Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
تفسير سورة التكوير
٢) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ () وَإِذَا الْجَّةُ
بِأَمِّ ذَنْبٍ قُئِلَتْ ﴿ وَإِذَا الضُّحُفُ نُشِرَتْ () وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ أَ
١٧
(١) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴿ وَلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَسِ
١٤
أَزْلِفَتْ دَ عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ
يوم القيامة ليقتصّ لبعضها من بعض ثم تكون ترابًا والآخر أنها تُحشّر بموتها دفعة واحدة
عند هول القيامة قاله ابن عباس وقال إنها لا تُبعَث وأنه لا يحضر القيامة إلاّ الإنس والجنّ
والثالث أنها تجمع في أول أهوال القيامة وتفرّ في الأرض فذلك حشرها ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ
سُجْرَتْ﴾ فيه ثلاثة أقوال أحدها ملئت وفجّر بعضها إلى بعض حتى تعود بحرًا واحدًا
والآخر مُلِئت نيرانًا لتعذيب أهل النار والثالث فرغت من مائها ويبست وأصله من سجرت
التنور إذا ملأتها فالقول الأول والثاني أليق بالأصل. والأول والثالث موافق لقوله فجرت:
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوْجَتْ﴾ فيه ثلاثة أقوال أحدها أن التزويج بمعنى التنويع لأن الأزواج هي
الأنواع فالمعنى جعل الكافر مع الكافر والمؤمن مع المؤمن والثاني زُوّجت نفوس المؤمنين
بزوجاتهم من الحور العين والثالث زُوّجت الأرواح والأجساد أي رُدّت إليها عند البعث
والأول هو الأرجح، لأنه رُوِيَ عن النبي وَّه وعن عمر بن الخطاب وابن عباس ﴿وَإِذَا
الْمَوْعُودَةُ سُئِلَت بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ الموءودة هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حيّة من
كراهته لها ومن غيرته عليها فتسأل يوم القيامة بأيّ ذنبٍ قُتلت على وجه التوبيخ لقاتلها وقرأ
ابن عباس ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَت بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ بضم القاف وسكون اللام وضم التاء
واستدلّ ابن عباس بهذه الآية على أن أولاد المشركين في الجنة لأن الله ينتصر لهم ممّن
ظلمهم ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ هي صحف الأعمال تُنشَر ليقرأ كلّ أحد كتابه، وقيل هي
الصحف التي تتطاير بالأيمان والشمائل بالجزاء ﴿وَإِذا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ الكشط هو التقشير
كما يكشط جلد الشاة حين تُسلَخ وكشط السماء هو طيّها كطيّ السجل قاله ابن عطية وقيل
معناه كُشِفَت وهذا أليق بالكشط ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعْرَتْ﴾ أي أُوقدت وأُحميت ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ
أَزْلِفَتْ﴾ أي قربت ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَخْضَرَتْ﴾ هذا جواب إذا المكرّرة في المواضع قبل
هذا ومعناه علمت كل نفس ما أحضرت من عمل فلفظ النفس مفرد يُراد به الجنس والعموم
وقال ابن عطيّة إنما أفردها ليبيّن حقارتها وذلّتها وقال الزمخشري هذا من عكس كلامهم
الذي يقصد به الإفراط فيما يعكس عنه كقوله: ﴿رُبَّما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢]
ومعناه التكثير وكذلك هنا معناه أعمّ الجموع ﴿مَّا أَخْضَرَتْ﴾ عبارة عن الحسنات والسيئات
﴿فَلاَ أَقْسِمُ﴾ ذكرت نظائره ﴿بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ يعني الدراري السبعة وهي الشمس
والقمر وزُحَل وعُطارد والمرّيخ والمشتري والزهرة وذلك أن هذه الكواكب تخنس في جريها

٥٤٢
تفسير سورة التكوير
