Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ لُرُ (١) - البَفَرة: ٣٠/٢-٣٣ ٢ - الانتخاب بواسطة جماعة: كما فعل عمر، ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في تعيين عثمان بن عفان رضي الله عنه. ٣ - إجماع أهل الحل والعقد. ثانياً - الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل الملائكة عن جميع الذنوب (١). وفي إخبار الله الملائكة بخلق آدم واستخلافه في الأرض تعليم لعباده المشاورة في أمورهم. وقول الملائكة: ﴿أَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ ليس على وجه الاعتراض أو الحسد لبني آدم، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف الحكمة في ذلك. ثالثاً - استدل الأشعري والجبائي والكعبي بآية ﴿ وَعَلَّمَ ءَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ على أن اللغات كلها توقيفية، بمعنى أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني (٢). رابعاً - آية تعليم آدم الأجناس التي خلقها الله، وألهمه معرفة ذواتها وخواصها وصفاتها وأسمائها، إما في آن واحد أو آنات متعددة، هذه الآية دالة على فضل العلم، فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم عليه السلام، إلا بأن أظهر علمه، فلو كان في الإمكان وجود شيء أشرف من العلم، لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء، لا بالعلم (٣). وكانت الحكمة في التعليم والعرض على الملائكة تشريف آدم واصطفاءه، (١) تفسير الرازي: ١٦٦/٢ (٢) تفسير الرازي: ١٧٥/١ (٣) المصدر السابق: ١٧٨/١ ١٤٢ الُ (١) - البَفَرة: ٣٠/٢-٣٣ كيلا يكون للملائكة مفخرة عليه بعلومهم ومعارفهم، وإظهار الأسرار والعلوم المكنونة في غيب علمه تعالى على لسان من يشاء من عباده (١). خامساً - أرشدت آية ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ إلى أن الدعاوى لا يؤبه بها إلا بإثباتها بالدليل، وأن المدَّعي لشيء يطالب بالحجة والبرهان تأييداً لما ادّعى. سادساً - في قوله: ((هؤلاء)) إشارة إلى أنه سمى الأشياء التي وقع عليها الحس، كالطيور والبهائم وأنواع الحيوان التي أمامه. سابعاً - دل قول الملائكة: ﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ﴾ الآية، على قصور علم المخلوقات أمام علم الخالق، وأن فعل الخالق لا يخلو من الحكمة والفائدة، وأن علم الملائكة محدود لا يتناول جميع الأشياء. والواجب على من سئل عن علم لم يعرفه أن يقول: الله أعلم لا أدري، اقتداء بالملائكة والأنبياء وفضلاء العلماء. ثامناً - في آيات إخبار آدم بأسماء المسميات دلالة واضحة على شرف الإنسان وتفضيله على غيره من المخلوقات، وعلى فضل العلم على العبادة، فإن الملائكة أكثر عبادة من آدم، ولم يكونوا أهلاً لاستحقاق الخلافة، وعلى أن شرط الخلافة العلم، وعلى أفضلية آدم على الملائكة. تاسعاً - إن استخلاف الملائكة الذين لا يحتاجون إلى شيء من الأرض لا يحقق حكمة استخلاف البشر في التعرف على أسرار الكون، وعمارة الأرض، واستخراج ما فيها من خيرات وزروع ومعادن، ولا يؤدي إلى تقدم العلوم والفنون التي شهدنا تفوقها في القرن العشرين. (١) تفسير المراغي: ٨٣/١ ١٤٣ اِلُعُ (١) - البَقَة: ٣٤/٢ التكريم الإلهي السامي لآدم بسجود الملائكة له ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَّدَمَ فَسَجَدُوْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ اُلْكَفِينَ ٣٤ الإعراب: (آدم)) ممنوع من الصرف للعلمية (التعريف) والعجمة ﴿إِلََّ إِبْلِيسَ﴾ إلا استثناء متصل عند الجمهور؛ لأنه كان جنياً واحداً بين ألوف الملائكة مغموراً بهم، فغلبوا عليه في قوله: ﴿فَسَجَدُوَأَ﴾ ثم استثني منهم استثناء واحد. ويجوز أن يجعل استثناء منقطعاً لأنه لم يكن من الملائكة. البلاغة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ للتعظيم بصيغة الجمع، وهي معطوفة على قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ وفيه التفات من الغائب إلى المتكلم لإظهار المهابة والجلالة. ﴿فَسَجَدُوًا﴾ فيه إيجاز بالحذف أي فسجدوا له. ومثله﴿أَبَى﴾ مفعوله محذوف أي أبى السجود. المفردات اللغوية: ﴿ أَسْجُدُواْ﴾ السجود في اللغة: الخضوع والانحناء لمن يُسجد له، وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض. والسجود لله تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكريم والتحية، كما سجدت الملائكة لآدم، وأبو يوسف وإخوته له، فكان تحية للملوك قديماً، ويجوز أن تختلف الأحوال والأوقات فيه. ﴿إِبْلِيسَ﴾ الشيطان أبو الجن، كان بين الملائكة. قال تعالى: ﴿كَانَ مِنَ ١٤٤ الُ (١) - الْبَقَة: ٣٤/٢ اَلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهٌِ﴾ [الكهف: ٥٠/١٨]. ﴿أَبِى﴾ امتنع من السجود. ﴿ وَأَسْتَكْبَرَ﴾ تكبر عنه، وقال: ﴿أَنَّأْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢/٧]. ﴿وَكَانَ مِنَ اُلْكَفِرِينَ﴾ في علم الله، من جنس كفرة الجن وشياطينهم، فلذلك أبى واستكبر. المناسبة: هذا نوع آخر من تكريم الله لأبينا آدم أبي البشر، حيث أمر الملائكة بالسجود له، كما أنه خصه بالخلافة في الأرض، وعلمه أسماء الأشياء والأجناس واللغات، مما يدل على تكريم النوع الإنساني بتكريم الأصل أو الأب. التفسير والبيان: واذكر أيضاً يا محمد لقومك حين قلنا للملائكة الأطهار: اسجدوا لآدم سجود خضوع وتحية وتعظيم، لا سجود عبادة وتأليه، كما يفعل الكفار مع أصنامهم، فسجد الملائكة جميعاً له غير إبليس، فإنه امتنع من السجود واستكبر عنه، قائلاً: أأسجد له، وأنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين، فصار بإبائه واستكباره وتعاليه وغروره من الكافرين، فاستحق اللعنة إلى يوم الدين، لعصيانه أمر ربه، ورفضه السجود لآدم. فقه الحياة أو الأحكام: تتجلى العبرة من هذه القصة بأن آدم وذريته لا يليق بهم عصيان أوامر الله، وإنما يجب عليهم عبادته وحده، دون تلكؤ ولا تقصير؛ لأن الله سبحانه كرم ابن آدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىّ ءَدَمَ﴾ [الإسراء: ١٧/ ٧٠] وجعلِ آدم خليفة في الأرض، وعلمه ما لم يكن يعلم: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلُّهَا﴾ وقال الطبري: إن الله تعالى أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم، وهم اليهود ١٤٥ الُ (١) - البَفَرة: ٣٤/٢ الذين كفروا بمحمد عليه السلام مع علمهم بنبوته، ومع قِدَم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم (١). والملائكة والشياطين أرواح لها اتصال بالناس لا نعرف حقيقته، بل نؤمن بما ورد فيه، دون بحث عن الكيفية والحال والمآل. والسجود نوعان: سجود عبادة وتأليه وهو لله وحده، وله مظهران: إما وضع الجبهة على الأرض وهو المعتاد في الصلاة، وإما الانقياد والخضوع المقتضى إرادته، كما قال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ [الرحمن: ٦/٥٥] وقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥/١٣]. وهذا بمظهريه لا يكون لغير الله إطلاقاً. والنوع الثاني: سجود تحية وتكريم من غير تأليه، كسجود الملائكة لآدم، وسجود يعقوب وأولاده ليوسف. وهذا في رأي أكثر العلماء كان مباحاً إلى عصر رسول الله وَله، وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل: نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد، فقال لهم: ((لا ينبغي أن يُسجَد لأحد إلا الله رب العالمين)) ونهى النبي ◌ُّل عن السجود للبشر، وأمر بالمصافحة، في حديث رواه ابن ماجه في سننه والبُسْتي في صحيحه عن أبي واقد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه (٢). والخلاصة: اتفقت الأمة على أن السجود لآدم لم يكن سجود عبادة ولا تعظيم، وإنما كان على أحد وجهين: إما الانحناء والتحية وإما اتخاذه قبلة كالاتجاه للكعبة وبيت المقدس وهو الأقوى في رأي ابن العربي، لقوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ (٣). (١) تفسير الطبري: ١/ ١٨٠ وما بعدها. (٢) تفسير القرطبي: ٢٩٣/١ (٣) أحكام القرآن: ١٦/١ ١٤٦ الُعُ (١) - البَفَرَة: ٣٤/٢ وأما حقيقة إبليس: فللعلماء فيها رأيان: الأول: أنه من الجن، والجن سبط من الملائكة، خلقوا من نار، وإبليس منهم. ودليله واضح من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَتِكَةِ اسْجُدُواْ لِلَّدَمَ فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبٌِِّّ﴾ [الكهف: ٥٠/١٨]. والثاني - أنه كان من الملائكة؛ لأن خطاب السجود كان للملائكة، ولأن الظاهر من هذه الآية وأمثالها أنه منهم، قال ابن عباس: كان إبليس من الملائكة، فلما عصى الله، غضب