Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١
لُعُ (٢) - الجَوَة: ١٦٣/٢-١٦٤
المشركون وقالوا: إله واحد؟ إن كان صادقاً فليأتنا بآية، فأنزل الله تعالى:
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخر الآية(١).
وجه المناسبة أو الربط بين الآيات:
بعد أن ذكر الله في الآية السابقة حال الكافرين الجاحدين لآيات الله،
وحال من كتم الآيات، وعقابهم بالطرد من رحمة الله والخلود في نار جهنم،
أتى ببيان سبب الكفر وهو الشرك، وأراد تعالى أن يعالج داء كفرهم بإثبات
وحدانية الله بالبرهان، وتعداد مظاهر رحمته وأدلة قدرته، وأن الخير في اللجوء
إليه وحده، فقال:
وإلهكم المستحق للعبادة بحق: هو الله الذي ليس في الوجود سواه، والذي
وسعت رحمته كل شيء، بيده النفع والخير، وهو القادر على دفع الضر والشر،
فلا تشركوا به شيئاً، سواء شرك الألوهية: بأن يعتقد المرء أن في الخلق من
يشارك الله أو يعينه في أفعاله، وشرك الربوبية: بأن يسند الخلق والتدبير إلى
غيره معه، أو تؤخذ أحكام الشرائع من عبادة وحلال وحرام من غيره، كما
قال تعالى: ﴿أَخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:
٣١/٩].
فقوله تعالى: ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته تعالى.
وقوله ﴿الَرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ معناه: المولي لجميع النعم أصولها وفروعها، ولا
شيء سواه بهذه الصفة، فإن كل ما سواه إما نعمة وإما منعم عليه.
وإنما خص الله تعالى الوحدانية والرحمة بالذكر دون غيرهما من
الصفات، لتذكير الكافرين الكاتمين للحق بأن لا ملجأ أمامهم غير الله
لاتقاء عذابه، ولترغيبهم بالتوبة وعدم اليأس من فضله.
(١) أسباب النزول للواحدي: ص ٢٥-٢٦، البحر المحيط: ٤٦٤/١
٤٢٢
الزُعُ (٢) - البقرة: ١٦٣/٢ -١٦٤
ثم أورد الله تعالى أدلة وحدانيته وقدرته ورحمته في هذا الكون بالذات،
فأبان أنه خالق السماوات وما فيها من عوالم وأفلاك من غير عمد من تحتها
ولا علائق من فوقها، بديعة الجمال، دقيقة النظام، كل ما فيها يجري لأجل
مسمى في مداره، محكمة التناسب فيما بينها عن طريق ما يسمى بالجاذبية،
نجومها وقمرها للإنارة وتقدير حساب الشهور، وشمسها للإضاءة وإمداد
الحيوان والنبات بالحرارة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءَ
وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ اُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥/١٠]،
﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اُلُّجُوَمَ لِهْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦/
٩٧].
وخالق الأرض الذي جعلها وسطاً صالحاً للعيش الهادئ المطمئن، وملأها
بالكنوز والمنافع المختلفة، وسخرها لخير الإنسان، وأوجد فيها الجماد والمعادن
والأنهار والحيوان والنبات، وجعل لكل مخلوق غاية وحكمة، ولم يخلق ما
فيها عبثاً، ويسر لكل شيء فيها وسائل الحياة والرزق والدوام والبقاء مدة
٢٢٠﴾ [الذاريات: ٢٠/٥١].
العيش قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ ءَايَتٌ لِلْمُوقِينَ
وكل من خلق السماوات والأرضين عدا ما فيه من عظمة وقدرة وبهاء،
مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية بالناس جميعاً.
ومن أجل إتمام النعمة وإسباغ الرحمة على الإنسان، وتيسير سبل العيش
الكريم والراحة والسكينة، أوجد الله تعالى تعاقب الليل والنهار وخالف
بينهما في الفصول الأربعة بسبب خطوط الطول والعرض بالطول والقصر،
والحرارة والبرودة، وبحسب اختلاف الأقطار والبلدان، كما جاء في آيات
كثيرة منها: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ
[الفرقان: ٦٢/٢٥] ومنها: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَتَيْنٍ فَحَوْنَا
شُكُورًا.
ءَايَةَ الَّتَّلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ
﴾ [الإسراء: ١٢/١٧].
السّنِينَ وَالْحِسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَضَلْنَهُ تَفْصِيلًا
٤٢٣
لُعُ (٢) - البَفَرة: ١٦٣/٢ -١٦٤
ويسر الله للإنسان سبيل الارتحال ونقل البضائع والتجارات والمواد الثقيلة
بين البلدان عن طريق السفن الشراعية والبخارية والذرية التي تحمل مئات
الألوف من الأطنان، وتؤدي دوراً حاسماً في السلم وفي الحرب. ودلالتها على
الوحدانية يظهر عند دراسة صناعتها وحمولتها وتصميمها، مثل معرفة طبيعة
الماء وقانون ثقل الأجسام وطبيعة الهواء والبخار والكهرباء، ولا يدرك ذلك
إلا العلماء المتخصصون الذي يكتشفون هذه الطاقات ويسخرونها لخدمة
الإنسان، وهي من خلق الله الذي أبدع النظام وشملت قدرته كل شيء، كما
قال سبحانه: ﴿وَمِنْ ءَايَتِ الْجَوَارِ فِ الْبَحْرِ كَلْأَعْلَِ (
إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الْرِيحَ
فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوَّةٍ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
٣٢/٤٢-٣٣].