إِنَُّ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرٍِ ﴿أَذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِىِ الْعَرَشِ مَّكِينٍ ﴿ قُطَاعِ ثَمَّ أَمِينٍ
وَالصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ
١٨
وَمَا
٢
وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (
٢٣
، وَلَقَدْ رَءَاهُ بِآلْأُفُيِّ الْمُبِينِ (
٢٢
صَاِبُكُم بِمَجْنُونٍ
وَمَا هُوَ بِقَوْلٍ شَيْطانِ
٢٤
لِمَنْ شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيَمَ
٢٧
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ:
٢٠
رَّحِيمٍ ﴾ فَأَنَ تَذْهَبُونَ
أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
٢٩
مَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّ
٢٨
أي تتقهقر فيكون النجم في البرج ثم يكرّ راجعًا وهي جواري في الفلك وهي تنكنس في
أبراجها أي تستتر وهو مشتق من قولك كنس الوحش إذا دخل كناسه وهو موضعه وقيل
يعني الدراري الخمسة لأنها تستتر بضوء الشمس وقيل يعني النجوم كلها لأنها تخنس في
جريها وتنكس بالنهار أي تستتر وتختفي بضوء الشمس وقيل يعني بقر الوحش فالخنّس على
هذا من خنس الأنف والكنس من سكناها في كناسها ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ يقال عسمس
الليل إذا كان غير مستحكم الظلام فقيل ذلك في أوله وقيل في آخره وهذا أرجح لأن آخر
الليل أفضل ولأنه أعقبه بقوله ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أي استطار واتّسع ضوؤه ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ
رَسُولٍ كَرِيم﴾ الضمير للقرآن والرسول الكريم جبريل وقيل محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم
قال السهيلي لا يجوز أن يقال إنه محمد عليه السلام لأن الآية نزلت في الرد على الذين
قالوا إن محمدًا قال القرآن فكيف يخبر الله أنه قوله وإنما أراد جبريلى وأضاف القرآن إليه
لأنه جاء به وهو في الحقيقة قول الله تعالى وهذا الذي قال السهيلي لا يلزم فإنه قد يضاف
إلى محمد ﴿، لأنه تلقّاه عن جبريل عليه السلام وجاء به إلى الناس ومع ذلك فالأظهر أنه
جبريل لأنه وصفه بقوله ذي قوّة وقد وصف جبريل بهذا لقوله: ﴿شَدِيدُ الْقوى ذُو مرّة﴾
[النجم: ٥] ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ يتعلق بذي قوة، وقيل بمكين وهذا أظهر والمكين الذي
له مكانة أي جاه وتقريب ﴿مُطَاع ثَمَّ أَمِين﴾ هذا الظرف إشارة إلى الظرف المذکور قبله وهو
عند ذي العرش أي مُطاع في ملائكة ذي العرش. ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْتُونٍ﴾ هو محمد قَ﴾
باتّفاق ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأَفُقِ الْمُبِينٍ﴾ ضمير الفاعل لمحمد ◌َله وضمير المفعول لجبريل عليه
السلام وهذه الرؤية له بغار حراء على كرسي بين السماء والأرض. وقيل الرؤية التي رآه
عند سدرة المنتهى في الإسراء ووصف هذا الأُفق بالمبين لأنه رُوِيّ أنه كان في المشرق من
حيث تطلع الشمس وأيضًا فكل أُفق فهو مبين ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ الضمير
للنبي﴿ ومَن قرأ بالضاد فمعناه بخيل أي لا يبخل بأداء ما ألقي إليه من الغيب، وهو
الوحي، ومَن قرأ بالظاء فمعناه متّهم أي لا يتّهم على الوحي بل هو أمين عليه ورجّح
بعضهم هذه القراءة بأن الكفّار لم ينسبوا محمدًا وَله إلى البخل بالوحي بل اتّهموه فنفى عنه
...

٥٤٣
تفسير سورة التكوير
ذلك ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ الضمير للقرآن ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ خطاب لكفّار قريش أي
ليس لكم زوال عن هذه الحقائق وقد تقدّم تفسير بقية السورة في نظائره فيما تقدّم.
:

ويعااي من
... ..
