Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
لُعُ (٢) - البَقَة: ١٧٢/٢-١٧٣
١- (فمنِ اضطر) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة.
٢- (فمنُ اضطر) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿إِنََّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾: ﴿إِنََّا﴾ كافة، وإنما تجيء في الكلام
لإثبات المذكور ونفي ماسواه، مثل: ((إنما إلهكم إله واحد)) أي ما إلهكم إلا إله
واحد.
﴿فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاغْ وَلَا عَادٍ﴾: ﴿غَيْرَ﴾ منصوب على الحال من
ضمير: ﴿أَضْطُرَّ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ أي أكلها؛ إذ الكلام فيه، وكذا ما بعدها،
وهي ما لم يذكَ (يذبح) شرعاً، وألحق بها بالسنة: ما أبين من حي، وخص
منها السمك والجراد ﴿ وَالذَّمَ﴾ أي المسفوح ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي
ذبح على اسم غيره، والإهلال: رفع الصوت، وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم
يرفعون أصواتهم بذكرها، ويقولون: باسم اللات، أو باسم العزى، ثم قيل
لكل ذابح: مهل، وإن لم يجهر بالتسمية . ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ ألجأته الضرورة إلى
أكل شيء مما ذكر، فأكله . ﴿غَيْرَ بَاعٍ﴾ غير طالب للشيء المحرم ذاته ﴿وَلَا
عَادٍ﴾ غير متجاوز قدر الضرورة ﴿إِثْمَ﴾ الإثم: الذنب والمعصية.
التفسير والبيان:
الآيات السابقة من أول السورة لبيان موقف المؤيدين والمعارضين للقرآن،
ومن هنا أي بداية النصف الثاني من السورة إلى أواخر الجزء الثاني في بيان
الأحكام الشرعية العملية.

٤٤٢
الُعُ (٢) - المَوَرَّة: ١٧٢/٢-١٧٣
بعد أن خاطب الله الناس جميعاً بأن يأكلوا مما في الأرض من خيراتها، ثم
بين سوء حال الكافرين المقلدين رؤساءهم؛ لأنهم لا يستقلون برأي، ولا
يهتدون بعقل، وجه الخطاب هنا إلى المؤمنين خاصة؛ لأنهم أحق بالفهم،
فأباح لهم أن يأكلوا من رزق الله الطيب الطاهر، وأمرهم أن يشكروا نعمة الله
عليهم، إن صح أنهم يخصونه بالعبادة، ويقرون أنه مولي النعم. عن النبي تليفون :
((يقول الله تعالى: إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، وأرزق
ويُشكر غيري)). ولما أباح تعالى لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب،
وكانت وجوه الحلال كثيرة، وبيَّن لهم ما حرم عليهم؛ لكونه أقل، بقي ما
سوی ذلك على التحلیل حتی یرد منع آخر.
والأكل من الطيبات مع شكر النعمة موقف وسط يجمع بين متطلبات
الجسد والروح معاً، فتأكل للحفاظ على الجسم بلا إسراف ولا تقتير، قالٍ
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأَ
وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا﴾ [المائدة : .
٨
إِّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
٨٧-٨٨] ونغذي الروح بشكر الله على ما أنعم.
ويختلف هذا الموقف الوسط عما كان عليه المشركون وأهل الكتاب قبل
الإسلام، فمنهم من حرم على نفسه أشياء معينة كالبحيرة والسائبة، ونحوهما ،
وساد عند النصارى مبدأ الرهبانية وتعذيب النفس وحرمانها من جميع
اللذات، واحتقار الجسد ولوازمه، إما بتخصيص ذلك بالرهبان، أو بتعميمه
على الجميع كالحرمان من اللحم والسمن في بعض أنواع الصيام كصوم
العذراء والقديسين، والحرمان من السمك واللبن والبيض في صوم آخر.
والمحرم الحقيقي:
اً - إنما هو تناول الميتة، لاحتباس الدم فيها وتوقع التضرر بها، لفساد
لحمها وتلوثه بالأمراض غالباً، فهي محرمة لاستقذارها ولما فيها من ضرر.
أَ - وتناول الدم المسفوح؛ لأنه ضارّ، وتأباه النفوس الطيبة، فهو حرام
لقذارته وضرره أيضاً.

٤٤٣
المُءُ (٢) - البَلَقَة: ١٧٢/٢-١٧٣
٣ - وأكل لحم الخنزير؛ لأنه ضارّ، وخصوصاً أثناء الحر، ولأن النفوس
الطيبة تأباه؛ لأنه حيوان قذر لا يأكل غالباً إلا من القاذورات والنجاسات،
فيقذر لذلك، ولأن فيه ضرراً، لحمله جراثيم شديدة الفتك، ولأن فيه كثيراً
من الطباع الخبيثة، وولوع بالنواحي الجنسية ولا يغار على أنثاه، وكسول
بطبعه، والمتغذي يتأثر بتلك الطبائع، وتنتقل إليه بيوض الدودة الوحيدة
الحلزونية التي قد تكون في خلايا عضلات جسمه، ولو تربى في أنظف
الحظائر.
٤ - وماذكر عليه غير اسم الله تعالى عند الذبح؛ لأنه من أعمال الوثنية،
وفيه إشراك واعتماد على غير الله. وكان العرب في الجاهلية يذبحون للأصنام،
ويقولون: باسم اللات والعزى، فهو حرام صيانة لمبدأ الدين والتوحيد
وتعظيم الله. وحصر التحريم في هذه الأصناف مستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
حَّمَ﴾ أي لم يحرم عليكم إلا الميتة وتوابعها؛ لأن ﴿إِنَّمَا﴾ تفيد الحصر، تثبت
ماتناوله الكلام وتنفي ماعداه. وقد حصرت هنا التحريم، لاسيما وقد جاءت
عقب التحليل: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾.
ويضاف لهذه المحرمات ماحرم في سورة المائدة (الآية: ٣) وما حرمه رسول
الله ◌َ﴿ من أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ولحوم
الحمير الأهلية.
لكن من ألجأته الضرورة (وهي أن يصل إلى حد لو لم يتناول المحظور هلك)
إلى أكل شيء مما حرم الله، بأن لم يجد غيره، وخاف على نفسه الهلاك، ولم
يكن راغباً فيه لذاته، ولم يتجاوز قدر الحاجة، فلا إثم عليه؛ للحفاظ على
النفس، وعدم تعريضها للهلاك، ولأن الإشراف على الموت جوعاً أشد ضرراً
من أكل الميتة والدم.
وقيد الله جواز الأكل من المحرمات بقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ لئلا يتبع
الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار، فيزعم الواحد أنه مضطر وليس

