوب المفروض من العدة ﴿أَجَلَهُ﴾ أي نهايته. ﴿مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ﴾ من العزم وغيره ﴿فَأَحْذَرُوهُ﴾ أن يعاقبكم إذا عزمتم ﴿غَفُورُ﴾ لمن يحذره ﴿حَلِيمٌ﴾ بتأخير العقوبة عن مستحقها. التفسير والبيان: لا يزال الكلام في أحكام النساء، ففي الآيات السابقة بيان أحكام الطلاق والرجعة والإرضاع وحقوق الزوجات والأولاد، وواجبات الأب من نفقة وسكنى وكسوة، ووجوب العدة والحداد على المرأة المتوفى عنها زوجها، وفي ٧٤٨ لُعُ (٢) - البَفَرَة: ٢٣٥/٢ هذه الآية توضيح جواز خطبة معتدة الوفاة في العدة تلميحاً لا تصريحاً، وصحة إبرام العقد عليها بعد انقضاء العدة. فأبان الله تعالى أنه لا إثم ولا حرج على الرجل أن يعرِّض بالخطبة للمرأة المتوفى عنها زوجها أو لوليها، ومثلها المطلقة طلاقاً بائناً، في أثناء العدة، أو يضمر في نفسه قصد زواجه بها ؛ لأن التعريض لا يمس حق الزوج السابق، وربما كان فيه نوع من الإيحاء بالثقة والطمأنينة على أوضاع المستقبل، حيث تصبح المرأة لا عائل لها؛ ولأن إضمار شيء في النفس أمر طبيعي يشق الاحتراز عنه، لذا قال الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُونَهُنَّ﴾ في أنفسكم، ويشق عليكم أن تكتموا رغبتكم، ولا ضرر ولا خطر في قصد شيء بالنفس. ولكن يحرم المواعدة على الزواج في السر؛ لأن في المواعدة مَدْرجة للفتنة، ومظنة للقيل والقال، ولا تحرم المواعدة بقول معروف لا يستحيا منه في الجهر، كذكر حسن العشرة وسعة الصدر للزوجات ونحو ذلك، فيكون المراد بالقول المعروف: هو التعريض لا التصريح، أي لا تواعدوهن إلا بالتعريض. والمراد بالسر في الأصل: هو الوطء، ويقصد به هنا عقد الزواج في العدة سراً، فأطلق على العقد الذي هو سبب الوطء، وقيل كما اختار الطبري: المراد به هنا هو الزنى، أو القول لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري. قال ابن كثير: وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك. والتعريض بالخطبة للمعتدة بسبب الوفاة أو لوليها في العدة: كأن يقول: إنك لجميلة، أو عسى أن ييسر الله لي امرأة صالحة بنت حلال مثلك، حتى تدخر نفسها له، أو يمتدح نفسه أمامها فيقول: إني حسن الخلق، كريم الأصل، سخي النفس، جميل العشرة، محسن إلى الزوجة، ونحو ذلك من الكنايات التي يستعملها الناس، ويتفننون فيها بأنواع من الذكاء وحسن الدهاء في كل عصر. وفائدة ذلك ظاهرة: هي أن تختار من الخطّاب من هو الأفضل والأكرم. ٧٤٩ الُعُ (٢) - البَفَرَّة: ٢٣٥/٢ أما خطبة المعتدة من طلاق رجعي تلميحاً أو تصريحاً فحرام؛ لأنها لا تزال في عصمة زوجها، ما دامت في العدة. وأما التصريح بخطبة المعتدة من وفاة أو طلاق بائن فحرام أيضاً. ودليل جواز التعريض: ما أخرج الطبري عن سُكينة بنت حنظلة بن عبد الله بن حنظلة قالت: دخل علي أبو جعفر: محمد بن علي الباقر، وأنا في عدتي، فقال: يا ابنة حنظلة، أنا من علمت قرابتي من رسول الله وَلات، وحق جدي علي، وقدمي في الإسلام، فقلت: غفر الله لك يا أبا جعفر، أتخطبني في عدتي، وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: أو قد فعلت؟ إنما أخبرتك بقرابتي برسول الله وَير وموضعي؛ قد دخل رسول الله وَ لل على أم سلمة، وكانت عند ابن عمها أبي سلمة، فتوفي عنها، فلم يزل رسول الله ومقر يذكر لها منزلته من الله، وهو متحامل على يده، حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده، فما كانت تلك خطبة. فالقول المعروف غير المنكر شرعاً: وهو القول العفّ والإشارة الخفيفة والكلام اللطيف غير الجارح الذي يدخل في التعريض هو الجائز، كما فعل النبي ◌َّر مع أم سلمة بعد وفاة زوجها، حيث ذكر لها منزلته عند الله تعالى. ثم ذكر سبحانه وقت إباحة عقد الزواج على المعتدة: وهو ما بعد انقضاء العدة، ونهى نهياً شديداً عنه قبل ذلك، فقال: ولا تصمموا على إبرام الزواج الشرعي مع معتدة الوفاة حتى تنتهي عدتها من زوجها السابق: وهي أربعة أشهر وعشرة أيام. وحذر الله تعالى من تجاوز هذا الحد، فقال: اعلموا أن الله يعلم ما تضمرونه في قلوبكم من العزم على ما لا يجوز، فاحذروا التجاوز من قول أو فعل على ما منع الله، وفي هذا التحذير قرن الأحكام بالموعظة ترغيباً وترهيباً، لتأكيد المحافظة عليها. ومع هذا اعلموا أن الله غفور لمن تعدى حدود الله وفرط بارتكاب الذنب ٧٥٠ لُرُ (٢) - الَفَرّة: ٢٣٥/٢ ثم تاب وأصلح، وهو الحليم الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل عباده ليصلحوا أعمالهم، فلا تغتروا بإمهاله. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على ما يأتي: اً - يحرم التصريح بالخطبة للمعتدة أياً كانت عدتها، فلا يجوز بالإجماع(١) الكلام مع المعتدة في أمر الزواج سراً، أو التواعد معهن عليه، لكن يجوز التعريض بالخطبة لمعتدة الوفاة والمطلقة طلاقاً بائناً، تمهيداً للمشاورة والتفكير بالموافقة على مبدأ الزواج الجديد في المستقبل. ولا يجوز إجماعاً التعريض لخطبة الرجعية؛ لأنها كالزوجة. قال سحنون وكثير من العلماء: والهدية إلى المعتدة جائزة، وهي من التعريض. اَ - يحرم شرعاً إبرام عقد الزواج على أية معتدة في العدة، لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾ وهذا من المحكم المجمع على تأويله، أن بلوغ أجله: انقضاء العدة، مراعاة الحقوق الزوجية والتعرف على براءة الرحم من الحمل لئلا تختلط الأنساب. ◌َّ - استدل الشافعية بهذه الآية على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد، وقالوا: لما رفع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح، دل على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد؛ لأن الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح قائماً مقام التصريح. ورُدَّ عليهم بأن الله سبحانه وتعالى لم يأذن في التصريح بالنكاح في الخطبة، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح، فهذا دليل على أن (١) الإجماع على أنه لا يجوز التصريح بالتزويج ولا التنبيه عليه ولا الرفث وذكر الجماع والتحريض عليه (البحر المحيط: ٢٢٥/٢). ٧٥١ الُ (٢) - البَقَرة: ٢٣٥/٢ التعريض يفهم منه القذف، والأعراض يجب صيانتها، وذلك يوجب حد المعرِّض، لئلا يتطرق الفَسَقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم بالتصريح، ويلزم على قول الشافعية: أن التعريض بالقذف جائز مباح، كما أبيح التعريض بالخطبة بالنكاح(١). ٤ - اختلف العلماء في الرجل يخطب امرأة في عدتها جاهلاً، أو يواعدها ويعقد بعد العدة: فقال مالك في رواية أشهب وابن القاسم: إنه يفرَّق بينهما إيجاباً. وقال الشافعي: إن صَّح بالخطبة وصرحت له