عليه، فلعنه، فصار شيطاناً (١). قال البغوي: وهو الأصح؛ لأن خطاب السجود كان مع الملائكة. وقوله: ﴿كَانَ مِنَ اُلْجِنّ﴾ أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة. وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في الجنة. وقال قوم: من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلي أهل الجنة (٢). والراجح لدي هو القول الأول لصريح آية ﴿ كَانَ مِنَ الْجِنّ﴾ ولأن إبليس قد عصى أمر ربه، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم. ويستدل من قصة الإباء عن السجود أن الامتناع عن تنفيذ أوامر الله والاستكبار والغرور مسبب للكفر، لأنه لما كره إبليس السجود في حقه، واستعظمه في حق آدم، فكان ترك السجود لآدم تسفيهاً لأمر الله وحكمته، فصار من الكافرين. واختلف، هل كان قبل إبليس كافر أو لا؟ فقيل: لا، وإن إبليس أول من كفر، وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض. واختلف أيضاً: هل كفر إبليس جهلاً أو عناداً؟ على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف (١) تفسير القرطبي: ٢٩٤/١ (٢) معالم التنزيل بهامش تفسير البغوي: ٤١/١ ١٤٧ اِلُ (١) - البقرة: ٣٥/٢-٣٩ أنه كان عالماً بالله تعالى قبل كفره. فمن قال: إنه كفر جهلاً قال: إنه سلب العلم عند كفره. ومن قال: كفر عناداً قال: كفر ومعه علمه (١). واستنبط علماء المالكية من هذه القصة ومن علم الله بكفر إبليس سابقاً : أن من أظهر الله تعالى على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات، ليس ذلك دالاً على ولايته؛ لأن العلم بأن الواحد منا ولي لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمناً، وإذا لم يعلم أنه يموت مؤمناً، لم يمكنًّا أن نقطع أنه ولي الله تعالى؛ لأن الولي لله تعالى: مَنْ علم الله تعالى أنه لا يوافى إلا بالإيمان (٢). آدم وحواء في الجنة وموقف الشيطان منهما ﴿ وَقُلْنَا يَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَا فِيَةٍ هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الَّلِينَ ◌َ) فَثَلَقَّٹ وَقُلْنَا أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِىِ الْأَرْضِ مُسْنَقٌَّّ وَمَتَعُ إِلَى حِرٍ ءَادَمُ مِن ◌َّبِّهِ، كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ النََّبُ الرَّحِيمُ ﴿ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّى هُدًى فَمَن تَّبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٣٨ (٣٩) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَّا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ القراءات: ﴿ شِئْتُمَا﴾: وقرئ: (شيتما) وهي قراءة السوسي، وحمزة وقفاً. ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾: وقرئ: (فأزالهما) وهي قراءة حمزة ووقف بالتحقيق والتسهيل. (١) تفسير القرطبي: ٢٩٨/١ (٢) المصدر السابق: ٢٩٧/١ ١٤٨ اِلُعُ (١) - الْبَقَة: ٣٥/٢-٣٩ ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ، كَلِمَتٍ﴾: قرئ: ١- برفع (آدم) ونصب (كلمات) وهي قراءة الجمهور. ٢- بنصب (آدم) ورفع (كلمات) وهي قراءة ابن كثير. يعنى: وصول الكلمات إلى آدم. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: وقرئ: (عليهُم) وهي قراءة حمزة. الإعراب: ﴿أَنْتَ﴾ تأكيد للضمير المستتر ليعطف عليه. ﴿رَغَدًا﴾ منصوب لأنه صفة مصدر محذوف، تقديره أكلاً رغداً، أو منصوب على الحال . ﴿فَتَكُونَا﴾ حذفت النون إما للنصب بتقدير ((أن)) لأنه جواب النهي، أو يكون حذفها للجزم بالعطف على ﴿ وَلَا نَقْرَبَا﴾. ﴿فَلَقَّىَ ءَادَمُ مِن ◌َبِّهِ، كَلِمَتٍ﴾ آدم: فاعل، وكلمات: مفعول به. ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ﴾: جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿أُخْبِطُواْ﴾ على تقدير حذف الواو، أي قلنا: اهبطوا وبعضكم لبعض عدو. ويجوز أن تكون جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿فَإِمَّا﴾ أصلها ((إن)) الشرطية زيدت عليها ((ما)) للتأكيد، وتسمى المسلَّطة؛ لأنها سلطت نون التوكيد على الفعل بعدها . ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ﴾ من: شرطية مبنية لأنها تضمنت معنى الشرط، في محل رفع مبتدأ، وتَيِعَ﴾ خبره، وهو في موضع جزم ((بمن)) الشرطية. و﴿هُدَاىَ﴾ مفعول به. وكرر قوله: ﴿ وَقُلْنَا أَهِْطُواْ﴾ للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنْكُم مِّنِى هُدَى﴾. والأمر بالهبوط من الجنة إلى الأرض موجه لآدم وحواء، والمراد هما وذريتهما؛ لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم. ١٤٩ اِلُ (١) - البَفَرَة: ٣٥/٢-٣٩ ﴿هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من ((أصحاب أو النار)) لعود الضميرين إليهما. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يكون حالاً من النار؛ لأن الحال لا تقع حالاً من المضاف إليه، وأجازه الآخرون؛ لأن لام الملك مقدرة مع المضاف إليه. البلاغة: ﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أي الأكل من ثمارها، فيه تعليق النهي بالقرب منها لقصد المبالغة في النهي عن الأكل. ﴿مِمَّا كَنَا فِيهِ﴾ إبهام يفيد كثرة الخيرات التي لا توصف في الجنة. ﴿اَلْنَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ من صيغ المبالغة، أي قابل التوبة بكثرة، واسع الرحمة. المفردات اللغوية: ﴿رَغَدًا﴾ أكلاً واسعاً طيباً هنيئاً لا عناء فيه ولا حجر عليه . ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أي بالأكل منها، وهي الحنطة أو الكروم أو غيرهما ﴿فَتَكُونَا﴾ فتصيرا ﴿مِنَ اْلَّالِمِينَ﴾ العاصين. ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ أوقعهما في المخالفة من الزلة وهي السقوط ﴿أُهْبِطُوا﴾ انزلوا ﴿مُسْنَقَرٌ﴾ موضع استقرار . ﴿وَمَهُ﴾ ما يتمتع به من أنواع الطعام والشراب واللباس ونحوها. ﴿فَلَقَّقَ﴾ أخذ وقبل وأُلهم ﴿فَابَ﴾ التوبة: الرجوع، فإذا عُدّيت بعن كان معناها الرجوع عن المعصية، وإذا عديت بعلى، كان معناها قبول التوبة. ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَاىَ﴾ آمن بي وعمل بطاعتي ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرة بأن يدخلوا الجنة. ١٥٠ الُ (١) - الْبَقَرة: ٣٥/٢-٣٩ ﴿بِكَايَتِنَّا﴾ كتبنا. ﴿أَصْحَبُ النَّارِ﴾ أهلها. ﴿خَلِدُونَ﴾ ملازمون لها، ماكثون فيها أبداً، لا يفنون ولا يخرجون منها. المناسبة: تستمر الآيات في بيان أنواع التكريم الإلهي للإنسان، وهذا التكريم هنا هو المقام في الجنة في بدء الخليقة، ولكن اقتضت الحكمة الإلهية إقامته في الأرض، وتكليفه القيام برسالة مهمة هي تعمير الكون، وإظهار مزية الإنسان في مجاهدة الشيطان وأهوائه. وقد سيقت هذه القصة إيناساً للنبي وَلّر عما يلاقي من الإنكار، ليعلم أن المعصية من شأن البشر، وأنهم إذا كلفوا بشيء بالرغم من تكريمهم غاية الإكرام قد لا يمتثلون. التفسير والبيان: واذكر يا محمد لقومك أن الله تعالى أمر آدم وزوجه بسكنى الجنة والتمتع بما فيها حيث شاءا، والأكل منها أكلاً هنيئاً لا عناء فيه، أو واسعاً لا حد له، ونهاهما عن الأكل من شجرة معينة، فالأكل منها ظلم لأنفسهما، ولكن الشيطان عدوهما أزلهما عنها، فأخرجهما من ذلك النعيم، بعد أن أغواهما بالأكل من الشجرة. أو أبعدهما وحوَّلهما من الجنة، قائلاً: ﴿مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَلِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِ لَكُمَا لَمِنَ (4) [الأعراف: ٢٠/٧-٢١] فتغلبت عليهما وساوس الشيطان، النَّصِحِينَ وخرجا من الجنة إلى الأرض، وشقاء الدنيا، وقد نشأت العداوة بين البشر والشيطان، فإبليس عدو لآدم وزوجه حواء ولذريتهما، والبشر أعداء له، فاحذروا إغواءه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبِ السَّعِيرِ (٤) [فاطر: ٦/٣٥] فألهم الله آدم كلمات، فعمل بها هو ١٥١ لُ (١) - البَفَرَّة: ٣٥/٢-٣٩ وزوجته وتابا توبة خالصة، والكلمات هي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣/٧] وتقبل الله التوبة؛ لأنه كثير القبول للتوبة، واسع الرحمة بالعباد، وأصبح الناس في الأرض صنفين: صنف المؤمنين بالله العاملين بطاعته، فهؤلاء آمنون في جنان الله في الآخرة، وصنف الكافرين المكذبين بما أنزل الله في كتبه، والجاحدين لرسالات الأنبياء، فهؤلاء مخلدون في نار جهنم. فقه الحياة أو الأحكام: تثير هذه الآيات مشكلات عديدة هي ما يأتي: أولاً - زوجة آدم في قوله تعالى: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾: أثار المفسرون كيفية خلق