Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ لِلُهُ (٢) - الَفَرَة: ٢٢١/٢ وأخرج الواحدي من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء، وإنه غضب، فلطمها، ثم إنه فزع، فأتى النبي وَ له فأخبره وقال: لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس، وقالوا: ينكح أمة؟! فأنزل الله هذه الآية. وأخرجه ابن جرير الطبري عن السدي منقطعاً. ويلاحظ في أسباب النزول أمران كما ذكر السيوطي: الأول - إن رواية الصحابة سبب نزول آية هو لتوضيح معناها ويتناول أمثال ما حدث. والثاني - قد يكون السبب الذي ذكروه حصل عقب نزول الآية. التفسير والبيان: هذه الآية من جملة الأحكام التي تنظم المجتمع الإسلامي الداخلي، فلما أذن الله تعالى في مخالطة الأيتام، وفي مخالطة الزواج، بيَّن أن مناكحة المشركين لا تصح. ومعناها: ولا تتزوجوا أيها المؤمنون المشركات اللاتي لا كتاب لهن حتى يؤمنَّ بالله واليوم الآخر، ويصدِّقن بمحمد وَله. وقد جاء لفظ المشرك في القرآن بهذا المعنى في قوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥/٢] وقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِينَ حَّى تَأْنِيَهُمُ الْبِنَةُ ﴾﴾ [البينة: ١/٩٨] والخلاصة: لا تتزوجوا المشركات ما دمن على شركهن. ولأمة مؤمنة بالله ورسوله، وإن كانت رقيقة وضيعة، أفضل من حرة مشركة، وإن كرم أصلها، وإن أعجبتكم في الجمال والحسب والمال؛ إذ بالإيمان كمال الدين والحياة معاً، وبالمال والجاه كمال الدنيا فقط، ورعاية الدين وما يستتبعه من دنيا أولى من رعاية الدنيا. ولا تُزوجوا المشركين من نسائكم المؤمنات حتى يؤمنوا بالله ورسوله، ٦٦٢ اِلُعُ (٢) - البَقَة: ٢٢١/٢ ولأَن تزوجوهن من عبد مؤمن بالله ورسوله، مع ما به من مهانة، خير لكم من أن تزوجوهن من حرّ مشرك، وإن أعجبكم في الحسب والنسب والشرف. وسبب تحريم زواج المسلم بالمشركة والمسلمة بالكافر مطلقاً كتابياً كان أو مشركاً: هو أن أولئك المشركين والمشركات يدعون إلى الكفر والعمل بكل ما هو شرّ يؤدي إلى النار؛ إذ ليس لهم دين صحيح يرشدهم، ولا كتاب سماوي يهديهم إلى الحق، مع تنافر الطبائع بين قلب فيه نور وإيمان وبين قلب فيه ظلام وضلال. فلا تخالطوهم ولا تصاهروهم، إذ المصاهرة توجب المداخلة والنصيحة والألفة والمحبة والتأثر بهم، وانتقال الأفكار الضالة، والتقليد في الأفعال والعادات غير الشرعية، فهؤلاء لا يقصرون في الترغيب بالضلال، مع تربية النسل أو الأولاد على وفق الأهواء والضلالات. والخلاصة: أن العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار. والله يدعو ويرشد بكتابه المنزل وأنبيائه إلى ما يوصل إلى الجنة ونعيمها، وإلى المغفرة وستر الذنوب بإذنه وأمره وإرادته وبإعلامه السبيل الحق، ويوضح آياته وأحكامه وأدلته للناس، ليتذكروا فيميزوا بين الخير والشر، وليتعظوا فلا يخالفوا أمره، ولا يسيروا بأهوائهم أو وراء الشيطان؛ لأن ذكر الأحكام بعللها وأدلتها يكون أدعى لقبولها والرضا بها والمبادرة إلى تنفيذها. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآية على أن زواج المسلم بالمرأة المشركة كالوثنية والبوذية والملحدة لا يصح بحال. أما المرأة الكتابية (اليهودية أو النصرانية) فقد أباح الشرع التزوج بها بقوله تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوْ اُلْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذا ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ - مهورهن - ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ﴾ [المائدة: ٥/٥]. والمحصنات: العفائف. ٦٦٣ الُُ (٢) - البَوَة: ٢٢١/٢ والفرق بين المشركة والكتابية واضح، وهو أن الأولى لا تؤمن بدين أصلاً، وأما الثانية فتشترك مع المسلم بالإيمان بالله واليوم الآخر، وبالحلال والحرام، ووجوب فعل الخير والفضيلة، والبعد عن الشر والرذيلة. وأجاز الشرع زواج المسلم بالكتابية، ولم يجز زواج المسلمة بالكتابي، الأمر واضح أيضاً وهو أن الكتابية لها أن تبقى على دينها بزواجها بمسلم ولا تتضرر فيما تدين به، ولأن المسلم يؤمن بدينه المتضمن الإقرار بأصول الأديان الأخرى، ومنها الدين اليهودي والدين النصراني في أصوله الأولى التي تتفق مع الإسلام في الدعوة إلى التوحيد والفضائل الإنسانية، فهي مع المسلم في دائرة متسعة تسع دينها وغيره، وربما إذا لمست روح التسامح وحسن المعاملة من زوجها عاشت سعيدة هانئة معه دون تضرر. وبما أن للرجل عادة سلطة القوامة على المرأة، وهي أقوى من سلطة المرأة، فلو تزوج الكتابي المسلمة أمكن التأثير عليها، فربما تركت دينها، وتضررت غالباً بمعاشرة