بالإجابة ولم يعقد النكاح، حتى تنقضي العدة، فالنكاح ثابت، والتصريح لهما مكروه؛ لأن النكاح حادث بعد الخطبة. ٥ - إذا عقد على المعتدة في العدة، وبنى بها، فسخ الحاكم النكاح، لنهي الله عنه، وتأبد تحريمها عليه، فلا يحل نكاحها أبداً عند مالك والشعبي، وبه قضى عمر رضي الله عنه قائلاً: ((ثم لا يجتمعان أبداً))؛ لأنه استحل ما لا يحل، فعوقب بحرمانه، كالقاتل يعاقب بحرمانه ميراث من قتله. وقال الجمهور: يفسخ النكاح، فإذا انتهت عدتها، كان خاطباً من الخطاب، ولم يتأبد التحريم؛ لأن الأصل أنها لا تحرم إلا أن يقوم دليل على الحرمة: من كتاب أو سنة أو إجماع، وليس في المسألة شيء من هذا، ورأي الصحابي ليس حجة، وأنكر علي هذا القضاء من عمر، وقال المحدثون: هذا الأثر عن عمر منقطع، وقد روي عن مسروق: أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها، وجعلهما يجتمعان، ولذا جعل القرطبي رأي عمر مع الجمهور الذين احتجوا بإجماع العلماء على أنه لو زنى بها، لم يحرم عليه تزوجها، فكذلك وطؤه إياها في العدة. وهو قول علي وابن مسعود والحسن البصري. (١) تفسير القرطبي: ١٩٠/٣، أحكام القرآن للجصاص الرازي: ٤٢٢/١ ٧٥٢ الُ (٢) - البَفَرَة: ٢٣٥/٢ أَ - لا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة زواجاً، وهي في العدة من غيره أن النكاح فاسد، واتفق عمر وعلي أن النكاح الفاسد لا يوجب الحد، وذلك أمر متفق عليه مع الجهل بالتحريم، ومختلف فيه مع العلم بالتحريم. واختلفوا هل تعتد منهما جميعاً؟ وهذه مسألة العدتين. قال مالك في رواية المدنيين عنه والشافعي وأحمد والليث وإسحاق: إنها تتم بقية عدتها من الأول، وتستأنف عدة أخرى من الآخر، وهو رأي عمر وعلي رضي الله عنهما، أي فعليها عدتان. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: إن عدتها من الثاني تكفيها من يوم فرِّق بينه وبينها، سواء كانت بالحمل أو بالأقراء أو بالشهور. وحجتهم الإجماع على أن الأول لا ينكحها في بقية العدة منه، فدل على أنها في عدّة من الثاني، ولولا ذلك لنكحها في عدتها منه. أجاب الأولون فقالوا: هذا غير لازم؛ لأن منع الأول من أن ينكحها في بقية عدتها إنما وجب لما يتلوها من عدة الثاني، وهما حقان قد وجبا عليها الزوجين، كسائر حقوق الآدميين، لا يدخل أحدهما في صاحبه. لاً - قوله تعالى: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَ أَنفُسِكُمْ فَأَحْذَرُوهُ﴾ هذا نهاية التحذير من الوقوع فيما نهى عنه؛ لأن الله توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دونٍ الشر، ثم لم يؤيسهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال ﴿ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ غَفُور حَلِيمٌ﴾. ٧٥٣ الجُزْعُ (٢) - البَرَة: ٢٣٦/٢-٢٣٧ المطلقة قبل الدخول ومتعتها أو وجوب نصف المهر لها ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَمَتِعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُفْتِ قَدَرُهُ مَتَعَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِضَةُ فَنِصْفُ مَا ٣٦ فَضْتُمْ إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَأْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحُ وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىّ وَلَا تَنسَواْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمُ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ ٢٣٧ القراءات: ﴿ تَمَسُوهُنَّ﴾: قرئ: ١- (تُماسُوهن) فعل مضارع ((ماس)) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (تَمسُوهن) مضارع ((مس)) وهي قراءة باقي السبعة. ﴿ قَدَرُهُ﴾: قرئ: ١- بسكون الدال، وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي بكر، وأبي عمرو. ٢- بفتح الدال، وهي قراءة حمزة، والكسائي، وابن عامر، وحفص. الإعراب: ﴿مَا لَمْ﴾ ما: إما شرطية، أي إن لم تمسوهن، وإما ظرفية زمانية مصدرية، أي مدة لم تمسوهن. ﴿مَتَعًا﴾ اسم أقيم مقام التمتع، وهو منصوب على المصدر، أي متعوهن متاعاً ﴿حَقًّا﴾ منصوب أيضاً على المصدر، وتقديره: حُقَّ ذلك حقاً ﴿ فَنِصْفُ﴾ مرفوع إما مبتدأ وخبره محذوف وتقديره: فعليكم نصف ما فرضتم ٧٥٤ الزُءُ (٢) - البقرة: ٢٣٦/٢ -٢٣٧ وإما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: فالواجب نصف ما فرضتم ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ أن: حرف ناصب، والنون في يعفون نون النسوة، فهي علامة جمع، لا علامة رفع، وإذا اتصلت بالفعل المضارع صار مبنياً، كاتصاله بنون التوكيد.﴿ وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ مبتدأ وخبر. البلاغة: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ كتى تعالى بالمسّ عن الجماع تأديباً للعباد في اختيار أحسن الألفاظ في التخاطب. الخطاب في قوله ﴿وَأَنْ تَعْفُوا﴾ و﴿وَلَا تَنسَوأ اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ عام للرجال والنساء، ولكن بطريق التغليب. ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ﴾ إظهار لفظ الجلالة لتربية المهابة والخوف. المفردات اللغوية: ﴿لَّا جُنَاحَ﴾ لا إثم ولا تبعة عليكم، والمراد لا شيء عليكم ﴿تَمَسُّوهُنَّ تجامعوهن ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ﴾ أي ولم تفرضوا لهن فرضاً أي تقدروا لهن مقداراً توجبونه على أنفسكم وهو المهر، أي لا تبعة ولا مسؤولية عليكم بإثم ولا مهر في الطلاق زمن عدم المسيس وعدم فرض المهر . ﴿ وَمَتِعُوهُنَّ﴾ أي فطلقوهن وأعطوهن ما يتمتعن به ﴿عَلَى الْوُسِعِ﴾ الغني منكم ﴿اَلْمُقْتِ﴾: الفقير ﴿قَدَرُهُ﴾: أي قدر الإمكان والطاقة. ﴿مَا﴾ أي متعوهن تمتيعاً ﴿بِالْمَعْرُوفِّ﴾ شرعاً، وهو صفة ﴿مَتَهَا﴾. ﴿حَقًّا﴾ صفة ثانية أو مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً ثابتاً واجباً. والمعروف: ما يتعارفه الناس ويليق بهم بحسب اختلاف أصنافهم ومعايشهم وبيئاتهم. الْمُحْسِنِينَ﴾ المطيعين الذين يحسنون في معاملة المطلقات. ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾: لكن إذا ترك الزوجات المطلقات حقهن ﴿أَوْ يَعْفُوَأْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقَّدَةُ النِّكَاجُ﴾ وهو الولي يعني: إلا أن تعفو المطلقات عن ٧٥٥ الُزْءُ (٢) - البَفَرة: ٢٣٦/٢ -٢٣٧ أزواجهن، فلا يطالبنهم بنصف المهر، إن كن مالكات أنفسهن، أو يسقط الولي الذي يلي عقد النكاح ما وجب للمطلقات قبل الدخول من نصف الصداق، إن لم يكنّ مالكات أنفسهن. والولي: هو الأب في ابنته البكر، وهو رأي مالك وابن عباس وجماعة من التابعين. وقيل: هو الزوج، وعفوه: تركه ما يعود إليه من نصف المهر الذي أعطاه للمرأة. ويكون المعنى: إلا أن يعفو المطلقات، أو يعفو الزوج عن نصف الصداق، فيجعل المهر كله لها، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي في قوله الجديد، والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، وهو رأي علي وشريح وسعيد بن المسيب، وحجتهم: أن الله قال: ﴿ وَلَا تَنسَوَأْ اُلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ وليس إعطاء المرء مال غيره فضلاً، فلا ينطبق على الولي. وحجة الفريق الأول: أن الخطاب في أول الآية للأزواج، فلو أراد الزوج، لقال: أو يعفو، ولا موجب لمخالفة مقتضى الظاهر. ولأن معنى ﴿يَعْفُونَ﴾، يُسْقِطْنَ وكذلك معنى ﴿يَعْفُواْ﴾ يُسْقِطُ، والولي هو الذي يسقط، أما الزوج فيعطي. قال الزمخشري: والأول ظاهر الصحة، وتسمية الزيادة على الحق عفواً فيها نظر (١). ﴿ وَلَا تَنسَواْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أي أن يتفضل بعضكم على بعض، والفضل: المودة والصلة. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيٌ﴾ خبير بأعمالكم، فیجازیکم عليها. سبب النزول: روي أنها نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة، ولم يسم لها صداقاً، ثم (١) الكشاف: ٢٨٥/١ ٧٥٦ الُرُ (٢) - البَفَرة: ٢٣٦/٢-٢٣٧ طلقها قبل أن يمسها، فنزلت هذه الآية، فقال له وَ خله: ((أمتعها ولو بقلنسوتك))(١). التفسير والبيان: لاشيء عليكم أيها الأزواج من الصداق المسمى أو مهر المثل إن لم يسمَّ المهر إن طلقتم النساء قبل الدخول وقبل تحدید أو تقدیر مهر هن. وقد دل على أن الجناح هنا تبعة المهر قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾ فأوجب نصف المهر في مقابله. وقوله ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: بمعنى إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى تفرضوا، وفرض الفريضة: تسمية المهر، لأن المطلقة قبل الدخول بها إن سمي لها مهر، فلها نصف المهر المسمى، وإن لم يسم، فليس لها نصف مهر المثل، ولكن المتعة. وقال بعضهم: إن ﴿أُوْ﴾ بمعنى الواو. وإنما الواجب عليكم المتعة، أي إعطاء المطلقات شيئاً من أموالكم يتمتعن به بحسب حالكم من الثروة والغنى والمنزلة والفقر، جبراً للخاطر، ولم يحدده الله تعالى، وإنما ترك تقديره لحالة الزوج من غنى وفقر حسب الطاقة. وكان ابن عباس يقول: متعة الطلاق: أعلاها الخادم، ودون ذلك الورِق، ودون ذلك الكسوة. وجعل الله تعالى هذه المتعة حقاً واجباً على الذين يحسنون معاملة المرأة. وللفقهاء فيها آراء، فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنها واجبة للمطلقة قبل الدخول ولم يسمَّ لها مهر، لظاهر قوله: ﴿وَمَتْعُوهُنَّ﴾ وقوله ﴿حَقًّا عَلَى اٌلُْحْسِنِينَ﴾. وهي مستحبة لسائر المطلقات، كالمطلقة بعد الدخول، والمطلقة قبل الدخول في نكاح فيه تسمية المهر(٢). (١) البحر المحيط: ٢٣١/٢ (٢) أحكام القرآن للجصاص: ٤٢٨/١ ٧٥٧ الجُزُ (٢) - البَفَرة: ٢٣٦/٢-٢٣٧ وذهب مالك في المشهور عنه: إلى أن المتعة مندوبة ما عدا المطلقة قبل الدخول التي لم يسم لها المهر، وقيل بوجوبها. ورأى الشافعي وأحمد: أنها واجبة للمطلقة قبل الدخول سواء التي فرض لها مهر أو لم يفرض لها إلا المطلقة قبل الدخول المسمى