Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ لِلُعُ (١) - البَفُقَرة: ٧٩/٢-٨٢ ٢- (خطيئاته) - جمع سلامة - وهي قراءة نافع. الإعراب: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْثُبُونَ﴾ مبتدأ وخبر، وجاز أن يكون ((ويل)) مبتدأ وإن كان نكرة؛ لأن في الكلام معنى الدعاء، كقولهم: سلام عليكم. ﴿بلى﴾ حرف یأتي في جواب الاستفهام في النفي، و «نعم» یأتي في جواب الاستفهام في الإيجاب. فإذا قال: ألستَ فعلت كذا؟ فجوابه: بلى، أي إني قد فعلت، كقوله تعالى: ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢/٧] أي بلى أنت ربُّنا، ولو قالوا: نعم، لكفروا، لأنه يصير المعنى: نعم لست ربَّنا. وإذا قال في الإيجاب: هل فعلت؟ فجوابه: نعم، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدُثُم ◌َا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤/٧]. ﴿مَن كَسَبَ﴾ من شرطية مبتدأ، والفاء في «أولئك)) جواب الشرط، و﴿فَأَوْلَبِكَ﴾ مبتدأ ثان، و﴿أَصْحَبُ النَّارِّ﴾ خبره، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول وهو ﴿مَن﴾. و﴿هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ﴾ جملة اسمية حال من ﴿أَصْحَبُ﴾ أو من ﴿النَّارِ﴾. و﴿فِيهَا﴾ في موضع نصب، وتقديره: خالدون فيها. البلاغة: تكرار ﴿فَوَيْلٌ﴾ ثلاث مرات في الآية (٧٩) للتوبيخ والتقريع وتقبيح جريمتهم وهي التحريف. ﴿ وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ﴾ استعار لفظ الإحاطة لغلبة السيئات على الحسنات، حيث شبه الخطايا بجيش من الأعداء نزل بقوم من كل جانب. المفردات اللغوية: ﴿فَوَيْلٌ﴾ الويل: شدة العذاب والهلاك، أو وادٍ في جهنم ﴿بِأَيْدِبِهِمْ﴾ أي ٢٢٢ لُ (١) - البَفقرة: ٧٩/٢-٨٢ مختلقاً من عندهم ﴿لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ من الدنيا، وهم اليهود غيَّروا صفة النبي في التوراة، وآية الرجم، وغيرهما، وكتبوها على خلاف ما أنزل. ﴿مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من المختلق، ﴿مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ من الرشا: جمع رشوة. ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ تصيبنا ﴿إِلَّ أَنَامًا مَعْدُودَةٌ﴾ قليلة أربعين يوماً مدة عبادة آبائهم العجل. ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ حذفت منه همزة الوصل، استغناء بهمزة الاستفهام ﴿عَهْدًا﴾ ميثاقاً منه بذلك. ﴿أَمَ نَقُولُونَ﴾ بل. ﴿ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ المراد بها هنا الكفر أو الشرك. ﴿وَأَحَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ﴾ بالإفراد والجمع، أي استولت عليه وأحدقت به من كل جانب، بأن مات مشركاً ﴿فَأَوْلَئِكَ﴾ روعي فيه معنى: من. سبب النزول: نزلت الآية (٧٩) في أهل الكتاب كما قال ابن عباس، أو في أحبار اليهود كما قال العباس: ((الذين غيّروا صفة النبي ◌ُّ وبدلوا نعته))، وكانت صفته في التوراة: أكحل، أعين، ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، فمحوه حسداً وبغياً، وقالوا: نجده طويلاً أزرق، سبط الشعر. ونزلت الآية (٨٠) كما قال ابن عباس: قدم رسول الله وَلقر المدينة، ويهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس في النار، لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في النار من أيام الآخرة، فإنما هي سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله في ذلك: ﴿ وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ إلى قوله ﴿خَلِدُونَ﴾. وروى الطبري عن ابن عباس: أن اليهود قالوا: لن ندخل النار، إلا تحلة القسم، الأيام التي عبدنا فيها العجل أربعين ليلة، فإذا انقضت، انقطع عنا العذاب، فنزلت الآية (١). (١) أسباب النزول للواحدي: ص ١٤، أسباب النزول للسيوطي بهامش الجلالين: ص ١٧ - ١٨، تفسير الطبري: ٣٠٢/١ وما بعدها، تفسير القرطبى: ١٠/٢ ٢٢٣ الُ (١) - البَفَرّة: ٧٩/٢-٨٢ التفسير والبيان: الهلاك والعذاب الشديد أو العقوبة العظيمة لمن حرفوا التوراة، وكتبوا الآيات المحرفة بأيديهم، وغيّروا صفة النبي ◌َّر التي كانت مكتوبة عندهم في التوراة، والعذاب أيضاً لهم لأخذ الرشوة وفعلهم المعاصي، ونسبتهم الافتراءات إلى الله تعالى، ليأخذوا بهذا الكذب أو الافتراء ثمناً دنيوياً حقيراً من