زوجها، لعدم توافر الانسجام والوئام الروحي والحسي، والكتابي لا يؤمن بالإسلام، فتكون معه في دائرة ضيقة الأفق، وهي متسعة الاعتقاد، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فعزة المسلمة تأبى عليها أن تكون زوجة لکتابي. هذا ما عليه جمهور العلماء، مع القول بأن زواج المسلم بالكتابية مكروه، وحينئذ تحمل الآية هنا على العرف الخاص، وهو المشركة بالمعنى الضيق (أي عابدة الوثن وأمثالها)، ولا تكون الآية منسوخة ولا مخصصة، وإنما تفيد حكماً: هو حرمة نكاح الوثنيات والمجوسيات، وتكون آية المائدة ﴿ وَأْخُصَنَكُ﴾ المتقدمة مفيدة حكماً آخر هو حل الزواج بالكتابيات، فلا تعارض بينهما، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن زَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥/٢] وقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِنَبِ ٦٦٤ لُ (٢) - الْبَفَرَة: ٢٢١/٢ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١/٩٨] ففرَّق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه. وأيضاً فاسم الشرك عموم وليس بنص، وقوله تعالى: ﴿وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ بعد قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ اُلْمُؤْمِنَتِ﴾ نص، فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل. وذهب بعضهم إلى أن لفظ ﴿اَلْمُشْرِكَتِ﴾ يعم كل مشركة، سواء أكانت وثنية أم يهودية أم نصرانية، ولم ينسخ أو يخص منها شيء، فيكنَّ جميعاً قد حرم على المسلم زواجهن. روي عن ابن عباس أنه قال: إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات، وكل من على غير الإسلام حرام. فعلى هذا هي ناسخة للآية التي في ((المائدة)). ويؤيده قول ابن عمر في الموطأ: (ولا أعلم إشراكاً أعظمَ من أن تقول المرأة: ربها عيسى)). وروي عن عمر بن الخطاب القول بحرمة الكتابيات، وأنه فرَّق بين طلحة بن عبيد الله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين، وقالا: نطلِّق يا أمير المؤمنين ولا تغضب؛ فقال: لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما! ولكن أفرِّق بينكما صَغْرة قمأة. لكن قال ابن عطية: وهذا لا يستند جيداً، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما، فقال له حذيفة: أتزعم أنها حرام، فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. وروي عن ابن عباس نحو ذلك. وذكر ابن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر(١). وهذا ما عليه الأمة مَل اله بكتاب الله تعالى وسنة رسوله والخلاصة: أن الذي صح إسناداً عن عمر هو إباحة زواج المسلم بالكتابية، وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة رضي الله عنهما نكاح اليهودية والنصرانية حذراً من اقتداء الناس بهما، والزهد بالمسلمات، أو خشية الوقوع بالمومسات، أو غير ذلك من المعاني والحكمة البعيدة الأفق بالنظر لمصلحة المسلمين العامة. (١) تفسير القرطبي: ٦٨/٣ ٦٦٥ الْخُرُ (٢) - البَقَرة: ٢٢١/٢ وأما الكتابية الحربية: فلا تحل في رأي ابن عباس، لقوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاَلْيَوْمِ اَلَْخِرِ﴾ إلى قوله ﴿صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩/٩] وكَرِه مالك تزوج الحربيات، لعلة ترك الولد في دار الحرب، ولتصرّفها في الخمر والخنزير. واتفق أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم على حرمة نكاح نساء المجوس، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوْ اُلْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١/٢] وهن الوثنيات والمجوسيات. وأجمعت الأمة على حرمة زواج المسلمة بالكافر، لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام، ولما بينا سابقاً، والآية: ﴿وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي لا تزوجوا المسلمةَ من المشرك. ودلت آية ﴿وَلَا تُنْكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ على أن لا نكاح إلا بولي، وهو رأي جمهور العلماء لقوله وَلجر: ((لا نكاح إلا بولي))(١) وقوله: ((لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها))(٢). وأجاز أبو حنيفة للمرأة مباشرة عقد زواجها بنفسها أو بالوكالة عن غيرها؛ لكمال أهليتها، ولإسناد لفظ النكاح إلى المرأة في آيات كثيرة، ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٣٠/٢] ومثل: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٣٢] والمراد بالعضل: منع النساء من مباشرة عقد الزواج عند اختيارهن الأزواج. وحملوا حديث ((لا نكاح إلا بولي)) على