لها المهر، وأوجبها الشافعية أيضاً للمطلقة بعد الدخول، لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلّقَتِ مَتَعٌ ﴾ [البقرة: ٢٤١/٢] يعني أن المتعة واجبة لكل بِلْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ مطلقة في مذهب الشافعي الجديد ما عدا المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر. والظاهر القول بالوجوب، لظاهر الأمر: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وكأن الله جعل لها المتعة في مقابل ما جعل المسمى لها من نصف الصداق حال التسمية. وأما قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ فليبين أن مقتضى الإحسان يوجب ذلك. هذا هو القسم الأول المذكور في الآية وهو حكم المطلقة قبل الدخول والتي لم يسم لها المهر، وهذه لها المتعة. ثم بيَّن الله تعالى حكم القسم الثاني وهو المطلقة قبل الدخول التي سمي لها مهر، وهذه لها نصف الصداق، فقال الله تعالى فيما معناه: إذا طلقت المرأة قبل الدخول، وقد ◌ُّي لها صداق، فيجب لها نصفه ولها حق أخذه في كل حال، إلا أن تعفو المطلقة، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو الولي، وعفوه: إسقاط الحق في نصف المهر، وقيل: هو الزوج وعفوه: التنازل عن نصف الصداق المستحق له، فتأخذ المهر كله، كما بينا في شرح المفردات. والعفو أقرب لتقوى الله، أي أن من عفا من الرجال والنساء فهو المتقي. ولا تنسوا التفضل بينكم بالإحسان، فتتركوه وتستقصوا أخذ كل المستحق، فإن العفو خير لكم جميعاً، والله بما تعملون بصير، فيجازي كلاً على حسب نيته وعمله، ويعلم من عفا، وعامل بالإحسان من لم يفعل ذلك. ٧٥٨ لِلُعُ (٢) - البَقَة: ٢٣٦/٢-٢٣٧ وهذه خاتمة للتذكير باطلاع الله على كل ما يعامل به الأزواج بعضهم بعضاً، ترغيباً في الإحسان والفضل، وترهيباً من المخاشنة والجهل. فقه الحياة أو الأحكام: ١ - ذكر الله تعالى في هذه الآية حكم حالتين من الطلاق: المطلقة قبل الدخول وقبل تسمية المهر، فجعل لها المتعة، والمطلقة قبل الدخول وبعد تسمية المهر، وجعل لها نصف الصداق. والحكمة في المتعة وإيجاب نصف المهر قبل الدخول: جبر وحشة الطلاق، والتعويض عما لحق المرأة من أذى وسوء سمعة، فيكون ذلك سبيلاً لرفع معنويات المرأة المطلقة، ودفع الشبهات والريبة عنها، وتوفير حسن الصيت وطيب الشهرة لها، حتى لا تتضرر باحتمال إعراض الخطّاب عليها، وتعكير صفو المستقبل المنتظر لها. وهناك صنفان آخران من المطلقات: المطلقة المدخول بها المفروض لها المهر، وقد ذكر الله حكمها قبل هذه الآية (في الآية: ٢٢٩)، وأنه لا يسترد منها شيء، وأن عدتها ثلاثة قروء. والمطلقة المدخول بها غير المفروض لها المهر، وقد ذكر الله تعالى حكمها في قوله: ﴿فَمَا أُسْتَمْتَعْثُم بِهِ، مِنْهُنَّ فَقَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤/٤]. ٢ - إن قسمة الله تعالى حال المطلقة قبل الدخول إلى قسمين: مطلقة مسمى لها المهر، ومطلقة لم يُسَمَّ لها، يدل على أن نكاح التفويض جائز: وهو كل نكاح عُقِد من غير ذكر الصداق، ولا خلاف فيه، ويُفرض بعد ذلك الصداق. فإن فرض بعد العقد وقبل الطلاق، كان من المسمى، فيكون لها نصف المسمى، ويلتحق الفرض بالعقد في رأي مالك؛ ولا يكون لها نصف المسمى ولا يلتحق بالعقد في رأي أبي حنيفة، نظراً إلى أنها