Indexed OCR Text

Pages 1-20

ياأيها الذين آمنوا استيوات والرسول إذا حكم الكمية
الأفعال ٨ / ١٤
النَّفْسُِّ المُنَُّ
في العقيدة والشريعة والمنهج
الأستاذ الدكتور وحب الأصلي
المجلد الأول
الجزءان ١ - ٢
الفكر
أفاق معرفة متجددة

؟ !!
(القدس)
دار الفكر - دمشق - البرامكة
٣٠٠١ ٩٧ ٩٤٧ ٠٠٩٦٣
٣٠٠١ ١١ ٠٠٩٦٣
http://www.fikr.com/
e-mail:fikr@fikr.net
التفسير المنير
في العقيدة والشريعة والمنهج
أ.د. وهبة الزحيلي
المجلد الأول
الرقم الاصطلاحي: ١ - ١٦٩٠٫٠١١
الرقم الدولي: 5-160-59239-1 :ISBN
الرقم الموضوعي: ٢١١ (القرآن وعلومه)
٨١٦ ص، ١٧ × ٢٥ سم
الطبعة العاشرة: ١٤٣٠ هـ = ٢٠٠٩م
ط٢ / ٢٠٠٣ م
جميع الحقوق محفوظة لدار الفكر دمشق

٠
٠٠
التَّفْسُِّ المُنَُّ
في العقيدة والشريعة والمنج
المجلد الأول
الجزءان ١ - ٢

:

تقديم هذه الطبعة الجديدة
أحمدك يا رب ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد،
حمداً يوافي مزيد نعمك، ويكافئ فضل إحسانك، سبحانك لا أحصي ثناء
عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على الحضرة النبوية التي
ترجمت معاني القرآن الكريم ورسالة الإسلام إلى واقع عملي ملموس، أوجد
أمة من العدم، وحدد لها مزايا دينها، وخصائص شريعتها، ورسم لها آفاق
المستقبل البعيد إلى يوم القيامة، حتى تحافظ على وجودها، وتحمي نفسها من
الضياع أو الذوبان أو الانحراف عن جادة الهدي الإلهي الرشيد، وبعد:
فهذه طبعة جديدة للتفسير المنير، هي الثانية في عرف دار الفكر بدمشق لما
اشتملت عليه من زيادات وتنقيحات، وإضافة القراءات المتواترة التي نزل بها
الوحي الإلهي أعظم نعمة كبرى على البشرية جمعاء، وعلى المسلمين بنحو
خاص، وهي الطبعة السابعة بتكرار طبعات هذا التفسير، مع العناية في كل
طبعة بما يتطلبه التصحيح والتعديل في خضم المعلومات الكثيرة فيه.
وإني لمدين لفضل الله جل جلاله، وواثق من تلقي المسلمين قاطبة في
المشارق والمغارب لهذا التفسير بالقبول الحسن، وآية ذلك أنني وجدته مقتنى
في البلاد المختلفة العربية والأجنبية، وأنه ترجم إلى التركية، ويترجم الآن إلى
الماليزية، وطبع فيها بعض الأجزاء، وتصلني رسائل وهواتف من كل مكان
مشحونة بعبارات الإعجاب والدعاء لي بأحسن جزاء: ((جزاك الله خير
الجزاء)).