الكمال أو الندب والاستحباب، لا على الوجوب. وأخيراً: يمكن القول: إن إباحة زواج المسلم بالكتابية عند غير الشيعة هو في الواقع حالة استثنائية، وليست أصلاً، ولذا فإنا نشجب إقبال الشبان على (١) رواه أصحاب السنن الخمسة إلا النسائي عن أبي موسى الأشعري. (٢) رواه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة. ٠٦٦٦ الزرعُ (٢) - البقرة: ٢٢٢/٢-٢٢٣ الزواج بالأجنبيات، افتتاناً بالجمال الأشقر، واستسهالاً للزواج، لكونه بغير مهر يذكر، لأن هاتيك الزوجات تفسد على الرجل غالباً دينه ووطنيته، وتعزله عن انتمائه لبلاده وقومه، وتربي الأولاد على هواها ودينها، فضلاً عن نظرة الاستعلاء والفوقية عندها، واحتقار العرب والمسلمين، وقد تقتل الزوج، وقد تأخذ الأولاد إلى بلادها وتترك الزوج، وقليل جداً منهن من أسلم، فلا مطمع فیھن. وأما زواج المسلمة بغير المسلم فهو أشد وأنكى، إذ الزواج باطل حرام بإجماع المسلمين، والأولاد أولاد زنا، والعلاقة القائمة بينها وبين الرجل لا تجيز الاستمتاع وإن طال الأمد، لبطلانها أصلاً، فإن استحلَّت المرأة ذلك فهي مرتدة كافرة. والإقامة في دار الكفر لا تسوغ القول بالحلّ، إذ يحرم على المسلم والمسلمة المقام بين الكفار إلا لضرورة قصوى أو حاجة ملحة أو موقوتة، ونعوذ بالله تعالى من هذا الانحراف الخطير، والتهاون في أمر الدين. الحيض وأحكامه وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِّ وَلَا نَفْرَبُوهُنَّ حَّى يَطْهُرُنَّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوُهُرَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُطَهْرِينَ ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّ شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمْ وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُم مُّلَقُوهُ وَبَشِرِ الْمُؤْمِنِينَ ٢٢٣ القراءات: ﴿يَطْهُرْنَّ﴾: قرئ: ١- (يَطَّهَّرن)، بتشديد الطاء والفتح، وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (يَظْهُرن)، بالتخفيف، مضارع ((طهر)) وهي قراءة الباقين. ٦٦٧ الُرعُ (٢) - البقرة: ٢٢٢/٢-٢٢٣ لا ـتُمْ﴾ : وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (شيتم). الإعراب: ﴿حَتَّى يَظْهُرْنٌ﴾ قرئ بتشديد الطاء وتخفيفها، فمن قرأ بالتشديد أراد: حتى يغتسلن وأصله: يتطهرن، وكرهوا اجتماع التاء والطاء، فأسكنوا التاء وأبدلوا منها طاء، وأدغموا الطاء في الطاء. ومن قرأ بالتخفيف أراد: ينقطع دمهن، وعلى هاتين القراءتين ينبني الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة، في جواز وطء الحائض إذا انقطع دمها لأكثر الحيض (١٠ أيام) قبل الغسل، فأجازه أبو حنيفة وأباه الشافعي. البلاغة: ﴿قُلْ هُوَ أَذَى﴾ تشبيه بليغ أي كالأذى، والأذى كناية عن القذر على الجملة، أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من بقربه نفرة منه وكراهة له، فتتأذى منه المرأة وغيرها برائحة دم الحيض. ﴿وَلَا نَفْرَبُوهُنَّ﴾ كناية عن الجماع. ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْتٌ﴾ على حذف مضاف أي موضع حرث، أو على سبيل التشبيه، فالمرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج. المفردات اللغوية: ﴿اَلْمَحِيضِ﴾ هو الحيض كالمعيش أي العيش: وهو لغة: السيلان، يقال: حاض السيل وفاض. وشرعاً: دم فاسد يخرج من أقصى رحم المرأة كل شهر مرة واحدة، أقله عند الشافعي وأحمد: يوم وليلة، وغالبه: ست أو سبع، وأكثره: خمسة عشر يوماً. والحكمة: الاستعداد للحمل حين المعاشرة ٦٦٨ الُزُعُ (٢) - البقرة: ٢٢٢/٢-٢٢٣ الزوجية، إبقاء للنوع البشري. وقد يراد بالمحيض: مكانه الذي يفعل بالنساء فيه ﴿أَنَّى﴾ قذر أو محله، أو هو ضرر ومؤذ مكروه تتأذى به المرأة وغيرها أي برائحة دم الحيض. واعتزال النساء من الحيض: ترك غشيانهن في هذه المدة. ﴿ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ﴾ مثل ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ﴾ كناية عن عدم الجماع ﴿يَطْهُرْنٌ﴾ يغتسلن بالماء إن لم يوجد مانع، أو التيمم خلفاً عنه في رأي الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن طهرت لأقل من عشرة أيام، فلا تحل له إلا إذا اغتسلت، أو مضى وقت صلاة كامل والدم منقطع، وإن طهرت لأكثر مدته وهي عشرة أيام، حلت له ولو لم تغتسل . ﴿فَأَتُهُرَّ﴾ بالجماع ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ بتجنبه في الحيض، وذلك في المكان المأمور به وهو القبل، لا الدبر ﴿التَّوَّبِينَ﴾ من الذنوب ﴿وَيُحِبُّ الْمُطَهِرِينَ﴾ من الأقذار. ﴿حَرْتُ لَّكُمْ﴾ موضع حرث كالأرض التي تستنبت، شبهت بها النساء؛ لأنها منبت للولد، كالأرض للنبات ﴿فَأَتُواْ حَرْقَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي جامعوا في القبل، كيف شئتم من قيام وقعود، واضطجاع وإقبال وإدبار، ونزل رداً لقول اليهود: من أتى امرأته في قبلها من جهة دبرها، جاء الولد أحول. ﴿ وَقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ العمل الصالحِ، كالتسمية قبل الجماع ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ في أمره ونهيه ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُم مَُّقُوَهُ﴾ بالبعث، فيجازيكم بأعمالكم ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذي اتقوه بالجنة. سبب النزول: نزول الآية (٢٢٢): روى مسلم والترمذي عن أنس بن مالك أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم، لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل الأصحاب رسول الله وَاله عن ذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلْمَحِيضِ﴾ الآية، فقال: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)). نزول الآية (٢٢٣): روى الشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر قال: كانت اليهود تقول إذا ٦٦٩ الجُرُ (٢) - البقرة: ٢٢٢/٢-٢٢٣ جامعها من ورائها - أي يأتي امرأته من ناحية دبرها في قبلها -: إن الولد يكون أحول، فنزلت: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ الآية(١). وقال مجاهد: كانوا يتجنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض، فنزلت. وروى الحاكم عن ابن عباس قال: إن هذا الحي من قريش كانوا يتزوجون النساء، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فذهبوا ليفعلوا بهن كما كانوا يفعلون بمكة، فأنكرن ذلك وقلن: هذا شيء لم نكن نؤتی علیه، فانتشر الحدیث حتى انتهى إلى رسول الله وَ﴿ فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ الآية. التفسير والبيان: هذا ثالث الأسئلة التى جاءت معطوفة بالواو، لاتصالها بما قبلها وما بعدها، وقد سئل النبي وَّل عن حكم الحيض؛ لأن اليهود كانوا يقولون: إن كل من مسَّ الحائض في أيام طمثها، يكون نجساً، وكانوا يتشددون في معاملة الحائض، فيعتزلونها في الأكل والشرب والنوم، كما بينا، وكانت النصارى تتهاون في أمور الحيض، فلا تفرق بين الحيض وغيره، وكانت العرب في الجاهلية كاليهود والمجوس لا يساكنون الحائض، ولا يؤاكلونها، فصارت هذه الأحوال مدعاة للتساؤل عن حكم مخالطة النساء زمن الحيض، فأجابهم تعالی: إن الحيض ضرر وأذى، يضر الرجل والمرأة على السواء، فامتنعوا من جماع النساء في مدة الحيض، ولا حرج في غير الجماع من التقبيل والمفاخذة مثلاً، في رأي الحنابلة، للحديث المتقدم الذي رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن: ((اصنعوا كل شيء إلا الجماع)) (٢). وحرم الجمهور الاستمتاع بما بين السرة (١) زاد في رواية الزهري: ((إن شاء ◌ُجَبِّية، وإن شاء غير مجبِّية، غير إن ذلك في صِمام واحد)» والمجبية: المنكبة على وجهها كهيئة السجود (٢) وفي رواية: ((إلا النكاح)) وفي رواية ((إلا الفرج)) ٦٧٠ الُ (٢) - البقرة: ٢٢٢/٢-٢٢٣ والركبة؛ لما روى أبو داود عن حزام بن حكيم عن عمه أنه سأل رسول الله وَله: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: ((لك ما فوق الإزار)) أي مافوق السرة، ولأن الاستمتاع بما دون الإزار يدعو إلى الجماع. وأيّد الطب اتجاه الشرع، فأثبت الأطباء أن الوقاع في أثناء الحيض يحدث آلاماً والتهابات حادة في أعضاء التناسل لدى الأنثى، كما أن تسرب الدم في فوهة عضو الرجل قد يحدث التهاباً صديدياً يشبه السيلان، وقد يصاب الرجل بالزهري إذا كانت المرأة مصابة به، وقد يؤدي الجماع إلى عقم كل من الرجل والمرأة. ولا تقربوهن حتى يطهرن من الحيض، فإذا تطهرن بالاغتسال بالماء - والطهر: انقطاع دم الحيض، والتطهر: الاغتسال - فجامعوهن في المكان الذي أمركم الله وأذن به: وهو القبل؛ لأنه موضع النسل، إن الله يحب الذين يتوبون من المعاصي، كإتيان النساء في المحيض أو في أدبارهن، ونحو ذلك مما يصادم الفطرة والطبع السليم، ويجب الذين يتطهرون من رجس الفاحشة أو المعصية، ومن كل دنس مادي كالحيض والنفاس. ومحبة الله: إرادته ثواب العبد. والتوبة: هي رجوع العبد عن حالة المعصية. وكنى بالإتيان عن الوطء. نساؤكم الطاهرات من الحيض مواضع حرثكم وإنجاب نسلكم، فالنطفة كالبذرة في الأرض، ولا يحل إتيان النساء في زمن الحيض، حيث لا استعداد لقبول الزرع، ولا في الدبر؛ لأنه غير محل الإنجاب، ويؤدي إلى ضرر واضح ظهر حديثاً: وهو إفساد الدم والموت. وهذه الآية تعد شارحة للآية السابقة، ومبِّينة وجه الحكمة التي من أجلها شرع الاستمتاع: وهو حفظ النوع البشري بالاستیلاد. فأتوا حرثكم بلاحرج بأي كيفية شئتم، قائمة وقاعدة ومضطجعة ومقبلة ومدبرة، مادام المأتى واحداً وهو في القبل الذي هو موضع الحرث، كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، فلا تحظر عليكم جهة ٦٧١ لُعُ (٢) - البَقَرة: ٢٢٢/٢-٢٢٣ من الجهات. وكذلك تفيد الآية إباحة إتيان النساء بالنكاح لا بالسفاح، وفي الوقت المأذون به شرعاً، لا محرمات، ولا صائمات، ولا معتكفات. وقدموا لأنفسكم الخير وصالح الأعمال(١) عدة لكم يوم الحساب، واتقوا الله واحذروا معاصيه، فلا تقربوها، وحدوده فلا تضيعوها، ولا تريقوا ماء الحياة في الحيض أو في غير موضع الحرث، واختاروا المرأة المتدينة، وأعرضوا عن سيئة الأخلاق التي تسوء معاشرتها للزوج، وتفسد تربية الأولاد. واعلموا علماً يقينياً أنكم ستلقون ربكم في الآخرة، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وبشر المؤمنين المستقيمين على أوامر الله بالفوز والكرامة والسعادة في الدنيا والآخرة. أما الذين يتجاوزون حدود الله، ويتبعون شهواتهم، ويخرجون عن السّنن المشروعة، فلا يسلمون من الضرر في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وقد يكون ضرر الدنيا بالقلق والاضطراب، والهمّ والخوف ونحوهما من الأمراض النفسية. فقه الحياة أو الأحكام: دلّت الآية (٢٢٢) على وجوب اعتزال المرأة في المحيض، لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِ الْمَحِيضِّ﴾ وهو أمر، والأمر يقتضي الوجوب. واختلف العلماء فيما يجب على الرجل اعتزاله من المرأة وهي حائض على أقوال ثلاث: ١- يجب اعتزال جميع بدن المرأة، لأن الله أمر باعتزال النساء، ولم يخصص من ذلك شيئاً. وهو قول ابن عباس وعَبيدةَ السَّلْماني، وهذا قول شاذّ خارج عن قول العلماء، وإن كان عموم الآية يقتضيه، فالسّنة الثابتة بخلافه. (١) وقيل: ابتغاء الولد والنسل؛ لأن الولد خير الدنيا والآخرة؛ فقد يكون شفيعاً وجُنَّة. وقيل: هو التزوج بالعفائف؛ ليكون الولد صالحاً طاهراً. ٦٧٢ لُزُ (٢) - البقرة: ٢٢٢/٢-٢٢٣ ٢ - يجب اعتزال موضع الأذى، وهو مخرج الدم، وهو قول الحنابلة، أخرج ابن جرير الطبري عن مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: ما يحلّ للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: ((كل شيء إلا الجماع)) وهذا موافق للحديث المتقدم، ويؤيده ((أن رسول الله وَ﴿ كان يباشر نساءه وهنَّ خُيَّض)) فعلم منه أن المطلوب اعتزاله بعض جسدها دون بعض. ٣ - يعتزل ما بين الشّرة والركبة، أي ما فوق الإزار، وهو قول الجمهور، لقوله وسي * للسائل حين سأله: ((ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟)) فقال: ((لتشدَّ عليها إزارها، ثم شأنَك(١) بأعلاها)). وقوله عليه الصلاة والسلام لعائشة: ((شدّي على نفسِك إزارك، ثم عودي إلى مضجعك))، وقالت عائشة: ((كانت إحدانا إذا كانت حائضاً أمرها النَّبي ﴿ ﴿ أن تأتزر، ثم يباشرها)). ودلّت آية ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنَ﴾ على حرمة الجماع في الحيض حتى الطهر، وللعلماء في ذلك آراء ثلاثة : ١ - قال أبو حنيفة: يجوز أن تؤتى المرأة إذا انقطع دم الحيض ولو لم تغتسل بالماء، فإن انقطع دمها لأقل الحيض لم تحلّ حتى يمضي وقت صلاة كامل، وإذا انقطع دمها لأكثر الحيض، حلّت حينئذٍ. ٢- قال الجمهور: لا تحلّ حتى ينقطع الحيض، وتغتسل بالماء غسل الجنابة. ٣ - قال طاووس ومجاهد: يكفي في حلّها أن تتوضأ للصلاة. وسبب الخلاف: ﴿حَتَّى يَظْهُرْنَّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: حمل أبو حنيفة الفعل الأول على انقطاع دم الحيض، والثاني على المعنى نفسه، أي فإذا انقطع دم الحيض، (١) منصوب بإضمار فعل، ويجوز رفعه مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: مباح أو جائز. ٦٧٣ الُرُ (٢) - البقرة: ٢٢٢/٢-٢٢٣ فاستعمل الفعل المشدد بمعنى المخفف. وقال الجمهور بالعكس، أي إنهم استعملوا المخفف بمعنى المشدد، والمراد: ولا تقربوهن حتى يغتسلن بالماء، فإذا اغتسلن فأتوهن، بدليل قراءة: (حَتَّى يَطَّهرْنَ) بالتشديد، وبدليل قوله: ﴿ وَيُحِبُّ الْمُطَهِرِينَ﴾. وللعلماء رأيان فيما يجب على من وطأ الحائض: فقال الجمهور: يستغفر الله ولاشيء عليه، لأن الحديث مضطرب عن ابن عباس، وإن مثله لا تقوم به حجة، وإن الذمة على البراءة، ولا يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مطعن فيه. وقال الحنابلة: عليه دينار إن كان في مقتبل الدم، ونصف دينار في مؤخر الدم، لما رواه أبو داود والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس عن النَّبِي وَلَّى: (يتصدق بدينار، أو نصف دينار))، وفي كتاب الترمذي: ((إن كان دماً أحمر فدينار، وإن كان دماً أصفر فنصف دينار)). وهذا مستحب عند الشافعية والطبري. وأجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام في رؤيتها الدم الظاهر، وهي: الحيض المعروف، ودمه أسود خائر تعلوه حمرة، وتترك له الصلاة والصوم، وتقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة. واختلف العلماء في مقدار الحيض: فقال فقهاء المدينة منهم (مالك والشافعي وأحمد): أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، وما زاد على ذلك فهو استحاضة. وأقلّه عند الشافعي وأحمد: يوم وليلة، وما دونه استحاضة، وأقلّه عند مالك: دفقة أو دفعة في لحظة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، وما نقص أو زاد عن ذلك فهو استحاضة. ٦٧٤ الزرعُ (٢) - البقرة: ٢٢٢/٢-٢٢٣ ودم النفاس عند الولادة كالحيض، وأقله عند الشافعية لحظة، ولا حدّ لأقله عند الأئمة الآخرين، وغالبه عند الشافعية أربعون، وأكثره عند المالكية والشافعية: ستون يوماً، وعند الحنفية والحنابلة: أربعون يوماً. والغسل منه كالغسل من الحيض والجنابة. ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئاً، وهي: وجوب الصلاة، وصحةُ فعلها، وفعلُ الصوم دون وجوبه، والجماعُ في الفرج وما دونه، والعدّةُ، والطلاقُ، والطوافُ، ومسُّ المصحف، ودخول المسجد، والاعتكافُ فيه، وفي قراءة القرآن رأيان: الحرمة عند الجمهور، والإباحة عند المالكية. ودم الاستحاضة: وهو دم ليس بعادة ولا طبع منهن، ولا خلْقة، وإنما هو نزيف أو عِرْق انقطع، سائله: دم أحمر، لا انقطاع له إلا عند البُزْء منه، والمستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل الذي تغتسل من حيضها ولكنها تتوضأ لكل صلاة. ويجمع أحكام الحيض والاستحاضة ما رواه مالك عن عائشة أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حُبَيش: يا رسول الله، إني لا أطهرُ! أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله وَله: ((إنما ذلك عِرْق وليس بالحيضة، إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا ذهب قَدْرها فاغسلي عنك الدم وصَلِي)». وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوُهُرَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ إيماء إلى أن الشريعة طلبت التزوج ورغبت عن الرهبانية، فليس لمسلم أن يترك الزواج على نية العبادة والتقرب إلى الله تعالى؛ لأنه سبحانه قد امتن علينا بالزواج بقوله: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ: أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١/٣٠]، وطلب إلينا أن ندعوه بالتوفيق بالسرور بالزوجة الصالحة والولد البارّ فقال: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّكِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤/٢٥]، وقال: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١/٢] وهي الزوجة الصالحة. ٦٧٥ الُ (٢) - البَقَرة: ٢٢٢/٢-٢٢٣ فالزواج الشرعي وقربان المرأة ابتغاء النسل قربة الله تعالى، وتركه مع القدرة عليه مخالف لطبيعة الفطرة وسنة الشرع، قال وير في الصحيح: ((وفي بُضْع أحدكم صدقة، قالوا : يا رسول الله، أیأتي أحدنا شهوته ویکون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟)). وتجبر الكتابية على الاغتسال من الحيض في رأي مالك - وفي رواية ابن القاسم عنه - ليحلّ لزوجها وطؤها، قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنَّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢/٢] أي بالماء، ولم يخصّ مسلمة من غيرها. وهذا موافق لرأي الشافعية والحنابلة القائلين بأن الكافر مكلف بفروع الشريعة. وقال الحنفية: إنه غير مكلف بها. وصفة غسل الحائض صفة غسلها من الجنابة، وليس عليها نقض شعرها في رأي الحنفية والمالكية، لما رواه مسلم عن أم سلمة قالت: ((قلت: يا رسول الله، إني أشدُّ ضَفْر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحني على رأسك ثلاث حَثَيات، ثم تُفيضين عليك الماء، فَتَظْهرين)). ويجب نقض الضفائر في رأي الشافعية والحنابلة إن لم يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض، لما روى البخاري عن عائشة: أن النَّبِي وَّ قال لها إذ كانت حائضاً: ((خذي ماءك وسدرك وامتشطي)) ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور. وخصصه الحنابلة في الحيض أو النفاس، ولم يوجبوا النقض في حال الجنابة إذا أروت أصوله، أخذاً بحديث أم سلمة. وقوله تعالى: ﴿فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣/٢] تمثيل، أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، والمعنى كما بيّنا: جامعوهن من أي شق أردتم، بعد أن يكون المأتى واحداً وهو موضع الحرث. قال الزمخشري: قوله تعالى: ﴿هُوَ أَذَّى فَأَعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِ الْمَحِيضِّ﴾ [البقرة: ٢٢٢/٢]، ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢/٢]، ﴿فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّى ٦٧٦ الجزء (٢) - البقرة: ٢٢٤/٢-٢٢٥ [البقرة: ٢٢٣/٢]: من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة؛ وهذه مِے شِئْتُمْ. وأشباهها في كلام الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها، ويتأدبوا بها، ويتكلفوا مثلها في محاوراتهم ومكاتباتهم (١). ٠ وقوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ تحذير، ﴿ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُم مُكَقُوهٌ﴾ خبر يقتضي المبالغة في التحذير، أي فهو مجازيكم على البر والإثم. روى مسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله وَّله وهو يخطب يقول: ((إنكم ملاقو الله حُفاةً عُراةً مُشاةً غُرْلاً (٢)، ثم تلا رسول الله وَّهِ: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّكُم مُلَفُوهُ﴾ . الحلف بالله ويمين اللغو ﴿ وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَينَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿َ لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِّ (٢٢٥) كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمُ القراءات: يُؤَاخِذُكُمْ﴾: وقرأ ورش، وحمزة وقفاً: (يواخذكم). الإعراب: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ﴾ ﴿عُرْضَةً﴾: منصوب مفعول ثاني لتجعلوا. (١) الكشاف: ٢٧٤/١ (٢) الغرل: هو الأقلف الذي لم يختن. ٦٧٧ الزُعُ (٢) - البقرة: ٢٢٤/٢-٢٢٥ ﴿أَنْ تَبَرُّواْ﴾ فيه ثلاثة أوجه: النَّصب والجر والرفع. فأما النصب: فعلى تقدير: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم لئلا تبروا، فحذفت لا، أو كراهة أن تبروا، والتقدير الثاني أولى؛ لأن حذف المضاف أکثر في كلامهم من حذف ((لا)). وأما الجرّ: فعلى تقدير حرف الجر وإعماله؛ لأنه يحذف مع ((أن)) كثيراً، لطول الكلام. وأما الرفع: فعلى أن تكون: أن وصلتها مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أمثل وأولى من تركها. المفردات اللغوية: ﴿عُرْضَةً﴾ هي المانع المعترض دون الشيء. ﴿لِأَيْمَنِكُمْ﴾ أي ما حلفتم(١) عليه من البر والتقوى والإصلاح، ويكون: ﴿أَن تَبَرُوا﴾ بدلاً من أيمانكم، ويكون المعنى: لا تجعلوا الله مانعاً من البر، وهذا المعنى موافق لخبر الصحيحين في قوله وَلفيه: ((من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه)). وهناك معنى آخر هو: لا تجعلوا الحلف بالله معرَّضاً لأيمانكم، تبتذلونه بكثرة الحلف به، ويكون ﴿أَن تَبَرُوا﴾ علّة للنهي، أي أن لا تبروا أو إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا؛ لأن الحلَّاف مجترئ على الله، غير معظم له، فلا يكون برّاً متقياً، ولا يثق به الناس، وعلى هذا تكون الآية نهياً عن كثرة الحلف بالله، وابتذاله في الأيمان. ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعُ﴾ لأقوالكم. ﴿عَلِيٌ﴾ بأحوالكم. ﴿بِلَّغْوِ﴾ هو اليمين الذي لا قصد فيه ولا نيّةٍ، كأن يجري على لسانه: إي (١) اليمين: الْخَلِف، وأصله: أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت، أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه ثم كثر ذلك، حتى سمي الحَلِف والعهد نفسه يميناً. ٦٧٨ الجُرُ (٢) - البقرة: ٢٢٤/٢-٢٢٥ والله، ولا والله، وبلى والله، من غير قصد اليمين، وإنما يسبق إليه اللسان عادة، فلا مؤاخذة فيه بكفارة ولا إثم ولا بعقوبة. واليمين اللغو عند أبي حنيفة: أن يحلف على ظن شيء أنه حصل، ثم يظهر خلافه . ﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي قصدته من الأيمان إذا حيثتم، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدتُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ [المائدة: ٨٩/٥]. ﴿وَاَللَّهُ غَفُورُ﴾ ليمين اللغو. ﴿حَلِيمٌ﴾ يؤخر العقوبة عن مستحقها. سبب النزول: نزول الآية (٢٢٤): روى ابن جرير الطبري عن ابن جريج، أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ﴾ نزلت بسبب أبي بكر الصديق إذ حلف ألا ينفق على مِسْطح، حين خاض مع المنافقين في حديث الإفك وتكلم في عائشة رضي الله عنها، وفيه نزل: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوَاْ أُوْلِ الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢/٢٤]. وقال الكلبي: نزلت في عبد الله بن رَوَاحة، حين حلف ألا يكلم خَتَنَه زوج أخته (صهره): بشير بن النعمان، وألا يدخل عليه أبداً، ولا يصلح بينه وبين امرأته، ويقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، ولا يحلّ إلا أن أبرّ في يميني، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١). المناسبة: أمر تعالى في الآية السابقة بتقوى الله وحذَّر من معصيته، ونبَّه هنا على أن مما يُتَّقى ويُحذر منه: أن يجعل اسم الله مانعاً من البر والتقوى. (١) البحر المحيط: ١٧٦/٢ ٦٧٩ الجزء (٢) - البقرة: ٢٢٤/٢-٢٢٥ وقال العلماء أيضاً: لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة، قال: لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعلَّلاً بأنّا حلفنا ألا نفعل كذا. التفسير والبيان: للآية معنيان: الأول - إذا حلف الشخص ألا يفعل خيراً من صلة رحم أو صدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس أو عبادة ونحوها، فلا يكون الحلف بالله مانعاً من المحلوف عليه من برّ وتقوى، وما على المؤمن إذا أراد أن يفعل البر والخير إلا أن يكفِّر عن يمينه ويفعل المحلوف عليه، كما جاء في قوله وَلّ لعبد الرحمن بن سمرة - فيما رواه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه -: ((إذا حلفت على يمين، ورأيت غيرها خيراً منها، فأت الذي هو خير، وكفِّر عن يمينك)) فتكون الآية لرفع الحرج عن الحالفين بالله إذا أرادوا فعل الخير. والمعنى الثاني: لا تتعرّضوا كثيراً للحلف بالله من أجل إرادة البر والتقوى والإصلاح بين الناس؛ لما في كثرة الحلف بالله من استخفاف واستهانة وتجرؤ على الله، وعلى المؤمن تعظيم الله تعالى وتوقيره، والابتعاد عن اليمين قدر الإمكان، سواء أكان الحالف صادقاً أم كاذباً، فكان صاحب الورع مثل عمر والشافعي لا يحلف بالله ذاكراً ولا آثراً عن غيره، فتكون الآية للنهي عن كثرة الحلف بالله، وابتذاله في الأيمان، توفيراً للثقة بكلام المتكلم بدون يمين، قال ®) [القلم: ١٠/٦٨]. الله تعالى ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هذا في اليمين المنعقدة التي يلزم فيها الكفارة بالحنث فيها: وهي على الموسر: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد وهو المعسر الفقير فيصوم ثلاثة أيام. وقد أخبر تعالى أنه يؤاخذ على ما كسبت القلوب أي قصدت إيقاع اليمين، والمؤاخذة بالكفارة أو العقوبة عند عدم الكفارة، حتى لا يتخذ اسم الله عرضة للابتذال وتوفيراً لتعظيمه، أو مانعاً من صالح الأعمال. ٦٨٠ الجُرُ (٢) - البقرة: ٢٢٤/٢-٢٢٥ أما اليمين اللغو: فأخبر تعالى أنه لا مؤاخذة ولا عقاب ولا كفارة عليها بالحنث، لصدورها عن غير قصد اليمين؛ لأن الله غفور لعباده، فلا يؤاخذهم بما لم تقصده قلوبهم، ولم يكلفهم بما يشق عليهم، لحصوله دون اختيار. ويمين اللغو عند الشافعية: هي التي تجري على اللسان دون قصد الحلف، مثل قول الشخص: لا والله، بلى والله. وإن عدم المؤاخذة عليها: هو عدم إيجاب الكفارة بها. وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد: هي أن يحلف على شيء يظنه أنه حصل، ثم يظهر خلافه، وبعبارة أخرى: اللغو: ما يحلف به على الظن، فيكون بخلافه. فهذا لا مؤاخذة فيه، أي لا يجب تكفيره. وأما ما يجري على اللسان من غير قصد فتجب فيه الكفارة. والظاهر هو الرأي الأول؛ لأن الله قسم اليمين قسمين: ما كسبه القلب، واللغو. وما كسبه القلب: هو ما قصد إليه، وحيث جعل اللغو مقابله، فيعلم أنه هو الذي لم يقصد إليه. قال المروزي: لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله؛ في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها. وقالت عائشة رضي الله عنها: أيمان اللغو: ما كانت في الْمِرَاء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب. فقه الحياة أو الأحكام: تعظيم الله تعالى واجب شرعاً، والإكثار من اليمين، والحنث فيه يتنافى مع واجب التعظيم لله، وفيه قلة مراعاة لحق الله تعالى، فلا يصحّ جعل الأيمان مبتذلة في كل حقّ أو باطل، أو في الصدق أو الكذب. أما إذا حلف المؤمن معظّماً الله تعالى، وكان المحلوف عليه أمراً خيرياً، فلا تمنعه اليمين من فعل الخير المحلوف عليه، وعليه أن يكفِّر عن يمينه، وهذا نوع من التسامح والتيسير في شرع الله تعالى، حبّاً في فعل الخير: من صدقة أو معروف أو صلة رحم أو إصلاح بين الناس.