Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
لُعُ (٢) - الَفَرَة: ١٩٠/٢-١٩٥
وأكّد الله تعالى أوامره ونواهيه في كثير من الآيات بالأمر بتقوى الله
للوصول إلى الفلاح، والمعنى: اتقوا الله، فافعلوا ما أمركم به، واتركوا ما
نهاكم عنه، لتفلحوا غداً أو رجاء أن تكونوا من المفلحين إذا وقفتم بين يديه،
فيجازيكم على التمام والكمال.
قواعد القتال في سبيل اللّه
وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوْاْ إِنَ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْغِنْنَةُ أَشَدُّ مِنَ
الْمُعْتَدِينَ
الْقَتْلِّ وَلَا نُقَدِلُهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَةٍ فَإِن قَلُوَّكُمْ فَأَقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ
وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ
فَإِنِ أَنَهَوْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
جَزَآءُ الْكَفِينَ
الثَّهُ الْخَمُ بِالشَّهْرِ الْخَرَامِ
١٣
وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوَأْ فَلَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّلِينَ
وَالْخُرُمَتُ قِصَاصُّ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْنَدُواْ عَلَيَّهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بَِدِيكُمْ إِلَى الَُّكَةِ
١٩٤
وَأَعْلَمُوَأْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
١٩٥)
وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
القراءات:
﴿ وَلَا نُقَائِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَتِلُوكُمْ﴾: قرئ:
١- (ولا تقتلوهم ... حتى يقتلوكم)، وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٢- وقرأ الباقون: (ولا تقاتلوهم ... حتى يقاتلوكم).
البلاغة:
﴿ الشَّهُ الْحَرَمُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ فيه ما يسمى بحذف الإيجاز، تقديره: هتك
حرمة الشهر الحرام تقابل بهتك حرمة الشهر الحرام.
﴿فَمَنِ اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ﴾ سمي جزاء العدوان عدواناً من قبيل

٥٤٢
الْجُرُ (٢) - الَرَة: ١٩٠/٢-١٩٥
((المشاكلة)): وهي الاتفاق في اللفظ، مع الاختلاف في المعنى، مثل قوله تعالى
أيضاً: ﴿وَجَزَّؤُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢]، وقوله: ﴿وَيَمْكُّرُونَ
وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠/٨]، تقول العرب: ظلمني فلان
فظلمته، أي جازيته بظلمه. ومثل: ﴿فَلَ عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الَّلِينَ﴾ [البقرة: ٢/
١٩٣] سمي ما يصنع بالظالمين عدواناً من حيث هو جزاء عدوان؛ إذ الظلم
يتضمن العدوان، فسمي جزاء العدوان عدواناً.
المفردات اللغوية:
﴿ وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي لإعلاء دينه، لأنه طريق إلى مرضاته، فالقتال
في سبيل الله: هو القتال لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه . ﴿يُقَتِلُونَكُمْ﴾ أي يتوقع
منهم قتالكم . ﴿ وَلَا تَعْتَدُوّأْ﴾ أي لا تبدؤوهم بالقتال. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ﴾ المتجاوزين ما حُدَّ لهم من الشرائع والأحكام. ومحبة الله
لعباده: إرادة الخير والثواب لهم. ﴿نَّطِفْتُوُهُمْ﴾ وجدتموهم وأدركتموهم. ﴿مِّنْ
حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي من مكة، وقد فعل بهم ذلك عام فتح مكة . ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾
الشرك منهم أعظم من القتل لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظمتموه.
وقيل: إن المراد بالفتنة: ما يقع من المشركين من صنوف الإيذاء والتعذيب.
﴿عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي في الحرم. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي القتل والإخراج. ﴿فَإِ
أَوْا﴾ عن الكفر وأسلموا . ﴿ وَيَكُونَ الِيْنُ لِلَّهِ﴾ أي ویکون دین كل شخص
خالصاً لله، لا يخشى غيره، ولا يصدّ عنه، ولا يحتاج إلى محاباة أو استخفاء.
والدين: يشمل الاعتقاد والعبادة والعمل الصالح.
﴿فَإِنِ اْتَهَا﴾ عن الشرك. ﴿فَلَا عُدْوَنَ﴾ أي لا تتعدوا عليهم بقتل أو غيره.
﴿إِلَّا عَلَى اَلْتَِّينَ﴾ أي المتجاوزين حدودهم المعتدين على غيرهم، فمن انتهى
عن الشرك والاعتداء فليس بظالم، فلا عدوان عليه.
﴿الشَّهُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْخَرَامِ﴾ ردّ على استعظام القتال في الأشهر الحرم، إذ

