Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١
الُ (٢) - الْبَغَرَة: ٢١٩/٢
من هذه الرواية وغيرها يتبين أن تحريم الخمر مرَّ في أربع مراحل تدرج فيها
التشريع لينقل الناس من الأخف إلى الأشد تدريجياً، وتلك سياسة تربوية
ناجحة، فلو قيل لهم دفعة واحدة: لا تشربوا الخمر، لقالوا جميعاً: لا ندع
الخمر، فنزل في الخمر أربع آيات في مكة، لمعالجة الإدمان على الخمر،
وتخليص الناس من هذا الداء العضال:
الأولى - ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَّاً﴾
[النحل: ٦٧/١٦] فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال.
والثانية - ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩/٢]، التي
نزلت كما بينا باستفتاء عمر ومعاذ ونفر من الصحابة، فشربها قوم، وتركها
آخرون.
والثالثة - ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣/٤] نزلت بعد
أن دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً من الصحابة، فشربوا وسكروا، فأمّ
بعضهم، فقرأ: ﴿قُلّ يَأَتُهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ ((أعبد ما تعبدون)) فنزلت، فقلّ
بعدها من يشربها، وامتنعوا عن شربها نهاراً؛ لأن أوقات الصلاة متقاربة،
وشربوها ليلاً.
والرابعة - ﴿إِنَّمَا الْخَتُرُ وَاُلْمَيْسِيرُ﴾ التي نزلت بعد أن دعا عتبان بن مالك
قوماً فيهم سعد بن أبي وقاص، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا، حتى أنشد
سعد شعراً فيه هجاء الأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير، فشجه شجَّةً
موضحة، فشكا إلى رسول الله وَله، فقال عمر: ((اللهم بيِّنْ لنا في الخمر بياناً
شافياً)) فنزلت: ﴿إِنَّمَا الْخَّرُ وَاُلْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنَهُونَ﴾ [المائدة: ٥/
٩١] فقال عمر: انتهينا يا رب(١).
(١) تفسير الكشاف: ٢٧٢/١
٦٤٢
الُزُعُ (٢) - البَفَرة: ٢١٩/٢
قال القفَّال: والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب: أن الله تعالى علم
أن القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بها كثيراً، فعلم الله أنه
لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج
وهذا الرفق.
وأما سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾: فهو ما أخرجه
ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن نفراً من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل
الله، أتوا النبي وَله فقالوا: إنا لا ندري ماهذه النفقة التي أمرنا في أموالنا،
فما ننفق منها؟ فأنزل الله: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَفْوَ﴾ والسائل هم
المؤمنون، وهو الظاهر من واو الجماعة، وقيل: السائل: عمرو بن الجموح.
والنفقة هنا: قيل: في الجهاد، وقيل: في الصدقات أي التطوع في رأي
الجمهور، وقيل: في الواجب أي الزكاة المفروضة(١).
المناسبة:
أبان الله تعالى في الآيات السابقة أحكام القتال، وذلك أمر له صلة
بالعلاقات الخارجية، ثم انتقل إلى إصلاح الأوضاع الداخلية، على أساس من
الفضيلة والكرامة والتضامن الاجتماعي وطهر الاعتقاد وطهر الجسد، ولابد
لكل نهضة أو رسالة من الإصلاح الخارجي والداخلي، لتتمكن من تحقيق
المسيرة الظافرة والأمجاد السامقة، وبناء الأمة (أو الجماعة) والفرد على أسس
متينة ودعائم وطيدة الأركان.
وكانت هذه الآية كسابقتها وتاليها إجابة عن أسئلة الصحابة، قال ابن
عباس: ما رأيت قوماً خيراً من أصحاب محمد ولتير، ما سألوه إلا عن ثلاث
عشرة مسألة، كلهن في القرآن: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢/٢]،
(١) البحر المحيط: ١٥٨/٢
٦٤٣
الُزُ (٢) - البَفَة: ٢١٩/٢
يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧/٢]، ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّىّ﴾
[البقرة: ٢٢٠/٢]؛ ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم (١).
التفسير والبيان:
يسألك أصحابك يا محمد عن حكم تناول الخمر، ولعب الميسر، أحلال
هما أم حرام؟ ومثل شرب الخمر: بيعها وشراؤها وكل الوسائل التي تساعد
أو تؤدي إلى تناولها. قل لهم: إن في تعاطيهما إثماً كبيراً، لما فيهما من أضرار
كثيرة ومفاسد عظيمة.
أما إثم الخمر: فإيذاء الناس وإيقاع العداوة والبغضاء.
وأما إثم الميسر: فهو أن يقامر الرجل، فيمنع الحق، ويظلم، فتقع العداوة
والبغضاء. وفيهما منافع للناس، أما منفعة الخمر: فهي الاتجار بها، والالتذاذ
بها، والنشوة، وبسط يد البخيل، وتقوية قلب الجبان.
وأما منفعة الميسر: فهي ما يصيبهم من الربح أو الأنصباء، أو التصدق
بلحم الجزور على الفقراء، ومنفعة القمار وهمية ومضرته حقيقية، إذ المقامر
يبذل ماله لربح موهوم، فيبتز منه المحترفون ثروته كلها، وهو في طلبه الربح
المتوهم يفسد فكره، ويضعف عقله، ويعظم همه، ويضيع وقته.