٤٤٤
لُزُ (٢) - الْبَقَة: ١٧٢/٢-١٧٣
بمضطر، ويتجاوز قدر الضرورة أو الحاجة مستغلاً الظرف الطارئ، فينقاد
لشهواته.
إن الله يغفر لعباده خطأهم في تقدير الضرورة، لأنه متروك إلى اجتهادهم،
رحيم بهم؛ إذ أباح لهم تناول المحرّمات حال الضرورة، ولم يوقعهم في الحرج
والعسر.
فقه الحياة أو الأحكام:
أكد الله في هذه الآية إباحة الأكل من الطيبات، وخص المؤمنين هنا بالذكر
تفضيلاً لهم وتنويهاً بهم، والمراد بالأكل: الانتفاع من جميع الوجوه. فيجوز
الانتفاع بكل ما في البر والبحر من نبات وحيوان وأسماك وطيور إلا ما حرمه
الله في هذه الآية وآية المائدة (٣) وما ذكره الفقهاء بالاعتماد على الثابت في
السنة النبوية. ويلاحظ أن المذكور في سورة المائدة داخل تحت اسم الميتة: وهي
كل مامات من غير ذبح شرعي، سواء أكان موقوذة أم متردية أم نطيحة أم
أكلها السبع ولم تدرك حية فتذبح. وكذا ما ليس بمأكول فذبحه كموته كالسباع
وغيرها.
وقد خصصت هذه الآية بقوله عليه السلام فيما أخرجه الدارقطني:
((أحلت لنا ميتتان: الحوت والجراد، ودمان: الكبد والطحال)) وروى
البخاري ومسلم عن أبي ثعلبة الخشني أنه قال: ((نهى رسول الله وَّل عن أكل
كل ذي ناب من السباع)) وروى مالك وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه
أن رسول الله وَل قال: ((أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من
الطير حرام)) وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: ((نهى رسول الله وَله يوم
خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل)).
أما آراء الفقهاء في الحيوان المأكول، فهي ما يلي بإيجاز:
قالوا: الحيوان بالنسبة للذبح أو الذكاة الشرعية أنواع ثلاثة: مائي،
وبري، وبرمائي (بري - مائي)(١):
(١) الفقه الإسلامي وأدلته للمؤلف: ٦٧٨/٣-٦٨٧

٤٤٥
لُعُ (٢) - البََة: ١٧٢/٢ -١٧٣
أما الحيوان المائي: وهو الذي لا يعيش إلا في الماء فقط، ففيه رأيان:
١ - مذهب الحنفية: جميع ما في الماء من الحيوان محرم الأكل إلا السمك
خاصة، فإنه يحل أكله بدون ذكاة (ذبح) إلا الطافي منه، فإن مات وطفا على
الماء لم يؤكل، لحديث ضعيف عن جابر رواه أبو داود وابن ماجه: «ما ألقاه
البحر، أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه، وطفا، فلا تأكلوه)).
٢ - مذهب الجمهور غير الحنفية: حيوان الماء كالسمك والسرطان وحية
الماء وكلبه وخنزيره، حلال يباح بغير ذكاة، كيف مات، حتف أنفه، أو
بسبب ظاهر كصدمة حجر أو ضربة صياد، أو انحسار ماء، راسياً كان أو
طافياً، وأخذه: ذكاته، لكن إن انتفخ الطافي بحيث يخشى منه المرض، يحرم
للضرر.
إلا أن الإمام مالكاً كره خنزير الماء وقال: أنتم تسمونه خنزيراً. وقال ابن
القاسم: وأنا أتقيه ولا أراه حراماً.
وأما الحيوان البري: وهو الذي لا يعيش إلا في البر، فهو ثلاثة أنواع:
الأول - ماليس له دم أصلاً: كالجراد والذباب والنمل والنحل والدود
والخنفساء والصرصار والعقرب وذوات السموم ونحوها، لا يحل أكلها إلا
الجراد خاصة؛ لأنها من الخبائث غير المستطابة، لاستبعاد الطباع السليمة
إياها، وقد قال تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧/٧].
واشترط المالكية تذكية الجراد، أما الجراد الميت فهو حرام عندهم؛ لأن
حديث: ((أحلت لنا ميتتان)) ضعيف. أما الحنفية الذين لا يجيزون تخصيص
القرآن بالسنة، فيقولون: إن الذي خصص ميتة السمك هو قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ
لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ﴾ [المائدة: ٩٦/٥] فأما صيده: فهو ما أخذ بعلاج،
وأما طعامه فهو ما وجد طافياً أو جزر عنه البحر، لكنهم لا يجيزون أكل
الطافي كما تقدم.