٥٤٣
لِلُعُ (٢) - البََرة: ١٩٠/٢-١٩٥
هتك حرمة الشهر الحرام من المسلمين مقابل هتك حرمة الشهر الحرام من
الكفار.
﴿ وَالْخُمَاتُ﴾ جمع حرمة: وهي ما يجب احترامه . ﴿قِصَاصُ﴾ أي يقتص
بمثلها إذا انتهكت . ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ بالقتال في الحرم أو الإحرام، أو
الشهر الحرام.﴿فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ﴾ سمى مقابلة الاعتداء اعتداء، لشبهها بالمقابل به
في الصورة. ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ في الانتصار، وترك الاعتداء. ﴿ وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ
اَلْمُتَّقِينَ﴾ بالعون والنصر.
وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في طاعته بالجهاد وغيره. ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيكُمْ﴾
أي أنفسكم . ﴿إِلَى الَُّكَةِ﴾ الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه؛
لأنه يقوي العدو عليكم. ﴿وَأَحْسِنُواْ﴾ بالنفقة وغيرها. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ﴾ أي يثيبهم.
سبب النزول:
قوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. قال ابن عباس فيما أخرجه
الواحدي: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله وَ ال#ولما
صُدَّ عن البيت هو وأصحابه، نحر الْهَدْي بالحديبية، ثم صالحه المشركون على
أن يرجع عامه، ثم يأتي القابل، على أن يُخْلُوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف
بالبيت ويفعل ما شاء. وصالحهم رسول الله وهلقر؛ فلما كان العام المقبل، تجهّز
رسول الله ﴿ وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك،
وأن يصدّوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر
الحرام في الحرم، فأنزل الله: ﴿ وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ يعني
قريشاً.
وقوله: ﴿ الشَّهُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَامِ﴾ الآية، قال قتادة فيما أخرجه الطبري:
أقبل نبي الله وَّير وأصحابه في ذي القعدة، حتى إذا كانوا بالحديبية، صدَّهم

٥٤٤
الُ (٢) - البَفَرَة: ١٩٠/٢-١٩٥
المشركون، فلما كان العام المقبل دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القعدة،
وأقاموا بها ثلاث ليال، وكان المشركون قد فَجَروا عليه حين ردّوه يوم
الحديبية، فأقصّه الله تعالى منهم، فأنزل: ﴿الشَّهُ الْخَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَامِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿ وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِّ وَأَحْسِنُوَّاْ إِنَّ اللَّهَ
(9) الآية، قال الشعبي: نزلت في الأنصار، أمسكوا عن
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
النفقة في سبيل الله تعالى، فنزلت هذه الآية. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن
أبي جبيرة بن الضحاك قال: كانت الأنصار يتصدقون ويطعمون ما شاء الله،
فأصابتهم سَنَة (قحط)، فأمسكوا، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.
وروى البخاري عن حذيفة قال: نزلت الآية في النفقة. وأخرج أبو داود
والترمذي وصححه، وابن حبان والحاكم وغيرهم، عن أبي أيوب الأنصاري
قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعزّ الله الإسلام، وكثر
ناصروه، قال بعضنا لبعض سرّاً: إنّ أموالنا قد ضاعت، وإنّ الله قد أعزّ
الإسلام، فلوأقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله يردّ علينا ما
قلنا: ﴿وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى الََّلُكَةِ﴾، فكانت التهلكة:
الإقامة على أموالنا وإصلاحها وتركنا الغزو.
المناسبة:
وردت هذه الآيات في الإذن بالقتال لِلْمُخْرمين في الأشهر الحرم، إذا
فوجئوا بالقتال بغياً وعدواناً، فهي متصلة بما قبلها؛ لأن الآية السابقة بيّنت
أن الأهلّة مواقيت للناس في عباداتهم ومعاملاتهم وحجهم، والحج يكون في
أشهر هلالية مخصوصة، كان القتال فيها محرماً في الجاهلية؛ فأوضحت هذه
الآيات أنه لا حرج عليكم في القتال في هذه الأشهر، دفاعاً عن دينكم،
وتربية لمن يفتنكم عنه، وينكث العهد، لا لأهواء النفوس، فالآية متصلة بما
سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت من ظهورها حال الإحرام. ثم إنه بعد الأمر
بالتقوى ذكر أشدّ أقسام التقوى وأشقها على النفس.

٥٤٥
لِلُعُ (٢) - الْبَقَرّة: ١٩٠/٢-١٩٥
مشروعية القتال:
كان القتال قبل الهجرة محظوراً بآيات كثيرة، منها: ﴿أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ
أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤/٤١]، ﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
[المائدة: ١٣/٥]، ﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥/١٦]، ﴿فَإِن تَوَلَّوْأ
فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ الْمُبِينُ (﴿1﴾ [النحل: ٨٢/١٦]، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ
سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣/٢٥]، ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (َ﴾ [الغاشية: ٢٢/٨٨]،
﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِحَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥/٥٠]، ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا
يَرْجُونَ أَيَّامَ الَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤/٤٥].
ثم نسخ الله وجوب هذا كله في المدينة بقوله تعالى: ﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدَ تَّهُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥/٩]، وقوله: ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَلَا بِاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ [التوبة: ٢٩/٩].
وأما أوّل آية نزلت في الإذن بالقتال، فهي كما روي عن أبي بكر الصديق
رضي الله عنه: ﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ
الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقِّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:
(٣٩
قلے
٣٩/٢٢ -٤٠].
وروي عن جماعة من الصحابة والربيع بن أنس وغيره(١) أن أول آية نزلت
في الإذن بالقتال هي: ﴿ وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ وهذا رأي
أكثر علماء التفسير (٢).
التفسير والبيان:
قاتلوا في سبيل الله ونصرة دينه وإعزاز كلمته أيها المؤمنون، فإني أذنت لكم
(١) قال القرطبي وأبو حيان وغيرهما: وأكثر الرواة على هذا.
(٢) البحر المحيط: ٦٥/٢