مال أو رياسة أو جاه، فويل لهم مما كسبوا؛ لأنه كانت لليهود جنايات ثلاث: تغيير صفة النبي وَلّر، والافتراء على الله، وأخذ الرشوة، فهددوا على كل جناية بالويل والهلاك. ومن مزاعم اليهود: ادعاؤهم أن النار لا تمسهم إلا في أيام قليلة معدودة، هي أربعون يوماً مدة عبادتهم العجل، وأكثر اليهود على أن النار تمسهم سبعة أيام فقط؛ لأن عمر الدنيا في زعمهم سبعة آلاف سنة، فمن عذب في النار ولم يحظ بالنجاة، يمكث في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة يوم. فرد الله عليهم: هل عهد بذلك ربكم إليكم، ووعدكم به وعداً حقاً، فلن يخلف الله وعده، أم أنتم تقولون على الله شيئاً لا علم لكم به؟ أي أن مثل ذلك القول لا يصدر إلا عن عهد من الله، أو افتراء وتقوّل عليه، وبما أنه لم يحدث العهد من الله وهو الوحي والخبر الصادق، فأنتم كاذبون في دعواكم، مفترون حين تدّعون أنكم أبناء الله وأحباؤه. وقد أكدت السُّنَّة دعواهم في النجاة من النار بعد أيام قليلة. روى الإمام أحمد والبخاري والنسائي عن الليث بن سعد، والحافظ بن مردويه والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((لما فتحت خيبر، أُهديت لرسول الله وَل﴿ شاة فيها سمٌّ، فقال رسول الله وَل: اجمعوا لي من كان من اليهود هنا، فقال لهم رسول الله يقول: من أبوكم؟ قالوا: فلان، قال: كذبتم، بل أبوكم فلان، فقالوا: صدقت وبررت. ثم قال لهم: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله ويتليفون: من أهل النار؟ فقالوا: نكون ٢٢٤ لُعُ (١) - البَفَقَرة: ٧٩/٢-٨٢ فيها يسيراً، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله صلى: اخسؤوا، والله لا تخلفكم فيها أبداً. ثم قال لهم رسول الله وعليه: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ فقالوا: نعم، قال: فما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرُّك)). لیس الأمر أيها اليهود كما زعمتم أو تمنیتم واشتھیتم، بل أو بلی ستخلدون في نار جهنم بسبب ارتكاب المعاصي التي أحاطت بكم، كالكفر، وقتل الأنبياء بغير حق، وعصيان أوامر الله، والاسترسال في الأهواء والافتراءات. وقد علمنا أن بلى: لفظ يجاب به بعد كلام منفي سابق، ومعناه إبطاله وإنكاره. والكسب: جلب النفع، واستعماله هنا في السيئة من باب التهكم. والسيئة: الفاحشة الموجبة للنار، والمراد بها هنا: الشرك بالله. وسبب الخلود في النار: هو ما تضمنه القانون العام لكل الخلائق في شرع الله: أن من اقترف خطيئة غمرت جميع جوانبه من قلبه ولسانه وأعضائه، وليست له حسنة، بل جميع أعماله سيئات، فهو من أهل النار. وأما من آمن (صدق) بالله ورسله واليوم الآخر، وعمل صالحاً، فأدى الواجب، وترك الحرام، فهو من أهل الجنة. قال ابن عباس: ((من آمن بما كفرتم، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة، خالدين فيها)) يخبرهم أن الثواب بالخير، والشر مقيم على أهله أبداً، لا انقطاع له. وكل من الجزاءين المذكورين: وعد للمؤمنين، ووعيد للكافرين، شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَّ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبِّ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الضَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء: ١٢٣/٤-١٢٤]. ٢٤٦ ٢٢٥ المُعُ (١) - الْبَقَرة: ٧٩/٢-٨٢ لكن من تاب من العصاة توبة نصوحاً، فأقلع عن الذنب، وندم عليه، وعزم على ألا يعود لمثله في المستقبل، تبدل حاله من أهل النار إلى أهل الجنة. روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي وَّو قال: ((إن العبد إذا أذنب ذنباً، نُكِتَتْ في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر، صُقِل قلبه. وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذَكَر الله في القرآن: ﴿كَلَّا بَلٌ رَنَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤/٨٣].)). وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله وَ له قال: «إیاکم ومحقرات الذنوب، فإنهن یحتمعن على الرجل حتى بهلكنه)) وإن رسول الله وَلل ضرب لهم مثلاً، كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق، فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً، وأججوا ناراً، فأنضجوا ما قذفوا فيها. فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآية (٧٩) والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في شرع الله، فكل من بدل وغيَّر أو ابتدع في دين الله ما ليس منه، فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد، والعذاب الأليم، وقد حذر رسول الله څڑ أمته، لما قد علم ما يكون في آخر الزمان، فقال: ((ألا ، إنَّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين مِلَّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)) الحديث. فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه، فيضلّوا به الناس. وأبانت الآية (٧٩) أن كل عوض - وإن كثر - عن تحريف كتاب الله، لا بركة فيه ولا خير، فقد وصف الله تعالى ما يأخذه أحبار اليهود بالقلة إما لفنائه وعدم ثباته، وإما لكونه حراماً؛ لأن الحرام لا بركة فيه، ولا يربو عند الله. قال ابن إسحاق والكلبي: كانت صفة رسول الله وَل في كتابهم: رَبْعة ٢٢٦ الُعُ (١) - الْبَقَة: ٨٣/٢ أسمر، فجعلوه: آدم سَبْطاً طويلاً، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم: انظروا إلى صفة النبي الذي يُبعَث في آخر الزمان، ليس يشبهه نعت هذا. ودلت الآية (٨١): ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَخَطَتْ بِهِ خَطِيِّئَتُهُ﴾ على أن المعلق على شرطين لا يتم بأقلهما، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ﴾ [فصلت: ٣٠/٤١]. والخلود في النار: سببه الشرك بالله. وأرشدت الآية (٨٢) إلى أن دخول الجنة منوط بالإيمان والعمل الصالح معاً، كما روى مسلم ((أن النبي ◌َّ قال لسفيان بن عبد الله الثقفي، وقد قال له: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً، لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم)). والجمع بين الآيتين المذكورتين (٨١، ٨٢) هو منهج القرآن الكريم في البيان، فإن الله سبحانه يقرن عادة بين الوعد والوعيد، ويذكر أهل الخير وأهل الشر، وأصحاب الجنة وأصحاب النار، لما تقتضيه الحكمة، وإرشاد العباد، بالترغيب مرة والترهيب أخرى، والتبشير طوراً والإنذار طوراً آخر، إذ باللطف والقهر يرقى الإنسان إلى درجة الكمال. مخالفة اليهود المواثيق ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى اُلْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُم مُعْرِضُونَ القراءات: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾: قرئ: ١- (لا تعبدون) بالتاء، وهي قراءة الجمهور. ٢٢٧ لُرُ (١) - الَقَرّة: ٨٣/٢ ٢- (لا يعبدون) بالياء، وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، والكسائي. ﴿حُسْنَا﴾: قرئ: ١- (حُسناً) بضم الحاء، على أنه مصدر، وهي قراءة الجمهور. ٢- (حَسَناً) بفتح الحاء والسين، وهي قراءة حمزة، والكسائي. ١ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: قرئ: ١- (إلا قليلاً) بالنصب، وهي قراءة الجمهور. ٢- (إلا قليل) بالرفع، وهي قراءة أبي عمرو، على أنه بدل من الضمير في (توليتم). الإعراب: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ مرفوع لأنه جواب لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾ لأنه في معنى القسم، بمنزلة والله، فكأنه قال: استحلفناهم لا يعبدون، كما يقال: حلف فلان لا يقوم، أو لأنه في موضع الحال، أي أخذنا ميثاقهم غير عابدين إلا الله، ومثل ذلك ﴿لَا تَسْفِكُونَ﴾. ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إما معطوف على الباء المحذوفة وأن في قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ أو في موضع نصب بفعل مقدر، وتقديره: وأحسنوا بالوالدين إحساناً. وقوله: ﴿إِحْسَانًا﴾ إما منصوب على المصدر بالفعل المقدر الذي تعلق به الجار والمجرور في قوله: ﴿ وَبِالْوَلِدَيْنِ﴾ وتقديره: وأحسنوا بالوالدين إحساناً، أو منصوب؛ لأنه مفعول فعل مقدر، وتقديره: واستوصوا بالوالدين إحساناً. ﴿حُسْنًا﴾ مفعول به منصوب لفعل: قولوا، وتقديره: قولوا قولاً ذا حسن، أو صفة لمصدر محذوف، وتقديره: قولاً حسناً ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منصوب على الاستثناء الموجَب من ضمير . ﴿تَوَلَيْتُمْ﴾. ٠ ٢٢٨ لِلُ (١) - البَقَرة: ٨٣/٢ البلاغة: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ خبر في معنى النهي، وهو أبلغ من صريح النهي؛ لأن حق المنهي عنه المبادرة إلى تركه، فكأنه انتهى عنه، وجاء بصيغة الخبر . ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وقع المصدر موقع الصفة، أي قولاً حسناً أو ذا حسن للمبالغة، فإن العرب تضع المصدر مكان اسم الفاعل أو الصفة بقصد المبالغة، فيقولون: هو عدل. المفردات اللغوية: ﴿وَإِذْ﴾ واذكر إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل في التوراة ﴿مِيثَقَ﴾ الميثاق: العهد المؤكد الذي أخذ عليهم في التوراة، علماً بأن العهد نوعان: عهد خلقة وفطرة، وعهد نبوة ورسالة، وهذا هو المراد هنا. ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ خبر بمعنى النهي. ﴿إِحْسَانًا﴾ تحسنون إلى الوالدين إحساناً، أي براً. ﴿ وَذِى الْقُرْبَى﴾ صاحب القربى من جهة الرحم أو العصب. ﴿حُسْنًا﴾ أي وقولوا للناس قولاً حسناً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق في شأن محمد، والرفق بهم . ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء به، فيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب، والمراد: آباؤهم ﴿ وَأَنْتُم ◌ُعْرِضُونَ﴾ عنه كآبائكم. المناسبة: تنوع الأسلوب القرآني في معالجة مساوئ اليهود وقبائحهم، وترويضهم، ونقلهم إلى حال أفضل من حالهم في الماضي والحاضر، ففي الآيات السابقة عدّد الله النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل، كتفضيلهم على العالمين، وإنجائهم من الغرق، وإنزال المن والسلوى عليهم، ثم ما يحدث إثر كل نعمة من مخالفة، فعقوبة، فتوبة. ٢٢٩ لُزُ (١) - البَفَرَة: ٨٣/٢ ثم تذكّرهم هذه الآية بالعهد الذي أخذه الله على آبائهم بالعمل بما أمروا به من عبادات ومعاملات، ثم إهمالهم له، وتركهم اتباعه. وهذا كله ليبين الله لرسوله انقطاع الأمل في إيمان اليهود المعاصرين له؛ لأنهم يتوارثون عادة التطبع بقبائح أسلافهم، فهي تمنعهم من الهدى والرشاد. التفسير والبيان: اذكر أيها النبي حين أخذنا الميثاق على بني إسرائيل، أنهم لا يعبدون إلا الله سبحانه، فلا يشركون به سواه من ملك أو صنم أو بشر بدعاء أو غيره من أنواع العبادات، وأنهم يحسنون إلى الوالدين إحساناً كاملاً، بأن يرعوهما حق الرعاية، ويعطفوا عليهما، ويطيعوهما فيما لا يخالف أوامر الله، وقد جاء في التوراة: أن من يسب والديه يقتل، وأن يحسنوا بالمال إلى ذي القرابة والأيتام والمساكين بسبب ضعفهم وعجزهم وحاجتهم، وأن يقولوا قولاً حسناً لا إثم فيه ولا شر، بالقول الجميل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع خفض الجناح ولين الجانب، وأن يؤدوا صلاتهم أداء تاماً؛ لأن الصلاة تصلح النفوس، وتهذب الطباع وتحليها بأنواع الفضائل، وتمنعها عن الرذائل، وأن يؤتوا الزكاة للفقراء، لما فيها من تحقيق التكافل الاجتماعي بين الناس، وإسعاد الفرد والجماعة، وإشاعة الرفاه والهناءة للجميع. ولكن اليهود الذين اعتادوا الغدر، واستماتوا في حب المادة، أعرضوا قصداً وعمداً عن تنفيذ الأوامر الإلهية، وعن العمل بالميثاق، والخلَف منهم معرض عن التوراة مثل السلف، ما عدا نفراً قليلاً منهم مثل عبد الله بن سَلام وأشباهه من المخلصين العقلاء، المحافظين على الحق بقدر الطاقة، لكن وجود القلائل من الصالحين في الأمة لا يمنع عنها العقاب إذا فشا فيها الفساد وعم البلاء، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥/٨]. ٢٣٠ الُرعُ (١) - البَفَرَّة: ٨٣/٢ فقه الحياة أو الأحكام: إن الأمور التي ذكَّر الله بها بني إسرائيل في هذه الآية، أمر بها جميع الخلق، ولذلك خلقهم، وهي تكوّن النظام الديني والأخلاقي والاجتماعي، وجاء الترتيب في الآية بتقديم الأهم فالأهم، فقدم حق الله تعالى لأنه المنعم في الحقيقة على حق العباد، ثم ذكر الوالدين لحقهما في تربية الولد، ثم القرابة؛ لأن فيهم صلة الرحم، ثم اليتامى لقصورهم، ثم المساكين لضعفهم، وهي تشمل ما يلي: اً - عبادة الله وحده لاشريك له: فهي برهان الاعتقاد الصحيح ودليل الإيمان من جميع الناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ [الأنبياء: ٢٥/٢١]. وقال تعالى: ٢٥ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَأَعْبُدُونِ ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦/١٦]. قال ابن كثير: وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تبارك وتعالى أن يعبد وحده لاشريك له. والمراد بقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ كما قال الزمخشري الطلب، فهو خبر بمعنى الطلب، وهو آكد. أَ - الإحسان إلى الوالدين: هذا يأتي بعد حق الله، فإن آكد حقوق المخلوقين، وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن تبارك وتعالى بين حقه بالتوحيد وحق الوالدين؛ لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني - وهو التربية - من جهة الوالدين، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره، فقال: ﴿أَنِ أُشْكُرْ لِِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤/٣١] وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِنَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣/١٧]. والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودّهما. وفي الصحيحين عن ابن مسعود: ((قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ ٢٣١ الُ (١) - البَفَرَة: ٨٣/٢ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)). وجاء في الحديث الصحيح: ((أن رجلاً قال: يا رسول الله؟ من أبرُّ؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك، ثم أدناك أدناك)). والحكمة في بر الوالدين واضحة: وهي المعاملة بالمثل ومقابلة المعروف بمثله، والوفاء للمحسن، كما قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ [الرحمن: ٦٠/٥٥] فهما بذلا للولد وهو صغير كل عناية وعطف بتربيته والقيام بشؤونه، فيجب على الولد مكافأتهما على صنعهما. ٣ - الإحسان إلى ذي القربى: أي القرابة، عطف ذي القربى على الوالدين، وهو يدل على أن الله تعالى أمر بالإحسان إلى القرابات بصلة الأرحام؛ لأن الإحسان إليهم مما يقوم الروابط بينهم، فما الأمة إلا مجموعة الأسر، فصلاحها بصلاحها، وفسادها بفسادها. ولا يعرف فضل الأسرة إلا في وقت الشدة والكوارث، فعندها يظهر التعاطف والتعاون وترميم الأضرار، وإزالة العثرات. ٤ - الإحسان إلى اليتامى: وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء. والإحسان إلى اليتيم: بحسن تربيته وحفظ حقوقه من الضياع، وقد ملئ الكتاب والسنة بالوصية به والرأفة به والحض على كفالته وحفظ ماله، من ذلك ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله وَ الإ قال: ((كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة)) وأشار مالك بالسبابة والوسطى. ٥ - الإحسان إلى المساكين: وهم الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم، وقد أمر الله بالإحسان إلى المساكين، وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم، وذلك يكون بالصدقة عليهم، ومواساتهم حين البأساء والضراء، روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي وَ لّر قال: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في ٢٣٢ لُ (١) - البَفَرّة: ٨٣/٢ سبيل الله - وأحسبه قال - وكالقائم لا يَفْتُرْ، وكالصائم لا يفطر)) قال ابن المنذر: وكان طاووس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله. أَ - الكلام الطيب، ولين الجانب، وإظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك مما هو نافع في الدين والدنيا كالحلم والصفح والعفو والبشاشة. وذلك لأن إحسان القول له تأثير فعال في النفوس، وبه یتم التكافل الأدبي أو الأخلاقي بين الناس، فإنه سبحانه عبر بقوله ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ﴾ ولم يقل لإخوانكم، ليدل على أن الأمر بالإحسان عام لجميع الناس. روى الإمام أحمد عن أبي ذر عن النبي وَ لغير أنه قال: ((لا تحقرنَّ من المعروف شيئاً، وإن لم تجد، فالْقَ أخاك بوجه منطلق)). وبهذه الفضيلة وهي القول الحسن بعد الأمر بالإحسان الفعلي إلى الناس، يجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي. ٧ - إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: الصلاة عماد الدين، وطريق التقوى، وهمزة الصلة بالله، وسبيل التحلي بالفضائل والبعد عن الرذائل، ولكن بشرط الإخلاص والخشوع التام لعظمة الله وسلطانه. وأما إيتاء الزكاة فضروري لإصلاح شؤون المجتمع. لكنّ كلاً من الصلاة والزكاة لم يثبت فيهما عن أهل الكتاب نقل صحيح يدل على كيفيتهما ونوعهما، روي عن ابن عباس أنه قال: الزكاة التي أمروا بها طاعةُ الله والإخلاص. ٢٣٣ الُ (١) - البَقَة: ٨٤/٢-٨٦ بعض حالات مخالفة اليهود الميثاق ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ بِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِن دِيَرِكُمْ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (® فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظَهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اٌلْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضَِّ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّ خِىٌ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُونَ إِلَّ أَشَدِّ الْعَذَابٍ وَمَا اللّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٨٥ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوُاْ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَ هُمْ ٨٦ يُنصَرُونَ القراءات: ﴿ تَظَهَرُونَ﴾: قرئ: ١- بتخفيف الظاء، وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وأصله: تتظاهرون. ٢- بتشديد الظاء، أي بإدغام الظاء في التاء، وهي قراءة باقي السبعة. عَلَيْهِم﴾: وقرئ: (عليهُم) وهي قراءة حمزة. ﴿أُسَرَى﴾: وقرئ: (أسرى) وهي قراءة حمزة. ﴿ تُفَدُوهُمْ﴾: قرئ: ١- (تفادوهم) وهي قراءة نافع، وعاصم، والكسائي. ٢٣٤ لُزُرُ (١) - الْبَقَرة: ٨٤/٢-٨٦ ٢- (تفدوهم) وهي قراءة الباقين. ﴿وَهُوَ﴾: وقرأ قالون، وأبو عمرو، والكسائي: (وهو). ﴿تَعْمَلُونَ﴾: وقرئ: (يعلمون) وهي قراءة نافع، وابن كثير. الإعراب: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ أنتم مبتدأ، و﴿هَؤُلَاءٍ﴾ خبره و﴿ تَقْتُلُونَ﴾ جملة فعلية حال من ((أُولاء)). ﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَرَى﴾ أسارى: حال من ضمير الفاعل في ﴿ يَأْتُوكُمْ﴾ وأسارى على وزن فُعالى، وأكثر ما يجيء ((فعالى)) في جمع فَعْلان نحو سكران وكسلان، ولما كان الأسير محبوساً عن التصرف في الأمور أشبه السكران والكسلان؛ لأنهما كالمحبوسين عن التصرف لاستيلاء السكر والكسل عليهما. ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ هو: أي الإخراج الذي دل عليه قوله: ﴿ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا﴾ مبتدأ، و﴿مُحَرَّمُ﴾ خبره، و﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ بدل من ( هُوَ ) ويصح جعل ( هُو ) ضمير الشأن، وهو مبتدأ أول، وإخراجهم مبتدأ ثان، ومحرم: خبر مقدم، والجملة من المبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول ومفسرة له، وتكون جملة: هو والخبر اعتراضية ﴿فَمَا جَزَآءٌ﴾ ما: استفهامية: أي، أي شيء جزاء من يفعل ذلك منكم، و( ما ) مبتدأ، و﴿جَزَآءُ﴾ خبره، و﴿خِرِىٌ﴾ بدل من جزاء . ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ ظرف زمان منصوب، وعامله ما بعده وهو ﴿يُرَدُّونَ﴾. البلاغة: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي بعضكم، ومن قتل غيره فكأنما قتل نفسه، فهو مجاز. ٢٣٥ الُ (١) - الْبَغَرة: ٨٤/٢-٨٦ ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ استفهام إنكاري للتوبيخ . ﴿خِرِىٌ﴾ تنكيره للتفخيم والتهويل. المفردات اللغوية: ﴿تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ تريقونها بقتل بعضكم بعضاً. ﴿ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ﴾ لا يخرج بعضكم بعضاً من داره. (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ قبلتم ذلك الميثاق. ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على أنفسكم. ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يقتل بعضكم بعضاً. ﴿تَظَّهَرُونَ﴾ تتظاهرون أي تتعاونون عليهم . ﴿بِالْإِثْمِ﴾ بالمعصية أو الذنب: وهو الفعل الذي يستحق فاعله الذم واللوم .﴿ وَالْعُدْوَانِ﴾ الظلم والاعتداء. ﴿أُسْكَرَى﴾ أسرى جمع أسير، أي مأسورين. ﴿تُفَدُوهُمْ﴾ تنقذوهم من الأسر بالفداء من مال أو غيره، وهو مما عهد إليهم .﴿خِزِئٌ﴾ هوان وذل. ﴿ أَشْتَرَوُاْ﴾ استبدلوا. المناسبة التاريخية المتجددة: كان سفك الدماء وتقاتل اليهود وطرد بعضهم بعضاً من ديارهم ظاهرة شائعة فيهم، وظلت هذه الظاهرة إلى عصر التنزيل القرآني، فكان يهود بني قريظة حالفوا الأوس، ويهود بني النضير حالفوا الخزرج، فإذا نشبت الحرب بينهم، كان كل فريق من اليهود يقاتل مع حلفائه، فيقتل اليهودي يهودياً آخر، ويخرب بعضهم ديار بعض، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والمال، مع أن ذلك محرم عليهم بنص التوراة، وإذا أُسر بعضهم فدوهم بالمال، وكانوا إذا سئلوا، لم تقاتلونهم وتفدونهم، قالوا: أمرنا - أي في التوراة - بالفداء، فيقال: فلِمَ تقاتلونهم؟ ٢٣٦ الُعُ (١) - البَفَرَة: ٢ /٨٤-٨٦ فيقولون: حياء أن تستذل حلفاؤنا، فأنزل الله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ اُلْكِنَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍِ﴾(١). وكانت الآيات السابقة تذكيراً لبني إسرائيل الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام بأهم الأوامر التي أُمروا بها من عبادة الله وحده والإحسان إلى الوالدين وذوي القربى وغير ذلك، أما هذه الآيات فكانت للتذكير بأهم المنهيات التي خطرت عليهم، والخطاب للحاضرين في عصر النبي محمد (وَلآ، وهو دليل على تضامن الأمة، وأنها كالفرد يصيب خلفها أثر ما كان عليه سلفها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. التفسير والبيان: واذكر يا محمد لليهود وقت أخذنا عليهم في التوراة العهد بأن لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من دياره ووطنه. وفي تعبير ((دماءكم، وأنفسكم، ودياركم)) إشارة إلى أن دم غيره من المجتمع كدم نفسه، فمن قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، وهو ما تقرره الآية (٣٢) من سورة المائدة. ثم أقررتم أيها اليهود المعاصرون بالميثاق الذي أخذ على أسلافكم، ولم تنكروه، فالحجة قائمة عليكم. ثم أنتم بعد الاعتراف بالميثاق تنقضون العهد، فيقتل بعضكم بعضاً، كما كان يفعل من قبلكم، فكانت بنو قينقاع أعداء بني قريظة، وكان يهود بني قريظة حلفاء الأوس يقاتلون يهود بني النضير حلفاء الخزرج، إذا تقاتل الأوس والخزرج، وكان مقتضى الاتفاق في الدين واللغة والنسب بين اليهود أن يكونوا جميعاً صفاً واحداً. (١) تفسير ابن كثير: ١٢١/١ ٢٣٧ اِلُعُ (١) - الْبَقَرَة: ٨٤/٢-٨٦ وكذلك كان كل من اليهود يعاون حلفاءه على إخوانه اليهود بالإثم كالقتل والسلب والنهب، والعدوان كالإخراج من الديار. وكانوا إذا تم الاتفاق على مفاداة الأسرى، يفدي بالمال كل فريق من اليهود أبناء جنسه، عملاً بالكتاب المقدس، مع أن السبب الذي أدى إلى الأسر وهو الطرد والإجلاء محرم عليكم في التوراة كتحريم القتل، فكيف تؤمنون ببعض الكتاب وتمتثلون حكم مفاداة الأسرى، وتكفرون بالأحكام الأخرى، فترتكبون جرائم القتل والإخراج والتعاون بالإثم والاعتداء، علماً بأن الإيمان بشيء لا يتجزأ، والكفر ببعضه کالکفر بکله؟ فمن آمن ببعض التوراة، وكفر ببعضها الآخر، ليس له جزاء على هذا الفعل المتناقض المستهجن إلا ذل وهوان في الدنيا، وعذاب أليم دائم في الآخرة، وما الله بغافل عن عمل إنسان، فهو يجازيه على سيئاته. ثم قررت الآيات حكماً عاماً لأولئك اليهود وغيرهم: وهو أن من آثروا الحياة الدنيا كالزعامة الفارغة وأخذ المال، على الآخرة وما فيها من نعيم مقيم، فهم باعوا آخرتهم بدنياهم بتقديم حظوظهم العاجلة الفانية على حظوظهم الدائمة الخالدة، وبترك أوامر الله في كتابه، فلا يخفف عنهم العذاب الأخروي، ولا يُفَتَّرُ عنهم ساعة واحدة، ولا هم ينصرون في الدنيا والآخرة، فلا شافع يشفع بهم، ولا ولي يدفع عنهم العقاب في جهنم؛ لأن خطاياهم كثيرة، أحاطت بهم، فحجبتهم عن الرحمة الإلهية، وأبعدتهم عن الفيض الإلهي. وهكذا كل أمة ذات دين، تؤدي بعض أحكامه كالصلاة والصوم والحج، وتخالف أحكامه الأخرى، فلم تؤد الزكاة وامتنع الأغنياء عن أداء حقوق الفقراء، وشاع فيها الربا والزنا والسرقة والرشوة والبغي والظلم، وأهملت الأسس التي يقوم عليها بنيان النظام الحكومي من العدل، والمساواة، ٢٣٨ لُعُ (١) - البَفَرَة: ٨٤/٢-٨٦ والشورى، والجهاد في سبيل الله ونصرة المؤمنين المستضعفين، فإنها معرّضة للخزي (الهوان) في الدنيا، والعذاب في نار جهنم في الآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: الوفاء بالعهد من صفات المؤمنين المخلصين، والإخلال بالعهد من صفات الكافرين والمنافقين، ومن ألزم العهود والمواثيق الواجب تنفيذها واحترامها هو عهد الله، فمن أخل به ولم يرع جميع بنوده وأحكامه، استحق العقاب والتوبيخ والاستهجان. وفي تعبير القرآن عن المخالفة والمعصية بالكفر دليل على أن