[الشورى:
وقد عبَّر القرآن عن منافع البحر بإيجاز في قوله تعالى: ﴿بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾
أي في أسفارهم وتجاراتهم وتنقلاتهم لأغراض مختلفة من قطر لآخر،
فيتداولون المنتجات والصناعات ومواد الغذاء وأصناف اللباس والدواء وغير
ذلك.
وأنزل الله المطر من السماء لإحياء الأرض بعد موتها، ولينعم به الإنسان
والحيوان، فالماء مصدر الحياة، كما قال الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ
شَىْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠/٢١]. وقال: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنَزَلْنَا عَلَيَّهَا
اُلْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥/٢٢] فإنزال المطر
رحمة وفضل إلهي.
وأما مصدر المطر: فهو من تصاعد بخار ماء بواسطة حرارة الهواء فوق
البحار، ثم تتكاثف الذرات المائية وتتكون سحباً، ثم يسقط الماء من خلالها،
بفعل تسيير الرياح، وكل ذلك يتم بإرادة الله عز وجل ومشيئته، كما قال:
﴿اَللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَحَ فَنُثِيرُ سَحَبًا فَيَبْسُطُهُ فِ السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ
كِسَفًا فَتَرَ اُلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ،ْ﴾ [الروم: ٤٨/٣٠]. ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ
٤٢٤
٠٠
لُجُزْءُ (٢) - البَفَرَة: ١٦٣/٢ -١٦٤
اُلْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَتَّىَ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ فَّيِّتٍ
فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ [الأعراف: ٥٧/٧].
ومن أدلة قدرة الله ووحدانيته: توجيه الرياح وتصريفها على حسب الإرادة
والمشيئة والنظام الحكيم، تهب من مختلف الجهات الأربع، ولأغراض مختلفة،
كتلقيح النبات والأشجار، كما قال تعالى ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾ [الحجر:
٢٢/١٥] وقد تكون عقيماً، وقد تكون للعذاب: ﴿رِيعُ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، تُدَمِّرُ
كُلَّ شَىءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
﴾ [الأحقاف: ٤٦ /٢٤-٢٥].
٢٥
ومن مظاهر القدرة الإلهية تكاثف السحاب (الغيم) وتجمعه في الجو، ثم
تذليله وتفريقه لإنزال المطر في شتى البقاع، على وفق نظام معين، وحكمة
بالغة، وتقدير عجيب.
كل هذه الظواهر عبر ومواعظ لمن يعقل ويتدبر وينظر، ليدرك الأسرار
والعجائب، ويستدل بما فيها من إتقان وإحكام على قدرة الخالق المبدع،
ووحدانية الإله المدبر، ورحمة الله التي وسعت كل شيء، وذلك من كمال
الحكمة واكتمال الكون الدال على وجود الله، وأنه إله واحد، وإله كل شيء،
وخالق كل شيء، وهذه الآية شبيهة بآية: ﴿إِنَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ
اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا
وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ
وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَنَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا
بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿٤﴾ [آل عمران: ١٩٠/٣-١٩١] وقوله: ﴿رَبَّنَا﴾
مدح المؤمنين الذين يتفكرون ويتعظون.
وقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه
وقدره، فقال: ﴿وَكَأَيِنِ مِّنْ ءَيَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ
عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
(٦) ﴾ [يوسف:
١٠٥/١٢-١٠٦]. وجاء في الحديث النبوي عن الآية التي نفسرها هنا: ﴿إِنَّ فِى
٤٢٥:
الُعُ (٢) - البَفَرَة: ١٦٣/٢ -١٦٤
خَلْقِ السَّمَوَاتِ﴾: ((ويل لمن قرأ هذه الآية، فمجَّ بها)) أي قذف، والمراد: عدم
الاعتبار والتفكر والاعتداد بها.
فقه الحياة أو الأحكام:
لما حذر الله تعالى من كتمان الحق، بيِّن أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز
كتمانه: أمر التوحيد، وأعقبه بذكر البرهان وضرورة النظر: وهو التفكر في
عجائب الصنع والإبداع، ليعلم أنه لا بد له من فاعل لا يشبهه شيء، وأخبر
تعالى في آية: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحٌِ﴾ عن تفرده بالألوهية، وأنه لا شريك له،
ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا إله إلا هو،
وأنه الرحمن الرحيم. جاء في الحديث عن أسماء بنت يزيد بن السَّكَن عن رسول
الله ◌َ له أنه قال: ((اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌّ لَّ
﴾ و﴿الّ ﴿ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ
٦٣
إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
٢
وقوله تعالى: ﴿لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ نفي وإثبات، أولها كفر وآخرها إيمان،
ومعناه: لا معبود إلا الله. أخرج مسلم عن النبي وَلفي أنه قال: ((من كان آخر
كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة)) والمقصود: القلب، لا اللسان، فلو قال:
لا إله، ومات ومعتقده وضميره الوحدانية وما يجب له من الصفات، لكان
من أهل الجنة، باتفاق أهل السنة.