٥٤٦
الُعُ (٢) - البََّقَرَّة: ١٩٠/٢-١٩٥
في قتال المشركين الذين فتنوكم عن دينكم، وأخرجوكم من دياركم، وقاتلوكم
ونكثوا عهودكم. والمقاتلة في سبيل الله: هي الجهاد للكفار لإظهار دين الله
وإعلاء كلمته.
ولا تعتدوا بالبدء بالقتال، ولا بقتل المسالمين، ولا بقتل غير المقاتلة من
النساء والصبيان والعجزة والشيوخ، ولا بتخريب الدور وقطع الأشجار،
وإحراق الزروع والثمار، فإن الله يكره الاعتداء، ولا سيما حين الإحرام،
وفي أرض الحرم، وفي الأشهر الحرم.
وإذا نشب القتال بينكم وبين أعدائكم، فاقتلوهم أينما أدركتموهم،
وحيثما وجدتموهم، ولو في أرض الحرم، وأخرجوهم أو أجلوهم من المكان
الذي أخرجوكم منه وهو مكة. فإنهم أخرجوكم من وطنكم وهو مكة،
وتعاونوا على إخراجكم منها، وصادروا أموالكم، وأخذوا ممتلكاتكم،
وفتنوكم عن دينكم بالإيذاء والتعذيب والاضطهاد بسبب عقيدتكم، وهذه
الفتنة في الدين أشد على المؤمن الحرّ الأبي من قتل النفوس؛ لأن العقيدة
أقدس شيء في الوجود، وأغلى وأسمى من كل شيء في الكون، وليس هناك
بلاء ومضايقة على الإنسان أشد من إيذائه واضطهاده في دينه، وتعذيبه من
أجل عقيدته التي تمكنت في قلبه وعقله ونفسه، ورأى السعادة في الدنيا
والآخرة بسلامتها وصحتها ووجودها لديه، فھي الکنز ورأس المال الرابح،
ويهون في سبيلها التضحية بالنفس والنفيس، فيكون ما تفعلونه معهم من القتل
في الحرم أقل مما يتصفون به من الفتنة، أي التعذيب من أجل إرجاعكم إلى
الكفر، وقال بعضهم: أي شركهم بالله وكفرهم به أعظم جرماً وأشدّ خطراً
من القتل الذي عيَّروكم به(١).
ثم استثنى الحقّ سبحانه وتعالى مكاناً خاصاً من عموم الأمة بقتل المحاربين
في أي مكان، وهو قتالهم في المسجد الحرام؛ لأن من دخله كان آمناً، فلا
(١) البحر المحيط: ٦٥/٢

٥٤٧
الجُ (٢) - الْبَقَة: ١٩٠/٢-١٩٥
تقاتلوهم فيه حتى يقاتلوكم، ولا تستسلموا لهم أبداً؛ لأن الشّر بالشّر،
والبادئ أظلم، فإن قاتلوكم فيه فاقتلوهم؛ لأن سنّة الله أن يجازى الكافرون
مثل هذا الجزاء، وأن يعذبوا مثل هذا العذاب، بسبب بدئهم بالعدوان،
وظلمهم أنفسهم، فيلقَوْن جزاء ما صنعوا.
فإن توقفوا عن القتال أو كفّوا عن الكفر والشّرك، ودخلوا في دين الله،
فإن الله يتقبل أعمالهم ويغفر لهم ما تقدّم منهم؛ لأنه غفور للسيئات، رحيم
بالعباد، يمحو عنهم الخطيئات إذا تابوا وأنابوا إلى ربهم، وأحسنوا واتّقوا:
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦/٧]، وتفسير المنتهى
عنه فيه رأيان: ذهب ابن عباس إلى أن معنى الآية: فإن انتهوا عن القتال،
وذهب الحسن إلى أن المعنى: فإن انتهوا عن الشرك؛ لأنه لا غفران لهم إلا إذا
انتهوا عن الشرك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
يَشَآءٌ﴾ [النساء: ٤٨/٤].
وبعد أن بَيَّن الله بقوله أوّلاً: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الإذن بالقتال أو
البدء به، ذكر الغاية من القتال: وهي إقرار مبدأ الحرية، وألا يوجد شيء من
الفتنة في الدين، فقال: اقصدوا بقتالهم أن تزول الفتنة والكفر وأنواع الإيذاء
والضَّرر التي تلحق المسلمين بوجودهم في مكة، وإزالة الفتنة: بألا تكون لهم
قوة يفتنونكم بها في دينكم، ويؤذونكم، ويمنعونكم من إظهار دعوة الله تعالى.
واستمروا في قتالهم حتى يكون الدين من كل شخص خالصاً لله، لا أثر
لخشية غيره فيه، وحتى يكون الدين ظاهراً قائماً تمارس شعائره، دون خوف أو
إرهاب أو استخفاء، وحتی یأمن المسلم في الحرم، فیعلن أمور دینه دون تهیب
من أحد، فيكون معنى ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: أن يكون الله هو المعبود وحده.
هذا مع العلم بأن الكفار في مكة كانوا أحراراً آمنين في عبادتهم الأصنام،
، والمؤمنون بالله مطرودون منها، ومن بقي فهو خائف لا یظهر دينه.
:

٥٤٨
الُ (٢) - الْبَغَرة: ١٩٠/٢-١٩٥
فإن انتهوا عما كانوا عليه وكفّوا عن قتالكم، ورجعوا عن الكفر،
وأسلموا وسالموا، فلا تعتدوا عليهم إلا على من ظلم واعتدى، فيكون قتاله
تأديباً له وإصلاحاً لشأنه، حتى يكفّ عن ظلمه ويرتدع عن غيِّه، وتطبق عليه
أحكام الشرع.
والحرمة: ما مُنِعتَ من انتهاكه، والقصاص: المساواة.
وعلى هذا تكون مقابلة العدوان وانتهاك الحرمات أمراً مطلوباً في موازين
الشرع والعقل والعرف، فمن استحلّ دمكم في الشهر الحرام، فاستحلوا دمه
فيه، وقابلوا بالمثل هتك حرمة الشهر، ولا تتحرّجوا بالقتال فيه للدفاع عن
الدين والنفس وإعلاء كلمة الله. والحرمات وهي الشهر الحرام، والبلد
الحرام، وحرمة الإحرام، يجب قصاص المشركين على انتهاكها، ومعاملتهم
بالمثل. فمن انتهك حرمتها، فافعلوا به مثل فعله، وإن منعوكم عن قضاء
العمرة هذه السّنة بموجب العهد والاتِّفاق معهم، وقاتلوكم، فاقتلوهم؛ لأن
الدفاع عن النفس أمر واجب ولا حرج فيه ولو كان في مكة، أو في حال
الإحرام، أو في شهر حرام.
ثم أبان الله تعالى حكماً دائماً، وسنة مستقرة: وهو أن العدوان يقابل
بمثله، وما كان على سبيل القصاص (المعاملة بالمثل) فهو مأذون فيه. ولكن
مقابلة العدوان مقيدة بمبادئ الفضيلة والتقوى والمدنية والإنسانية، فاتّقوا الله
ولا تظلموا، واحذروا أن تعتدوا، والتزموا حدود العدل ودفع الضرر
وإحقاق الحق والبقاء على المدنيات، ومنافع الناس، والترفع عن الانتصار
للأهواء والشهوات وحظوظ النفس التي قد تتمادى في الغي والحقد والتهور
والطيش، واعلموا أن الله نصير المتقين، ومؤيد الأتقياء، ومثيب الصلحاء،
فهو ينصرهم على الأعداء، ويحقق لهم الغلبة، ويمكّن لهم في الأرض، تأييداً
لدين الله وإعلاء لكلمته.
والجهاد كما يكون بالنفس يكون أيضاً بالمال، فهو يحتاج إلى الأنفس

٥٤٩
لِلُ (٢) - البَفَرَّة: ١٩٠/٢-١٩٥
المقاتلة، وإلى الأموال التي يشترى بها السلاح، وينفق بها على المحاربين، لذا
أمر الله بإنفاق المال في سبيل الجهاد، فقال: وابذلوا المال في سبيل الله أي
سبيل الجهاد لشراء العتاد والسلاح ونفقات الحرب، فالإنفاق في الحروب
والمال في المعارك يدعم القتال، ويحقق النصر والفوز، واحذروا من التلكؤ
والتقصير في واجب الإنفاق، فإنه مهلكة للأمة، مضيعة للجماعة، إتلاف
للأنفس، وإياكم أن تلقوا بأنفسكم إلى سبل الدمار والهلاك، وأعدوا العدة
اللازمة المكافئة للقتال بحسب كل زمان ومكان وحال كما قال الله تعالى:
﴿ وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠/٨] بتعليم الرجال القتال،
وإعداد السلاح المناسب المتطور، وتحصين النفوس بالخلق المتين والعلم
الصحيح، فإن الجيوش الجرارة قد تصاب في كبدها من ضعفاء النفوس الذين
يشتريهم العدو بالرشوة والمال وأنواع الإغراءات المادية والمعنوية، كما أنها قد
تخسر الحرب بسبب جهلها ونقص تكوينها وتقصيرها عن مستوى أعدائها في
التخطيط والتدبير والتدرب على استعمال السلاح الحديث.
وما أروع وأحكم ما ختمت به هذه الآية: وهو إحسان العمل، فأحسنوا
أعمالكم بامتثال الطاعات وأتقنوها، فالله يحب المحسنين ويجازيهم أحسن
الجزاء، وذلك مكمل للجانب الأدبي الرفيع والحضاري السامي الذي ختمت
به الآية السابقة وهو التزام التقوى والفضيلة، فتكون الخاتمتان قد جمعتا بين
وسائل القوتين المادية والمعنوية ومقوماتها وقيودها.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستخلص من هذه الآية وغيرها الواردة في بيان حالات مشروعية القتال،
وحكمة الإذن بالجهاد مايأتي:
١ - شرع القتال في سبيل الله لرد العدوان وحماية الدعوة، وحرية الدين
الإلهي.
٢ - كان تشريع القتال متصفاً بالعدل والحق، فهو لا اعتداء فيه على أحد،