من يقدم على الذنب، ولا يبالي بنهي الله، فهو كافر به. وإن تجزئة أحكام الله، بأخذ بعضها وقبوله، ورفض بعضها والإعراض عنه، كفر بجميع الأحكام الإلهية. قال العلماء: كان الله تعالى قد أخذ على اليهود أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أُساراهم؛ فأعرضوا عن كل ما أُمروا به إلا الفداء، فو بخهم الله على ذلك توبيخاً يتلى، فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِنَبِ﴾ وهو التوراة ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍِ﴾(١). وقد أكدت شريعتنا حكم فداء الأسارى وأنه واجب، قال علماء المالكية وغيرهم: فداء الأسرى واجب، وإن لم يبق درهم واحد. قال ابن خُوَيزِ مَنْداد: تضمنت الآية وجوب فك الأسرى، وبذلك وردت الآثار عن النبي وَ ل أنه فك الأسارى وأمر بفكّهم، وجرى بذلك عمل المسلمين، وانعقد به الإجماع. ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين (٢). (١) تفسير القرطبي: ٢٢/٢ (٢) المرجع والمكان السابق، أحكام القرآن للجصاص: ٤٠/١ ٢٣٩ الُعُ (١) - البقرة: ٨٧/٢-٨٩ موقف اليهود من الرسل والكتب المنزلة ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرَْمَ اْبَغِنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُمِنَّ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَ أَنفُسُكُمُ ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُأَ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ أُسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِعُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم ◌َا عَرَفُواْ ٨٩) كَفَرُواْ بِةٍ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ القراءات: ﴿اَلْقُدُسِ﴾: قرئ: ١- بضم القاف والدال، وهي قراءة الجمهور. ٢- بسكون الدال، وهي قراءة ابن كثير. الإعراب: ﴿أَفَكُلَّمَا﴾ الهمزة استفهام بمعنى التوبيخ، والفاء: حرف عطف، و((كلما)) ظرف زمان يفيد التكرار، ويقتضي الجواب، والعامل فيه جوابه وهو ﴿ أَسْتَكْبَرْتُمْ﴾. ﴿فَفَرِيقًا﴾ منصوب بكذبتم ﴿وَفَرِيقًا﴾ الثاني منصوب بتقتلون. وإنما تقدم المفعول للاهتمام به، وإنما قال: ﴿نَقْتَلُونَ﴾ ولم يقل ((قتلتم)) مثل كَذَّبْتُمْ﴾ مراعاة لفواصل الآيات. ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿فَقَلِيلًا﴾ منصوب لأنه صفة مصدر محذوف، و﴿مَّا﴾ زائدة. وتقديره: فإيماناً قليلاً يؤمنون. والمراد بالقلة هنا النفي، مثل ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠/٧] أي لا يشكرون أصلاً. ٢٤٠ لُُ (١) - الْبَغَرَة: ٨٧/٢-٨٩ ﴿وَلَمَّا﴾ ظرف زمان مبني إما لأنه أشبه معنى الحرف، أو لأنه تضمن معنى الحرف. وجواب ((لما)) في رأي البصريين محذوف تقديره: نبذوه أو كفروا به، وفي رأي الكوفيين: مذكور، وهو الفاء في قوله ﴿فَلَمَّا﴾ وكرر ((لما)) لطول الكلام. البلاغة: تقديم المفعول وهو ((فريقاً كذبتم)) و ((فريقاً تقتلون)) للاهتمام به وتشويق السامع إلى ما بعده. وإنما قال: ﴿نَقْئُلُونَ﴾ ولم يقل ((قتلتم)) لتطابق ((كذبتم)) لأجل الفواصل، فإن فواصل الآيات كرؤوس الأبيات، ولأن المضارع يستعمل في الماضي الذي بلغ من الغرابة مبلغاً عظيماً، كأن صورة قتل الأنبياء ماثلة أمام السامع ينظر إليها. ﴿عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ ولم يقل ((عليهم)): وضع الظاهر مكان الضمير، ليبين أن سبب اللعنة هو كفرهم. المفردات اللغوية: ﴿اَلْكِتَبَ﴾ التوراة. ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أتبعناهم رسولاً إثر رسول على منهاج واحد. و﴿عِيسَى﴾ بالسريانية: يسوع، ومعناه السيد أو المبارك، و﴿ مَرْيَمَ﴾ بالعبرية: الخادم؛ لأن أمها نذرتها لخدمة بيت المقدس. ﴿اَلْبَيِّنَتِ﴾ المعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. ﴿ وَأَيَّدْنَهُ﴾ قويناه. ﴿بُرُوجِ الْقُدُسِ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الروح المطهرة المقدسة: جبريل عليه السلام، لطهارته، ينزل على الأنبياء ويقدس نفوسهم ويزكيها، قال الحسن البصري: ((إنما سمي جبريل (روح القدس) لأن القدس هو الله، وروحه جبريل، فالإضافة للتشريف))، قال الرازي: ((ومما يدل على أن روح القدس جبريل قوله تعالى [في سورة النحل ١٠٢/١٦]: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