الحب
سورة الانفطار
مكتّة وآياتها ١٩ نزلت بعد النازعات
بِسْمِ أَشَهِ الرََّيِ الرَّحمـ
﴿ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَنَرَتْ ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِرَتْ مَوَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ بَ عَلِمَتْ
إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ
لاَ يَأَيُّهَا الْإِنِسَنُ مَا غَّكَ بِرَبِكَ الْكَرِيِ جَ الَّذِىِ خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ
نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَظَرَتْ﴾ أي انشقت ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَنْتَثَرَتْ﴾ أي سقطت من مواضعها
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ أي فرغت وقيل فجر بعضها إلى بعض فاختلط ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَت﴾
أي نبشت على الموتى الذين فيها وقال الزمخشري أصله من البعث والبحث فضمّت إليها
الراء والمعنى بحثت وأخرج موتاها ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ هذا هو الجواب
ومعناه علمت كل نفس جميع أعمالها وقيل ما قدّمت في حياتها وما أخّرت مما تركته بعد
موتها من سُنّة سنّتها أو وصيّة أوصت بها وأفردت النفس والمراد به العموم حسبما ذكرنا في
التكوير ﴿يَأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ خطاب لجنس بني آدم ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيم﴾ هذا توبيخ وعتاب
معناه أيّ شيء غرّك بربّك حتى كفرت به أو عصيته أو غفلت عنه فدخل في العتاب الكفّار
وعُصاة المؤمنين ومَن يغفل عن الله في بعض الأحيان من الصالحين ورُوِيّ أن رسول الله
صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم قرأ ما غرّك بربّك الكريم فقال: ((غرّه جهله)) وقال

أ
تفسير سورة الانفطار
٥٤٥
١٠
جَ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ
كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ
٨
فِى أَِّ صُورَةٍ مَا شَآءَ رَكْبَكَ
فَعَدَلَكَ إِ
أَيَصْلَوْنَ
﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى ◌َحِيمٍ لأَ
١٣
جَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ لـ
كِرَامًا کَئِینَ
يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُ عَنْهَا بِغَيِينَ (!) وَمَآ أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
يَوْمَ
١٨
(٤) ثُمَّ مَآ أَذْرَئِكَ مَا يَوْمُ الذِّينِ الإ
لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسِ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَیِذٍ لِلَّهِ
/١٩
عمر: غرّه جهله وحمقه وقرأ إنه كان ظلومًا جَهُولا، وقيل غرّه الشيطان المسلط عليه وقيل
غرّه ستر الله عليه وقيل غرّه طمعه في عفو الله عنه ولا تعارض بين هذه الأقوال لأن كل
واحد منها مما يغرّ الإنسان إلاّ أن بعضها يغرّ قومًا وبعضها يغرّ قومًا آخرين فإن قيل ما
مناسبة وصفه بالكريم هنا للتوبيخ على الغرور؟ فالجواب أن الكريم ينبغي أن يُعبَد ويُطاع
شكرًا لإحسانه ومقابلة لكرمه ومَن لم يفعل ذلك فقد كفر النعمة وأضاع الشكر الواجب
﴿فَعَدَلَكَ﴾ بالتشديد والتخفيف أي عدل أعضاءك وجعلها متوازية فلم يجعل إحدى اليدين
أطول من الأخرى ولا إحدى العينين أكبر من الأخرى ولا إحداهما كحلى والأخرى زرقاء
ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود وشبه ذلك من الموازنة ﴿في أيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ
رَكَّبَكَ﴾ المجرور يتعلق بركّبك وما زائدة والمعنى ركّبك في أيّ صورة شاء من الحُسْن
والقُبْح والطول والقصر والذكورة والأنوثة وغير ذلك من اختلاف الصور، ويحتمل أن يتعلق
المجرور بمحذوف تقديره ركّبك حاصلاً في أيّ صورة وقيل يتعلق بعدلك على أن يكون
بمعنى صرفك إلى أيّ صورة شاء وهذا بعيد، ولا يمكن إلّ مع قراءة عدلك بالتخفيف
﴿كَلاَ﴾ ردع عن الغرور المذكور قبل، والتكذيب المذكور بعد ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ هذا
خطاب للكفّار والدين هنا يحتمل أن يكون بمعنى الشريعة أو الحساب أو الجزاء ﴿وَإِنَّ
عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ يعني الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ يعلمون
الأعمال لمشاهدتهم لها، وأما ما لا يُرَى ولا يُسمَع من الخواطر والنّات والذِّكْر بالقلب
فقيل: إن الله ينفرد بعلم ذلك وقيل إن الملك يجد لها ريحًا يدركها به ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي
نَعِيم﴾ في هذه الآية وفيما بعدها من أدوات البيان المطابقة والترصيع ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا
بِغَائِيِّينَ﴾ فيه قولان أحدهما أن معناه لا يخرجون منها إذا دخلوها والآخر لا يغيبون عنها
في البرزخ قبل دخولها لأنهم يعرضون عليها غدوا وعشيًّا ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ تعظيم
له وتهويل وكرّره للتأكيد والمعنى أنه من شدّته بحيث لا يدري أحد مقدار هوله وعظمته
﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لْنَفْسِ شَيْئًا﴾ أي لا يقدر أحد على منفعة أحد وقرىء يوم بالرفع على
البدل من يوم الدين أو على إضمار مبتدأ وبالنصب على الظرفية بإضمار فعل تقديره

٥٤٦
تفسير سورة الانفطار
يجاوزون يوم الدين أو النصب على المفعولية بإضمار فعل تقديره إذكر ويجوز أن يفتح
لإضافته إلى غير متمكّن وهو في موضع رفع
١
٠٫٠
1
١٠
ا۔ ۔
بنا
د.