٤٤٦
لُعُ (٢) - الْبَقَرَة: ١٧٢/٢ -١٧٣
الثاني - ماليس له دم سائل: كالحية وسام أبرص وجميع الحشرات وهوام
الأرض من الفأر والقُرَاد (ما يعلق بالبعير) والقنافذ واليربوع والضب: يحرم
أكلها لاستخبائها، ولأنها ذوات سموم، ولأنه وَله أمر بقتلها. وحرم الحنفية
الضب؛ لأنه وَلل نهى عائشة حين سألته عن أكله. وأباحه الجمهور لإقراره
عليه الصلاة والسلام أكل الضب بين يديه. وأجاز الشافعية أكل القنفذ وابن
عرس.
الثالث - ماله دم سائل: وهو إما مستأنس أو متوحش. أما المستأنس من
البهائم: فيحل منه الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم بالإجماع، ويحرم أكل
البغال والحمير، ويحل لحم الخيل لكن مع الكراهة تنزيهاً عند أبي حنيفة،
لاستخدامها في الركوب والجهاد. والمشهور عند المالكية تحريم الخيل.
ويحرم المستأنس من السباع وهو الكلب والقط.
وأما المتوحش: فيحرم عند الجمهور غير مالك كل ذي ناب من السباع،
وكل ذي مخلب من الطير؛ لأنها تأكل الجيف أي الميتات. ويكره عند مالك
لحوم السباع، ويجوز عنده أكل الطيور ذوات المخالب، لظاهر الآية: ﴿قُل لَّ
أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥/٦].
فالذي يحل شيئاً مما ذكر يستند إلى عموم الآية، ويحمل الحديث على نهي
الكراهة، أو يبطله لمعارضته الآية. والذي يحرم شيئاً مما ذكر يستند إلى
الحديث الوارد في التحريم وينسخ به الآية أو يرى أنه لا معارضة.
وأما الحيوان البرمائي: وهو الذي يعيش في البر والماء معاً، كالضفدع
والسلحفاة والسرطان والحية والتمساح وكلب الماء ونحوها، ففيه آراء ثلاثة:
الأول - للحنفية والشافعية: لا يحل أكلها؛ لأنها من الخبائث، ولسمية
الحية، ولأن النبي ◌َله فيما أخرجه أحمد وأبو داود ((نهى عن قتل الضفدع)) ولو
حل أكله، لم ينه عن قتله.

٤٤٧
الجُرُ (٢) - البَقَرَة: ١٧٢/٢-١٧٣
الثاني - للمالكية: يباح أكل الضفادع ونحوها مما ذكر؛ لأنه لم يرد نص في
تحريمها.
الثالث - للحنابلة وهو التفصيل: كل ما يعيش في البر من دواب البحر لا
يحل بغير ذكاة كطير الماء والسلحفاة وكلب الماء، إلا مالا دم فيه كالسرطان،
فإنه يباح فيما روي عن أحمد بغير ذكاة؛ لأنه حيوان بحري يعيش في البر، ولا
دم له سائل، خلافاً لما له دم سائل كالطير، لا يباح بغير ذبح، والأصح لدى
الحنابلة أن السرطان لا يحل إلا بالذكاة (١).
ولا يباح أكل الضفدع؛ لأن النبي ◌َّله فيما رواه النسائي: نهى عن قتله،
فيدل ذلك على تحريمه. ولا يباح أيضاً أكل التمساح.
وذهب أبو حنيفة إلى تحريم الجنين الذي ذبحت أمه، وخرج ميتاً، استناداً إلى
أنه ميتة، وحرمت الآية الميتة، وخالفه صاحباه والشافعي وأحمد، وذهبوا إلى
حله؛ لأنه مذكى بذكاة أمه. وقال مالك: إن تم خلقه ونبت شعره أكل، وإلا
لم يؤكل. وحجة الجمهور: قوله وَله: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) أي أن ذكاة أمه
تنسحب عليه. وتأول مؤيدو أبي حنيفة الحديث: بأن ذكاته كذكاة أمه. وهذا
تأويل بعيد؛ لأن الحديث ورد في سياق سؤال، فقد ورد عن أبي سعيد
الخدري أنه وير سئل عن الجنين يخرج ميتاً، فقال: ((إن شئتم فكلوه، إن ذكاته
ذکاة أمه)).
واختلف العلماء في الانتفاع بدهن الميتة في غير الأكل، كطلاء السفن ودبغ
الجلود :
فقال الجمهور: يحرم، للآية؛ لأنهم يرون أن الفعل المقدر هو الانتفاع
بأكل أو غيره، ولقوله وَلّ فيما رواه جابر: ((قاتل الله اليهود، حرمت عليهم
(١) شرح المقنع لابن مفلح الحنبلي: ٢١٤/٩