ثم أورد سبحانه الدليل على تفرده بالألوهية بخلق السموات والأرض وما
فيهما وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته. فهذا
العالم والبناء العجيب لا بد له من بانٍ وصانع.
فآية السماوات: ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها.
وآية الأرض: بحارها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووعرها.
٤٢٦
لُعُ (٢) - الكفَة: ١٦٣/٢-١٦٤
وآية الليل والنهار: اختلافهما بإقبال أحدهما وإدبار الآخر من حيث لا
يعلم، واختلافهما في الأوصاف من النور والظلمة والطول والقصر. والنهار:
من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والليل: من الغروب إلى الفجر.
وآية الفلك (السفن): تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها
فوقه مع ثقلها، وأول من عملها نوح عليه السلام، كما أخبر تعالى، وقال له
جبريل: ((اصنعها على جُؤْجؤْ (١) الطائر)) فعملها نوح بما أراه جبريل،
فالسفينة طائر مقلوب، والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها.
وإذا كانت السفن مسخرة للإنسان، فيجوز ركوب البحر مطلقاً، لتجارة
كانت أو عبادة، كالحج والجهاد.
وآية الأمطار: كيفية تكونها وتجمعها وتفريقها، وإنعاش العالم بها،
وإخراج النبات والأرزاق، وجعل المخزون منها في الأرض عدة في غير وقت
نزولها، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَسْكَنَّهُ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨/٢٣].
وفي السماء مختلف أنواع الدواب، قال الله تعالى: ﴿وَبَثَ فِيهَا مِنْ كُلِّ
دَآبَةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤/٢] والدابة: تجمع الحيوان كله.
وآية الرياح: تصريفها، أي إرسالها عقيماً ومُلْقِحة، ونكباً وهلاكاً
ونصراً، وحارة وباردة، وليِّنة وعاصفة، وفيها التفريج والتنفيس والترويح،
روى أبو داود عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((الرِّيح من
رَوْح الله، تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبّوها، واسألوا
الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها)) ويلاحظ أن الرياح تستعمل في الخير،
والريح في العذاب، كان رسول الله وسلم يقول إذا هبت الريح: ((اللهم اجعلها
رياحاً، ولا تجعلها ريحاً)) لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء، كأنها
جسم واحد، وريح الرحمة ليّنة متقطعة.
(١) الجؤجؤ: الصدر، وقيل عظامه.
٤٢٧
الُ (٢) - البَفَرَة: ١٦٥/٢-١٦٧
وآية السحاب: تجمعه وتحريكه من مكان إلى آخر وثبوته بين السماء
والأرض من غير عمد ولا علائق، يشبه الجبال، ويدهش لرؤيته من يراه من
ركاب الطائرة عندما تحلق فوقه. قال كعب الأحبار: السحاب غِرْبال المطر،
لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء، لأفسد ما يقع عليه من الأرض.
والخلاصة: أن قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحٌِ﴾ لتقرير مبدأ الوحدانية،
وإثبات الرحمة والرأفة بالمخلوقات، وأما ما ذكر بعدئذ فهو لإقامة الأدلة
الواضحة على الوحدانية والقدرة والرحمة. ولم يقتصر الله تعالى في ذكر وحدانيته
على مجرد الإخبار، حتى قرن ذلك بالنظر والاعتبار في آي القرآن، فقال لنبيه:
﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَِّ﴾ [يونس: ١٠١/١٠] والخطاب للكفار،
لقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١/١٠]
وقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥/٧]
[الذاريات: ٢١/٥١]
والملكوت: الآيات. وقال: ﴿وَفِيّ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُصِرُونَ
والمعنى: أو لم ينظروا في ذلك نظر تفكر وتدبر، حتى يستدلوا بكونها محلاً
للحوادث والتغييرات على أنها مُحْدَثات، وأن المحدَث لا يستغني عن صانع
يصنعه، وأن ذلك الصانع حكيم عالم قدير مريد سميع بصير متكلم؛ لأنه لو لم
يكن بهذه الصفات، لكان الإنسان أکمل منه، وذلك محال.
حال المشركين مع آلهتهم
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍّ اللَّهِ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَهُوْاْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (٨٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْأْ
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةٌ فَتَتَبَرَّأَ
اٌلْعَذَابَ وَتَّقَطّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ
مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَا هُم
(١٦٧)
بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ
٤٢٨
الُ (٢) - البَقَة: ١٦٥/٢ -١٦٧
القراءات:
﴿ وَلَوْ يَرَى﴾: وقرئ: (ولو ترى) وهي قراءة نافع، وابن عامر.
﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ﴾:
١- (إذ تَرون العذاب أن) بالتاء المفتوحة، وفتح همزة (أن) وهي قراءة
نافع، وابن عامر.
٢- (إذ يُرون العذاب) بالياء المضمومة، وفتح همزة (أن) وهي قراءة ابن
عامر.