٦
تقديم هذه الطبعة الجديدة
وأسباب ذلك واضحة لكل من يقارن بين هذا التفسير وما سبقه من تفاسير
قديمة شاملة ومتوسطة ومختصرة، وتفاسير حديثة ذات مناهج متنوعة، فيظهر
فيه الشمول والإغناء والإحاطة بكل ما يتطلبه القارئ من لغة، وإعراب،
وبلاغة، وتأريخ، وتوجيه، وتشريع، وتفقيه في الدين، مع التزام الاعتدال
والتوسط في البيان دون استطراد.
وأؤكد في هذه الطبعة على منهجي في التفسير وهو الجمع بين المأثور
والمعقول، المأثور في السنة النبوية وأقوال السلف الصالح، والمعقول الملتزم
بالأصول المعتبرة وأهمها ثلاثة:
١- البيان النبوي الثابت، والتأمل الدقيق جداً في مدلول الكلمة القرآنية
والجملة وسياق الآية وسباقها وأسباب نزولها، وعمل المجتهدين وكبار
المفسرين والمحدثين وثقات أهل العلم.
٢- رعاية وعاء القرآن الكريم الذي احتضن آي كتاب الله المعجز إلى يوم
القيامة وهو اللغة العربية في أرفع أسلوب، وأعلى بيان، وأبلغ كلام، جعل
القرآن متميزاً بالإعجاز البياني والعلمي والتشريعي واللغوي وغير ذلك،
حيث لا يجاريه في أسلوبه ومنهاجه كلام آخر، ومصداق ذلك قول الله تبارك
وتعالى: ﴿قُل لَِّ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْجِنُّ عَ أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ
(َ﴾ [الإسراء: ٨٨/١٧] أي معيناً.
بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا
٣- تمييز الآراء والأقوال في مختلف التفاسير بالاحتكام إلى مقاصد الشريعة
الغراء، أي الأسرار والغايات التي ترمي الشريعة إلى تحقيقها وتأصيلها.
ويعبر عن هذا المنهج الذي التزمته وهو الجمع بين المأثور والمعقول
الصحيح قول الله سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ
وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤/١٦] فالجملة الأولى توضح مهمة النبي صلى الله
عليه وآله وسلم بالبيان والتأويل والتطبيق العملي في مظلة المدرسة النبوية

٧
تقديم هذه الطبعة الجديدة
وصياغة أسلوب حياة الأمة المسلمة، والجملة الثانية تبين مدى التفاعل مع
كتاب الله بتفكر المخاطبين بهذا البيان تفكراً سديداً، وتأملاً عميقاً، وإبداء
رأي حصيف ينبع من التبحر في علوم الإسلام وإدراك ألوان البيان في اللغة
العربية، ويحقق بحسب الاجتهاد المستطاع مقتضى مراد الله تعالى.
.ويؤكد مضمون هذه الآية الكريمة قول النبي المصطفى صلوات الله وسلامه
عليه وعلى آله وصحبه وتابعيه وحزبه - فيما رواه أبو داود والترمذي عن
المقدام بن مَعْدِيكَرِب رضي الله عنه -: ((ألا إني أوتيت هذا الكتاب ومثله
معه .. )) أي إنه أوتي القرآن وحياً من عند الله تعالى، وأوتي من البيان مثله،
فيعم ويخص ويزيد عليه، ويشرع ما ليس في الكتاب، فيكون ذلك في وجوب
العمل به ولزوم قبوله، كالظاهر المتلو من القرآن، كما قال الخطابي في معالم
السنن، أي إن السنة النبوية تجاور القرآن وتخدمه، أسأل الله تعالى أن يحقق
مزيد النفع بهذا التفسير، ويجعله في ميزان الحسنات والعمل الصالح، والله
يتقبل من المتقين.
أ. د. وهبة مصطفى الزحيلي
١٢ ربيع الأول ١٤٢٤هـ

تقديم
الحمد لله منزل الكتاب على قلب محمد النَّبي الأمين، والصلاة والسلام على
أفضل الأنبياء والمرسلين، الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين. وبعد:
فإنه لم يحظَ كتاب في الوجود بعناية مثلما حظي به القرآن الكريم، الذي
كتبت حوله مئات الكتب، وسيظل مورد العلماء، وهذا بالتالي كتاب
اصطفيتُ فيه من العلوم والمعارف والثقافات المستقاة من معين القرآن الكريم
الذي لا ينضب، ما هو لصيق الصلة بحاجات العصر، ومتطلبات التثقيف،
بأسلوب جلي مبسّط، وتحليل علمي شامل، وتركيز على الغايات والأهداف
المنشودة من تنزيل القرآن المجيد، ومنهج بعيد عن الإطالة المملّة، والإيجاز
المخلّ الذي لا يكاد يفهم منه شيء لدى جيل بعدوا عن اللسان العربي في
طلاوة بيانه، وأعماق تراكيبه، وإدراك فحواه، وكأنهم أصبحوا - بالرغم من
الدِّراسات الجامعية المتخصصة - في غربة عن المصادر الأصيلة، والثروة
العلمية العريقة في شتى العلوم من تاريخ وأدب وفلسفة وتفسير وفقه وغيرها
من العلوم الإسلامية الكثيرة الخصبة.
فكان لا بدّ من تقريب ما صار بعيداً، وإيناس ما أصبح غريباً، وتزويد
المسلم بزاد من الثقافة بعيدة عن الدّخيل كالإسرائيليات في التفسير، ومتفاعلة
مع الحياة المعاصرة، ومتجاوبة مع القناعة الذاتية، والأصول العقلية،
والمرتكزات الفكرية السليمة، وهذا يقتضينا تمحيص المنقول في تفاسيرنا، حتى .