٤٤٨
لِلُ (٢) - البَقَة: ١٧٢/٢-١٧٣
الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، فنهاهم عن ذلك)) وهذا يفيد أن إطلاق
تحريم الميتة يفيد تحريم بيعها.
وقال عطاء: يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن، وحجته أن الآية في تحريم
الأكل، بدليل سابقها، ولأن حديث شاة ميمونة يعارض حديث جابر: وهو
أن النبي ◌َّ مرّ على شاة ميمونة، فقال: ((هلا أخذتم إهابها)) فيرجح؛ لأنه
موافق لظاهر التنزيل القرآني.
وأما جلد الميتة: فلا يطهر بالدباغ في ظاهر مذهب المالكية، والمشهور عند
الحنابلة، لحديث عبد الله بن عُكَيم فيما رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن
الأربع) قال: ((كتب إلينا رسول الله وَله قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة
بإهاب ولا عصب)) وهو ناسخ لما قبله من الأحاديث؛ لأنه في آخر عمر
النبي ◌َّهِ، ولفظه دال على سبق الترخيص، وأنه متأخر عنه.
وذهب الحنفية والشافعية: إلى أن دباغ الجلود النجسة أو الميتة يطهرها
كلها، لقول النبي ◌َّ فيما رواه مسلم: ((إذا دُبِغَ الإهابُ فقد طَهُر)) ورواه
النسائي والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس بلفظ: ((أيما إهاب دبغ فقد طَهُر)).
وأما أجزاء الميتة الصلبة التي لا دم فيها كالقرن والعظم والسن ومنه عاج
الفيل والخف والحافر والظلف والشعر والصوف والعصب والإنفحة الصلبة:
فهي طاهرة غير نجسة عند الجمهور، وقال الشافعية: أجزاء الميتة كلها نجسة،
ومنها الإنفحة واللبن والبيض المتصل بها، إلا إذا أخذ من الرضيع لأن كلاً
منها تحله الحياة. ودليل الجمهور حديث سلمان رضي الله عنه فيما رواه ابن
ماجه: سئل رسول الله ﴿ عن السمن والجبن والفراء، فقال: ((الحلال ما
أحل الله في كتابه، والحرام: ما حرم الله في کتابه، وما سكت عنه فهو مما
عفا الله)).
وأما ما وقعت فيه فأرة: فإن أخرجت حية فهو طاهر، وإن ماتت فيه: فإن
كان مائعاً فإنه ينجس جميعه، وإن كان جامداً فإنه ينجس ما جاورها، فتطرح

٤٤٩
المُ (٢) - الَقَرَّة: ١٧٢/٢-١٧٣
وما حولها، وينتفع بما بقي وهو على طهارته، لما روي أن النبي ◌َّ سئل عن
الفأرة تقع في السمن، فتموت، فقال: ((إن كان جامداً فاطرحوها وما حولها،
وإن كان مائعاً فأريقوه)).
وإذا وقع في القدر حيوان: طائر أوغيره، فروى ابن وهب عن مالك أنه قال:
لا يؤكل ما في القدر، وقد تنجس بمخالطة الميتة إياه. وروى ابن القاسم عنه أنه
قال: يغسل اللحم ويُراق المرق. وقال ابن عباس: يغسل اللحم ويؤكل.
أما الدم: فاتفق العلماء على أنه حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به، إذا كان
مسفوحاً، لتقييده بذلك الوصف في سورة الأنعام، وقد حمل العلماء ههنا المطلق
على المقيد إجماعاً، ولم يحرموا منه إلا ما كان مسفوحاً. قالت عائشة: لولا أن الله
قال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ٦/ ١٤٥] لتتبع الناس ما في العروق. وعلى هذا ما
خالط اللحم في العروق غير محرم إجماعاً، وكذلك الكبد والطحال لا يحرم
تناولهما إجماعاً، من طريق تخصيص الدم المحرم - في رأي الحنفية والشافعية بقوله
وَله: ((أحلت لنا ميتتان ودمان)) وذكر الكبد والطحال. ولا تخصيص في رأي
مالك؛ لأن الكبد والطحال ليسا لحماً ولا دماً، بالعيان والعرف.
وأما الخنزير: فلحمه حرام، وكذا شحمه بالقياس على اللحم حرام أيضاً؛
لأن اللحم يشمل الشحم، وهو الصحيح. وقصر الظاهرية التحريم على
اللحم، لا الشحم أخذاً بمبدئهم في العمل بظاهر النص فقط؛ لأن الله قال:
﴿ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ﴾. ويرد عليهم بأن الفائدة في ذكر اللحم أنه حيوان يذبح
بقصد لحمه، ولا يعقل التفريق بين اللحم والشحم.
ويجوز الخرازة بشعر الخنزير، فقد روي أن رجلاً سأل رسول الله وَ خله عن
الخرازة بشعر الخنزير، فقال: ((لا بأس بذلك)).
وأما ما أهل به لغير الله: أي ذكر عليه غير اسم الله تعالى، وهي ذبيحة
المجوسي الذي يذبح للنار، والوثني الذي يذبح للوثن، والمعطّل الذي لا يعتقد
شيئاً فيذبح لنفسه، فحرام باتفاق العلماء.

٤٥٠
لُ (٢) - البَفَرَّة: ١٧٢/٢-١٧٣
وهل يشمل هذا ذبائح النصارى التي ذكروا اسم المسيح عليها، فتكون
محرمة، أو لا يشملها فلا تكون محرمة، بل هو خاص بما ذكر عليه اسم
الأصنام؟.
قال جمهور العلماء: هي حرام، وقال عطاء ومكجول والحسن والشعبي
وسعيد بن المسيب وأشهب من المالكية: ليست حراماً، وسبب اختلافهم:
تعارض آيتي: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥/٥] وهذه الآية.
فرأى الجمهور: أن هذه الآية مخصصة لآية المائدة، والمعنى: وطعام الذين
أوتوا الكتاب حل لكم، مالم يذكر اسم غير الله عليه، فتحرم ذبيحة الكتابي
إذا ذكر عليها اسم المسيح. ورأى الأقلون العكس، والمعنى: وما أهل به لغير
الله إلا ما كان من أهل الكتاب، فتجوز ذبائح أهل الكتاب مطلقاً.
أما من اضطر إلى شيء من هذه المحرمات أي كان أحوج إليها، فله التناول
منها حتى يشبع في رأي مالك؛ لأن الضرورة ترفع التحريم، فتعود الميتة مثلاً
مباحة، ويكون معنى ((غير باغ ولا عاد)» هو البغي والعدوان على الإمام، أي
الخارج على المسلمين وقاطع الطريق.
ويأكل المضطر في رأي الجمهور على قدر سد الرمق؛ لأن الإباحة ضرورة
فتقدر بقدر الضرورة. ومن حالات الضرورة: إساغة اللقمة بخمر، وتناولها
لدفع العطش.
والمضطر في رأي الجمهور: هو من ألجأه الجوع إلى الأكل، وأضيف إليه
عند بعضهم: من أكره على أكل الحرام، كالرجل يأخذه العدو، فيكرهونه على
أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى.
ولم يجز جمهور العلماء التداوي بالحرام كالخمر والميتة، لقوله عليه الصلاة
والسلام - فيما رواه البخاري عن ابن مسعود -: ((إن الله لم يجعل شفاء أمتي
فيما حُرِّم عليهم)) ولقوله عليه السلام فيما رواه مسلم لطارق بن سويد وقد
سأله عن الخمر، فنهاه، أو كره أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء؟
.