٣- (إذ يَرون العذاب) بالياء المفتوحة، وفتح همزة (أن) وهي قراءة
الباقين.
﴿بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ :
قرأ أبو عمرو وصلاً: (بهم)، وقرأ حمزة، والكسائي وصلاً: (بُهُمُ)، وقرأ
الباقون وصلاً: (بِهِمُ).
- وكذا في ﴿يُرِيهِمُ﴾.
الإعراب:
﴿أَنَّ﴾
﴿يَرَى الَّذِينَ ظَلَّمُواْ﴾ الذين: فاعل، ويرى بمعنى يعلم، وسدّت
وصلتها مسدّ المفعولين. وإنما جاء ﴿إِذْ﴾ ههنا وفي الآية (١٦٦) التي هي لما
مضى، ومعنى الكلام لما يستقبل؛ لأن الإخبار من الله تعالى كالكائن الماضي
لتحقق كونه وصحة وقوعه. و﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ﴾ متعلق بجواب ﴿لَوْ﴾ وتقديره:
لعلموا أن القوة لله.
﴿ إِذْ تَبَزَّأَ﴾ في موضع نصب، والعامل فيه إما ﴿شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ وإما فعل
مقدر، أي اذكر إذ تبرأ . ﴿فَنَتَبَرَّأَ﴾ منصوب بتقدير ﴿أَنَّ﴾ بعد الفاء التي في
!
٤٢٩
لِلُ (٢) - الَقَرَّة: ١٦٥/٢-١٦٧
جواب التمني؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَوْ أَّ لَنَا كَرَّةً﴾ تمنّ، فينزل منزلة: ليت،
وجوابه بالفاء منصوب، والفاء فيه عاطفة، وتقديره: لو أن لنا أن نكُرَّ فنتبرأ.
والكافِ في ﴿كَمَا تَبَرَّهُوا﴾ منصوب إما لأنها صفة مصدر محذوف، و﴿ وَمَا﴾
مصدرية، أي كتبرئهم منا، وإما في موضع نصب على الحال من واو
تَبَرَّهُواْ
كَذَلِكَ﴾ : الكاف إما في موضع نصب على أنها صفة مصدر محذوف
وتقديره: إراءة مثل ذلك، وإما خبر مبتدأ محذوف وتقديره: الأمر كذلك.
و﴿حَسَرَتٍ﴾ إما منصوب على الحال من ضمير ﴿يُرِيهِمُ﴾ أو منصوب لأنه
مفعول ثالث لیریهم.
البلاغة:
تشبيه مرسل مجمل حيث ذكرت الأداة وحذف وجه
﴿كَعُبَّ اللَّهِ﴾
أبلغ من قوله: أحب لله.
الشبه ﴿أَشَدُّ حُبَّا﴾
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَهُواْ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير أي بدلاً من قوله:
((ولو يرون)) لبيان سبب العذاب وهو الظلم الفادح. وفي قوله: ﴿وَرَأَوْأ
اُلْعَذَابَ﴾ و﴿ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ ما يسمى بالترصيع، وهو أن يكون
الكلام سجعاً.
المفردات اللغوية:
يعظمونهم
﴿أَنْدَادًا﴾ أصناماً جمع ند: وهو النظير المماثل ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾
ويخضعون لهم، كما يفعل المحب ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ﴾ من حبهم
للأنداد؛ لأنهم لا يعدلون عنه بحال ما، والكفار يعدلون في الشدة إلى الله.
﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ إذ بمعنى إذا، ويرى بمعنى يعلم، وجواب لو محذوف،
والمعنى: لو علموا في الدنيا شدة عذاب الله وأن القدرة لله وحده وقت
٤٣٠
للجُعُ (٢) - الفقرة: ١٦٥/٢-١٦٧
معاينتهم له وهو يوم القيامة، لما اتخذوا من دونه أنداداً. أو لعلموا أن القوة
لله، كما تقدم.
﴿تَبَرَّأَ﴾ التبرؤ: المبالغة في التنصل والتباعد ممن يُكْرَه قربه وجواره.
﴿ أَتُّبِعُواْ﴾ أي الرؤساء. ﴿مِنَ اُلَّذِينَ أَتَّبَعُواْ﴾ أي أنكروا إضلالهم.
{الْأَسْبَابُ﴾ واحدها سبب وهو الحبل، ثم غلب في كل ما يتوصل به إلى
مقصد معنوي، والمراد: الصلات والعلاقات.
﴿كَرَّةٌ﴾ رجعة إلى الدنيا. ﴿حَسَرَتٍ﴾ ندامات، والحسرة: شدة الندم
والكمد بحيث يتألم القلب.
التفسير والبيان:
أقام الله تعالى في الآية السابقة الأدلة على وحدانيته ورحمته، وذكر هنا حال
الذين لا يعقلون هذه الأدلة، فاتخذوا أنداداً لله، يلتمسون منهم الخير،
ويتأملون بهم دفع الشر، وهؤلاء هم المشركون وهذه حالهم مع آلهتهم في الدنيا
ومصيرهم في الآخرة.