٥٥٠
الجُرُ (٢) - الْبَقَرّة: ١٩٠/٢-١٩٥
ولا يتجاوز فيه ما تقتضيه الضرورة الحربية، وليس الهدف منه التدمير
والتخريب، ولا الإرهاب المجرد، فلا يقتل غير المقاتلين، ولا تقتل النساء
والصبيان ونحوهم من الرهبان والعجزة والمرضى والشيوخ، ولا تقطع الزروع
والثمار، ولا تذبح الحيوانات إلا لمأكلة، كما جاء في الوصايا النبوية ووصايا
الخلفاء الراشدين.
٣ - لم يكن القتال لإكراه الناس على اعتناق الإسلام، فذلك منفي أصلاً
في شريعة القرآن، بآيات كثيرة منها: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِىِ الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦/٢]
﴿أَفَنَتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩/١٠].
٤ - لم يشهد التاريخ أمة منصفة، رحيمة بالضعفاء، مترفعة عن الدنايا
وسفساف الأمور، مثل أمة الإسلام، كما اعترف بذلك المنصفون من قادة
الفكر في الغرب، قال الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون: ((ما عرف التاريخ
فاتحاً أعدل ولا أرحم من العرب)). أما ما يزعمه الحاقدون والجهلة من أن
الإسلام دين قام بالسيف، فهو مجرد فرية أملاها الحقد الدفين وتشويه الحقائق
وكذبها التاريخ والواقع.
وأما المفسرون فقد أثاروا وبحثوا عدة مسائل بمناسبة هذه الآية أهمها
ما يأتي :
اً - هل آية ﴿وَقَتِلُواْ فِىِ سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ منسوخة؟
أ - قال جماعة من العلماء: مفاد هذه الآية أنه يحل لكم القتال إن قاتلكم
الكفار، ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ
كَافَّةٌ﴾ [التوبة:٠ ٣٦/٩] وقوله: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَارِ
ج
وَلْيَجِدُواْ فِيكُمُ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣/٩] وقوله: ﴿فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥/٩] وقوله: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ
الْآَخِ﴾ [التوبة: ٢٩/٩] وهذه كلها تأمر بالقتال لجميع الكفار، وتدل على عموم
شرع القتال للمشركين، سواء قاتلوا المسلمين أو لم يقاتلوهم.

٥٥١
لِلُزُ (٢) - البَفَرَّة: ١٩٠/٢-١٩٥
ب - وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد: الآية محكمة، أي
قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان
والرهبان وشبههم. قال أبو جعفر النحاس: وهذا أصح القولين في السنة
والنظر.
أما السنة فحديث ابن عمر الذي رواه الأئمة: أن رسول الله و ليه رأى في
بعض مغازيه امرأة مقتولة، فكرِه ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان.
وأما النظر: فإن (فاعل) لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة
والمشاتمة والمخاصمة، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن
أشبههم، كالرهبان والزَّمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون. وبهذا أوصى أبو
بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام، فيما رواه
مالك وغيره، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية.
أما النساء: فإن قاتلن برأي أو تحريض على القتال أو إمداد بمال قُتِلن، في
حالة المقاتلة وبعدها في رأي سُخْنون، لعموم قوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠/٢] ﴿وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَّفِضْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١/٢].
ولا تقتل المرأة التي لا تقاتل، سواء في أثناء المعركة، أو بعد الأسر
والأخذ، لما رواه الطبراني عن ابن عباس عن النبي وَّ قال: (( .. ولا تقتلوا
وليداً ولا امرأة ولا شيخاً)).
وأما الصبيان: فلا يقتلون أيضاً، للنهي الثابت في السنة عن قتل الذرية،
فقد ثبت أنه رَّ نهى عن قتل النساء والصبيان. وقال فيما رواه أحمد
وأصحاب السنن إلا الترمذي عن رباح بن ربيع: ((لا تقتلوا ذُرِّية ولا عَسِيفاً)»
أي أجيراً، ولأنه لا تكليف عليهم؛ فإن قاتل الصبي قتل.
وأما الرهبان: فلا يقتلون، بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم، إذا
انفردوا عن أهل الكفر، لقول أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان في وصيته

٥٥٢
◌ِلُزُرُ (٢) - الْبَقَة: ١٩٠/٢-١٩٥
المشهورة(١) فيما رواه مالك في الموطأ: (( .. وستجد قوماً زعموا أنهم حبسوا
أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له)).
وأما الزَّمْنِى (المرضى): فالصحيح أن تعتبر أحوالهم، فإن كانت فيهم إذاية
قُتلوا، وإلا تُركوا، وما هم بسبيله من الزمانة.
وأما الشيوخ: ففي رأي جمهور الفقهاء: إن كان شيخاً كبيراً هرِماً لا يُطيق
القتال، ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة، فإنه لا يقتل، لقول أبي بكر ليزيد،
ولأنه ممن لا يُقاتِل ولا يعين العدو، فلا يجوز قتله كالمرأة، وأما إن كان ممن
تخشى مضرّته بالحرب أو الرأي أو المال، فيخير فيه الإمام في رأي المالكية إذا
أسره بين خمسة أشياء: القتل، أو المن، أو الفداء، أو عقد الذمة على أداء
الجزية، أو الاسترقاق (في الماضي). وكذلك أجاز الشافعي بعد الأسر قتل
ما عدا النساء والصبيان.
وأما العُسَفاء وهم الأجراء والفلاحون: فلا يقتلون في رأي مالك،
للحديث السابق عن رباح بن ربيع: ((الحق بخالد بن الوليد، فلا يقتلنَّ ذرية
ولا عسيفاً)) وقال عمر بن الخطاب: ((اتقوا الله في الذرّية والفلاحين الذين
لا يَنْصُبون لكم الحرب)). وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حرَّاثاً.
وقال الشافعي: يقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار، إلا أن
يُسلموا، أو يؤدوا الجزية.
جـ - ولم ير الفخر الرازي نسخ آية ﴿ وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾
بآية ﴿وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْتُمُوهُمْ﴾ لأن ذكر العام بعد الخاص يثبت زيادة حكم على
(١) أوصى أبو بكر سنة ١٣ هـ يزيد بن أبي سفيان بن حرب الذي أرسله قائداً على جيش إلى
الشام، بعد أن شيعه راجلاً: ((وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً
هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة، ولا بعيراً إلا لمأكلة،
ولا تحرقن نخلاً، ولا تغرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن)). رواه مالك في الموطأ- باب الجهاد.