٤٥١
الْجُزْءُ (٢) - الْبَقَة: ١٧٢/٢ -١٧٣
فقال: ((إنه ليس بدواء ولكنه داء)) قال ابن العربي: الصحيح أنه لا يتداوى
بالميتة؛ لوجود عوض حلال عنها.
وللعلماء رأيان فيمن اقترن بضرورته معصية، بقطع طريق وإخافة سبيل،
فقال مالك، والشافعي وأحمد: يحرم عليه إن كان السفر لمعصية، لأجل
معصيته؛ لأن الله سبحانه أباح ذلك عوناً، والعاصي لا يحل أن يعان، فإن
أراد الأكل فليتب وليأكل. أما من عصى أثناء السفر، فتباح له الرخص
الشرعية، وأباحها له أبو حنيفة مسوياً في استباحته بين طاعته ومعصيته.
ورجح القرطبي هذا القول؛ لأن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية
مما هو فيه، لقوله تعالى ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩/٤] وهذا عام،
ولعله يتوب في ثاني حال، فتمحو التوبة عنه ما كان.
وذكر الباجي في المنتقى أن المشهور من مذهب مالك: أن المضطر يجوز له
الأكل في سفر المعصية، ولا يجوز له الفطر والقصر، لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغِ
وَلَا عَادٍ﴾.
وإذا وجد أكثر من نوع من المحرمات، فما الذي يقدمه المضطر؟.
قال ابن العربي: الضابط لهذه الأحكام: أن المضطر إذا وجد ميتة ولحم
خنزير، قدم الميتة؛ لأنها تحل حية، والخنزير لا يحل، والتحريم المخفف أولى أن
يُقْتَحم من التحريم المثقل. وإذا وجد ميتة وخمراً يأكل الميتة حلالاً بيقين،
والخمر محتملة للنظر. وإذا وجد ميتة ومال الغير: فإن أَمِنَ الضرر في بدنه،
أكل مال الغير، ولم يحل له أكل الميتة، وإن لم يأمن، أكل الميتة. والصحيح
خلافاً للشافعي: ألا يأكل الآدمي إلا إذا تحقق أن ذلك ينجيه ويُحْييه. وإذا
وجد المحرم صيداً وميتة، أكل الصيد؛ لأن تحريمه مؤقت، فهو أخف، وتُقْبل
الفِذْية في حال الاختيار، ولا فدية لآكل الميتة(١).
(١) تفسير القرطبي: ٢٢٤/٢-٢٣٥، أحكام القرآن لابن العربي: ٥٤/١-٥٨، تفسير ابن كثير:
٢٠٥/١، أحكام القرآن للجصاص: ١٢٦/١-١٣٠، نظرية الضرورة الشرعية للمؤلف.

٤٥٢
لُ (٢) - البَقَرَة: ١٧٤/٢ -١٧٦
كتمان أهل الكتاب ما أنزل الله
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمَنَا قَلِيلًا
أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُونَ فِ بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا
أُؤْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى
يُزَكِيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيرُ (
وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةَ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (٤) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ اُلْكِتَبَ
٧٦
بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِ الْكِتَابِ لَفِ شِقَاقِ بَعِيدٍ
الإعراب:
﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾: ظرف في موضع الحال، وتقديره: ما يأكلون إلا النار ثابتة
في بطونهم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ تقديره: يأكلون
ناراً كائنة في بطونهم. والأصل أن ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ صفة لنار، لكن إذا قدمت
صفة النكرة انتصبت على الحال. ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ﴾ ما: إما تعجبية وتقديره:
شيء أصبرهم، أو استفهامية، وتقديره: أي شيء أصبرهم؟ وعلى كلا
الوجهين: هي مبتدأ، وما بعدها خبر.
البلاغة:
﴿مَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ مجاز مرسل باعتبار ما يؤول إليه، أي إنما
يأكلون المال الحرام الذي يؤدي بهم إلى النار. وقوله ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ زيادة
تشنيع وتقبيح لحالهم.
﴿أَشْتَّرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾ استعارة تصريحية، والمراد: استبدلوا الكفر
بالإيمان، استعار لفظ الشراء للاستبدال.
المفردات اللغوية:
﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمَنَا قَلِيلًا﴾: يبيعونه بثمن قليل من الدنيا يأخذونه بدله من