اتخذ هؤلاء المشركون أنداداً وأمثالاً لله وهم رؤساؤهم، أو أوثانهم
وأصنامهم، يعظمونهم ويحبونهم ويطيعونهم ويعبدونهم كتعظيم الله وحبه
وطاعته وعبادته، ويتقربون إليهم كتقربهم إلى الله، ويلتجئون إليهم عند الحاجة
كالتجائهم إلى الله تعالى. ولكنهم في هذا كله مضطربون حيارى، فقد يلجؤون
إلى بشر أو صنم أو حيوان، ولا يتحقق لهم بهم مأرب، وأنهم مع عجز
الأصنام يحبونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته.
أما اللجوء إلى الله وحده الذي لا إله غيره، ولا ندَّ له، ولا شريك معه،
فهو المحقق للغاية؛ لأن الله هو صاحب السلطان المطلق، والقدرة الشاملة،
والرحمة الواسعة، ولكن لا بدّ للعبد من اتخاذ الأسباب المساعدة على إجابة
الدعاء، فمن قصر في اتخاذ الأسباب اعتماداً على الله فهو جاهل بالله، كما أن
من التجأ إلى غير الله من الأصنام والأوثان فهو مشرك بالله تعالى.
٤٣١
الُعُ (٢) - البَقَة: ١٦٥/٢-١٦٧
لذا كان المؤمنون أشد حباً لله من كل ما سواه، ولا يتشكك المؤمن في
عدالة الله إطلاقاً، فلا يشرك به شيئاً، ويلجأ إليه في جميع أموره، وهو مستقر
دائم حال الشدة وحال الرخاء في حب الله وتعظيمه، فلا يعدل عنه إلى غيره،
بخلاف المشركين، فإنهم يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد، فيفزعون
إليه، ويخضعون له، ويتخذون أندادهم وسائط بينهم وبين الله، فيقولون:
هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويعبدون الصنم زماناً، ثم يرفضونه إلى غيره، أو
يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس (١) عام المجاعة.
ثم أوعد أو توعد الله تعالى المشركين الظالمين لأنفسهم بذلك، فقال:
لو يشاهد الذين ظلموا أنفسهم باتخاذهم الأنداد وإشراكهم بالله، وقت
صبّ العذاب الشديد عليهم، لعلموا حينئذ أن القوة لله وحده، وأنه المتصرف
في الأكوان والموجودات كلها، من البشر والحجر والصنم وغيرها، في كل
حال وزمان، سواء في عالم الآخرة أو عالم الدنيا.
لو علموا هذا وأدركوا مصالحهم حق الإدراك، لانتهوا عمّا هم فيه. وأما
حال الأتباع والمتبوعين يوم القيامة فيستدعي الدهشة والعجب، والسخرية
والهزء؛ لأن الرؤساء المتبوعين المعبودين كالملائكة والجن والإنس يتبرؤون أو
يتنصلون من أتباعهم؛ لأن الواحد منهم يهتم بإنقاذ نفسه، ولأنه لم يرض بما
يفعله المشركون في الحقيقة، فيتبرأ كل معبود ممن عبده، ولكن لا أمل في
النجاة حين رؤية العذاب، وانقطاع الصلات والأنساب والحيل وأسباب
الخلاص، ولا معدل ولا مصرف عن النار حينئذ. وقال التابعون: نتمنى أن
تكون لنا رجعة إلى الدنيا، فنتبرأ منهم، كما تبرؤوا منا، وتركونا في الشدة
والضلال.
مثل ذلك الذي رأوه من العذاب، يريهم الله جزاء أعمالهم حسرات
(١) الحيس: تمر يخلط بسمن أو أقط.
٤٣٢
لِلُعُ (٢) - الْبَقَرَة: ١٦٥/٢-١٦٧
عليهم، أي أن الله يظهر لهم أن أعمالهم كان لها أسوأ الأثر في نفوسهم، لما
ورَّثته فيها من حسرة وشقاء وخسران، فهي تذهب وتضمحل، ولن يخرجوا
من النار إلى الدنيا لشفاء كيدهم وغيظهم من رؤسائهم؛ لأن دخولهم النار
كان بسبب الشرك وحب الأنداد.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن أعظم جريمة عند الله هي الشرك به: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ،
وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨/٤] وفي الصحيحين عن عبد الله بن
مسعود قال: قلت: يارسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل الله نداً
وهو خلقك)).
ومما يؤسف له ويدهش العقلاء أن المشركين الذين يتخذون آلهة مع الله من
رؤساء أو أصنام يحبون أصنامهم على الباطل كحب المؤمنين لله على الحق،
وحبهم لأصنامهم وعبادتهم إياهم مع عجزهم كحب المؤمنين لله مع قدرته.
ولو عاين المشركون العذاب، لعلموا حينئذ أن القوة الله جميعاً، أي أن
الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه،
علماً بأن عذاب الله شدید.
وقد كان النبي ◌َّه يعلم بذلك، ولكنه خوطب، والمراد أمته، فإن فيهم من
يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا.