٥٥٣
الُ (٢) - البَفَرّة: ١٩٠/٢-١٩٥
حكم الخاص، من غير أن ينسخه. وقال: وتحقيق القول: أنه تعالى أمر بالجهاد في
الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على المقاتلة، وفي هذه الآية: ﴿وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ
تَفِفْئُهُمْ﴾ زاد في التكليف، فأمر بالجهاد معهم، سواء أقاتلوا أم لم يقاتلوا،
واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام بقوله تعالى: ﴿وَلَا نُقَِلُوهُمْ عِنْدَ الْمسْجِدِ
اْحَرَامِ حَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَةٍ فَإِن قَلُوَّكُمْ فَأَقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ﴾.
وأما ماروي عن مقاتل: أن آية ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ منسوخة بقوله
تعالى: ﴿وَلَا نُقَئِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ثم تلك منسوخة أيضاً بقوله تعالى:
﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ فقال عنه الفخر الرازي: وهو ضعيف، أما أن
قوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ منسوخ، فقد تقدم
إبطاله. وأما قوله: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَلَا نُقَئِلُوهُمْ عِنْدَ الْسْجِدِ
الْخَرَامِ ﴾ فهو تخصيص لا نسخ. وأما قوله بنسخ آية ﴿وَلَا نُقَئِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ
اْحَرَامِ﴾ بقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فهو خطأ أيضاً؛ لأنه لا
يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهذا الحكم باق لم ينسخ، فثبت أن قوله
ضعيف. ولأنه يبعد من الحكيم أن يجمع بين آيات متتالية، تكون كل واحدة
منها ناسخة للأخرى(١).
أَ - أمان اللاجئ إلى الحرم:
تمسك الحنفية بآية ﴿ وَلَا نُقَئِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَةٌ﴾ في
عدم قتل الكافر اللاجئ للحرم، مادام لم يقاتل في الحرم. وتدل أيضاً بعمومها
على أن القاتل إذا لجأ إلى الحرم لا يقتل. ويؤيد حكم الاثنين قوله تعالى:
﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَّاً﴾ [آل عمران: ٩٧/٣] وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً
لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥/٢].
(١) تفسير الرازي: ١٢٩/٥

٥٥٤
الُزَعُ (٢) - البَقَرَّة: ١٩٠/٢-١٩٥
٣- غاية القتال وحكمته:
شرع القتال في الإسلام للدفاع عن النفس والبلاد والأعراض والحرمات،
ولم يشرع للعدوان والتقتيل وسفك الدماء.
وكانت الغاية السامية منه إقرار حرية الدعوة إلى الدين، وإعلاء كلمة الله
وإعزاز دينه، ونصرة شريعته وحماية أهله ودعاته.
وهل سبب القتال رد العدوان والإيذاء أو الكفر؟
بالأول قال جمهور من الفقهاء، وبالثاني قال الجمهور بدليل آية: ﴿وَقَئِلُوهُمْ
حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وفسروا الفتنة بالشرك أو الكفر، وبقوله
عليه الصلاة والسلام في الحديث المتواتر الذي أخرجه أصحاب الكتب الستة
عن أبي هريرة: ((أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) قال
القرطبي: فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر؛ لأنه قال:
﴿َّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ أي كفر، فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر(١). أي
أن المعنى: وقاتلوهم حتى يزول الكفر، ويثبت الإسلام، ونظيره قوله تعالى:
((تقاتلونهم أو يسلمون)).
٤- الظفر بالحق:
دلت آية ﴿فَمَنِ اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ على جواز
أخذ الحق من الظالم بأي طريق، ما لم يعد سارقاً. وهو مذهب مالك
والشافعي وغيرهم. قال ابن العربي(٢):
من أباح دمك فمباح دمُه لك، لكن بحكم الحاكم، لا باستطالتك وأخذ
ثأرك بيدك، ولا خلاف فيه.
(١) تفسير القرطبي: ٣٥٤/٢
(٢) أحكام القرآن: ١١١/١-١١٢