حواء، فقالوا: إنها خلقت من ضِلْع آدم، أخذاً بظاهر قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١/٤] وقوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩/٧]، وعملاً بحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي وَلّ قال: ((واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضِلَع أعوجَ)) وفي رواية لمسلم: ((إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، لن تستقيم لك على طريقة واحدة، فإن استمتعت بها، استمتعت بها، وبها ◌ِوَج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرُها طلاقها)) قال العلماء: ولهذا كانت المرأة عوجاء؛ لأنها خلقت من أعوج، وهو الضلع (١). وأجيب عن الآيتين (٢): بأن كثيراً من المفسرين كالرازي قالوا: إن المراد بقوله ((منها)) أي من جنسها، ليوافق قوله في سورة [الروم ٢١/٣٠]: ﴿وَمِنْ (١) تفسير القرطبي: ٣٠١/١ (٢) تفسير المراغي: ٩٣/١ ١٥٢ الُعُ (١) - الْبَقَرة: ٣٥/٢-٣٩ ءَايَتِهِ- أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ﴾ والمراد أنه خلق أزواجاً من جنسكم، لا أنه خلق كل زوجة من بدن زوجها. وأما الحديث فجاء على طريق تمثيل حال المرأة واعوجاج أخلاقها، باعوجاج الضلوع، فهو على حدّ قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧/٢١]. هذا وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة. ونقل عن السدي: إن خلق حواء كان بعد دخول الجنة. ثانياً - الجنة: وهي في اللغة البستان. اختلف العلماء في الجنة التي أسكنها آدم، هي في السماء أم في الأرض (١)؟ قال الأكثرون: إنها التي في السماء، وهي دار الخلد والثواب التي أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة، لسبق ذكرها في السورة. وقالت المعتزلة والقدرية: إنها جنة في الأرض غير جنة الخلد، خلقها الله تعالى امتحاناً لآدم عليه السلام، في أرض عَدَن، أو بفلسطين، أو بين فارس وکِرْمان. وهو رأي أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي ومذهب السلف. ودليلهم أنها لو كانت جنة الخلد، لما وصل إليها إبليس، فإن الله يقول: ﴿لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَ تَأْثٌِّ﴾ [الطور: ٢٣/٥٢]، وقال: ﴿لَّا يَسَّمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّبًا ٣٥ [النبأ: ٣٥/٧٨]، وقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا وَلَا تَأْتِيمًا (٥َ إِلَّا قِيلًا سَلَمًا سَلَمًا [الواقعة: ٢٥/٥٦-٢٦]، وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم مِنْهَا بِمُخْرَحِينَ﴾ [الحجر: ٤٨/١٥]، وأيضاً فإن جنة الخلد هي دار القُدْس، (١) تفسير القرطبي: ٣٠٢/١، تفسير ابن كثير: ٧٨/١، تفسير الألوسي: ٢٣٣/١، البداية والنهاية لابن كثير: ٧٥/١ وما بعدها. ١٥٣ لُعُ (١) - البَفَرة: ٣٥/٢-٣٩ قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيراً لها، قد لغا فيها إبليس وكَذَب، وأخرج منها آدم وحواء بمعصيتهما. وكيف يطلب آدم، مع مكانه من الله وكمال عقله، شجرة الخُلْد، وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى. ورجح الألوسي هذا الرأي. ورد القرطبي على هذه الأدلة: بأن الجنة المعرفة بالألف واللام لا يفهم غيرها في تعارف الناس، ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم. وأما أوصاف الجنة المذكورة في الآيات التي احتجوا بها، فهي بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة. ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها، وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء. والملائكة يدخلونها ويخرجون منها، وقد دخلها النَّبي ◌ِّ ليلة الإسراء ثم خرج منها، ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي. وأجمع أهل السنة على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه السلام. وكيف يجوز على آدم، وهو في كمال عقله، أن يطلب شجرة الخلد، وهو في دار الفناء؟! الأمر جائز تطلّعاً إلى الأفضل والأكمل، كما نتطلع الآن في الدنيا إلى الخلود في الجنة. ثالثاً - الشجرة: اختلف العلماء في تعيين الشجرة التي نُهي عنها آدم فأكل منها (١). فقال جماعة: هي الْكَرْم، ولذا حرمت علينا الخمر، وقال آخرون: هي السُّنْبلة، وقيل: هي شجرة التين. والصواب