٤٥٣
الجُزُ (٢) - البَفَرَة: ١٧٤/٢ -١٧٦
أتباعهم، فلا يظهرونه خوف فوته عليهم ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ﴾ غضباً عليهم.
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ يطهرهم من دنس الذنوب ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم هو
النار. ﴿الضَّلَلَةَ﴾ هي العماية التي لا يهتدي فيها الإنسان لمقصده.
{ بِالْهُدَى﴾ الشرائع التي أنزلها الله على لسان أنبيائه ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ﴾ أي ما
أشد صبرهم وهو تعجب للمؤمنين من ارتكابهم موجبات النار، من غير
مبالاة.
(ذَلِكَ﴾ الذي ذكر من أكلهم النار وما بعده ﴿بِأَنَّ﴾ بسبب أن ﴿اللَّهَ نَزَّلَ
اُلْكِنَبَ بِالْحَقِّ﴾ متعلق بنزل، فاختلفوا فيه، حيث آمنوا ببعضه وكفروا
ببعضه بكتمه﴿ شِقَاقٍ﴾ مخالفة أو خلاف وهو العداء والتنازع وهو أثر
الاختلاف ﴿بَعِيدٍ﴾ مبتعد عن الحق.
سبب نزول الآية (١٧٤):
أخرج الطبري عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآَ
أَنَزَلَ اَللَهُ مِنَ الْكِتَبِ﴾ والتي في آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾
نزلتا جميعاً في يهود. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود
وعلمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضل، وكانوا يرجون أن
يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث الله محمداً وَ لّر من غيرهم، خافوا ذهاب
مأكلتهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمد وَلّ فغيروها، ثم أخرجوها
إليهم، وقالوا: هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان، لا يشبه نعت هذا
النبي، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ﴾ الآية.
التفسير والبيان:
يستمر القرآن في كشف مواقف أهل الكتاب من القرآن والنبي محمد وَلات،
ففي الآيات السابقة أوضح أنهم حرموا بعض الحلال، وابتدعوا في الدين
رهبانية وتقشفاً في المآكل والمشارب، وهنا يبين أنهم كتموا ما أنزل الله في

٤٥٤
لُعُ (٢) - البَفَة: ١٧٤/٢ -١٧٦
كتبهم من صفات النبي ◌َّطاهر فحرفوه وبدلوه، وأخفوا الصحيح وأظهروا
الكاذب، وتاجروا بالدين، واتخذوه وسيلة ارتزاق واحتراف معيشة، كما
صل
قال: ﴿تَجْعَلُونَهُ فَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١/٦].
إن الذين يخفون ما أنزل الله من وصف النبي وَلَّه نبي آخر الزمان وبيان
زمانه وقومه وغير ذلك مما يشهد بصدق نبوته وكمال رسالته، أو يؤولونه
ويحرفونه، في مقابل أخذ الأجور القليلة على الفتاوى، يأكلون الحرام المؤدي
إلى النار. وسمي الثمن قليلاً؛ لأن كل عوض عن الحق، فهو قليل في جنب
تفويت سعادة الدنيا والآخرة: ﴿فَمَا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فِىِ الْآَخِرَةِ إِلَّا
قَلِيلُ﴾ [التوبة: ٣٨/٩].
إن أولئك الكاتمين لكتاب الله، المتّجرين به، البعيدين في الضلال لا
يأكلون في بطونهم إلا ما يكون سبباً لدخول النار، وإعراض الله عنهم وغضبه
الشديد عليهم، وعدم تطهيرهم من دنس الذنوب بالمغفرة والصفح، ولهم
عذاب شديد الألم في الدنيا والآخرة، خلافاً لأهل الجنة الذين يثني الله عليهم
ويغفر لهم ويرحمهم ويرضى عنهم ويقابلهم بالمحبة والرضا. فقوله تعالى: ﴿وَلَا
يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم، وقوله ﴿وَلَا
يُزَكِّيهِمْ﴾: أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم.
ثم إن أولئك المتاجرين في دين الله استبدلوا الضلالة بالهدى، فتركوا هدى
الله، واتبعوا في الدين أهواء الناس، واستحقوا العذاب بدل المغفرة، لجنايتهم
على أنفسهم بإيثار المال الفاني على الثواب الخالد الباقي، فعجباً لهم أشد
العجب، كيف يطيقون الصبر على موجبات النار وأعمال الضلال من غير
مبالاة منهم فقوله: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ تعجب من كثرة صبرهم، أي
هم في حال عذاب يقول من يراهم: ما أصبرهم؟ !.

٤٥٥
المُ (٢) - البَفَرَة: ١٧٤/٢ -١٧٦
وهذا الأسلوب يقال لمن يتعرض لما يوجب غضب الحاكم أو السلطان: ما
أصبرك على القيد والسجن! أي أنه لا يتعرض لمثل ذلك إلا من هو شديد
الصبر على العذاب.
إن ذلك العذاب الشديد الذي ينتظرهم هو غاية العدل، وإن ما أنزل الله
من الكتاب هو الحق الأبلج الذي لا يجاد عنه ولا يغالب.
وأما الذين اختلفوا في كتب الله، فقالوا: بعضها حق، وبعضها باطل،
فهم في خلاف ونزاع بعيد عن الحق، ولن يلتقوا على شيء واحد، وسيظل
النزاع أو الشقاق بينهم بعيد الجانب عن الحق والصواب والهداية الصحيحة.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن كتمان الحق وتزييف الحقائق والإيغال في الباطل سبب لأنواع شتى من
العذاب.
وإن الاختلاف في أصول الدين وقضاياه الأصلية العامة مدمر للدین کله،
لذا أمر الله المؤمنين بالالتقاء على سبيل واحدة هي المنهج الرباني، فقال تعالى:
﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ.
[الأنعام: ١٥٣/٦] وحذر الله المؤمنين
١٥٣
ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
من التفرق مذاهب شتى في الاعتقاد وأصول الدين، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ بِشِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ إِنَّمَاَ أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ
[الأنعام: ١٥٩/٦].
يَفْعَلُونَ
أما الاختلاف في الفهم، والاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية من
النصوص، والاعتماد على الكتاب والسنة، فليس معيباً، وإنما يثاب كل من
المجتهدين: المخطئ والمصيب، ويمكن للدولة أن تختار من بين الآراء الاجتهادية
ما يناسب عصرها وزمانها ويحقق مصلحتها التي هي مصلحة الأمة العامة
والعليا؛ لأن ((تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة)) أي المصلحة العامة.