لم يسم لها في العقد. ٧٥٩ لُ (٢) - الَفَرة: ٢٣٦/٢-٢٣٧ وأما إن لم يفرض لها، وكان الطلاق، لم يجب صداق إجماعاً، كما قال ابن (١) العربي(١). ٣ - إذا مات الزوج قبل أن يفرض لها، فقال مالك: يكون حكمها حكم المطلقة، لها الميراث دون الصداق، وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد: لا يكون لها حكم المطلقة، فيجب لها الصداق والميراث(٢). وحجة مالك: أنه فراق في نكاح قبل الفرض، فلم يجب فيه صداق، أصله الطلاق، أي كالحكم في الطلاق. وحجة الشافعي وأحمد وأبي حنيفة: ما رواه النسائي وأبو داود عن ابن مسعود: أن النبي ◌َّ قضى في بَرْوع بنت وَاشِق - وقد مات زوجها قبل أن يفرض لها - بالمهر، والميراث، والعدة. قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غیر وَجْه. ٤ - ومذهب أبي حنيفة وأحمد: أن المهر جميعه يتقرر بالخلوة الصحيحة، لخبر ابن مسعود قال: ((قضى الخلفاء الراشدين فيمن أغلق باباً أو أرخى سِتْراً: أن لها الميراث، وعليها العدة))(٣). ومشهور مذهب مالك، والشافعي: أنه لا يتقرر المهر بالخلوة إلا إذا اقترن بها مسيس (وطء)، وظاهر القرآن يعضدهما. ٥ - ليس للمتعة بمقتضى القرآن والسنة حد معروف في قليلها ولا كثيرها. لذا اختلف الناس فيها، فقال ابن عمر: أدنى ما يجزئ في المتعة ثلاثون درهماً أو شبهها، وهو قول الشافعي القديم؛ وقال في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وأحب ذلك إلي: أن يكون (١) أحكام القرآن: ٢١٨/١ (٢) المرجع والمكان السابق، تفسير القرطبي: ١٩٨/٣ (٣) وروي أيضاً مرفوعاً، أخرجه الدارقطني. ٧٦٠ لُزُعُ (٢) - البقرة: ٢٣٦/٢-٢٣٧ أقله ما تجزئ فيه الصلاة. وقال ابن عباس: أرفع المتعة خادم، ثم كسوة، ثم نفقة. وقال عطاء: أوسطها الدرع والخمار والملحفة. وقال أبو حنيفة: ذلك أدناها. وقال الحسن البصري ومالك: يُتِّع كل بقدره، هذا بخادم، وهذا بأثواب، وهذا بثوب، وهذا بنفقة. وقال أصحاب الرأي وغيرهم: متعة التي تطلّق قبل الدخول والفرض لا يتجاوز بها نصف مهر مثلها، لا غير؛ لأن مهر المثل مستَحَقٌ بالعقد، والمتعة: هي بعض مهر المثل؛ فيجب لها كما يجب نصف المسمى إذا طلَّق قبل الدخول، فيكون لها الأقل من نصف مهر مثلها ومن المتعة، وهي على قدر المعتاد المتعارف في كل وقت، كثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار(١). وروى الدارقطني أن الحسن بن علي رضي الله عنه متّع زوجته: عائشة الخثعمية بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق. ٦ - قال ابن القاسم من المالكية: من جهل المتعة حتى مضت أعوام، فليدفع ذلك إليها، وإن تزوَّجت، وإلى ورثتها إن ماتت؛ لأنه حق ثبت عليه، وينتقل عنها إلى ورثتها كسائر الحقوق. وهذا يشعر بوجوبها في المذهب المالكي. وقال أصبغ: لاشيء عليه؛ لأنها تسلية للزوجة عن الطلاق، وقد فات ذلك. ٧ - دل قوله تعالى: ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِ قَدَرُؤُ﴾ على وجوب المتعة. والموسع: الذي اتسعت حاله، والمقتر: المقل القليل المال. وكذلك قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي يحق ذلك عليهم حقاً: دليل على وجوب المتعة مع الأمر بها، فقوله ﴿حَقًّا﴾ تأكيد للوجوب. ٨ - الواجب للمطلقة قبل الدخول نصف المهر المسمى بالإجماع. ولا (١) أحكام القرآن للجصاص: ٤٣٣/١-٤٣٤