٩
تقديم
إن منها - تأثراً بروايات إسرائيلية - أحدث شرخاً غير مقصود في عصمة
بعض الأنبياء، واصطدم مع بعض النظريات العلمية التي أصبحت يقينية
الثبوت بعد غزو الفضاء، واتساع ميادين الكشوف العلمية الحديثة، علماً بأن
دعوة القرآن تركزت على إعمال العقل والفكر وشحذ الذهن وتسخير المواهب
في سبيل الخير، ومحاربة الجهل والتخلف.
وهدفي الأصيل من هذا المؤلّف هو ربط المسلم بكتاب الله عزّ وجلّ ربطاً
علمياً وثيقاً؛ لأن القرآن الكريم هو دستور الحياة البشرية العامة والخاصة،
للناس قاطبة، وللمسلمين خاصة، لذا لم أقتصر على بيان الأحكام الفقهية
للمسائل بالمعنى الضيق المعروف عند الفقهاء، وإنما أردت إيضاح الأحكام
المستنبطة من آي القرآن الكريم بالمعنى الأعم الذي هو أعمق إدراكاً من مجرد
الفهم العام، والذي يشمل العقيدة والأخلاق، والمنهج والسلوك، والدستور
العام، والفوائد المجنية من الآية القرآنية تصريحاً أو تلميحاً أو إشارةً، سواء في
البنية الاجتماعية لكل مجتمع متقدم متطور، أم في الحياة الشخصية لكل
إنسان، في صحته وعمله وعلمه وتطلَّعاته وآماله وآلامه ودنياه وآخرته، تجاوباً
في المصداقية والاعتقاد مع قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ
اَلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ()
[الأنفال: ٨ / ٢٤].
- إنه الحق سبحانه وتعالى ورسول الحق في هذه الآية اللذان يدعوان كل
إنسان في هذا الوجود إلى الحياة الحرة الكريمة الشريفة بكل صورها ومعانيها.
- إنه الإسلام الذي يدعو إلى عقيدة أو فكرة تحيي القلوب والعقول،
وتطلقها من أوهام الجهل والخرافة، ومن ضغط الوهم والأسطورة، وتحرر
الإنسان من العبودية لغير الله، ومن الخضوع للأهواء والشهوات، ومن
طغيان المادة القاتلة للشعور الإنساني السامي.

١٠
تقديم
- إنه القرآن الذي يدعو إلى شريعة العدل والحق والرحمة العامة بالإنسانية،
ويدعو إلى منهج سليم للحياة والفكر والتصور والسلوك، وإلى نظرة شاملة
للوجود توضح علاقة الإنسان بالله تعالى وبالكون والحياة.
وهي دعوة قائمة على العلم والمعرفة الصحيحة والتجربة، والعقل والفكر
الناضج الذي لا يفتر من كدّ الذهن وتشغيل المدارك، والنظر في هذا الكون
سمائه وأرضه، براً وبحراً وجوّاً، وهي دعوة أيضاً إلى القوة والعزة والكرامة
والثقة والاعتزاز بشريعة الله، والاستقلال، مع الاستفادة من علوم ومعارف
الآخرين؛ لأن العلم ليس حكراً على شعب دون شعب، وإنما هو عطاء
إنساني عام، كما أن تحرير الإنسان وتحقيق إنسانيته العليا هدف إلهي عام،
يعلو على مصالح الطغاة والمستبدين الذين يحاولون مصادرة إنسانية الإنسان من
أجل الإبقاء على مصالحهم الخاصة، واستعلائهم على غيرهم، وتسلطهم على
بني البشر.
ولن يتأثر الاعتقاد بأصالة دعوة القرآن الخيّرة هذه إلى الناس كافة، بما
يُوضع أمامها من عراقيل، أو يُيث حول جدارتها من شكوك أمام النهضة
الحضارية المادية الجبارة؛ لأن هذه الدعوة ليست روحانية مجردة، ولا فلسفة
خيالية أو نظرية بحتة، وإنما هي دعوة واقعية مزدوجة تضم بين جناحيها
الدعوة إلى عمارة الكون، وبناء الدنيا والآخرة معاً، وتعاضد الروح والمادة
معاً، وتفاعل الإنسان مع كل مصادر الثروة في هذا الكون، الذي سخّره الله
تعالى للإنسان وحده استعمالاً وانتفاعاً، واستنباطاً واختراعاً، وإفادةً
واستكشافاً مستمراً، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ
جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
(٢٩) ﴾ [البقرة: ٢٩/٢].
والمهم من التفسير والبيان مساعدة المسلم على تدبُّر القرآن الكريم المأمور به