ويوم القيامة يتبرأ المعبودون من عابديهم، فتقول الملائكة مثلاً( تَبَرَّأْنَآ
إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣/٢٨] ويقولون: ﴿سُبْحَنَكَ أَنْتَ
وَلِتُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلَ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِم ◌ُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١/٣٤]
والجن أيضاً تتبرأ منهم ويتنصلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ
أَضَلُ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لََّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَابِهِمْ
٦
وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ
غَفِلُونَ
٤٣٣
لِلُعُ (٢) - البَقَة: ١٦٥/٢-١٦٧
[الأحقاف: ٥/٤٦-٦] وقال تعالى: ﴿ وَأَمَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لِيَكُونُواْ لَهُمْ
﴿ كَلََّّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (َ﴾﴾ [مريم: ٨١/١٩-٨٢].
عِزَّا
ويتبرأ العابدون أيضاً من معبوديهم، ويتمنون الرجوع إلى الدنيا حتى
يعملوا صالحاً ويتبرؤوا من الآلهة المزعومة. بل إنهم يطلبون من الله مضاعفة
العذاب لهم كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآَ
أَطَعْنَا اَللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ ﴿﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَنَا فَأَضَلُونَا
١) رَبَّئَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا
السَّبِيلَا
١٨
[الأحزاب: ٦٦/٣٣-٦٨].
وهم في هذا التمني كاذبون، بل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم
لكاذبون، كما أخبر الله تعالى عنهم.
ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين من كلا الفريقين: العابدين
والمعبودين، ويظهر الله لهم أعمالهم الفاسدة التي ارتكبوها، فوجبت لهم
النار، وقال ابن مسعود والسُّدِّي: ((الأعمال الصالحة التي تركوها، ففاتتهم
الجنة)). وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث إنهم مأمورون بها. وأما إضافة
الأعمال الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها.
وقوله: ﴿وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ دليل على خلود الكفار فيها، وأنهم
لا يخرجون منها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ اُلْجَمَلُ فِ سَمِّ
اَلْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠/٧].
٤٣٤
لُعُ (٢) - البقرة: ١٦٨/٢-١٧١
تحليل الطيبات ومنشأ تحريم المحرمات
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِنَا فِى الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُّبِينُ (٤٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوْءٍ وَالْفَحْشَآءِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا
نَعْلَمُونَ (3) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْغَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَأُ
وَمَثَلُ الَّذِينَ
١٧٠
أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ .
كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءَ وَنِدَآءً صُمْ بُكُمُّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ
القراءات:
خُطُوَاتِ﴾ : قرئ:
١- بضم الخاء والطاء وبالواو، وهي قراءة ابن عامر، والكسائي، وقنبل،
وحفص.
٢- بضم الخاء وإسكان الطاء وبالواو وهي قراءة باقي السبعة.
قِيلَ﴾ :
قرأ الكسائي بإشمام كسرة القاف ضماً.
الإعراب:
﴿حَلَلَا طَيِّبًا﴾ منصوب إما لأنه وصف لمفعول محذوف، وتقديره: كلوا
شيئاً حلالاً طيباً، أو لأنه وصف لمصدر محذوف، وتقديره: كلوا أكلاً حلالاً
طيباً.
﴿أَوَّلَوْ﴾ همزة استفهام ومعناه التوبيخ، والواو حرف عطف، وجواب
﴿أَوَلَوْ﴾ محذوف، وتقديره: ((يتبعونهم)) للعلم به . ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
:
٤٣٥
لُعُ (٢) - البَوَرة: ١٦٨/٢ -١٧١
تقديره: ومثل داعي الذين كفروا كمثل ... إلخ أو تقديره: مثل دعاء الذين
كفروا كمثل دعاء الذي ينعق، فحذف المضاف في الحالين وأقيم المضاف إليه
مقامه. ودعاء ونداء: منصوب بـ يسمع.
البلاغة:
﴿خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ﴾ استعارة عن الاقتداء به واتباع آثاره.
﴿ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ﴾ من عطف الخاص على العام؛ لأن السوء أعم يشمل
جميع المعاصي، والفحشاء: أقبح المعاصي.
﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فيه تشبيه مرسل لذكر الأداة، وتشبيه مجمل
لحذف وجه الشبه.
﴿صُمْ بُكْمُ عُمْىٌ﴾ تشبيه بليغ حذف منه وجه الشبه وأداة الشبه، أي هم
كالصم في عدم سماع الحق، وكالعمي والبكم في عدم الانتفاع بالقرآن.