وإثمهما أكبر من نفعهما؛ لأنهم كانوا إذا سكروا وثب بعضهم على بعض،
وقاتل بعضهم بعضاً؛ وإذا قامروا وقع بينهم الشر والنزاع، ونشأت في
صدورهم الأحقاد. وإذا كان الضرر أكبر من النفع وجب الامتناع عنهما؛
لأن ((درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)) لذا امتنع كثير من عرب الجاهلية
عن الخمر، مثل العباس بن مرداس، فقد قيل له: ألا تشرب الخمر، فإنها
(١) تفسير القرطبي: ٤٠/٣
٦٤٤
الُرُ (٢) - البَفَرَة: ٢١٩/٢
تزيد في حرارتك؟ فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي، فأدخله في جوفي، ولا
أرضى أن أصبح سيد القوم، وأمسي سفيههم.
وأجمع الأطباء على ضرر الخمور، وقامت جمعيات كثيرة في أوربا وأمريكا
تدعو لمنع المسكرات وإصدار القوانين بمنع بيعها وشرائها.
الخمر وأضرارها:
اختلف العلماء في بيان المراد بالخمر، فذهب أبو حنيفة وجماعة العراقيين:
إلى أن الخمر: هي الشراب المسكر من عصير العنب فقط. أما المسكر من
غيره، كشراب التمر أو الحنطة أو الشعير أو الذرة ونحوها، فلا يسمى خمراً،
بل يسمى نبيذاً، فتكون آية تحريم الخمر مقتصرة عليها، وأما الأشربة المسكرة
الأخرى وهي الأنبذة فالقليل منها حلال، والكثير المسكر منها حرام بالسنة
النبوية.
وذهب الجمهور (غير أبي حنيفة) وأهل الحجاز والمحدثون: إلى أنها الشراب
المسكر من عصير العنب وغيره، فكل مسكر من عصير التمر، والشعير والبُر
خمر. وإذا كانت الخمر اسماً لكل ما أسكر، كان تحريم جميع المسكرات قليلها
وكثيرها بنص القرآن.
واحتج الفريق الأول باللغة والسنة: أما اللغة: فإن الأنبذة لا تسمى
خمراً، ولا يسمى الشيء خمراً في اللغة إلا النيء المشتد من ماء العنب.
وأما السنة: فحديث أنس بن مالك عن النبي وَّ قال: ((الخمر بعينها
حرام، والسَّكَر من كل شراب)) وفي رواية عن علي: ((حرمت الخمر بعينها،
والسكر من كل شراب))(١) والسكر: كل ما يسكر، ويطلق على نبيذ الرطب.
(١) أخرجه النسائي والدار قطني موقوفاً على ابن عباس، وقال الدار قطني: وهذا هو الصواب
عن ابن عباس؛ لأنه قد روي عن النبي صَ لّ: ((كل مسكر حرام)».
٦٤٥
لُ (٢) - الْبَقَرَّة: ٢١٩/٢
قالوا: ومما يدل على أن قليل الأنبذة ليس بحرام أن الله ذكر في علة تحريم
الخمر العداوة والبغضاء ونحوها بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَّكُمُ
اُلْعَدَاوَةَ وَاُلْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٥/
٩١] وهذه المعاني لا تحصل إلا بالسكر، فلا يحرم من المسكرات إلا القدر
المسكر؛ لأنه هو الذي توجد فيه هذه العلة.
واحتج الفريق الثاني باللغة والسنة الثابتة:
أما اللغة: فلأن الخمر تطلق لغة على ما خامر العقل أي ستره، وهذه
الأنبذة تخامر العقل. وإذا كانت اللغة لا تثبت قياساً فإن الصحابة فهموا
مدلول (الخمر)) وهم أدرى باللغة والقرآن، وأنها تطلق على كل مسكر من
عنب وزبيب وتمر وذرة وشعير وغيره.
وأما السنة: فقد ورد فيها أحاديث كثيرة تحرم قطعاً كل مسكر، منها
الحديث المتواتر الذي رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجه عن
ستة عشر صحابياً كعمر وابن عمر وغيرهما: ((كل مسكر خمر، وكل خمر
حرام)) والحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن حبان
عن جابر، وأحمد والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو: ((ما أسكر كثيره
فقليله حرام)».
والحديث الذي رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة:
((الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة)) والحديث الذي رواه أحمد
وأصحاب السنن إلا النسائي عن النعمان بن بشير: ((إن من العنب خمراً، وإن
من العسل خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن الحنطة خمراً، ومن التمر خمراً، وأنا
أنهاكم عن كل مسكر)).
فصريح هذه الأحاديث الصحيحة يدل على أن الأنبذة تسمى خمراً؛ لأنها
مسكرة، فتكون حراماً، ويدل على حرمتها قليلها وكثيرها ما أخرجه البخاري
٦٤٦
لُ (٢) - الْبَقَرَةِ: ٢١٩/٢
عن عائشة قالت: ((سئل رسول الله صل عن البِتْع (نبيذ العسل) وعن نبيذ
العسل، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام)).