١١
تقديم
في قوله تعالى: ﴿كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَدَّبَّرُوْ ءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
(٢٩) ﴾ [ص: ٢٩/٣٨].
وإذا كان هدفي هو وضع تفسير للقرآن الكريم يربط المسلم وغير المسلم
بكتاب الله تعالى - البيان الإلهي ووحيه الوحيد حالياً، الثابت كونه كلام الله
ثبوتاً قطعياً بلا نظير له ولاشبيه - فإنه سيكون تفسيراً يجمع بين المأثور
والمعقول، مستمداً من أوثق التفاسير القديمة والحديثة، ومن الكتابات حول
القرآن الكريم تأريخاً، وبيان أسباب النزول، وإعراباً يساعد في توضيح كثير
من الآيات، ولست بحاجة كثيرة إلى الاستشهاد بأقوال المفسرين، وإنما سأذكر
أولى الأقوال بالصواب بحسب قرب اللفظ من طبيعة لغة العرب وسياق الآية.
ولست في كل ما أكتب متأثراً بأي نزعة معينة، أو مذهب محدد، أو إرث
اعتقادي سابق لاتجاه قديم، وإنما رائدي هو الحق الذي يهدي إليه القرآن
الكريم، على وفق طبيعة اللغة العربية، والمصطلحات الشرعية، مع توضيح
آراء العلماء والمفسرين، بأمانة ودقة وبُعْد عن التعصب.
ولكن ينبغي البعد عن استخدام آيات القرآن لتأييد بعض الآراء المذهبية أو
اتجاهات الفرق الإسلامية، أو التعسُّف في التأويل لتأييد نظرية علمية قديمة أو
حديثة؛ لأن القرآن الكريم أرفع بياناً، وأرقى مستوى، وأعلى شأناً من تلك
الآراء والمذاهب والفِرَق، وليس هو كتاب علوم أو معارف كونية كالفلك
وعلم الفضاء والطب والرياضيات ونحوها، وإن وجدت فيه بعض الإشارات
إلى نظرية ما، وإنما هو كتاب هداية إلهية، وتشريع ديني، ونور يهدي لعقيدة
الحق، وأصلح مناهج الحياة، وأصول الأخلاق والقيم الإنسانية العليا، كما
قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ ◌ُبِيرٌ ، يَهْدِی بِهِ
اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَنَهُ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَىَ
النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
(١٦)﴾ [المائدة: ١٥/٥-١٦].

١٢
تقدیم
وينحصر منهجي أو خطة بحثي فيما يأتي:
١ - قسمة الآيات القرآنية إلى وحدات موضوعية بعناوين موضحة.
٣ - بيان ما اشتملت عليه كل سورة إجمالاً.
٣ - توضيح اللغويات.
٤- إيراد أسباب نزول الآيات في أصح ما ورد فيها، ونبذ الضعيف منها،
وتسليط الأضواء على قصص الأنبياء وأحداث الإسلام الكبرى كمعركة بدر
وأُحد من أوثق كتب السِّيرة.
٥- التفسير والبيان.
أَ- الأحكام المستنبطة من الآيات.
٧- البلاغة وإعراب كثير من الآيات، ليكون ذلك عوناً على توضيح
المعاني لمن شاء، وبعداً عن المصطلحات التي تعوق فهم التفسير لمن لا يريد
العناية بها.
وسأحرص بقدر الإمكان على التفسير الموضوعي: وهو إيراد تفسير مختلف
الآيات القرآنية الواردة في موضوع واحد كالجهاد والحدود والإرث وأحكام
الزواج والرِّبا والخمر، وسأبيِّن عند أول مناسبة كل ما يتعلّق بالقصة القرآنية
مثل قصص الأنبياء من آدم ونوح وإبراهيم عليهم السلام وغيرهم، وقصة
فرعون مع موسى عليه السلام، وقصة القرآن بين الكتب السماوية. ثم أحيل
إلى موطن البحث الشامل عند تكرار القصة بأسلوب وهدف آخر. غير أني لن
أذكر رواية مأثورة في توضيح القصة إلا بما يتفق مع أحكام الدين، ويتقبلها
العلم، ويرتضيها العقل، وأيدت الآيات بالأحاديث الصحيحة المخرجة إلا ما
ندر.