المفردات اللغوية:
﴿حَلَلَا طَيِّبًا﴾ الحلال: هو ما أباحه الشرع، والحرام: ما حرمه الشرع
و﴿َطَيِّبًا﴾ صفة مؤكدة، أي مستلذاً ﴿ خُطُوَتِ﴾ جمع خُطْوة أي طرق الشيطان
أي تزيينه والسير على طريقته ﴿عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ بيِّن العداوة لذوي البصائر
﴿ يَأْمُؤَّكُمْ﴾ أي يوسوس لكم ويتسلط عليكم كأنه آمر مطاع ﴿ بِالسُّوْءِ﴾: ما
يسوء وقوعه أو عاقبته أي السيء القبيح ﴿وَاَلْفَحْشَآءِ﴾ كل ما يقبح شرعاً أو في
أعين الناس من المعاصي: وهي ما تجاوز الحد في القبح، مما ينكره العقل
ويستقبحه الشرع، فهي أقبح وأشد من كلمة ﴿بِالسُّوْءٍ﴾. ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ
مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ من تحريم مالم يحرم وغيره. ﴿مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ من التوحيد وتحليل
الطيبات ﴿أَلْفَنَا﴾ وجدنا ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ عقل الشيء: عرفه بدليله وفهمه
بأسبابه ونتائجه ﴿ وَمَثَلُ﴾ صفة ﴿يَنْعِقُ﴾ يصيح أو يصوت ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا
٤٣٦
لُعُ (٢) - البَفَرَة: ١٦٨/٢ -١٧١
دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ أي صوتاً ولا يفهم معناه، أي هم في سماع الموعظة وعدم تدبرها
كالبهائم، تسمع صوت راعيها ولا تفهمه، فهم لا يعقلون الموعظة. والنداء
للبعيد، والدعاء للقريب.
سبب نزول الآية (١٦٨):
قال الكلبي: نزلت في ثقيف وخُزاعة وعامر بن صَعْصعة، حرموا على
أنفسهم أشياء من الحرث والأنعام، وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة
والحامي.
المناسبة:
بعد بيان أن أوضاع الشرك خبيثة المنافع، أمر الله بالطيب النافع، ولما أباح
الله تعالى لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب، وكانت وجوه الحلال
كثيرة، بَيَّن لهم ما حرم عليهم.
سبب نزول الآية (١٧٠):
قال ابن عباس: دعا رسول الله اليهود إلى الإسلام، ورغبهم فيه،
وحذرهم عذاب الله ونقمته، فقال رافع بن حريملة ومالك بن عوف: بل نتبع
ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيراً منا، فأنزل الله في ذلك: ﴿ وَإِذَا
قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ﴾ الآية.
التفسير والبيان:
بعد أن ذكر الله تعالى حال متخذي الأنداد وما يرونه من العذاب،
وانقطاع الأسباب والصلات بين التابعين والمتبوعين، وهي المنافع التي يجنيها
الرؤساء من المرؤوسين، أوضح أن تلك الصلات محرمة؛ لأنها أكل الخبائث،
واتباع خطوات الشيطان، وأن سبب الضلال هو الثقة بما كان عليه الآباء من
غير عقل ولا برهان.
وجاء الخطاب بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ ليشمل المؤمن والكافر، وأن
٤٣٧
الُزْعُ (٢) - البقرة: ١٦٨/٢-١٧١
إنعام الله يعم كل الناس، وأن الكفر لا يحجب الإنعام الإلهي. وناداهم جميعاً
بأن يأكلوا مما في الأرض حلالاً أحله الله لهم، طيباً لا شبهة فيه ولا إثم ولا
يتعلق به حق الغير، وألا يأكلوا الخبائث التي منها ما يأخذه الرؤساء من
الأتباع، فهو حرام خبيث لا يحل أكله. ودل ذلك على أن بقاء رجال الدين من
أهل الكتاب على ملتهم وعدم إيمانهم بالإسلام: هو للحفاظ على مراكزهم،
ورياستهم الباطلة، وأخذهم الأموال بالباطل.
فلا تتبعوا أيها الناس طريقة الشيطان بالإغواء والإضلال والوسوسة، فهو
إنما يوسوس بالشر والمنكر، وإنه للإنسان بدءاً من أبينا آدم عليه السلام عدو
ظاهر العداوة، فلا يأمر بالخير أصلاً، ولا يأمر إلا بالقبيح، فهو مصدر
الخواطر السيئة والمزين للمعاصي، فاحذروه ولا تتبعوه، وكأنه بوسوسته
وتسلطه عليكم كأنه آمر مطاع، بأن تفعلوا ما يسوءكم في دنياكم وآخرتكم.
ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه مالا تعلمون يقيناً أنه شرع الله في
العقائد والشعائر الدينية، أو تقدموا على تحليل الحرام وتحريم الحلال، ليتوصل
بذلك إلى إفساد العقيدة وتحريف الشريعة.
ثم حكى القرآن عن المشركين وبعض اليهود: أنه إذا قيل لهم: اتبعوا ما
أنزل الله على رسوله محمد وَله من الوحي؛ لأنه خير لكم وأجدى، ولا تتبعوا
من دونه أولياء، انقادوا إلى تقليد الآباء تقليداً أعمى، اعتماداً على المألوف
فقط، فرد الله عليهم:
أيتبعون ما ألفوا عليه آباءهم في تقاليدهم وعاداتهم، ولو كان آباؤهم لا
يعقلون شيئاً من الحق في أمور العقائد والعبادات، بل ولو تجردوا من أي دليل
منطقي، وحادوا عن الصواب. وهذا يدل على ذم التقليد بدون دليل. أما اتباع
المجتهدين أي تقليدهم بعد معرفة دليلهم، فهو جائز، لقوله تعالى: ﴿فَثَلُواْ أَهْلَ
الذِّكْرِ إِن كُتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧/٢١].