٥٥٥
الُ (٢) - البَفَرَة: ١٩٠/٢-١٩٥
ومن أخذ مالك فخذ ماله، إذا تمكنت منه، إذا كان من جنس مالك،
طعاماً بطعام، وذهباً بذهب، وقد أمنت من أن تعدَّ سارقاً.
وأما أخذ ما ليس من جنس مالك، فاختلف العلماء فيه، فمنهم من قال:
لا يؤخذ إلا بحكم حاكم، ومنهم من قال: يَتَحرَّی قیمته، ويأخذ مقدار
ذلك، وهو الصحيح عندي.
ومن أخذ عِرْضك فخذ عِرْضه، لا تتعداه إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه.
لكن ليس لك أن تكذب عليه، وإن كذب عليك، فإن المعصية لا تقابل
بالمعصية؛ فلو قال مثلاً: يا كافر، جاز لك أن تقول له: أنت الكافر، وإن
قال لك: یا زاني، فقصاصك أن تقول: یا کذاب، یا شاهد زور، ولو قلت
له: يا زاني، كنت كاذباً، فأثمت في الكذب، وأُخذت فيما نُسِب إليك من
ذلك، فلم تربح شيئاً، وربما خسرت. وإن مطلك غني دون عذر، قل: یا
ظالم، يا آكل أموال الناس.
قال النبيِ رََّ في الصحيح: (لَيُّ الواجد يُحِلُّ عِرْضه وعقوبتهُ))(١) أما عرضه
فبما فسرناه، وأما عقوبته فبالسجن حتى يؤدّي.
٥ - المماثلة في القصاص:
وأرشدت أيضاً آية ﴿فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ إلى مبدأ المماثلة
في القصاص، ونظيرها آية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ﴾
[النحل: ١٢٦/١٦]؛ فمن قتل بشيء قتل بمثل ما قَتَل به، مالم يقتله بفسق أو
معصية كاللواط وإسقاء الخمر، فيقتل بالسيف، وهذا قول الجمهور، واستثنى
المالكية أيضاً القتل بالنار أو السُّم، لا يقتل به، لقول النبي وَ طّور: ((لا يعذب
بالنار إلا الله)) والسم نار باطنة.
(١) اللي: المطل، والواجد: القادر على قضاء دينه. والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي
وابن ماجه والحاكم عن الشريد بن سويد.
٠

٥٥٦
الجزءُ (٢) - الْبَقَرة: ١٩٠/٢-١٩٥
وقال أبو حنيفة، وأحمد في الأصح في مذهبه: إنه لا قود إلا بحديدة، بدليل
حديث النعمان بن بشير - فيما رواه ابن ماجه والبيهقي والدار قطني: ((لا
قَوَد إلا بحديدة، ولا قَوَد إلا بالسيف)).
وانفرد أبو حنيفة بالقول فيمن قتل بخنق أو بُسمّ أو تردية من جبل أو بئر أو
بخشبة، إنه لا يُقتل ولا يُقتص منه؛ إذ القتل بمثقل عنده لا يوجب القصاص؛
لأنه قتل شبه عمد، يوجب الدية على عاقلة القاتل. وإنما القصاص يجب
بالقتل بمحدَّد حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفاً بالخنق والتَّردية.
٩ - الجهاد بالنفس والمال:
يكون الجهاد بالنفس والمال؛ لأن تجهيز الجيوش يحتاج إلى عتاد وسلاح
ونفقات، كاحتياج المعارك إلى الرجال الأشداء. فلو قصّر المسلم في الإنفاق في
سبيل إعلاء كلمة الله، فقد ألقى بنفسه إلى الهلاك، وأهلك الجماعة، ودمر
الأمة التي ينتمي إليها. وقد نزلت آية: ﴿ وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيكُ
إِلَى النَّْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥/٢] كما عرفنا في الأنصار حينما تعرضوا لقحط
وجدب في بعض السنوات، وظنوا ألا حاجة للنفقة؛ لأن الله قد أعز
الإسلام، وكثر ناصروه، فلم يقبل الله ذلك منهم؛ لأن الجهاد فريضة دائمة،
والإعداد للقتال واجب شرعي مستمر.
لاً- اقتحام أهوال الحرب أو العمل الفدائي:
اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب، وحمله على العدو وحده،
أيعد ذلك إلقاء بالنفس إلى التهلكة؟.
قال جماعة من المالكية: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم،
إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن فيه قوة، فذلك من
التهلكة.
وقيل: إذا طلب الشهادة، وخلصت النية، فليحمل؛ لأن مقصوده واحد

٥٥٧
لُعُ (٢) - البَقَرّة: ١٩٠/٢-١٩٥
من الأعداء، وذلك بيِّن في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ
أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اُللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧/٢]. وهذا هو الفدائي بحق. روي أن رجلاً
قال للنبي ◌َّه: أرأيت إن قُتِلتُ في سبيل الله صابراً محتسباً؟ قال: فلك الجنة))
فانغمس في العدو حتى قتل.
وقال محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين،
وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو؛ فإن
لم يكن كذلك فهو مكروه؛ لأنه عرَّض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين.
فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه، فلا يبعد
جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه.
وإن كان قصده إرهاب العدو، ليعلم صلابة المسلمين في الدِّين، فلا يبعد
جوازه.
وإذا كان فيه نفع للمسلمين، فتلفت نفسه لإعزاز دين الله، وتوهين الكفر،
فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١/٩] الآية، إلى
غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه.
وعليه ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أنه متى
رَجَا نفعاً في الدِّين، فبذل نفسه فيه، حتى قُتل، كان في أعلى درجات
الشهداء، قال الله تعالى: ﴿وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآَ
أَصَابَكٌ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧/٣١].
وروى ابن عباس عن النبي وَالر أنه قال: ((أفضل الشهداء: حمزة بن عبد
المطلب، ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر، فقتله)).