كما قال القرطبي: أن يُعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة، فخالف هو إليها، وعصى في الأكل منها. واختلفوا أيضاً كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب، وهو قوله (١) تفسير القرطبي: ٣٠٥/١ وما بعدها، أحكام القرآن لابن العربي: ١٧/١ وما بعدها، تفسير الطبري: ١٨٥/١ ١٥٤ الُ (١) - البَفَرة: ٣٥/٢-٣٩ تعالى: ﴿فَتَكُوْنَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥/٢]، فقال قوم: أكلا من غير التي أُشير إليها، فلم يتأوّلا النهي واقعاً على جميع جنسها، كأن إبليس غره بالأخذ بالظاهر، أي أنهما ظنّا أن المراد عين شجرة مخصوصة، وكان المراد الجنس. وهو قول حسن كما قال القرطبي ورجحه الطبري قبله. ويقال: إن أول من أكل من الشجرة حواء، بإغواء إبليس إياها. رابعاً - عصيان آدم ثم توبته: قال جمهور الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: الأنبياء معصومون من صغائر الذنوب وكبائرها معاً؛ لأنّا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسِيَرهم أمراً مطلقاً من غير التزام قرينة، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم (١) .. وبناءً عليه، أجيب عن خطيئة آدم التي كانت من الصغائر لا من الكبائر، بأنها صدرت منه قبل النبوة، والعصمة عن المخالفة إنما تكون بعد النّبوة. أو بأن الذي وقع منه كان نسياناً، فسمّي عصياناً تعظيماً لأمره، والنسيان والسهو لا ينافيان العصمة، أو أن ذلك - على طريقة السلف - من المتشابه كسائر ما ورد في القصة، مما لا يمكن حمله على ظاهره (٢). والراجح لدي أن هذه المخالفة وقعت نسياناً وسهواً، كما قال جلّ وعزّ: ﴿فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدُ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥/٢٠]. وتوبة آدم كانت بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣/٧]، وهذا هو المروي عن ابن عباس. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه: إنّ أحبّ الكلام إلى الله تعالى ما قاله (١) تفسير القرطبي: ٣٠٨/١، تفسير الرازي: ٧/٣ (٢) تفسير الكشاف: ٢١٢/١، تفسير الرازي: ٧/٣، تفسير المراغي: ٩٤/١، تفسير المنار: ٢٨١/١ ١٥٥ الُ (١) - البقرة: ٣٥/٢-٣٩ ؛ أبونا آدم حين اقترف الخطيئة: ((سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدُّك، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)). واكتفى القرآن بذكر توبة آدم دون توبة حواء؛ لأنها كانت تبعاً له، كما طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسّنة لذلك. وقد ذكرها في آية أخرى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنْفُسَنَا﴾ الآية السابقة (١). ولا تكون التوبة مقبولة من الإنسان إلا بأربعة أمور: الندم على ما كان، وترك الذنب الآن، والعزم على ألا يعود إليه في مستأنف الزمان، وردّ مظالم العباد وإرضاء الخصم بإيصال حقه إليه والاعتذار إليه باللسان (٢). خامساً - دخول إبليس الجنة: تساءل العلماء: كيف تمكَّن إبليس من وسوسة آدم بعد أن طرده الله من الجنة بقوله: ﴿فَأَخْرُجٌ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ﴾ [ص: ٧٧/٣٨]، فكان خارج الجنة، وآدم في الجنة؟ وأجيب بأجوبة، منها: أنه يجوز أن يمنع إبليس دخول الجنة على جهة التكريم، كدخول الملائكة، ولا يمنع أن يدخل على جهة الوسوسة، ابتلاء لآدم وحواء. وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة ولم يصل إلى آدم بعد ما أخرج منها، وإنما بوسواسه الذي أعطاه الله تعالى، كما قال ◌َ: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم))(٣). سادساً - في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِى هُدَى﴾ [البقرة: ٣٨/٢]: إشارة إلى أن أفعال العباد مخلوقة من الله تعالى، خلافاً للقدرية وغيرهم القائلين: إن العبد يخلق أفعال نفسه. ودلّت الآية (٣٨) على أن من جاءه الهدى على لسان رسول واتبعه، فقد فاز بالنجاة في الآخرة، ودلت الآية (٣٩) على أن الذين لم يتبعوا هدى الله - وهم الذين كفروا بآيات الله اعتقاداً وكذبوا بها لساناً - (١) تفسير الكشاف: ٢١١/١ (٢) تفسير الرازي: ٢٠/٣، تفسير المراغي: ٩٢/١ (٣) الكشاف: ٢١١/١، القرطبي: ٣١٣/١، الرازي: ١٥/٣ ١٥٦ الجُ (١) - البقرة: ٣٥/٢-٣٩ جزاؤهم الخلود في نار جهنم بسبب جحودهم بها، وإنكارهم إياها، اتباعاً الوسوسة الشيطان. سابعاً - الملائكة: الملائكة خلق من خلق الله تعالى، لا نعلم حقيقتهم، واعتقاد وجودهم واجب شرعاً، لإخبار القرآن والتَّي ◌َّ بذلك. وهم مجبولون على الطاعة، منزهون عن المعصية، وهل هم أفضل من البشر؟ اختلف العلماء في شأنهم، فرأى بعضهم أنهم أفضل من البشر، لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلََّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُوْنَا مِنَ اُلْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠/٧]، وقوله تعالى عن صواحب يوسف: ﴿وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١/١٢]. ورأى بعضهم أن النوع الآدمي أفضل من الملائكة، لأن الملائكة مجبولون على الطاعة، والبشر فيهم نزعة الشرّ والخير، والآدمي يجاهد شهواته وميوله. وقال جماعة: إن عموم الملائكة أفضل من عموم البشر، وخواص البشر وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة. وفي رأيي: أن التوقف عن الخوض في ذلك أولى، وإن كنت أرجح تفضيل الملائكة على البشر. قصة آدم عليه السلام تكرر اسم آدم عليه السلام في القرآن الكريم خمساً وعشرين مرة، فتحدثت عنه سورة البقرة في الآيات (٣١ - ٣٧)، وآل عمران في الآيتين (٣٣، ٥٩)، والمائدة في الآية (٢٧)، والأعراف في الآيات (١١ - ١٧٢)، والإسراء في الآيتين (٦١، ٧٠)، والكهف في الآية (٥٠)، ومريم في الآية (٥٨)، وطه في الآيات (١١٥ - ١٢١)، ويس في الآية (٦٠). وتنوّع التعبير عن القصة، مرة ١٥٧ لِلُعُ (١) - الْبَقَة: ٣٥/٢-٣٩ باسمه وصفته، كما في السّور: البقرة والأعراف والإسراء والكهف، ومرة بصفته فقط، كما في سورتي الحجر وص، مما يدل على إعجاز القرآن الكريم. وفي هذه القصة موضوعات ستة (١): الأول - خَلْق آدم من طين: أبان القرآن الكريم أن أصل خلق آدم عليه السلام كان من طين، من حما مسنون - متغير - حتى إذا أصبح صلصالاً كالفخار، نفخ الله فيه من روحه، فإذا هو إنسان متحرّك، ذو قدرات مادية وعقلية ومعنوية - أخلاقية، وكان آدم وحواء أصل النوع الإنساني كما أخبر القرآن، وقد أثبت العلماء زيف نظرية ((دارون)) التي تجعل الفرد أصلاً وأباً للإنسان. الثاني - السجود لآدم: أمر الله تعالى إبليس والملائكة بالسجود لآدم سجود تكريم لا سجود عبادة، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس كان من الجنّ، ففسق عن أمر ربه، وأبى واستكبر. الثالث - سبب مخالفة إبليس وعقابه: احتجّ إبليس بأنه أفضل من آدم، وقال: أنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين، والنار باعتبار ما فيها من الارتفاع والعلو أشرف من الطين الذي هو عنصر ركود وخمود، فطرده الله من الجنة بسبب الكبر ونسبته الظلم إلى الله، لكنه طلب الإنظار إلى يوم الدِّين، فأنظره الله، وتوعد آدم بإغواء ذريته، فردّ الله عليه بأن عباد الله المخلصين لا سلطان له علیهم، وتوعده ومن تبعه بالنار. الرابع - استخلاف آدم في الأرض: أخبر الله تعالى ملائكته أنه سیجعل آدم خليفة عنه في الأرض يكون له سلطان في التصرف في موادها، فتساءلوا على سبيل العلم والحكمة، كيف تجعل في الأرض المفسدين وسفاكي الدماء، (١) قصص الأنبياء للأستاذ عبد الوهاب النجار: ص ٢ وما بعدها، ط رابعة. ١٥٨ الجُزُءُ (١) - البَفَرة: ٣٥/٢-٣٩ وهم - أي الملائكة - أهل الطاعة واجتناب المعصية؟ فأجابهم الحقّ سبحانه أنه يعلم في هذا المخلوق من الأسرار ما لا يعلمون، واختصه بعلم ما لا يعلمون. الخامس - تعليم آدم أسماء الأشياء المحسوسة: ميَّز الله آدم عن الملائكة بتعليمه أسماء جميع الأشياء المادية التي يراها حوله من زروع، وأشجار، وثمار، وأوعية، وحيوان، وجماد، لحاجته إلى الاستفادة منها في طعامه وشرابه، بخلاف الملائكة الذين لا يحتاجون إلى شيء، ثم طالب الله الملائكة بأسماء المسميات المرئية الحاضرة، بعد أن عرض عليهم المسميات، فلم يعلموها. وحاجة ذرية آدم إلى الأشياء تدفعهم إلى العمل والتفكير، والتنقيب عن تلك الأشياء، وعمارة الكون وتقدم وسائل الحياة في كل المجالات من زراعة وصناعة وتجارة. السادس - سكنى آدم وزوجته الجنة وخروجهما منها: أسكن الله آدم الجنة، وخلق له حواء، وأباح لهما الاستمتاع بثمار الجنة إلا شجرة عينها لهما، فوسوس لهما إبليس بالأكل منها وأغراهما، وقال لهما: ما نهاكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا لأن الأكل منها يجعلكما من الملائكة، أو تكونا خالدين دون موت ولا فناء، فرفض آدم في مبدأ الأمر، وقاوم إغراءات الشيطان، ولكن إبليس استمر في إلقاء وساوسه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِىِ (4) [الأعراف: ٢١/٧]، حتى نسي آدم أنه عدوه الذي أبى لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ السجود له، فأكل آدم وحواء من الشجرة: ﴿فَبَدَتْ هُمَا سَوْءَانُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [طه: ١٢١/٢٠] ليسترا عوراتهما، فعاتب الله آدم على مخالفة أمره والأكل من الشجرة، فندم واستغفر الله وتاب، فقبل توبته، ولكنه أمره وحواء بالخروج من الجنة، والاستقرار في الأرض. ٠ ١٥٩ لِلُعُ (١) - البَفَرَة: ٤٠/٢-٤٣ العظة من قصة آدم: اً - تفرد الله تعالى بأسرار وعلوم وحِكَم، ولم يُطلع عليها أحداً من الخلق، حتى الملائكة، فإنهم جهلوا الحكمة من استخلاف آدم، وتساءلوا عن السبب في هذا الاختيار. أَ - إذا توجهت عناية الله تعالى إلى شيء جعلته جليلاً عظيماً، كما توجهت عنايته إلى التراب فخلق منه بشراً سوياً، وأفاض عليه من العلم والمعرفة وغيرهما مما عجز الملائكة عن إدراكه. ءَّ - الإنسان وإن كرّمه الله، لكنه ضعيف، عرضة للنسيان، كما نسي آدم أوامر الله ونواهيه، فأطاع إبليس عدوه، وأكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها. ٤ - إن التوبة والإنابة إلى الله سبيل الظفر برحمة الله الواسعة، فإن آدم الذي عصى ربه تاب وقبل الله توبته، فعلى العاصي أو المقصر المبادرة إلى التوبة والاستغفار دون قنوط ولا يأس من رحمة الله ورضوانه ومغفرته. ٥ - الكبر والعناد والإصرار على الإفساد أسباب لاستحقاق السخط الإلهي، واللعنة والغضب والطرد من رحمة الله، فإن إبليس الذي أبى السجود، وأصرّ على موقفه، وعاند الله، وتحدى سلطانه بإغراء الإنسان وصرفه عن إطاعة الله، غضب الله عليه وطرده من الجنة إلى الأبد، وأوعده بنار جهنم. ما طلب من بني إسرائيل ﴿يَنِيّ إِسْرَّهِيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ اُلَِّىَّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ وَءَامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًّا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَاِفِرٍ ٤٠ وَإِتَّنَىَ فَأَرْهَبُونِ ( ١٦٠ لِلُعُ (١) - البَقَة: ٤٠/٢-٤٣ وَلَا تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ بِّ وَلَا تَشْتَرُواْ بِثَابَتِى ثَمَنَّا قَلِيلًا وَإِنََّىَ فَأَتَّقُونِ وَتَكْثُمُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ وَأَقِيمُواْ الضَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَزْكَعُواْ مَعَ الزَّكِينَ ٤٣ الإعراب ﴿ وَإِنَّنَىَ﴾ ضمير منصوب بفعل مقدر، وتقديره: إياي ارهبوا فارهبون، وإنما وجب تقدير ((ارهبوا)) لأن فعل ﴿فَأَرْهَبُونِ﴾ مشغول بالضمير المحذوف وهو الياء. ﴿وَءَامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا﴾ ((ما)) بمعنى الذي، والعائد هو الضمير المحذوف تخفيفاً في فعل ﴿أَنزَلْتُ﴾. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من الهاء المحذوفة، وتقديره: أنزلته. ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِّهِ﴾ أول: خبر تكونوا، كافر: صفة موصوف محذوف، تقديره: أول فريق كافر، ولهذا جاء بلفظ الواحد، والخطاب لجماعة. ﴿ وَتَكْثُمُواْ﴾ إما منصوب بتقدير ((أن)) أو مجزوم بالعطف على ﴿تَلْبِسُواْ﴾ وعلامة النصب والجزم في الوجهين حذف النون. ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿ وَتَكْنُواْ﴾. البلاغة: نِعْمَتِىَ﴾ الإضافة للتشريف وبيان عظم قدر النعمة وسعة يسرها وحسن موقعها. ﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِتَابَتِ﴾ ليس الشراء هنا حقيقياً، بل هو على سبيل الاستعارة التصريحية، كما في الآية السابقة ﴿أُشْتَرَوُاْ الضَّلَةَ بِالْهُدَى﴾ والمراد استبدلوا بآياتي ثمناً، والمراد بالثمن في الأصل هو المشترى به، أي استبدلوا بآيات الله وبالحق الكثير بدلاً قليلاً ومتاعاً يسيراً، فكانت مبادلة خاسرة؛ لأن كل كثير أو كبير بالنسبة للحق المتروك قليل وحقير.