٤٥٦
لُحُ (٢) - البَقَة: ١٧٤/٢ -١٧٦
وهذا الاختلاف في الفهم لا يؤدي إلى تمزيق وحدة الأمة، ولا يقتضي الشقاق
والنزاع الناجم عن الاختلاف في أصول الشرع الإلهي.
وقد أوعد الله الناس على أمور ثلاث: كتمان الحق، والمتاجرة في الدين،
والاختلاف الجذري في أصول الدين. أما كتمان الحق: فيؤدي إلى النار
والعذاب الدائم وعدم الظفر بالمغفرة، كما قال الله تعالى عن علماء اليهود
الذين كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد صل وصحة رسالته.
وأما المتاجرة في الدين: فتستوجب النار أيضاً، وعجباً لنفر من الناس
يتحملون عذاب الله الشديد، فما أشجعهم وما أجرأهم على النار، إذ يعملون
عملاً يؤدي إليها.
ذلك العذاب المستحق لهم عنوان العدل والحق، ولم ينزل الله هذا القرآن
إلا بالحق، لإقراره ونشره والإذعان له.
وأما الاختلاف الجذري في الدين: فإنه يجسِّد الفرقة والخلاف، ويمنع
تحقيق اللقاء والاتحاد، بدليل أن اليهود والنصارى الذين اختلفوا في التوراة،
فادعى النصارى أن فيها صفة عيسى، وأنكر اليهود صفته، أو أنهم خالفوا ما
في التوراة من صفة محمد رَله، سيظل الشقاق والخلاف الخطير قائماً بينهم.
وأخبر عن المتصفين بالكتم والاشتراء بأربعة أخبار: الأول - ما يأكلون في
بطونهم إلا النار، والثاني - لا يكلمهم الله يوم القيامة، والثالث - لا يزكيهم
أي لا يقبل أعمالهم فيثني عليهم، والرابع - لهم عذاب أليم.
وبه يتبين أن المراد من قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ اُلْكِنَبَ بِالْحَقِّ﴾ يعني
القرآن هنا، أنزله الله بالصدق أو بالحجة الدامغة. وأن المراد من قوله: ﴿ وَإِنَّ
الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِ الْكِتَبِ﴾ يعني التوراة. وقيل: المراد القرآن. والذين
اختلفوا: كفار قريش، فقال بعضهم: هو سحر، وقال آخرون: أساطير
الأولين، وقال جماعة: مفترىً.

٠
٤٥٧
الُ (٢) - الْبَفَرَّة: ١٧٧/٢
مظاهر البر الحقيقي
◌َّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَتِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَّبِنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى
اُلْقُرْبَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآِينَ وَفِ الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ
وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَالْمُؤْقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ
الْبَأْسِنْ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
١٧
القراءات:
﴿َّيْسَ آلْبِرَّ﴾: قرئ:
١- بالنصب، وهي قراءة حمزة، وحفص.
٢- بالرفع، وهي قراءة باقي السبعة.
﴿ وَلَكِنَّ الْبِّ﴾: قرئ:
١- بالرفع وهي قراءة نافع، وابن عامر.
٢- بالنصب، وهي قراءة الباقين.
﴿ وَالنَّبْئِنَ﴾ :
وقرأ نافع: (والنبيئين).
﴿ اَلْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِيْنَ اُلْتَأْسُِ﴾:
وقرأ السوسي: (الباساء .. الباس).
الإعراب:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ البر: خبر ليس المنصوب، و﴿أَنْ تُوَلُواْ﴾ اسمها، ومن قرأ
﴿اَلْبِرَّ﴾ بالرفع جعله اسم ليس و﴿أَنْ تُوَلُّوا﴾ خبرها، أي: ليس البر توليتكم.

٤٥٨
الجُرُ (٢) - الْبَقَرَة: ١٧٧/٢
﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ البر: اسم لكن، والخبر محذوف تقديره: ولكن
البر بر من آمن بالله، أو لكن ذا البر من آمن بالله، فحذف المضاف وأقام
المضاف إليه مقامه.
﴿عَلَى حُبِّهِ،﴾ يعود الضمير إلى المال، والمصدر مضاف إلى المفعول، وهو
اعتراض يسمى في البلاغة تتميماً.
﴿وَأَلْمُوُقُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ مرفوع من ثلاثة أوجه: إما لأنه عطف على ضمير
في ﴿ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ وإما معطوف على ﴿مَنْ ءَامَنَ﴾ أي: ولكن البار المؤمنون
والموفون، وإما أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: ((وهم الموفون)).
﴿ وَالصَّبِينَ﴾ منصوب من وجهين: إما أن يكون منصوباً على المدح،
وتقديره: أمدح الصابرين. وإما أنه معطوف على قوله ﴿ذَوِى الْقُرْبَ﴾ أي:
وآتى الصابرين.
البلاغة:
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ﴾ جعل البر نفس من آمن على طريق المبالغة، مثل
السخاء حاتم، والشعر زهير، أي أن السخاء سخاء حاتم والشعر شعر زهير.
﴿وَفِ اُلْرِقَابِ﴾ إيجاز بالحذف أي وفي فك الرقاب يعني فداء الأسرى.
والرقاب: مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل.
﴿وَالصَّبِينَ﴾ منصوب على الاختصاص أي وأخص بالذكر الصابرين.
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ أتى بالخبر فعلاً ماضياً لإفادة التحقق والوقوع.
﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾ أتي بالخبر جملة اسمية لإفادة الثبوت.
المفردات اللغوية:
﴿ الْبِرَّ﴾ اسم جامع لكل خير، وهو كل ما يتقرب به إلى الله من الإيمان به