٤٣٨
لِلُ (٢) - البَفَرَة: ١٦٨/٢ -١٧١
وصفة أو حال داعي الكافرين إلى الإيمان، المقلدين آباءهم ورؤساءهم،
وماهم عليه من الضلال والجهل، وعدم التأمل في صحة المواقف، مثل حال
الذي يدعو بهائمه ويسوقها إلى المرعى والماء ويزجرها عن الممنوع، وهي لا
تعقل مما يقول شيئاً ولا تفهم له معنى، فكل واحد من الكفار والبهائم لا يعي
شيئاً مما يسمع، وإنما ينقاد للأصوات والأجراس؛ لأن الكفار قد حجبوا
عن قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم نور الهداية، فختم الله عليها بالغشاوة،
وأصبحت لا ينفذ إليها شيء من الخير، وكأنهم صم لا يسمعون، خُرْسٌ أو
بُكْمٌّ لا ينطقون، عُمْيٌ لا ينظرون في آيات الله تعالى وفي أنفسهم، مما
يرشدهم إلى الإيمان، بل ينقادون لغيرهم كما هو شأن الحيوان. قال القرطبي:
شبه تعالى واعظ الكفار وداعيهم إلى الإيمان وهو محمد ◌َّه بالراعي الذي يَنْعِق
بالغنم والإبل، فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه، ولا تفهم ما يقول.
فقه الحياة أو الأحكام:
أباح الله تعالى للناس أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالاً من الله
طيباً، أي مستطاباً في نفسه، غير ضار للأبدان ولا للعقول، ولذلك يمنع أكل
الحيوان القذر.
روى ابن عباس: أنه تليت هذه الآية عند النبي ◌َّ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ
مِنَا فِ الْأَرْضِ حَلَا طَيِّبًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله،
ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: ((يا سعد، أطب مطعمك، تكن
مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في
جوفه، ما يُتقبلُّ منه أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا،
فالنار أولى به)».
والحلال الطيب: هو الذي لا شبهة فيه ولا إثم، ولا يتعلق به حق للغير
مهما كان.
٤٣٩
الُعُ (٢) - البَفَرَّة: ١٦٨/٢-١٧١
وهذا يدل على أنه لا يحل للمسلم أن يأخذ مالاً يتعلق به حق الغير، أو
يأخذه على وجه غير شرعي.
وتدل آية ﴿ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ﴾ على تحريم اتباع طرائق الشيطان
ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها
مما كان زينة لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمار الذي في
صحيح مسلم عن رسول الله وَ لل أنه قال:
(يقول الله تعالى: إن كل مال منحته عبادي، فهو لهم حلال - وفيه: وإني
خلقت عبادي حُنَفاءَ، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمتْ
عليهم ما أحللت لهم)).
وتدل الآية على أنه يجب على المسلم أن يجاهد نفسه وهواه، وأن يخالف
الشيطان، فإنه داع للشر والسوء والمنكر والعصيان. وأخبر الله تعالى بأن
الشيطان عدو، فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد
· أبان عداوته من زمن آدم، وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم، وذلك
في آيات كثيرة غير هذه الآية، مثل ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ
بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨/٢] ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾
[النساء: ٦٠/٤] ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ
أَصْحَبِ السَّعِيرِ (جَ)
[فاطر: ٦/٣٥].
ويدخل في اتباع خطوات الشيطان كل معصية لله، وكل نذر في المعاصي،
قال ابن عباس: ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات
الشيطان، وکفارته كفارة يمين.
وقال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه، فأفتاه مسروق بذبح كبش، وقال:
هذا من خطوات الشيطان(١).
(١) تفسير ابن كثير: ٢٠٤/١
٤٤٠
الُ (٢) - الَفَرة: ١٧٢/٢-١٧٣
ودلت آية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي للناس ومنهم كفار العرب، واليهود، على
تحريم التقليد الأعمى، وعلى أنه يجب على المسلم وغيره أن ينظر على قدر طاقته
وقوته في إثبات عقيدته وأمور دينه. والتقليد عند العلماء: قبول قول بلا حجة.
وأما الاتّباع: فهو الأخذ بقول الغير بعد معرفة دليله.
وفرض العامي الذي لا يستطيع استنباط الأحكام من أصولها أن يسأل
أهل العلم، ويمتثل فتوى الأعلم، لقوله تعالى ﴿فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُتُمْ
لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣/١٦].
وأجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد؛ لأن الله ذم الكفار بتقليدهم
آباءهم وتركهم اتباع الرسل في قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَنَا عَلَىَّ أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:
٢٣/٤٣] ولأنه فرض على كل مكلف (بالغ عاقل) تعلّم أمر التوحيد والقطع
به، والتعلم لا يحصل إلا من جهة القرآن والسنة النبوية.
ومثل الذين كفروا فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل كالدواب
السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها، أي دعاها إلى ما
يرشدها، لا تفقه ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط.
الحلال والحرام من المآكل
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنْتُمْ
إِنَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣) إِنََّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيِ وَمَا أُهِلَّ
بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَلَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ
١٧٣
القراءات:
﴿فَمَنِ اضْطَرَّ﴾: قرئ: