Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
لُعُ (١) - البَفَرّة: ١٠٤/٢-١٠٥
يحسد أحداً على خير أصابه، وفضل أوتيه من عند ربه، فالله وحده صاحب
الفضل العظيم.
فقه الحياة أو الأحكام:
هاتان الآيتان تذكران شيئاً من جهالات اليهود وقبائحهم، كما سبق،
والمقصود نهي المسلمين عن مثل أفعال اليهود، وترسيخ عقيدتهم بأن مصدر
الخير والرحمة واختيار من هو أهل للنبوة والرسالة هو الله تعالى، فلا يصح
لأحد أن يحسد أحداً على ما آتاه الله من فضله، وبدئت الآية الأولى بقوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وهو أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه
السورة، من ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن ذكر فيها هذا الخطاب الدال على
إقبال الله على المؤمنين، وتذكيرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى
أوامر الله ونواهيه بأتم طاعة وأحسن امتثال.
وموضوع هذا الأدب الجميل: هو أن يتجنب المؤمن في مخاطبة النبي ◌َّ ما
قد يوهم الانتقاص أو الاستهزاء، ومنعاً من استغلال الأعداء استعمال لفظة
أو غيرها، وقد كان اليهود يعنون بكلمة ﴿رَعِنَا﴾ السب والشتم،
ويخاطبون بها النبي وَّر، ويضحكون فيما بينهم، فقال لهم سعد بن معاذ،
وکان یعرف لغتهم: علیکم لعنة الله، والذي نفسي بيده، لئن سمعتها من رجل
منكم يقولها لرسول الله، لأضربنَّ عنقه.
وفي تعبير ﴿ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إيماء إلى أن ما صدر من اليهود من
سوء الأدب في خطابه س 1 كفر لا شك فيه؛ لأن من يصف النبي وَلير بأنه
((شرير)) فقد أنكر نبوته، ومن فعل ذلك فقد كفر.
ففي هذه الآية (١٠٤) دليلان:
أحدهما - على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض

٢٨٢
لُعُ (١) - البقرة: ١٠٦/٢-١٠٨
من قدر النبي ◌َّر، وهو يؤكد مذهب المالكية - وفي رواية عن أحمد - القائلين
بوجوب حد القذف حال التعريض بالقذف، وخالفهم الحنفية والشافعية،
وأحمد في ظاهر الرواية عنه حين قالوا: التعريض محتمل للقذف وغيره، والحد
مما يسقط بالشبهة.
الثاني - التمسك بسد الذرائع وحمايتها وهو مذهب الإمامين مالك وأحمد،
والذريعة: عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه، يخاف من ارتكابه الوقوع في
ممنوع، أي أن كل وسيلة مباحة أدت إلى محظور أو ممنوع فهي حرام، وكل
وسيلة أدت إلى مطلوب شرعاً فهي مطلوبة، أي أن وسيلة الحرام حرام،
ووسيلة الواجب واجبة، ووسيلة المباح مباحة.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾ نهي يقتضي التحريم، سداً للذرائع،
حتى لا يتخذ اللفظ المحتمل ذريعة لشيء قبيح. وقوله سبحانه: ﴿وَقُولُواْ
أَنْظُرْنَا﴾ أمر للمؤمنين أن يخاطبوه بَله بالإجلال. وقوله عز وجل:
﴿ وَأَسْمَعُواْ﴾ يفيد وجوب السماع لما أمر به ونهى جل وعز.
ودل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ على سدباب الحسد،
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ﴿ يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ،﴾ أي بنبوته، خص بها
محمداً وَله. وقيل: الرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله
عباده قديماً وحديثاً. ورحمة الله لعباده: إنعامه عليهم وعفوه عنهم.
إثبات نسخ الأحكام الشرعية
مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَاُ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَا لَكُم
مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا
سُچِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ
١٠٨

٢٨٣
الجُرُ (١) - البقرة: ١٠٦/٢-١٠٨
القراءات:
﴿نَفْسَحْ﴾: قرئ: (نُنْسِخ) وهي قراءة ابن عامر.
﴿نُسِهَا﴾: قرئ:
١- (ننساها) بفتح نون المضارعة والسين وسكون الهمزة، وهي قراءة ابن
کثیر، وأبي عمرو.
٢- (نُنسِها) بضم النون وكسر السين من غير همز، وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿مَا نَنسَخْ﴾ ما شرطية في موضع نصب بفعل ((ننسخ)) و ((ننسخ)) مجزوم بها.
و﴿نُنسِهَا﴾ حذف منه المفعول الأول، وتقديره («ننسكها» أي نأمر بتركها،
وهو مجزوم بالعطف على ((ننسخ)) المجزوم بما الشرطية، وجواب الشرط:
﴿َأَتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ أي بالإضافة إلى مصالح العباد إليها في نفسها.
﴿ كَمَا سُئِلَ﴾ الكاف في موضع نصب؛ لأنها صفة لمصدر محذوف، أي:
أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى. و ((ما)) في ((كما)) مع الفعل
بعدها في تقدير المصدر، أي: كسؤال موسى، والمصدر مضاف إلى المفعول.
البلاغة:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ الاستفهام للتقرير، والخطاب للنبي بَّو، والمراد: أمته،
بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾. أما إظهار لفظ الجلالة بدل
الضمير في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ و﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ فهو لتكوين المهابة في
النفوس.
﴿ضَلَّ سَوَآءَ اُلسَّبِيلِ﴾ من إضافة الصفة للموصوف، أي الطريق السوي،
وفيه تشنيع على من ظهر له الحق، فعدل عنه إلى الباطل.

٢٨٤
الُرُ (١) - البقرة: ١٠٦/٢-١٠٨
المفردات اللغوية:
﴿مَا نَسَخْ﴾ النسخ في اللغة: الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، أي
أزالته. وفي الاصطلاح الشرعي: رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي متراخ
عنه. والإنساء: إذهاب الآية من ذاكرة النبي وَلقر بعد تبليغه إياها، فمعنى
﴿نُنسِهَا﴾ نبح لكم تركها، من نسي: إذا ترك، ثم تعدّى بالألف. ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ
مِّنْهَا﴾ أنفع للعباد في السهولة أو كثرة الأجر .﴿أَوْ مِثْلِهَاً﴾ في التكليف
والثواب . ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ ومنه النسخ والتبديل.
﴿وَلِيٍ﴾ الولي: القريب والصديق. والنصير: المعين، والفارق بينهما أن
الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبياً عمن ينصره.
﴿تَسْئَلُوا﴾ السؤال: الاقتراح المقصود به التعنت. ﴿يَتَبَدَّلِ﴾ بدل وتبدل
واستبدل: جعل شيئاً موضع آخر . ﴿ضَلَّ﴾ عدل وجار وأخطأ الطريق الحق.
﴿سَوَآءَ اُلْسَبِيلِ﴾ السواء من كل شيء في الأصل: الوسط. ومنه قوله تعالى:
﴿فِي سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥/٣٧] والسبيل: الطريق.
سبب نزول الآية (١٠٦):
قال المفسرون: إن المشركين قالوا: أترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم
ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً، ما في هذا
القرآن إلا كلام محمد، يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضاً،
مثل تغيير حد الزاني بالتعبير باللسان: ﴿فَنَاذُوهُمَّا﴾ والزانية بالإمساك في
البيوت: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَ﴾ إلى الجلد، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً فَكَانَ
ءَايَةٍ﴾ [النحل: ١٠١/١٦] وأنزل أيضاً: ﴿مَا نَنسَحْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأَتِ بِخَيْرٍ
مِّنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦/٢].
سبب نزول الآية (١٠٧):
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي كعب ورهط من

٢٨٥
لُعُ (١) - البَفَرَّة: ١٠٦/٢-١٠٨
قريش، قالوا: يا محمد اجعل لنا الصفا ذهباً، ووسع لنا أرض مكة، وفجّر
الأنهار خلالها تفجيراً نؤمن بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال المفسرون: إن اليهود وغيرهم من المشركين تمنوا على رسول الله وَله،
فمن قائل يقول: يأتينا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بالتوراة، ومن
قائل يقول: وهو عبد الله بن أبي أمية المخزومي: ائتني بكتاب من السماء، فيه
من رب العالمين: إلى ابن أبي أمية، اعلم أني قد أرسلت محمداً إلى الناس؛
ومن قائل يقول: لن نؤمن لك، أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً، فأنزل الله تعالى
هذه الآية.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال رافع بن خزيمة ووهب بن زيد
لرسول الله: يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء، نقرؤه، أو فجّر لنا
أنهاراً نتبعك ونصدقك، فأنزل الله في ذلك: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا
رَسُولَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿سَوَآءَ اُلسَّبِيلِ﴾.
سبب نزول الآية (١٠٨) وما بعدها:
كان حُيَّيّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود، حسداً للعرب،
إذ خصّهم الله برسوله، وكانا جاهدين في ردّ الناس عن الإسلام ما استطاعا،
فأنزل الله فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ الآية (١٠٩).
وأخرج ابن جرير الطبري عن مجاهد قال: سألت قريش محمداً أن يجعل
لهم الصفا ذهباً، قال: نعم، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل، إن كفرتم، فأبوا
ورجعوا، فأنزل الله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ﴾ الآية.
التفسير والبيان:
نزل القرآن منجماً مفرقاً على وفق المناسبات والحوادث والوقائع، أخذاً

٢٨٦
لِلُعُ (١) - البقرة: ١٠٦/٢-١٠٨
بمبدأ تربوي ناجح ألا وهو التدرج في التشريع لإصلاح المجتمع العربي الجاهلي
تدريجياً، ومراعاة للمصالح، وتمكيناً من التخلص من العادات والتقاليد
الموروثة شيئاً فشيئاً، وإعداداً للحكم الشرعي المستقر، بتقبل النفوس له
وتربيتها على وفق الغاية الشرعية بنحو بطيء، واقتناع عقلي ذاتي بأفق التشريع
ومراميه البعيدة، فإذا توافرت المصلحة العامة للأمة بقي الحكم، وإن لم تتوافر
عُدِّل أو بُدِّل ونُسِخ.
والنسخ الذي هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر يكون إما بنسخ
لفظ الآية ومعناها، أو أحدهما، أو بانتهاء الحكم المستفاد منها مع بقاء نصها.
كل ذلك بحسب المصلحة أو الحاجة، كالطبيب الذي ينوّع الأدوية والأغذية
باختلاف الأزمنة والأمزجة والأحوال الصحية، والأنبياء صلوات الله عليهم
هم أطباء الأمة، ومصلحو النفوس، يوحى إليهم بتبديل الحكم الشرعي
لمراعاة الأحوال الحاضرة أو المستقبلية، فما قد يصلح علاجاً في الماضي قد لا
يصلح في المستقبل. وذلك كله يدل على مرونة الإسلام.
وليس النسخ لظهور أو بداء المصالح الجديدة المقتضية لتغيير الحكم، فالله
سبحانه الناسخ يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، وهو يتدرج في معالجة
الأوضاع تبعاً للظروف والأحوال، منعاً من المفاجأة وأحكام الطفرة،
كالتدرج في تحريم الخمر أو الربا الذي مرّ بمراحل أربع، والتدرج في تقرير
أحكام الجهاد من سلم مطلق إلى إعداد النفوس، إلى فرضية القتال بحسب
الضعف، ثم بحسب القوة وكثرة العدد.
ومعنى الآية: ما نغير حكم آية، أو نجعلك تنساها فلا تذكرها، أو نأمر
بتركها أو نؤجلها، إلا أتينا بما هو خير منها للعباد بكثرة الثواب إن كان
الناسخ أثقل أو تحقيق المصلحة إن كان الناسخ أخف، أو مثلها على الأقل في
التكليف والثواب.

٢٨٧
الجزءُ (١) - البَقَرة: ١٠٦/٢-١٠٨
قال الفخر الرازي: وقد جاء النسيان بمعنى الترك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
﴾ [طه: ١١٥/٢٠] أي
١١٥
عَهِدْنَآ إِلَى ءَدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا
فترك، وقال تعالى: ﴿اَلْيَّوْمَ نَنسَنَكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤/٤٥]،
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى﴾ [طه: ١٢٦/٢٠].
ونسخ الحكم قد يكون ببدل أخف وأيسر، كنسخ عدة المتوفى عنها زوجها
من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، أو ببدل مساوٍ كنسخ التوجه إلى بيت
المقدس بالتوجه إلى الكعبة عند الصلاة، أو بأشق منه وثوابه أكثر كنسخ ترك
القتال بإيجابه على المسلمين، ونسخ حبس الزناة في البيوت إلى الجلد، ونسخ
صوم عاشوراء بصوم رمضان لأنه كما في الحديث الثبت: ((أفضل الأعمال
أحمزها)) أي أشقها، وقد تكون الخيرية بإسقاط التكليف لا إلى بدل في رأي
جمهور الأصوليين، مثل نسخ وجوب تقديم الصدقة عند مناجاة الرسول وعليه،
ونسخ ادخار لحوم الأضاحي، ونسخ تحريم المباشرة في ليالي رمضان، بقوله
سبحانه: ﴿فَلْثَنَ بَشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧/٢]، ونسخ وجوب الإمساك بعد
النوم في ليالي رمضان، ونسخ قيام الليل في حقه ێ.
أليس الله على كل شيء قدير؟ فالله القادر على كل شيء لا يصعب عليه
نسخ الأحكام.
وأليس الله ملك السماوات والأرض؟ فهو يملك كل ما في الكون أرضه
وسمائه، ويتصرف بحسب إرادته ومشيئته، ويدبر الأمور حسبما يرى من
المصلحة، فله أن ينسخ ما شاء من الأحكام.
وليس لكم ولي سواه يتولى أموركم، ولا ناصر ولا معين ينصركم ويعينكم
غير الله وحده. وفي هذا نصح للمسلمين أن يعملوا بما يأمرهم به رسولهم،
وینتهوا عما نهاهم عنه ..
ثم أتبع التحذير بالوعيد لمن يطلب المعجزات تعنتاً وعناداً، فمن يترك الثقة

٢٨٨
الُزُرُ (١) - البقرة: ١٠٦/٢-١٠٨
بالآيات المنزلة بحسب المصالح، ويطلب غيرها معاندة للنبي وَّ، كما طلبت
اليهود من موسى عليه السلام أن يريهم الله جهرة، فقد اختار الكفر على
الإيمان، وضلّ عن الحق، وترك السبيل السوي كما قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ
لْحَقّ
أَمْ
[يونس: ٣٢/١٠]. ومعنى قوله تعالى:
تَصَ
الضَّلَلَ
إلَّا
فَائـ
تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا﴾ بل تريدون، أو هي على بابها في الاستفهام، وهو
إنكاري، وهو يعمّ المؤمنين والكافرين، فإنه عليه السلام رسول الله إلى
الجميع.
وقوع النسخ:
النسخ جائز عقلاً بإجماع أهل الشرائع ما عدا اليهود والنصارى، وواقع
شرعاً بإجماع المسلمين، ما عدا أبا مسلم الأصفهاني.
ودليل الجواز العقلي: أنه لا يترتب على فرض وقوعه محال، وهو معنى
الجواز؛ لأن أحكام الله تعالى إن لم يراع في شرعيتها مصالح العباد، فذلك تابع
لمشيئة الله، والنسخ فعل الله، والله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فقد يأمر
بالفعل في وقت، وینھی عنه في وقت، كما أمر بالصيام في نهار رمضان، ونهى
عنه في يوم العيد.
أما لو راعينا في أحكام الله مصالح العباد، وأن التشريع قائم على أساس
المصالح، كما تقول المعتزلة، فالمصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان،
فما قد يكون مصلحة لشخص أو في زمن، قد لا يكون مصلحة لشخص آخر
أو في زمن آخر، وما دامت المصالح تتغير، والأحكام يراعى في تشريعها
مصالح الناس، فإن النسخ أمر ممكن غير محال، ويكون جائزاً عقلاً.
وأدلة وقوع النسخ فعلاً كثيرة.
منها: إجماع الصحابة والسلف على أن شريعة محمد وَية ناسخة لجميع

٢٨٩
الجُزْءُ (١) - الْبَفَرَة: ١٠٦/٢-١٠٨
الشرائع السابقة، أي في غير أصول العقيدة والأخلاق، مثل تحريم الشحوم،
وكل ذي ظفر على اليهود بسبب ظلمهم، وأكلهم أموال الناس بالباطل بالربا
وغيره.
ومنها: الإجماع على نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس، باستقبال
الكعبة، وعلى نسخ الوصية للوالدين والأقربين بآية المواريث، ونسخ صوم
عاشوراء بصوم رمضان، ونسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي
003* بالعفو عنه.
أما أبو مسلم الأصفهاني من علماء التفسير المتوفى سنة ٣٢٢ هـ، فإنه أجاز
النسخ مطلقاً بين الشرائع، كما هو المشهور عنه، ولكنه منع وقوعه في الشريعة
الواحدة، مستدلاً بقول الله تعالى في صفة القرآن: ﴿لَّا يَأْنِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ
﴾ [فصلت: ٤٢/٤١] فلو وقع
٤٢
يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
النسخ في القرآن، لأتاه الباطل. وأجيب بأن النسخ إبطال، لا باطل؛ لأن
النسخ حقّ وصدق، والباطل ضدّ الحقّ، كل ما في الأمر أن يصبح حكم
المنسوخ غير معمول به، فلا دلالة في الآية على مطلوب الأصفهاني.
ثم إن كل آية قيل فيها: إنها منسوخة، فإنه يؤولها تأويلاً إما بالتخصيص،
أو بانتهاء أمد الحكم الشرعي، أو بالتقييد ببعض الأحوال، أو الأشخاص،
ونحو ذلك، كما فعل في آيات العدة وآيات القتال وغيرها الآتية.
أنواع النسخ:
للنسخ أحوال تسع أهمها ثلاث:
اً - نسخ التلاوة والحكم معاً: مثل نسخ صحف إبراهيم وموسى والرسل
السابقين، ومثل نسخ عدد الرضعات من عشر إلى خمس، قالت عائشة رضي
الله عنها كما في صحيح مسلم وغيره: ((كان فيما أنزل عشر رضعات

٢٩٠
لُعُ (١) - البَفَرَة: ١٠٦/٢-١٠٨
معلومات يحرمن، فنسخن بخمس رضعات، فتوفي رسول الله وَ لقول، وهن فيما
يتلى من القرآن)) والقسم الأول منسوخ الحكم والتلاوة، والقسم الثاني وهو
الخمس منسوخ التلاوة باقي الحكم عند الشافعية.
أَ - نسخ التلاوة دون الحكم: مثل قول عمر رضي الله عنه: ((كان فيما
أنزل: الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما ألبتة، نكالاً من الله ورسوله)) ثبت
في الصحيح: أن هذا كان قرآناً يتلى، ثم نسخ لفظه، وبقي حكمه.
وأضاف الحنفية أمثلة أخرى من القراءات الشاذة، مثل قراءة ابن مسعود
في صوم كفارة اليمين: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)) وقراءة ابن عباس:
((فأفطر فعدّة من أيام أخر)) وقراءة سعد بن أبي وقاص: ((وله أخ أو أخت
لأم، فلكل واحد منهما السدس)).
٣ - نسخ الحكم دون التلاوة: وهو كثير، مثل نسخ حكم آية الوصية
للوالدين والأقربين، ونسخ آية الاعتداد بحول كامل، ونسخ آية الحبس للمرأة
في البيوت، وإيذاء الرجل باللسان في حدّ الزنا، ونسخ آية تقديم الصدقة قبل
مناجاة الرسول ◌َلچول.
ويجوز بالاتفاق نسخ نص القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، وخبر
الآحاد بمثله وبالمتواتر.
ويجوز عند الأكثرين نسخ المتواتر بالآحاد أي نسخ القرآن بغير القرآن،
والمتواتر بغير المتواتر، ونفى الشافعي وقوعه وقال: لا ينسخ القرآن بالسنة،
ولا السنة بالقرآن، واستدل بقوله تعالى: ﴿نَأَتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً﴾ دلت
الآية على أن الآتي بالبدل هو الله سبحانه، وهو القرآن، فكان الناسخ للقرآن
هو القرآن، لا السنة، وأيضاً فإن الله جعل البدل خيراً من المنسوخ أو مثلاً
له، والسنة ليست خيراً من الكتاب ولا مثلاً له، فلا تكون ناسخة له. ثم إن
الآية ذيلت ببيان اختصاص ذلك التبديل بمن له القدرة الكاملة، وهو الله

٢٩١
اِلُعُ (١) - البَفَرَة: ١٠٦/٢-١٠٨
تعالى، فكان النسخ من جهته فقط، وهو القرآن، لا السنة. ويؤيد ذلك قوله
تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَكَانَ ءَايَةٍ﴾ حيث أسند التبديل إلى نفسه،
وجعله في الآيات.
وأجيب بأن السنة من عند الله كالقرآن، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَطِقُ عَنِ الْمَوَّ
وحى يوحى
٨٠
﴾ [النجم: ٣/٥٣-٤] إلا أن القرآن معجز ومتعبد
هَوَ إِلا
بتلاوته، والسنة ليست كذلك. والمراد بالخيرية والمثلية هو في الأحكام بحسب
مصلحة الناس، لا في اللفظ، فيكون الحكم الناسخ خيراً من الحكم المنسوخ
لاشتماله على تحقيق مصالح العباد، وقد تأتي السنة بما هو أنفع للمكلف، مما
يدل على أن هذه الآية ليست دالة على أن القرآن لا ينسخ بالسنة.
وقد وقع نسخ القرآن بالسنة في آية الوصية بالحديث المتواتر: ((لا وصية
لوارث».
وقال الشافعي أيضاً: لا يجوز نسخ السنة بالقرآن، ويتطلب كون الناسخ
سنة أيضاً؛ لأن الله تعالى في قوله: ﴿لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ١٦/
٤٤] جعل السنة بياناً، فلو نسخت قرآناً، خرجت عن كونها بياناً، وذلك غير
جائز.
وأجيب: بأن المراد بالبيان هو التبليغ، سواء بالقرآن وغيره.
المراد بالآية في قوله تعالى: ﴿مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾:
ذهب الإمام محمد عبده إلى أن الآية لا يراد منها الآية القرآنية، بل المراد
المعجزات الدالة على صدق الرسل، حيث يبدل الله معجزة الرسول السابق
بالمعجزة التي يأتي بها الرسول الذي بعده، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ
أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾. وأجيب بأن هذه الآية جاءت للتمهيد في تحويل
القبلة، ونسخ التوجه إليها بالتوجه إلى الكعبة، فهي في نسخ الأحكام المقررة

٢٩٢
الجُرُ (١) - البقرة: ١٠٦/٢-١٠٨
بالآيات. والمراد بالآية إذا أطلقت: القطعة من السورة المتضمنة أمراً أو نهياً
أو غير ذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
أجمع السلف على وقوع النسخ في الشريعة، ودلت وقائع ثابتة على وقوعه،
بغض النظر عن التعسف في تأويل الآيات المنسوخة، وليس النسخ جهلاً
بالحكم الأخير، أو من باب البَدَاء، بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة،
وحكم إلى حكم، لنوع من المصلحة التشريعية الملائمة لحاجات الناس، إظهاراً
لحكمة الله، وكمال ملكه، ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها
مصالح الخلق الدينية والدنيوية، وإنما كان يلزم البداء (الظهور بعد الخفاء أو
ظهور مصلحة لم تكن ظاهرة للمشرع) لو لم يكن عالماً بمآل الأمور، وأما
العالم بذلك، فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح، كالطبيب المراعي
أحوال العليل، فراعى ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته، لا إله إلا هو،
فخطابه يتبدل، وعلمه وإرادته لا تتغير، فإن ذلك محال على الله تعالى.
وجعلت اليهود النسخ والبداء شيئاً واحداً، والفرق بين النسخ والبداء:
أن النسخ تحويل العبادة من شيء إلى شيء قد كان حلالاً فيحرَّم، أو كان
حراماً فيحلَّل. وأما البداء: فهو ترك ما عزم عليه، وهذا يلحق البشر
لنقصانهم.
والناسخ في الحقيقة هو الله تعالى، والنسخ: إزالة ما قد استقر من الحكم
الشرعي بخطاب وارد متراخ عنه.
والمنسوخ: هو الحكم الثابت نفسه، لا مثله، كما تقول المعتزلة: بأنه
الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت فيما يستقبل بالنص المتقدم زائل.
وقادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الحسن صفة ذاتية للحسن لا تفارقه، ومراد
الله حسن. والفرق بين التخصيص والنسخ أن الأول قصر للحكم على بعض
الأفراد، والثاني قصر له على بعض الأزمان.

٢٩٣
الُ (١) - الْبَقَة: ١٠٩/٢- ١١٠
وجمهور العلماء على أن النسخ يختص بالأوامر والنواهي، وأما الأخبار
فلا يدخلها النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى. وقد يرد في الشرع أخبار
ظاهرها الإطلاق والاستغراق، ثم تقيد في موضع آخر، فيرتفع ذلك
الإطلاق، فليس هو من قبيل نسخ الأخبار، وإنما هو من باب الإطلاق
والتقييد، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِ قَرِيبٌ أُجِيبُ
دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦/٢] ظاهره خبر عن إجابة كل داع على كل
حال، لكنه قيّد في موضع آخر، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن
شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١/٦].
موقف أهل الكتاب من المؤمنين وكيفية الرد عليه
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَنْكُمْ كُفَّارًا
حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى
وَأَقِيمُواْ الضَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةُ
يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرِءٍ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
الإعراب:
﴿لَوْ﴾ مصدرية. ﴿كُفَّارًا﴾ إما مفعول ثان ((ليردونكم)) أو منصوب على
الحال من الكاف والميم في ((يردونكم)). ﴿حَسَدًا﴾ مفعول لأجله، أي لأجل
الحسد. ﴿مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِم﴾ إما متعلق (بودَّ)) أو ((بجسد)) والوجه الأول
أوجه.
المفردات اللغوية:
﴿حَسَدًا﴾ الحسد: تمني زوال نعمة الغير. ﴿فَأَعْفُواْ﴾ اتركوهم، والعفو:
ترك العقاب على الذنب.﴿وَأَصْفَحُواْ﴾ أعرضوا فلا تجازوهم، والصفح:

٢٩٤
الُعُ (١) - البقرة: ١٠٩/٢-١١٠
إزالة أثر الذنب من النفس أو الإعراض عن المذنب بصفحة الوجه، وهو
يشمل ترك العقاب وترك اللوم والتثريب. ﴿حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهَ﴾ نصره
ومعونته، وما يأمر فيهم من القتال والقتل، وهو قتل بني قريظة، وإجلاء يهود
بني النضير وفرض الجزية عليهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو يقدر على
الانتقام منهم.
سبب نزول الآية (١٠٩):
قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد:
ألم تروا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحق، ما هُزمتم، فارجعوا إلى ديننا
فهو خير لكم.
المناسبة العامة للآية (١٠٩):
بعد أن نهى الله سبحانه في الآيات السالفة عن الاستماع لنصح اليهود
ورفض آرائهم، ذكر هنا وجه العلّة، وهي أنهم يحسدون المسلمين على نعمة
الإسلام ويتمنون أن يحرموا منها، فهم لا يكتفون بكفرهم بالنبي والكيد له
ونقض العهود، وإنما يتمنون أن يرتد المسلمون عن دينهم.
التفسير والبيان:
تمنى كثير من اليهود والنصارى أن يصرفوا المسلمين عن دينهم وأن يعودوا
كفاراً بعد أن كانوا مؤمنين، حسداً لهم، عن طريق التشكيك في الدين وإلقاء
الشبه على المؤمنين، وطلب بعضهم من بعض أن يؤمنوا أوّل النهار ويكفروا
آخره، ليتأسى بهم بعض ضعاف الإيمان.
وسبب ذلك: الحسد الكامن والخبث الباطن في نفوسهم، لا ميلاً مع
الحق، ولا رغبة فيه. ومدعاة التمني: هو ما ظهر لهم بالدليل الواضح أن
الإسلام دين الحق الصحيح، وأن محمداً على الحق، فاعفوا عنهم أيها

٢٩٥
المُ (١) - البَقَة: ١٠٩/٢ - ١١٠
المسلمون واصفحوا عن أفعالهم، واصبروا حتى يأتي نصر الله لكم، ويأذن الله
بالقتال، ويأتي أمره فيهم: وهو قتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير وإذلالهم،
والله هو القادر على تحقيق النصر: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُ
عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠/٢٢].
ثم نبّه الله سبحانه إلى بعض وسائل النصر الذي وُعِدوا به: وهو أداء
الصلاة كاملة الأركان، تامة الأوصاف، وأداء الزكاة للفقراء، ففي الصلاة
تتوطد دعائم الإيمان، وتتقوى الصلة بالله والثقة به، وتتوثق روابط الأخوة
بالاجتماع في المساجد، وفي الزكاة تتحقق سعادة المجتمع بإغناء الفقراء،
وتتجلى وحدة الأمة بتكافل أبنائها، وتعاضد فئاتها، وثواب كل ذلك مرصود
لكم في الآخرة، فكل ما تعملونه من خير، تجدون جزاءه الكامل عند ربكم:
﴾ [الزلزلة: ٧/٩٩] والله عالم بجميع
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ
أعمالكم، بصير بقليلها وكثيرها، لا تخفى عليه خافية، من خير أو شرّ،
فالصلاة والزكاة من أسباب النصر في الدنيا، وكذلك من أسباب السعادة في
الآخرة، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
فقه الحياة أو الأحكام:
يحذر الله تعالى عباده المؤمنين من سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب،
ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من حسد
المؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح
والعفو، أو الاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح.
ويأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه.
روى محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: كان حُيَيّ بن أخطب وأبو ياسر بن
أخطب من أشد يهود للعرب حسداً، إذ خصّهم الله برسوله وَلّة، وكانا
جاهدين في ردّ الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿وَدَّ
كَثِيْرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوَ يَرُدُّونَكُمْ}

٢٩٦
الزُعُ (١) - البَقَرّة: ١٠٩/٢-١١٠
والحسد نوعان: مذموم ومحمود، فالمذموم: أن تتمنى زوال نعمة الله عن
أخيك المسلم، سواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا. وهذا النوع الذي
ذمّه الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَلُهُمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤/٤] وإنما كان مذموماً؛ لأن فيه تسفيه الحق سبحانه، وأنه
أنعم على من لا يستحق.
وأما المحمود وهو المسمى بالغبطة أو المنافسة، فهو ما جاء في صحيح
الحديث من قوله عليه السلام: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن،
فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل،
وآناء النهار)) وحقيقته: أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير
والنعمة، ولا يزول عنه خيره. وفي أمره تعالى لهم بالعفو والصفح إشارة إلى أن
المؤمنين على قلّتهم، هم أصحاب القدرة والشوكة؛ لأن الصفح لا يكون إلا
من القادر. أخرج ابن أبي حاتم عن أسامة بن زيد - وأصله في الصحيحين -:
كان رسول الله وَل وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم
الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ
بِأَمْرِهَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩/٢]. وكان رسول الله وَله
يتأوّل من العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم بالقتل، فقتل الله به من قتل
من صناديد قريش.
وقد جرت سنة الله في القرآن أن يقرن الزكاة بالصلاة، لما في الصلاة من
إصلاح حال الفرد، ولما في الزكاة من إصلاح حال المجتمع، وكلاهما من
أسباب السعادة الدنيوية والأخروية، بدليل ما أردف الله تعالى الأمر بهما
بقوله: ﴿وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ﴾ جاء في الحديث: ((إن
العبد إذا مات، قال الناس: ما خَلّف؟ وقالت الملائكة: ما قدّم؟)).
ودلّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ على أنه مهما فعل

٢٩٧
المُُ (١) - الكَقَة: ١١١/٢-١١٣
الناس من خير أو شرّ، سراً وعلانية، فهو به بصير، لا يخفى عليه منه شيء،
فيجزيهم بالإحسان خيراً، وبالإساءة مثلها. وهذا الكلام وإن خرج مخرج
الخبر، فإن فيه وعداً ووعيداً، وأمراً وزجراً، وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير
بجميع أعمالهم، ليجدّوا في طاعته، إذ كان ذلك مذخوراً لهم عنده، حتى
يثيبهم عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ}
[البقرة: ١١٠/٢].
وثبت في الحديث: ((إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة
جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) (١). وجاء عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أنه مرّ ببقيع الغَرْقد (٢)، فقال: السلام عليكم أهل
القبور، أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن، ودُوركم قد سُكنت،
وأموالكم قد قُسمت، فأجابه هاتف: يا ابن الخطاب، أخبار ما عندنا أن ما
قدمناه وجدناه، وما أنفقناه فقد ر بحناه، وما خلفناه فقد خسرناه)). وثبت مثله
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فمن مواعظه أنه كان إذا دخل المقبرة
قال: السلام عليكم أهل هذه الديار الموحشة، والمحالّ المقْفِرة، من المؤمنين
والمؤمنات، ثم قال: أما المنازل فقد سُكنت، وأما الأموال فقد قُسِمت، وأما
الأزواج فقد نُكحت، فهذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما عندكم؟ والذي
نفسي بيده لو أن لهم في الكلام لقالوا: إن خير الزاد التقوى.
رأي كل فريق من اليهود والنصارى في الآخر
﴿ وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودَّا أَوْ نَصَرَىَّ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمَّ قُلْ
هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ
مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُؤُ عِندَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣) وَقَالَتِ الْيُهُودُ
(١) رواه البخاري في الأدب ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.
(٢) بقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة.

٢٩٨
لُ (١) - الْبَغَرَة: ١١١/٢-١١٣
لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ
اَلْكِتَبِّ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
١١٣
فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
الإعراب:
﴿هُودًا﴾ جمع هائد، أي تائب، من قوله تعالى: ﴿إِنَّ هُدْنَا إِلَيْكَ﴾
[الأعراف: ١٥٦/٧] أي تبنا، وهو خبر كان المنصوب.
﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبَّ﴾ الجملة حال.
البلاغة:
﴿َتِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ جملة اعتراضية لإبطال دعواهم، مكونة من مبتدأ
وخبر . ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾ أمر للتبكيت والتقريع.
﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ خصّ الوجه بالذكر؛ لأنه أشرف أجزاء الإنسان.
والوجه ههنا استعارة، والمعنى: من أخلص نفسه له، لا يشرك به غيره، ولا
يعبد سواه. ﴿عِندَ رَبِّهِ﴾ العندية للتشريف، وإظهار اسم الرب محل الضمير
لإظهار مزيد اللطف به.
﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيه توبيخ شديد لأهل الكتاب؛ لأنهم جعلوا
أنفسهم بمنزلة من لا يعلم شيئاً أصلاً.
المفردات اللغوية:
﴿هُودًا﴾ جمع هائد، وهم اليهود. ﴿أَوْ نَصَرَكَ﴾ أتباع المسيح، قال ذلك
يهود المدينة ونصارى نجران، لما تناظروا بين يدي النبي ◌َّ، أي قال اليهود:
لن يدخلها إلا اليهود، وقال النصارى: لن يدخلها إلا النصارى. ﴿تِلْكَ﴾
القولة ﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾ شهواتهم الباطلة، الأماني: جمع أمنية، وهي ما يتمناه

٢٩٩
الُ (١) - الْبَغَرَة: ١١١/٢-١١٣
المرء ولا يدركه. والعرب تسمي كل ما لا حجة عليه ولا برهان له تمنياً
وغروراً، وضلالاً وأحلاماً. ﴿هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾ حجتكم على ذلك.
﴿بَلَ﴾ يدخل الجنة غيرهم، وهو ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ جعل وجهه
خالصاً لله، وانقاد له، فإسلام الوجه لله: هو الانقياد له والإخلاص له في
العمل، بحيث لا يتخذ وسيطاً بينه وبين ربه. وخصّ الوجه؛ لأنه أشرف
الأعضاء، فغيره أولى، قال الفخر الرازي: إسلام الوجه لله يعني إسلام
النفس لطاعة الله، وقد يكنى بالوجه عن النفس، كما قال تعالى: ﴿ كُلُّ شَىْءٍ
هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُمْ﴾ [القصص: ٨٨/٢٨]. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ موحّد. ﴿فَلَهُ: أَجْرُءُ
عِندَ رَبِّهِ﴾ أي ثواب عمله الجنة. ﴿ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في
الآخرة.
﴿عَلَى شَىْءٍ﴾ معتد به، وكفرت اليهود بعيسى، وكفرت النصارى بموسى.
﴿يَتْلُونَ الْكِنَبَّ﴾ كل من الفريقين يتلون الكتاب المنزل عليهم، وفي كتاب
اليهود تصديق عيسى، وفي كتاب النصارى تصديق موسى . ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ
لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي كما قال المشركون من العرب وغيرهم. ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ بيان
لمعنى ذلك، أي قالوا لكل ذي دين: ليسوا على شيء. ﴿فَاَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ في
أمر الدين، فيدخل المحق الجنة، والمبطل النار.
سبب نزول الآية (١١٣):
نزلت في يهود أهل المدينة ونصارى أهل نجران، وذلك أن وفد نجران لما
قدموا على رسول الله ﴿ أتاهم أحبار اليهود، فتناظروا حتى ارتفعت
أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى
والإنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين، فكفروا بموسى
والتوراة، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
(١) البحر المحيط: ٣٥٠/١

٣٠٠
الُ (١) - الْبَقَرَّة: ١١١/٢-١١٣
التفسير والبيان:
لقد نجم عن عدم إيمان أهل الكتاب بالقرآن وبمحمد ◌َلفي ضلال وتمزق
وانقسام شديد بسبب اتباع الأهواء، أما اليهود وهم أسوأ حالاً من النصارى
فلهم حالان: الأولى - تضليل من عداهم، وادعاؤهم أنهم شعب الله المختار،
وأن النبوة مقصورة عليهم. والثانية - تضليل اليهود للنصارى، وتضليل
النصارى لهم، مع أن التوراة شريعة للنصارى، والإنجيل متمم للتوراة.
ومعنى الآية: أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، وقالت
النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً، وكل طائفة منهما تكفّر
الأخرى. تلك تمنياتهم الباطلة التي لا أساس لها، ولا فائدة منها، وإلا فهاتوا
البرهان على ما تزعمون أيها اليهود والنصارى، إن كنتم صادقين، فليست
المسألة مجرد دعوى. وهذا وإن كان ظاهره طلب الدليل على صدق المدَّعى،
فهو في العرف تكذيب للدعوى؛ لأنه لا برهان لهم عليها. وفي هذا إيماء إلى أنه
لا تقبل دعوی من دون برهان علیها.
ثم ردّ الله عليهم بقوله: ﴿بَلَ﴾ كلمة تفيد الجواب لإثبات نفي سابق، وردّ
لما زعموه، فإن الذي يدخل الجنة من لم يكن هوداً أو نصارى، وهو كل من
انقاد لله وأخلص في عمله، وهو محسن في عبادته وعمله واعتقاده، وهؤلاء
لهم الأجر عند ربهم بلا خوف ولا حزن في الآخرة، خلافاً لعبدة الأوثان
والأصنام الذين هم في خوف مما يستقبلهم، وحزن مما ينزل بهم.
والآية تدل على أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بدّ من إحسان العمل
أيضاً، وجرت سنة القرآن أن يقرن الإيمان بالعمل الصالح، مثل قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ اُلْضَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ
اُلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (g﴾ [النساء: ١٢٤/٤] وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ،﴾ [الأنبياء: ٩٤/٢١].
..