١٣
تقديم
ويلاحظ أن أغلب الأحاديث المروية في فضائل سور القرآن موضوعة
مكذوبة، وضعها الزّنادقة أو أصحاب الأهواء والمطامع، أو السؤال
الواقفون في الأسواق والمساجد، أو واضعو الحديث حسبة كما زعموا (١).
وفي تقديري أن هذه الخطة تحقق بمشيئة الله نفعاً كبيراً، وسيكون هذا
التأليف سهل الفهم، سريع المأخذ، محل الثقة والاطمئنان، يرجع إليه كل
باحث ومطّلع، في وقت كثر فيه القول والدّعوة إلى الإسلام في المساجد
وغيرها، ولكن مع مجافاة الصواب، أو الخلط، أو مجانبة الدقة العلمية، سواء
في التفسير أو الحديث أو الإفتاء وبيان الأحكام الشرعية، وعندها يظلّ
الكتاب هو المرجع الأمين وموضع الثقة للعالم والمتعلم، منعاً من إضلال
الناس والإفتاء بغير علم، وحينئذٍ يتحقق بحق غرض النَّبِي وَِّ من تبليغ القرآن
في قوله: ((بلِّغوا عني ولو آية)) (٢)، لأن القرآن هو المعجزة الباقية من بين سائر
المعجزات.
ولعلي أكون بهذه الخطة في بيان المراد من آي كتاب الله مفرداتٍ وتراكيبَ،
قد حقّقت غايتي من ربط المسلم بقرآنه، وقمت بالتَّبليغ الواجب على كل مسلم
بالرغم من وجود موسوعات أو تفاسير قديمة اعتمدت عليها، وقد تميزت إما
بالتركيز على العقائد والنّبوات والأخلاق والمواعظ وتوضيح آيات الله في
الكون، كالرّازي في التفسير الكبير، وأبي حيان الأندلسي في البحر المحيط،
والألوسي في روح المعاني، والكشاف للزمخشري.
وإما بتوضيح القصص القرآني وأخبار التاريخ، كتفسير الخازن والبغوي،
وإما ببيان الأحكام الفقهية بالمعنى الضيِّق للمسائل والفروع والقضايا
كالقرطبي وابن كثير والجصاص وابن العربي، وإما بالاهتمام باللغويات
(١) تفسير القرطبي: ٧٨/١ وما بعدها.
(٢) أخرجه أحمد والبخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

١٤
تقديم
كالزمخشري وأبي حيان، وإما بالقراءات كالنسفي وأبي حيان وابن الأنباري،
وابن الجزري في كتابه (النشر في القراءات العشر)، وإما بالعلوم والنظريات
العلمية الكونية مثل طنطاوي جوهري في كتابه (الجواهر في تفسير القرآن
الكريم).
والله أسأل أن ينفعنا بما علَّمنا، ويعلِّمنا ما ينفعنا، ويزيدنا علماً، كما
أسأله أن يعم النّفع كل مسلم ومسلمة بهذا الكتاب، وأن يلهمنا جميعاً الرّشاد
والسّداد، وأن يوفقنا للعمل بكتاب الله في كل مناحي الحياة، دستوراً وعقيدةً
ومنهجاً وسلوكاً، وأن يهدينا إلى سواء الصراط، صراط الله الذي له ما في
السموات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور.
وليكن رائدنا جميعاً ما أخرجه البخاري ومسلم عن أمير المؤمنين عثمان بن
عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله مَله: ((خيركم من تعلَّم القرآن
وعلَّمه)) (١).
الدكتور وهبة بن مصطفى الزحيلي
(١) لم أجرؤ على هذا التفسير إلا بعد أن كتبت كتابين شاملين في موضوعيهما أو موسوعتين:
الأول: (أصول الفقه الإسلامي) في مجلدين، والثاني: (الفقه الإسلامي وأدلته) في مختلف
المذاهب - أحد عشر مجلداً، وأمضيت في التدريس الجامعي ما يزيد عن ثلاثين عاماً،
وعملت في الحديث النّبوي تحقيقاً وتخريجاً وبياناً بالاشتراك لكتاب (تحفة الفقهاء)
للسمرقندي، و(المصطفى من أحاديث المصطفى) زهاء (١٤٠٠ حديث). بالإضافة لمؤلفات
وبحوث موسوعية تربو عن الثلاثين.

بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
أولاً - تعريف القرآن وكيفية نزوله وطريقة جمعه:
القرآن المجيد الذي اقتضت حكمة الله ألا يبقى في الوجود أثر ثابت للوحي
الإلهي سواه، بعد أن اندثرت أو زالت أو اختلطت الكتب السماوية السابقة
بغيرها من العلوم التي وضعها البشر: هو منار الهداية، ودستور التشريع،
ومصدر الأنظمة الربانية للحياة، وطريق معرفة الحلال والحرام، وينبوع
الحكمة والحق والعدل، ومعين الآداب والأخلاق التي لا بدّ منها لتصحيح
مسيرة الناس، وتقويم السلوك الإنساني، قال الله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطَنَا فِىِ الْكِتَبِ
مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨/٦]، وقال عزّ وجلّ أيضاً: ﴿وَنَزَّْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ
تِبْيَنَا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةً وَيُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩/١٦].
وقد عرّفه علماء أصول الفقه، لا بسبب الجهل به أو عدم معرفة الناس
به، وإنما لضبط ما يتعبد به وما تجوز الصلاة به، وما لا تجوز، ولتبيان أحكام
الشرع الإلهي من حلال وحرام، وما يصلح حجة في استنباط الأحكام، وما
يكفر جاحده وما لا يكفر، فقالوا عنه:
القرآن: هو كلام الله المعجز (١)، المنزل على النَّبي محمد بََّ، باللفظ
العربي، المكتوب في المصاحف، المتعبَّد بتلاوته (٢)، المنقول بالتواتر (٣)،
المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس.
(١) أي الذي عجزت الإنس والجن عن الإتيان بمثل أقصر سورة من سوره.
(٢) أي أنه لا تصح الصلاة إلا بتلاوة شيء منه، كما أن مجرد تلاوته عبادة يثاب عليها المسلم.
(٣) التواتر: هو ما ينقله جمع عظيم عن جمع غفير يؤمن في العادة تواطؤهم على الكذب.

١٦
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
وبناءً عليه: لا تسمى ترجمة القرآن قرآناً، وإنما هي تفسير، كما لا
تسمى القراءة الشاذة (وهي التي لم تنقل بالتواتر وإنما بالآحاد) قرآناً،
مثل قراءة ابن مسعود في فيئة الإيلاء (١): (فإنْ فاءوا - فيهنّ - فإنّ الله
غفورٌ رحيمٌ) [البقرة ٢٢٦/٢] وقراءته أيضاً في نفقة الولد: (وعلى الوارثِ
- ذي الرحم المحرم - مثلُ ذلكَ) [البقرة ٢٣٣/٢]، وقراءته في كفارة يمين
المعسر: (فمنْ لم يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيام - متتابعات - ) [المائدة ٨٩/٥].
أسماء القرآن:
للقرآن أسماء: هي القرآن، والكتاب، والمصحف، والنور، والفرقان (٢).
وسمي قرآناً؛ لأنه التنزيل المتلو المقروء، وقال أبو عبيدة: سمي القرآن؛
لأنه يجمع السُّور، فيضمها. قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُمْ وَقُرْءَانَهُ
١٧) ﴾ [القيامة:
٧٥/ ١٧] أي جمعه وقراءته، ومن المعلوم أن القرآن نزل تدريجياً شيئاً بعد شيء،
فلما جمع بعضه إلى بعض سمي قرآناً.
وسمي كتاباً من الْكَتْبِ أي الجمع؛ لأنه يجمع أنواعاً من القصص والآيات
والأحكام والأخبار على نحوٍ مخصوص.
وسمي مصحفاً من أصحف أي جمع فيه الصحف، والصحف جمع
الصحيفة: وهي قطعة من جلد أو ورق يكتب فيه. وروي أن أبا بكر الصديق
استشار الناس بعد جمع القرآن في اسمه، فسمّاه مصحفاً.
وسمي نوراً؛ لأنه يكشف الحقائق، ويبين الغوامض من حلال وحرام
(١) الإيلاء: الحلف على ترك وطء (جماع) المرأة. وفاء الرجل إلى امرأته: عاد إلى الاستمتاع بها
بعد يمينه بالامتناع عن ذلك.
(٢) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للعلامة النظام-نظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري
بهامش تفسير الطبري: ٢٥/١، تفسير الرازي: ١٤/٢

١٧
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
وغيبيات لا يستطيع العقل إدراكها، ببيان قاطع وبرهان ساطع، قال الله
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنَزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًّا مُبِينًا
تعالی:
[النساء: ٤/ ١٧٤].
وسمي فُرْقاناً لأنه فرّق بين الحقّ والباطل، والإيمان والكفر، والخير
والشّر، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِىِ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ
نَذِيرًا
[الفرقان: ١/٢٥].
كيفية نزول القرآن:
لم ينزل القرآن جملة واحدة، كما نزلت التوراة على موسى والإنجيل على
عيسى عليهما السلام، لئلا يثقل كاهل المكلفين بأحكامه، وإنما نزل على قلب
النَّبِي الكريم وَّه بالوحي بواسطة جبريل عليه السلام، مُنَجَّماً أي مفرقاً على
وفق مقتضيات الظروف والحوادث والأحوال، أو جواباً للوقائع والمناسبات
أو الأسئلة والاستفسارات.
فمن الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢/
٢٢١]، نزلت في شأن مَرْتَد الغَنَوي الذي أرسله النَّبي ◌َّ إلى مكة، ليحمل
منها المستضعفين المسلمين، فأرادت امرأة مشركة اسمها (عَنَاق) وكانت ذات
مال وجمال، أن تتزوجه، فقبل بشرط موافقة النَّبي ◌َّةِ، فلما سأله نزلت
ج
الآية، ونزل معها آية ﴿وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: ٢٢١/٢].
ومن الثاني: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى﴾ [البقرة: ٢٢٠/٢]، و﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ
اُلْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢/٢]، و﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧/٤]،
ج
و﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١/٨].
وقد بدأ نزوله في رمضان في ليلة القدر، قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ
الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَبَيْنَتٍ مِّنَ اُلْهُدَى وَاَلْفُرْقَانِ﴾

١٨
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
[البقرة: ١٨٥/٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ
﴾ [القدر:
[الدخان: ٣/٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
٣
١/٩٧]. واستمر نزول القرآن في مدى ثلاث وعشرين سنة إما في مكة وإما في
المدينة وإما في الطريق بينهما أو في غيره من الأماكن.
وكان نزوله إما سورة كاملة كالفاتحة والمدثر والأنعام، أو عشر آيات مثل
قصة الإفك في سورة النور، وأول سورة المؤمنين، أو خمس آيات، وهو كثير،
أو بعض آية، مثل: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥/٤] بعد قوله تعالى: ﴿لَّا
يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥/٤] ومثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ
عَيْلَةُ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ: إِن شَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
[التوبة: ٢٨/٩]، فإنه نزل بعد: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُُّ
ج
فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨/٩].
وتعددت حكمة إنزال القرآن منجماً، بسبب المنهج الإلهي الذي رسم به
طريق الإنزال، كما قال تعالى: ﴿ وَقُرْءَانًا فَرَقْنَهُ لِنَقْرَأَمُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَلْنَهُ
تَنزِيلًا (٢﴾ [الإسراء: ١٠٦/١٧].
من هاتيك الْحِكَم: تثبيت قلب النَّبِي وَلّه وتقوية فؤاده ليحفظه ويعيه؛ لأنه
كان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ
اُلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُقَبْتَ بِهِ، فُؤَادَكٌ وَرَتَّلْتَهُ تَرْنِيلًا
[الفرقان:
(٣٢
٣٢/٢٥].
ومنها : مراعاة مقتضيات التدرُّج في التشريع، وتربية الجماعة، ونقلها على
مراحل من حالة إلى حالة أحسن من سابقتها، وإسبال الرحمة الإلهية على
العباد، فإنهم كانوا في الجاهلية في إباحية مطلقة، فلو نزّل عليهم القرآن دفعة
واحدة، لعسر عليهم التكليف، فنفروا من التطبيق للأوامر والنواهي.
أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((إنما نَزَل أول ما نَزَل منه

١٩
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام،
نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع
الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا)) (١).
ومنها: ربط نشاط الجماعة بالوحي الإلهي؛ إذ إن اتصال الوحي بالنَّبي
وَله يساعده على الصبر والمصابرة، وتحمل المشاق والمصاعب وأنواع الأذى
التي كابدها من المشركين، كما أنه وسيلة لتقوية العقيدة في نفوس الذين
أسلموا، فإذا نزل الوحي علاجاً لمشكلة، تأكد صدق النَّبي ◌َّ في دعوته،
وإذا أحجم النَّبي عن جواب مسألة، ثم جاءه الوحي، أيقن المؤمنون بصدق
الإيمان واطمأنوا إلى سلامة العقيدة، وأمان الدَّرْب الذي سلكوه، وزادت
ثقتهم بالغايات والوعود المنتظرة التي وعدهم الله بها: إما بالنصر على الأعداء
أو المشركين في الدنيا، وإما بالفوز بالجنة والرضا الإلهي، وتعذيب الكفار في
نار جهنم.
المكي والمدني من القرآن:
كان للوحي القرآني صبغتان أو لونان جعلت منه نوعين هما: المكي
والمدني، وانقسمت بالتالي سور القرآن إلى مكية ومدنية.
أما المكي: فهو ما نزل في مدى ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة - هجرة النَّبي
وَله من مكة إلى المدينة - سواء نزل في مكة أو في الطائف أو في أي مكان
(١) هذا وقد ذكر الزمخشري في الكشاف: ١٨٥/١ وما بعدها أسباب تفضيل القرآن وتقطيعه
سوراً، منها أن تنوع البيان للجنس الواحد أحسن وأجمل وأفخم من أن يكون بياناً واحداً.
ومنها إثارة النشاط والحث على الدرس والتحصيل من القرآن خلافاً فو استمر الكتاب جملة
واحدة، ومنها اعتزاز الحافظ بطائفة مستقلة من القرآن بعد حفظها، ومنها أن التفصيل
بمشاهد عديدة سبب لدعم المعاني، وتأكد المراد واجتذاب الأنظار.

٢٠
بعض المعارف الضرورية المتعلقة بالقرآن
آخر، مثل سورة (ق) و(هود) و(يوسف). وأما المدني: فهو مانزل في مدى
عشر سنوات بعد الهجرة، سواء نزل في المدينة أو في الأسفار والمعارك الحربية
أو في مكة عام الفتح، مثل سورة (البقرة) و(آل عمران).
ويغلب على التشريع المكي إصلاح العقيدة والأخلاق، والتنديد بالشرك
والوثنية، وإقرار عقيدة التوحيد، وتصفية آثار الجهل من قتل وزنى ووأد
بنات، والتأذُّب بآداب الإسلام وأخلاقه، مثل العدل، والوفاء بالعهد،
والإحسان، والتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان،
وفعل الخيرات وترك المنكرات، وإعمال العقل والفكر، ونقض أوهام التقليد
الأعمى، وتحرير الإنسان، والاعتبار بقصص الأنبياء مع أقوامهم. وقد
اقتضى ذلك جعل الآيات المكية قصيرة تزخر بالرهبة والزجر والوعيد، وتبعث
على الخشية، وتشعر بمعنى الجلال.
وأما التشريع المدني فيغلب عليه تقرير الأنظمة والأحكام المفصلة
للعبادات، والمعاملات المدنية والعقوبات، ومتطلبات الحياة الجديدة في إقامة
صرح المجتمع الإسلامي في المدينة، وتنظيم شؤون السياسة والحكم، وترسيخ
قاعدتي الشورى والعدل في إصدار الأحكام، وتنظيم العلاقات بين المسلمين
وغيرهم في داخل المدينة وخارجها، وقت السلم والحرب، بتشريع الجهاد
لوجود مسوغاته من إيذاء وعدوان وتشريد وطرد وتهجير، ثم وضع أنظمة
المعاهدات لإقرار الأمن وتوطيد دعائم السلم، وقد اقتضى ذلك كون الآيات
المدنية طويلة هادئة، ذات أبعاد وغايات دائمة غير وقتية، تستدعيها عوامل
الاستقرار والاطمئنان وبناء الدولة على أمتن الأسس وأقوى الدعائم.
فائدة العلم بأسباب النزول:
إن معرفة أسباب نزول الآيات بحسب الوقائع والمناسبات لها فوائد كثيرة
وأهمية بالغة في تفسير القرآن وفهمه على الوجه الصحيح؛ لأن أسباب النزول