٤٥٩
لِلُ (٢) - البقرة: ١٧٧/٢
وصالح الأعمال وفاضل الأخلاق. ﴿ وَءَى الْمَالَ﴾ أي أعطاه ﴿ وَاَلْيَتَمَى﴾
اليتيم: من لا والد له وهو محتاج ﴿ وَالْمُسَكِينَ﴾ المسكين: هو المحتاج الذي له
مال لا يكفيه، وسمي بذلك لأن الحاجة أذلته وأسكنته. وأما الفقير: فهو الذي
لا مال له . ﴿وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ ابن الطريق، وهو المسافر المحتاج، البعيد عن ماله
ولا يمكنه إحضاره. ﴿وَالسَّآيِلِينَ﴾ السائل: من ألجأته الحاجة إلى السؤال
والطلب من الناس. والسؤال محرم شرعاً إلا لضرورة يجب على السائل أن
يقتصر عليها ولا يتعداها . ﴿وَفِ الْرِقَابِ﴾ أي وفي تحرير الرقاب وعتقها
﴿ وَقَامَ الصَّلَوَةَ﴾ أي أداها على أقوم وجه وأحسنه ﴿ وَاُلْمُؤُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾
العهد: ما يلتزم به إنسان لآخر. ﴿الْبَأْسَاءِ﴾ من البؤس وهو شدة الفقر
﴿ وَالضَّرَّآءِ﴾: كل ما يضر الإنسان من مرض أو فقد محبوب ﴿وَحِينَ الْبَأْسُِ﴾
وقت شدة القتال. ﴿صَدَقُواْ﴾ في دعوى الإيمان ﴿اُلْمُنَّقُونَ﴾ التقوى: الوقاية
من غضب الله بالبعد عن المعاصي.
سبب النزول:
روى عبد الرزاق عن قتادة قال: كانت اليهود تصلي قِبَلَ المغرب،
والنصارى قِبَلَ المشرق، فنزلت: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الآية(١).
:
وروى الطبري وابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً سأل النبي وَّل
عن البر، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ﴾ فدعا الرجل فتلاها عليه، وكان
قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ثم مات
على ذلك، يرجى له في الآخرة خير، فأنزل الله: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ﴾ وكانت
اليهود توجهت قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق.
التفسير والبيان:
كان تحويل القبلة سبباً في فتنة كبرى بين أهل الأديان، فأصبح كل فريق
(١) البحر المحيط: ٢/٢

٤٦٠
لُرُ (٢) - الْبَقَة: ١٧٧/٢
يرى أن الصلاة لا تصح إلى غير القبلة التي هو عليها، واحتدم الخلاف بين
المسلمين وأهل الكتاب، فرأى الكتابيون أن الصلاة يلزم أن تكون إلى
قبلتهم، وهي قبلة بعض الأنبياء، واحتج المسلمون بأن الصلاة لا تقبل ولا
يرضى عنها الله إلا بالاتجاه إلى المسجد الحرام قبلة أبي الأنبياء إبراهيم عليه
السلام.
فأبان الله سبحانه وتعالى للناس كافة أن مجرد توجيه الوجه جهة المشرق
والمغرب ليس في ذاته هو البر المقصود، ولا يعد عملاً صالحاً بمجرده، وإنما
البر الحقيقي شيء آخر وهو الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر
إيماناً قلبياً صادقاً كاملاً مقروناً بالعمل الصالح، وهو الإيمان الذي يملأ النفس
خشية الله تعالى، ومراقبة له في السر والعلن، ويصبح حاجزاً منيعاً قوياً بين
النفس ومزالق الشيطان، فإذا أخطأ بادر إلى التوبة الصادقة.
البر إذن: هو الإيمان الحقيقي الكامل الشامل لأصول الاعتقاد، وأساس
البر: الإيمان بالله إلهاً واحداً لاشريك له ولا معبود سواه، وهو الإيمان الذي
يشعر النفس بالعزة والسمو، إذ لا يخضع بعدئذ لأي إنسان في هذا الوجود،
ولا يكون لأحد سلطة التشريع، وإنما التشريع لله وحده. وهو الإيمان الذي
تطمئن به القلوب وتهدأ له النفوس، فلا تبطر بنعمة ولا تيأس بنقمة، كما قال
الله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْحَبِنُّ
اُلْقُلُوبُ
[الرعد: ١٣/ ٢٨].
وقال أبو حيان: البر معنى من المعاني فلا يكون قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ
ءَامَنَ﴾ مراداً به إلا: البارّ أو ذا البر.
والإيمان باليوم الآخر: على أنه مقر الثواب والعقاب والحساب والعرض
على الله، فيكون سبباً للمزيد من العمل الصالح، والبعد عن قبيح الأفعال.
والإيمان بالملائكة: على أنهم أجسام نورانية، لهم مهام عديدة، دأبهم
الطاعة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، منهم حملة الوحي،