سورة المطففين
مكية وآباتها ٣٦ نزلت
بعد العنكبوت وهي آخر سورة نزلت بمكة
بِسْمِ اللهِ الرََّى الرَّ
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿َ الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٥) وَإِذَا كَالُهُمْ أَو ◌َزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ (٥) أَلَا
يَظُنُّ أُوْلَكَ أَنَّهُمْ قَبْعُوتُونَ (٤) لِيَوَمِ عَظِيمِ (٥ْ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٤)، كَلَّ إِنَّ كِتَبَ اٌلْفُجَّارِ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿وَيْلٌ لَّلْمُطَفَّفِينَ﴾ التطفيف في اللغة هو البخس والنقص وفسّره بذلك الزمخشري
واختاره ابن عطية وقيل هو تجاوز الحدّ في زيادة أو نقصان واختاره ابن الفرس وهو الأظهر
لأن المراد به هنا بخس حقوق الإنسان في المكيال والميزان بأن يزيد الإنسان على حقه أو
ينقص من حق غيره وسبب نزول السورة أنه كان بالمدينة رجل يقال له أبو جهينة له مكيالان
يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص فالسورة على هذا مدنية وقيل مكيّة لذكر أساطير الأولين
وقيل نزل بعضها بمكة ونزل أمر التطفيف بالمدينة إذ كانوا أشدّ الناس فسادًا في هذا المعنى
فأصلحهم الله بهذه السورة ﴿الَّذِينَ إِذَا أَكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ معنى اكتالوا على الناس
قبضوا منهم بالكيل فعلى بمعنى من وإنما أُبدلت منها لما تضمن الكلام من معنى التحامل
عليهم ويجوز أن يتعلق على الناس بيستوفون وقدّم المفعول لإفادة التخصيص ﴿وَإِذَا كَالُوهُم
أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ معنى يُخسِرون يُنقِصون حقوق الناس وهو من الخسارة، يقال خسر

٥٤٨
تفسير سورة المطففين
لَفِی سِتِينٍ
٨
وَمَآ أَذَرَنِكَ مَا يِّيْنٌ
٧
كِتَبٌ مَّرْقُومٌ ﴿ وَبِلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينٌ (٥) الَّذِينَ يُّكَذِّبُونَ بِيَوْمِ
الرجل وأخسره غيره إذا جعله يخسر، وكالوهم معناه كالوا لهم أو وزنوهم معناه وزنوا
لهم، ثم حذف حرف الجرّ فانتصب المفعول لأن هذين الفعلين يتعدّى كلّ واحد منهما تارة
بنفسه وتارة بحرف الجرّ یقال کلتُكَ وکلت لك ووزنتُك ووزنتُ لك بمعنى واحد وحذف
المفعول الثاني وهو المكيل والموزون والواو التي هي ضمير الفاعل للمطفّفين والهاء الذي
هي ضمير المفعول للناس فالمعنى إذا كالوا أو وزنوا لهم طعامًا أو غيره مما يُكال أو يُوزَن
يُخسرونهم حقوقهم، وقيل إن هم في كالوهم أو وزنوهم تأكيد للضمير الفاعل ورُوِيَ عن
حمزة أنه كان يقف على كالوا ووزنوا ثم يبتدىء هم ليبين هذا المعنى وهو ضعيف من
وجهين، أحدهما: أنه لم يثبت في المصحف ألف بعد الواو في كالوا ووزنوا فدل ذلك
على أن هم ضمير المفعول والآخر أن المعنى على هذا أن المطففين إذا تولّوا الكيل أو
الوزن نقصوا وليس ذلك بمقصود لأن الكلام واقع في الفعل لا في المباشر، ألا ترى أن
اكتالوا على الناس معناه قبضوا منهم وكالوهم ووزنوهم معناه دفعوا لهم فقابل القبض بالدفع
وأما على هذا الوجه الضعيف فهو خروج عن المقصود، قال ابن عطيّة ظاهر الآية أن الأكيل
والوزن على البائعين وليس ذلك بالجليّ قال صدر الآية في المشترين فهم الذين يستوفون أو
يشاخّون ويطلبون الزيادة وقوله وإذا كالوهم أو وزنوهم في البائعين فهم الذين يُخسِرون