والراجح قول أهل الحجاز (الفريق الثاني)؛ لأن الصحابة لما سمعوا تحريم
الخمر، فهموا منه تحريم الأنبذة، وهم كانوا أعرف الناس بلغة العرب ومراد
الشارع، وقد ثبت ذلك من حديث أنس قال: ((كنت ساقي القوم حيث حرمت
الخمر في منزل أبي طلحة، وما كان خمرنا يومئذ إلا الفضيخ - نقيع البسر -
فحين سمعوا تحريم الخمر، أحرقوا الأواني وكسروها)) وأثبت المؤرخون أنه كان
تحريم الخمر في المدينة، وكان المشروب نبيذ البر والتمر.
وقد اتفق العراقيون مع الحجازيين على أن الله حرم من عصير العنب الكثير
للسكر، والقليل؛ لأنه ذريعة إلى الكثير، فوجب أن يكون كذلك في سائر
الأنبذة حيث لا فرق.
وأما أضرار الخمر فكثيرة مادية ومعنوية أشارت إليها الآية القرآنية: ﴿إِنَّمَا
يُرِيِدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ
اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٩١/٥] وجمع الحديث النبوي الصحيح مضارها، وهو
الذي رواه الطبراني عن ابن عمر: ((الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، ومن
شرب الخمر ترك الصلاة، ووقع على أمه وعمته وخالته)).
ومضارها تشمل البدن والنفس والعقل والمال وتعامل الناس بعضهم مع
بعض، من ذلك:
١- مضارها الصحية: إفساد كل أعضاء جهاز الهضم، وفقد شهوة
الطعام، وجحوظ العينين، وعظم البطن بسبب اتساع المعدة، وتشمع الكبد،
ومرض الكُلى، وداء السل، وتعجل الشيخوخة أو إسراع الهرَم، بسبب
تصلب الشرايين، وإضعاف النسل أو انقطاعه، فولد السكير يكون هزيلاً
ضعيف العقل.
٦٤٧
الُ (٢) - الَفَرَة: ٢١٩/٢
٢- مضارها العقلية: إنها تضعف القوى العقلية، لتأثيرها في الجملة
العصبية، وقد تؤدي إلى الجنون.
٣- مضارها المالية: تبدد الثروة وتتلف المال، وتؤدي إلى إهمال واجب
النفقة على الزوجة والأولاد.
٤- مضارها الاجتماعية: وقوع النزاع والخصام بين السكارى بعضهم مع
بعض، وبينهم وبين الناس الآخرين، وكثيراً ما تقع حوادث قتل وضرب
وجرح من السكارى وعليهم.
٥- مضارها الأدبية: يصبح السكران ذليلاً مهيناً وموضع هزء وسخرية
وضحك وتهكم، لاضطراب كلامه وهيئته وحركاته. ويتجرأ السكران على
القذف والشتم والسب والزنى والقتل، لذا سميت الخمر (أم الخبائث).
٦- مضارها العامة: إفشاء الأسرار، فكثيراً ما تسربت أخبار الدولة
الخطيرة إلى الجواسيس على موائد السكر(١).
٧- مضارها الدينية: لا تتأدى من السكران عبادة صحيحة، ولا سيما
الصلاة التي هي عماد الدين، فالخمر تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وبقية
الواجبات الدينية؛ لأن السكران لا يهمه إلا معاقرة الخمر، والانقياد للأهواء
والشهوات، ويصبح ضعيف الإرادة، خاملاً كسولاً، بل لا يستطيع الامتناع
عن السكر بسهولة بسبب الإدمان، ومخالطة الكحول الدم، فيصبح المدمن
متعطشاً لتناول الشراب المسكر قهراً عنه ودون إرادة.
والخلاصة: إن الخمر أم الخبائث، فهي وسيلة إلى كل منكر وقبيح، روى
النسائي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: ((اجتنبوا الخمر، فإنها أم الخبائث،
إنه كان رجل ممن قبلكم متعبد، فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها،
(١) تفسير المنار: ٢٥٩/٢ وما بعدها
٦٤٨
الخُُ (٢) - البَقَرّة: ٢١٩/٢
فقالت له: إنا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها، فطفقت كلما دخل باباً
أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة، عندها غلام وباطية خمر، فقالت:
إني ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع علي، أو تشرب من هذه الخمر
كأساً، أو تقتل هذا الغلام، قال: فاسقيني من هذه الخمر كأساً، فسقته
كأساً، فقال: زيدوني، فزادوه، فلم يبرح حتى وقع عليها، وقتل النفس،
فاجتنبوا الخمر، فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر، إلا ليوشك أن
يخرج أحدهما صاحبه)).
الميسر أو القمار وأضراره:
الميسر: إما من اليسر كما بينا، أو من يَسَرت الشيء: إذا جزأته، ويطلق
على الجزور؛ لأنه موضع التجزئة، والميسر الذي ذكره الله وحرمه: هو ضرب
القداح على أجزاء الجزور قماراً، ثم أطلق على النرد وكل مافيه قمار.
وكيفية الميسر عند العرب كما بينا: أنه كانت لهم عشرة قداح، وتسمى
الأزلام والأقلام أيضاً (١)، وأسماؤها: الفَذّ، والتَّوءَمُ، والرقيب، والحلْس،
والْمُسْبِل، والْمُعَلَى، والنَّافس، والْمنِيح، والسفيح، والوغد، لكل واحد من
السبعة الأولى نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزئونها، إما عشرة أجزاء،
أو ثمانية وعشرين جزءاً، ولاشيء الثلاثة الأخيرة، فكانوا يعطون للفذ
سهماً، وللتوعم سهمين، وللرقيب سهمين، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة،
وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، وهو أعلاها(٢).
وكانوا يجعلون هذه الأزلام في الرِّبابة، وهي الخريطة (الكيس) توضع على
يد عدل، يجلجلها، ويدخل يده، ويخرج منها واحداً باسم رجل، ثم واحداً
باسم رجل آخر، وهكذا، فمن خرج له قِدْح من ذوات الأنصباء، أخذ
(١) واحدها قِدْح وزَم وقلم، وهي قطع من الخشب.
(٢) ومنه يقال للفائز بأكبر الحظوظ: هو صاحب القِدْح المعلى.
٦٤٩
لُحُ (٢) - الْبَقَرة: ٢١٩/٢
النصيب الموسوم به ذلك القِدْح، ومن خرج له قدح لا نصيب له، لم يأخذ
شيئاً، وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا
يأكلون منها شيئاً، ويفتخرون بذلك، ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه
البَرَم أي الوغد: اللئيم عديم المروءة(١)، كما بينا سابقاً.
وللقمار أضرار كثيرة: منها: أنه يورث العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر
الله، كالخمر، كما أبان القرآن.
ومنها إفساد التربية، بتعويد النفس الكسل، وانتظار الرزق من الأسباب
الوهمية، وإضعاف القوة العقلية، بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب
الطبيعية، وإهمال الياسرين (المقامرين) للزراعة والصناعة والتجارة التي هي
أركان العمران.
ومنها وهو أشهرها: إفلاس المقامر وتخريب البيوت فجأة بالانتقال من
الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة، فكم من ثروة بددت في ليلة من الليالي،
وأصبح المقامر في عداد الفقراء.
إنفاق الزائد عن الحاجة (العفو):
ويسألونك يا محمد عن مقدار ما ينفقه المسلم، امتثالاً لقوله تعالى:
{وَأَنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥/٢]، فقل لهم: ينفقون العفو، أي الفضل
(ما فضل) الزائد عن الحاجة، فأنفقوا ما فضل عن حاجتكم، ولا تنفقوا ما
تحتاجون إليه، وتضيعوا أنفسكم.
كذلك(٢): أي وكما بين لكم ما ذكر (أي مثل ذلك البيان السابق في تحريم
(١) تفسير القرطبي: ٥٨/٣
(٢) كذلك: الكاف للتشبيه، وهي في موضع نعت لمصدر محذوف أو في موضع الحال على مذهب
سيبويه أي تبييناً مثل ذلك يبين، أو في حال كونه منها ذلك التبيين يبينه، أي يبين التبيين
مماثلاً لذلك التبيين.
٦٥٠
الجُرَعُ (٢) - البقرة: ٢١٩/٢
الخمر والميسر ووجوب إنفاق الزائد عن الحاجة) يبين الله لكم الأحكام
والآيات الواضحات في سائر كتابه، فيما يحقق مصالحكم ومنافعكم،
ويوجهكم لما فيه من نفع وضر. والحكمة من شرع هذه الأحكام: هي
لتتفكروا بعين البصر والوعي في أمور الدنيا والآخرة، فتعلموا زوال الأولى
وحقارتها، وبقاء الثانية وجلالها، أو لتحبسوا من أموالكم ما يصلحكم في
معاش الدنيا، وتنفقوا الباقي فيما ينفعكم في العقبى.
وقد ورد في معنى الآية أحاديث كثيرة: منها ما روى ابن جرير الطبري عن
جابر بن عبد الله قال: أتى رسولَ الله ◌ُ له رجل ببيضة من ذهب، أصابها في
بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، خذ هذه صدقة، فوالله، ما أصبحت
أملك غيرها، فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن، فقال له مثل ذلك،
فأعرض عنه، ثم قال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال مثل ذلك، فقال: هاتها
مغضباً، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابته شجته أو عقرته. ثم قال: ((يجيء
أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر
غنى)) وروي عن النبي وَليل أنه قال: ((ارضخ(١) من الفضل، وابدأ بمن تعول،
ولا تلام على كفاف)) وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي وَّل
قال: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول)).
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَله - فيما رواه أحمد ومسلم
وأبو داود والنسائي -: ((إذا كان أحدكم فقيراً، فليبدأ بنفسه، فإن كان له
فضل، فليبدأ مع نفسه بمن يعول، ثم إن وجد فضلاً بعد ذلك، فليتصدق على
غیرہ)).
والأصح أن هذه الآية ثابتة الحكم غير منسوخة، فليس في الآية ما يدل
على وجوب إنفاق الفضل، بل الآية نزلت جواباً لمن سألوا ماذا ينفقون نفقة
تطوع، لا زكاة مفروضة، فبين لهم ما فيه لله رضا من الصدقات.
(١) رضخ له: أعطاه قليلاً.
٦٥١
◌ِلُعُ (٢) - البَكَرة: ٢١٩/٢
فقه الحياة أو الأحكام:
يحرم كل ما يسكر، قليلاً كان أو كثيراً، سواء أكان من عصير العنب أم
من غيره، ويجب الحد في تناوله، ولا فرق بين المسكرات التي كانت في الماضي
والمسكرات ذات التسميات الحديثة المتخذة من التفاح أو البصل أو غيرهما،
فكل مادة مسكرة تذهب العقل وتضيع الصحة والمال، وتقضي على الكرامة
الشخصية، فهي حرام كالخمر، لوجود علة الإسكار فيها، وبالأولى ما هو
أفتك منها وأشد كبعض السموم التي تؤخذ حقناً تحت الجلد، أو شماً بالأنف
كالمورفين والكوكايين والهيروين.
ومن خصائص التشريع الإسلامي ومزاياه الطيبة أنه لم يوجب على المسلمين
الشرائع دفعة واحدة، ولكن تدرج بهم، وأوجب عليهم مرة بعد مرة تكريماً
لهذه الأمة وبراً بها، وهذا هو مبدأ التدرج في التشريع، وقد جاء تحريم الخمر
والربا على هذا النحو.
وكل لعب فيه غرم بلا عوض، وفيه استيلاء على أموال الناس بغير حق
ولا جهد معقول فهو حرام، فالميسر أو القمار ولعب الموائد والسباق على
عوض من أحد المتسابقين يغرمه للآخر الفائز، وأوراق اليانصيب، كل ذلك
حرام، لما فيه من إضاعة المال أو الكسب من غير طريق شرعي، ولاشتماله
على أضرار كثيرة مدمرة للجماعة والأفراد.
روي عن أبي موسى عن النبي وَّر قال: ((اجتنبوا هذه الكعاب الموسوسة
التي يزجر بها زجراً، فإنها من الميسر)). وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً -
فيما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي موسى -: ((من لعب بالفرد، فقد
عصى الله ورسوله)).
وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وآخرون من الصحابة والتابعين: كل
٦٥٢
الجُرُ (٢) - البَقَة: ٢١٩/٢
شيء فيه قمار من نَّرْد وشَطْرَنج فهو الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز
والكِعَاب(١)، إلا ما أبيح من الرِّهان في الخيل، والقُرْعة في إفراز الحقوق،
بأن يكون العوض أو المكافأة من شخص ثالث كالدولة أو بعض الأغنياء، أو
من أحد المتسابقين دون أن يلتزم الآخر بشيء إذا خسر.
وقال مالك: الميسر ميسران: مَيْسِر اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر
اللهو: النَّرْد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار: ما يتخاطر الناس
علیه.
وذكر العلماء: أن المخاطرة (المراهنة) من القمار، قال ابن عباس: المخاطرة
قمار، وإن أهل الجاهلية كانوا يخاطرون على المال والزوجة، وقد كان ذلك
مباحاً، إلى أن ورد تحريمه، وقد خاطر أبو بكر المشركين، حين نزلت: ﴿الَّمَ
غُلِيَتِ الزُّوُ جَ فِّ أَدْنَ اْأَرْضِ﴾ [الروم: ١/٣٠-٣] وخسر الرهان، فقال
له النبي ◌ُّ: ((زد في الخطر، وأبعد في الأجل)) ثم حظر ذلك ونسخ بتحريم
القمار.
وأما ما يسمى باليانصيب الخيري لمواساة الفقراء ورعاية الأيتام وأولي
العاهات، أو لبناء المدارس والملاجئ والمشافي وغيرها من أعمال البر
والصالح العام، فهو حرام أيضاً؛ لأن هذه الأعمال، وإن كانت معتبرة في
الشريعة، ولكن الطريق إليها حرام؛ لأن الحرام في ذاته كالرشوة وشهادة
الزور لا يجوز اللجوء إليه للوصول إلى الحلال، ولا ينتج عن العصيان طاعة
كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((إن الله طيِّب لا يقبل إلا
طيباً)).
وقد حرّم الشرع الميسر الذي كان عليه عرب الجاهلية، وإن كانوا يطعمون
الأنصباء الفقراءَ، ولا يأكلون منها شيئاً.
(١) هي فصوص النرد.
٦٥٣
لُ (٢) - الْبَقَرّة:٢١٩/٢
وكون اليانصيب غير الخيري لا يؤدي إلى ضرر العداوة والبغضاء، لعدم
معرفة الرابح من قبل الخاسرين، خلافاً لميسر العرب وقمار الموائد، لا يسوغ
القول بالجواز؛ لأن فيه مضار القمار الأخرى وأهمها : أنه طريق لأكل أموال
الناس بالباطل، أي بغير عوض حقيقي من عين أو منفعة، وهذا محرم بنص
القرآن.
والادعاء بأن في ميدان اليانصيب قد سمح المشتركون للرابح بأموالهم
وخرجوا له عن طيب أنفسهم: غير صحيح؛ لأن التراضي لا وجود له في
الحقيقة، وكل من يدفع ثمن بطاقة يحلم بالربح، وهو في حال الخسران يحقد
على الرابحين. والرضا المعتبر هو في العقود والمعاملات بشرط خلوه من
العيوب، وبخاصة الإكراه في أي صورة، سواء أكان مادياً أم معنوياً. والرضا
في اليانصيب رضا قسري، كالرضا الحاصل في الربا والرشوة، والرضا شرعاً
لا يعتبر إلا إذا كان في حدود الشرع.
ويمكن تحقيق المقصد الخيري لليانصيب من أجل الصالح العام بطريق فرض
ضرائب على أموال الأغنياء، وتؤخذ بدون مقابل، لسد حاجة البلاد، وفقاً
لقاعدة: ((يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام)) أو يستدين الحاكم من
الأغنياء إذا كان هناك احتمال امتلاء الخزينة.
وإن وجود بعض المنافع التجارية أو اللذة والطرب في الخمر، أو مواساة
الفقراء في الميسر أو سرور الرابح وصيرورته غنياً بدون تعب، لا يمنع
تحريمهما؛ لأن المعول عليه في التحريم أو الحظر غلبة المضار على المنافع، والإثم
أكبر من النفع في الدنيا نفسها، وأعود بالضرر في الآخرة، فالإثم بعد
التحريمّ، والمنافع قبل التحريم.
وأما نفقة التطوع: فهي الزائدة عن الحاجة وهي العفو، وقد كان السؤال
في هذه الآية عن قدر الإنفاق، أما السؤال في الآية المتقدمة التي نزلت في شأن
عمرو بن الجموح فكان عن الجهة التي تصرف إليها: ((قل: ما أنفقتم من خير
فللوالدین .. )).
٦٥٤
٧
الُ (٢) - البَفَرّة: ٢٢٠/٢
والعفو: ما سُهل وتيسر وفَضَل، ولم يشق على القلب إخراجه، ويكون
المعنى: أنفقوا ما فضل عن حوائجكم، ولم تُؤذوا فيه أنفسكم، فتكونوا عالة.
وأما حكمة إطلاق الأمر بالنفقة في مبدأ الإسلام: ﴿ وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[البقرة: ١٩٥/٢] فلأن المسلمين كانوا في الماضي فئة قليلة تحتاج إلى التضامن
والتعاون فيما بينها لتحقيق المصلحة العامة، ولأن الإنفاق ينبغي فيه أن يحقق
الكفاية، سواء كان لإغناء الفقراء، أو لصد الأعداء. فلما كثر المسلمون،
وتحقق ما يكفي الصالح العام، ظهرت الحاجة إلى تقييد الإنفاق، لذا سأل
المسلمون: ماذا ينفقون؟ فأجيبوا بأنهم ينفقون الفضل والزيادة عن حاجة من
يعولونهم.
وأرشد قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ وما تلاه بعدئذ: ﴿فِي الدُّنْيَا
وَاْأَخِرَةُ﴾ في الآية التالية إلى ضرورة استخدام الفكر، وتنمية دائرة التفكير،
واستعمال العقل في مصالح الدارين معاً. لذا قال علماؤنا: إن تعلم ما تحتاج
إليه الأمة في معايشها من الفنون والصناعة والزراعة والتجارة وشؤون الحرب
والدفاع من الفروض الدينية الكفائية، إذا أهملها الكل أثموا.
الولاية على مال اليتيم
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّىّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُّخَالِطُوهُمْ
فَإِخْوَانُكُمّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزُ
٢٠
حَكِيمٌ
الإعراب:
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ جار ومجرور في موضع نصب، متعلق إما بفعل:
﴿تَفَكَّرُونَ﴾ في الآية السابقة أو بفعل: ﴿يُبَيُِّ﴾، وتقدير: يبين الله لكم
الآيات في الدنيا والآخرة، لعلكم تتفكرون ﴿إِصْلَاحٌ﴾ مبتدأ، وهو نكرة ساغ
الابتداء به لتقييده بالمجرور الذي هو: ﴿لَّمْ﴾، و﴿خَيْرٌ﴾: خبر إصلاح.
٠
س
٦٥٥
الُجُزْءُ (٢) - البَقَة: ٢٢٠/٢
﴿ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِّحَّ﴾ الألف واللام فيهما للجنس، لا
للمعهود، أي يعلم هذين الصنفين، كقولهم: الرجل خير من المرأة، أي
جنس الرجال خير من جنس النساء.
البلاغة:
﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ﴾ فيه التفات من غيبة إلى خطاب لأن قبله: ﴿ وَيَسَْلُونَكَ﴾
والحكمة من الالتفات: أن يتهيأ المخاطب لسماع مايلقى إليه وقبوله والتحرز
فیه.
[الْمُفْسِدَ مِنَ اُلْمُصْلِجْ﴾ فيه من علم البديع ما يسمى: الطباق.
المفردات اللغوية:
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ أي في أمر الدنيا والآخرة، فتأخذوا بالأصلح لكم
فيهما، والجار والمجرور متعلق بفعل: ﴿تَنَفَكّرُونَ﴾ في الآية السابقة، أي
تتفكرون فيما يتعلق بالدارين، فتأخذون بما هو أصلح لكم.
﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْبَتَمَى﴾ أي عن الإشراف على اليتامى وكفالتهم وما يلقونه
من الحرج في شأنهم، فإن واكلوهم أثموا، وإن عزلوا مالهم عن أموالهم
وصنعوا لهم طعاماً وحدهم، فحرج. واليتيم: من فقد أباه ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّمْ﴾
في أموالهم بتنميتها خير من ترك ذلك.
﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ﴾ تخلطوا أموالكم بأموالهم ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ لضيق عليكم
بتحريم المخالطة، والعنت: المشقة والإحراج ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالب على أمره.
﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه.
سبب النزول:
أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال: لما نزلت:
٦٥٦
لِلُعُ (٢) - البقرة: ٢٢٠/٢
﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيِمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢/٦] و﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى﴾ [النساء: ١٠/٤]، انطلق من كان عنده يتيم، فعزل
طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه،
فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله
وَلَه، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَى﴾ الآية.
قال الضحاك والسدي: سبب نزولها أنهم كانوا في الجاهلية يتحرجون من
مخالطة اليتامى في مأكل ومشرب وغيرهما.
المناسبة:
الحكمة في وصل السؤال عن اليتامى بالسؤال عن الإنفاق والسؤال عن
الخمر والميسر: هي التذكير بطائفة من الناس هي أحق بالإنفاق عليها
لإصلاحها وتربيتها، وهي جماعة اليتامى، فينفق عليها من العفو الزائد عن
الحاجة.
التفسير والبيان:
ويسألونك عن مخالطة اليتامى والقيام بأمرهم، هل يخالطونهم أو يجعلون
أموالهم مستقلة؟ فأجابهم تعالى: قصد إصلاح أموالهم بالتنمية والحفظ خير
من اعتزالهم، فإن كان في مخالطتهم إصلاح لهم ومنفعة، فذلك خير، فهم
إخوانكم في الدين والنسب، والأخ يخالط أخاه ويداخله ولا حرج في ذلك،
وإن كان في عزل بعض أموالهم كالنقود إصلاح لأموالهم، فهو خير، فعليكم
أن تراعوا المصلحة فيهم، وأن تحسنوا النظر في أموالهم.
فكانت هذه الآية إذناً في المخالطة مع صحة القصد، لا أن يقصد الولي نفع
نفسه بهذه الخلطة ويضر اليتيم، ولا يقبل أن تكون مخالطتهم ذريعة إلى أكل
أموالهم بغير حق، فالله سبحانه يعلم المحسن والمسيء وكل ما تضمره النفوس.
وجملة: ﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَ﴾ معناها التحذير، أخبر تعالى فيها
٦٥٧
الُ (٢) - الْبَقَرة: ٢٢٠/٢
أنه عالم بالذي يفسد من الذي يصلح، والمعنى: أنه يجازي كلاً منهما على
الوصف الذي قام به، وكثيراً ما ينسب العلم إلى الله تعالى على سبيل التحذير.
ولو شاء الله أن يضيق عليكم ويشدد بأن يوجب الاعتزال وعزل أموال
اليتامى عن أموالكم، لفعل ذلك، ولكنه ينظر للمصلحتين: مصلحة اليتيم،
ومصلحة التيسير ودفع الحرج، فشأنه تعالى الأخذ باليسر، كما قال: ﴿يُرِيدُ
اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيِدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥/٢] وقال: ﴿وَمَا
جَعَلَ عَلَيْكُمُ فِي الدِِّنِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨/٢٢].
وهو تعالى القوي الذي لا يُغلب، فهو قادر على أن يكلف بالشاق من
الأعمال، ولكنه حكيم في صنعه لا يكلف إلا مافيه الطاقة كما قال ﴿لَا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦/٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت هذه الآية على جواز التصرف في أموال اليتامى على وجه الإصلاح،
فيجوز لولي اليتيم أن يتاجر بأموال اليتامى بيعاً وشراء ومضاربة وقسمة وأن
يكون الولي نفسه هو المضارب.
وأن يخلط ماله بماله إذا توافر الصلاح ومراقبة الله في الأعمال، وبعد عن
الفساد والإفساد، خلافاً لما عليه أكثر الأوصياء على اليتامى.
قال الجصاص الرازي: دل قوله: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ﴾ على إباحة خلط ماله
بماله، والتصرف فيه في الصهر والمناكحة، وأن يزوجه بنته، أو يزوج اليتيمة
بعض ولده، فيكون قد خلط اليتامى بنفسه وعياله، واختلط هو بهم،
والدليل: هو إطلاق لفظ المخالطة.
وإذا كانت الآية قد دلت على جواز خلط مال اليتيم بماله في مقدار ما
يغلب في ظنه أن اليتيم يأكله، على ماروي عن ابن عباس، فقد دلت على جواز
٦٥٨
لُرُ (٢) - البَفَرَة: ٢٢٠/٢
المناهدة(١) التي يفعلها الناس في الأسفار، فيخرج كل واحد منهم شيئاً
معلوماً، فيخلطونه، ثم ينفقونه، وقد يختلف أكل الناس. ويدل لجواز المناهدة
أيضاً قوله تعالى في قصة أهل الكهف: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِةٍ
إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزَكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩/١٨] فكان الورِق (الفضة)
لهم جميعاً بقوله: ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ فأضافه إلى الجماعة، وأمر أحدهم بالشراء،
ليأكلوا جميعاً منه (٢).
ودل قوله: ﴿إِصْلَاٌ لَّمْ خَيْرٌ﴾ على أن التجارة في مال اليتيم وتزويجه لیس
بواجب على الوصي؛ لأن ظاهر اللفظ يدل على أن مراده الندب والإرشاد.
ودل ظاهر الآية على أن ولي اليتيم يعلِّمه أمر الدنيا والآخرة، ويستأجر له
ويؤاجره ممن يُعلِّمه الصناعات. وإذا وُهب لليتيم شيء، فللوصي أن يقبضه لما
فيه من الإصلاح(٣).
أما الإشهاد من الوصي أو الكفيل على الإنفاق من مال اليتيم، فله عند
المالكية حالتان: حالة يمكنه الإشهاد عليها، فلا يقبل قوله إلا ببينة، كإعطاء
الأم أو الحاضنة النفقة والكسوة، فلا يقبل قوله على الأم أو الحاضنة إلا ببينة
أنها كانت تقبض ذلك له مشاهرة أو مُساناة (سنوياً). وحالة لا يمكنه الإشهاد
عليها، فقوله مقبول بغير بينة، كالأكل واللبس في كل وقت.
وقد نشأت من هذه الآية مذاهب في تزويج الرجل نفسه من يتيمته إن
كانت تحل له، وفي الشراء لنفسه من مال اليتيم.
فقال مالك: لا يزوج الرجل نفسه من اليتيمة، ولكن يشتري لنفسه من
مال اليتيم.
(١) المناهدة: الأكل الجماعي المشترك من زاد السفر المختلط.
(٢) أحكام القرآن: ٣٣١/١.
(٣) المرجع والمكان السابق.
٦٥٩
الُ (٢) - الْبَقَرة: ٢٢١/٢
وقال أبو حنيفة: إذا كان الإصلاح خيراً فيجوز تزويجه ويجوز أن يُزوَّج
منه. وله كما قال مالك أن يشتري من مال الطفل اليتيم لنفسه بأكثر من ثمن
المثل؛ لأنه إصلاح دل عليه ظاهر القرآن.
والشافعي: لا يرى في التزويج إصلاحاً، إلا من جهة دفع الحاجة، ولا
حاجة قبل البلوغ، ولا يجوز له الشراء من مال اليتيم؛ لأنه لم يذكر في الآية
التصرف.
وأحمد: يجوِّز للوصي التزويجَ؛ لأنه إصلاح(١).
الاجتهاد:
استنبط الجصاص من قوله: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ﴾ جواز الاجتهاد في
أحكام الحوادث؛ لأن الإصلاح الذي تضمنته الآية إنما يعلم من طريق
الاجتهاد وغالب الظن(٢).
وأرشدت الآية إلى أن الأحكام الإسلامية مبنية على اليسر والسماحة،
متلائمة مع القدرة والطاقة البشرية المعتادة دون إعنات ولا إحراج، مع أن الله
قادر على أن يضيق علينا ويشدد في أحكامه، ولكنه لم يشأ إلا التسهيل علينا.
زواج المسلم بالمشركة
﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةُ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ
أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكٍ وَلَوْ
أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهٌِ وَيُبَيِّنُ
ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَُّونَ
(١) تفسير القرطبي: ٦٤/٣، أحكام القرآن للجصاص: ٣٣٠/١
(٢) الجصاص، المرجع والمكان السابق.
٦٦٠
لالُرُ (٢) - الَفَة: ٢٢١/٢
البلاغة:
﴿ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَاَللَّهُ يَدْعُوّاْ إِلَى الْجَنَّةِ﴾ يوجد طباق بين كلمتي النار
والجنة.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾ لا تتزوجوا بالنساء الحربيات غير الكتابيات.
واحدها مشركة: وهي من ليس لها كتاب، وقيل: المشركات: الكافرات.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ لجمالها ومالها، وهذا على تفسيرها بالكافرات مخصوص بغير
الكتابيات بآية: ﴿ وَالْمُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَبَ﴾ [المائدة: ٥/٥] وسورة المائدة
كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط، وهو قول ابن عباس والأوزاعي . ﴿وَلَا
تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا تزوجوا نساءكم المؤمنات الكفار مطلقاً.﴿وَلَوْ
أَعْجَبَكُمْ﴾ لماله وجماله. ﴿أُوْلَئِكَ﴾ أي أهل الشرك. ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي إلى
العمل الموجب لها، فلا تليق مناكحتهم. ﴿وَاَللَّهُ يَدْعُوّا﴾ على لسان رسله. ﴿إِلَى
اُلْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ أي العمل الموجب لهما.﴿بِإِذْنِهُِ﴾ بإرادته، فتجب إجابته
بتزويج أوليائه .﴿يَتَذَّكَّرُونَ﴾ يتعظون.
سبب النزول:
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي عن مقاتل قال: نزلت هذه
الآية في ابن أبي مِرْتَد الغَنَوِيّ استأذن النبيِ نََّ في ((عَناق)) أن يتزوجها وهي
مشركة، وكانت ذات حظ من جمال، فنزلت.
وفي عبارة أو في رواية أخرى: ((أن رسول الله وَّل بعث مِرْتَد بن أبي مِرْئَد
الغنوي إلى مكة، ليخرج منها ناساً من المسلمين، وكان يهوى امرأة في
الجاهلية اسمها: عَنَاق، فأتته، وقالت: ألا تخلو؟ فقال: ويحك، إن الإسلام
قد حال بيننا؛ فقالت: فهل لك أن تتزوج بي؟ قال: نعم، ولكن أرجع إلى
رسول الله وَله، فأستأمرُه، فاستأمَرَه، فنزلت)).