٥٥٨
اللُّعُ (٢) - البقرة: ١٩٦/٢-١٩٧
أحكام الحج والعمرة
وَأَنِعُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِّ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ
خَّ بَُّغَ الْهَدْىُ مِلٍَّ فَن كَانَ مِنَكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ
صَدَقَةٍ أَوْ ◌ُكٍّ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُبْرَةِ إِلَى الْحَحْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيَّ فَمَنَ لَّمْ يَجِدْ
فَصِيَامُ ثَثَةِ أَيَّامٍ فِ الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمُّ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُ
اُلْحَُ أَشْهُمٌ
حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَ الْحَجَّ فَلَ رَفَثَ وَلَا فُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَيْجُّ
وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ وَأَتَّقُونِ
١٩٧
يَتَأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ
القراءات:
﴿رَأْسِهِ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (راسه).
﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾:
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالَ).
﴿ وَأَتَّقُونِ﴾:
وقرأ أبو عمرو وصلاً: (واتقوني).
الإعراب:
﴿وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ متعلق بأتموا، وهو مفعول لأجله، ويجوز أن يكون في
موضع الحال، وعامله محذوف تقديره: كائنين لله.
:

٥٥٩
الُ (٢) - البَفَرّة: ١٩٦/٢ -١٩٧
﴿فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِّ﴾: ما: مبتدأ، وخبره مقدر، وتقديره: فعليكم ما
استیسر.
﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ مبتدأ وخبر، ولا بد فيه من محذوف مقدر، وفي
تقديره وجهان: أحدهما - أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف
وأقيم المضاف إليه مقامه، والثاني: الحج حج أشهر معلومات.
﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُوقَ وَلَا جِدَالَ فِىِ الْحَجُّ﴾ لا: نافية للجنس، كما في
قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِهِ﴾ واسمها وهو ((رفث)): مبني على الفتح، وبني مع
((لا)) لأنه معه بمنزلة ((خمسةَ عشر)). و ((لا)) مع النكرة المبنية في موضع مبتدأ،
وقوله ﴿فِي الْحَجْ﴾ خبر.
﴿وَمَا تَفْعَلُواْ﴾ ما: شرطية منصوب بتفعلوا، وتفعلوا مجزوم بما،
ويعلمه: مجزوم لأنه جواب شرط.
البلاغة:
﴿َّ بَبْغَ اَلْهَدِىُ تَحِلَّهُ﴾: كناية عن ذبحه في مكان الإحصار . ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ
فَرِيضًا﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي كان مريضاً فحلق ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْهُمُّ﴾ فيه
التفات من الغائب إلى المخاطب.
﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فيه إجمال بعد التفصيل، لزيادة التأكيد، ويسمى
((الإطناب)).
﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ﴾ إظهار اسم الجلالة في موضع الإضمار لتربية
الهيبة والجلال.
﴿ لِمَنَ﴾ اللام بمعنى على، أي وجوب الدم على من لم يكن من أهل مكة.
﴿ فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ نفي بمعنى النهي، أي لا ترفثوا ولا

٥٦٠
الُرُ (٢) - الْبَغَرَة: ١٩٦/٢-١٩٧
تفسقوا ولا تجادلوا، أي لا تماروا مع الرفقاء والخدم والمكارين، والنفي أبلغ
من النهي الصريح، أي لا ينبغي أن يقع أصلاً، والأمر بالاجتناب في الحج
مع أن وجوبه في كل حال؛ لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة،
والتطريب في قراءة القرآن.
المفردات اللغوية:
﴿ وَأَيِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ أدوهما بحقوقهما ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ منعتم عن إتمامهما
بعدو أو مرض ﴿أُسْتَيْسَرَ﴾ تيسر ﴿اَلْهَدْيِّ﴾ أي سهل عليكم وهو شاة، أو كل
ما يهديه الحاج والمعتمر إلى البيت الحرام من النَّعَم، ليذبح ويفرق على الفقراء
﴿ وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ﴾ أي لا تتحللوا ﴿حَّى بَتْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ﴾ مكان الحلول
والنزول، حيث يحل ذبحه، وهو مكان الإحصار عند الشافعي ومالك، فيذبح
فيه بنية التحلل، ويفرق على مساكينه، ويحلق به، وبه يحصل التحلل. وفي رأي
الحنفية: هو الحرم . ﴿أَوْ بِهِ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ﴾ كقمل وصداع، فحلق في الإحرام
﴿فَفِدْيَةٌ﴾ عليه ﴿مِّنْ صِيَامٍ﴾ ثلاثة أيام ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ ثلاثة أصوع(١) من غالب
قوت البلد، على ستة مساكين ﴿أَوْ شٍُ﴾ أي ذبح شاة، وأصل النسك:
العبادة، والمراد هنا الذبيحة، وسميت نسكاً لأنها من أشرف العبادات التي
يتقرب بها المؤمن إلى الله تعالى. و﴿أو﴾: للتخيير. وألحق به: من حلق لغير
عذر، ومن استمتع بغير الحلق كالطيب واللبس والدهن لعذر أو غيره . ﴿فَإِذَاآ
أَمِنْتُمْ﴾ قيل: برأتم من المرض، وقيل: من خوفكم من العدو.
﴿ فَنَ تَمَنَّعَ﴾ استمتع ﴿بِالْعُمْرَةِ﴾ أي بسبب فراغه منها، أي تمتع بمحظورات
الإحرام ﴿إِلَى الْحَجّ﴾ أي الإحرام به، بأن يكون أحرم بها في أشهره.
(١) الصاع: أربعة أمداد، وهو عند الحنفية (٣٩٠٠ غم)، وعند الجمهور (٢٧٥١ غم) والمد
(٦٧٥ غم).