المُشتري ﴿أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مِّبْعُوتُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٌ﴾ يعني يوم القيامة، وهذا تهديد
للمطفّفين وإنكار لفعلهم وكان عبد الله بن عمر إذا مرّ بالبائع يقول له اتّقِ الله وأوْفِ الكيل
فإن المطفّفين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الظرف
منصوب بقوله مبعوثون وقيل بفعل مضمر أو بدل من يوم عظيم، وقيام الناس يوم القيامة
على حسب اختلافهم فمنهم من يقوم خمسين ألف سنة وأقلّ من ذلك حتى أن المؤمن يقوم
على قدر صلاة مكتوبة ﴿كَلاَ﴾ ردع عن التطفيف أو افتتاح كلام ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجّارِ لَّفِي
سجينٍ﴾ كتاب الفجّار هو ما يُكتَب من أعمالهم، والفجّار هنا يحتمل أن يريد به الكفّار أو
المطففين وإن كانوا مسلمين، والأول أظهر لقوله بعد هذا؛ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لَّلْمُكْذُبِينَ﴾
وسجّين اسم علم منقول من صفة على وزن فعيل للمبالغة وقد عظم أمره بقوله: ﴿مَا أَدْرَاكَ
مَا سِجِّينَ﴾ ثم فسره بأنه كتاب مرقوم أي مسطور بين الكتابين وهو كتاب جامع يكتب فيَّه
أعمال الشياطين والكفّار والفجار وهو مشتق من السجن بمعنى الحبس لأنه سبب الحبسّ
والتضييق في جهنم ولأنه في مكان الهوان والعذاب كالسجن، فقد رُوِيٌّ عن النّبِي ◌َ﴿ أَنَّه
في الأرض السُّفلى، ورُوِيَ عنه أنه في بئر هناك، وحكى كعب عن الْتُّوراة أنه فيّ شجرة

٥٤٩
تفسير سورة المطففين
كَلَّا بَلَّ رَانَ عَلَى
١٣
◌َ إِذَا تُنَْى عَلَيْهِ ءَايَتْنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
أَوَمَا يُكَذِّبُ بِهِ=ٍ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيرٍ!
الدین
كَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ
١٤
قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
ثُمَّبُقَالُ
(٥) ◌ُمَّ ◌َِهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ الذَ
كَلَّ إِنَّ كِنَبَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّينَ
كِنَبُ
١٩
وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا عِلَيُونَ
١٨
١٧
هَذَا الَّذِى كُتُ بِهِ تُكَذِّبُنَ
تَعرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ
٢٣
عَلَى الْأَرَآَيِكِ يَنْظُرُونَ الإِ
٢٢
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِی نَعِيمٍ
٢١
يَشْهَدُهُ الْقَرَّبُونَ
٢٠
نْقُومٌ
٢٦
◌َ يُسْقَوْنَ مِن تَّحِيقِ مَخْتُومٍ (٥) خِتَمُهُ مِسْكٌ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَافِسُونَ
نَضْرَةَ النَّعِيمِ (!
سوداء هنالك، وقال ابن عطيّة يحتمل أن يكون معنى الآية أن عدد الفجّار في سجّين أي
كتبوا هنالك في الأزل ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ قد ذكر ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسَبُونَ﴾
أي غُطّي على قلوبهم ما كسبوا من الذنوب فطمس بصائرهم فصاروا لا يعرفون الرشد من
الغيّ وفي الحديث أن العبد إذا أذنب ذنبا صارت نكتة سوداء في قلبه فإذا زاد ذنب آخر زاد
السواد فلا يزال كذلك حتى يتغطى وهو الرين ﴿لَمَخْجُوبُونَ﴾ حجب الكفّار عن الله على
أن المؤمنين لا يحجبون وقد استدلّ بها مالك والشافعي على صحة رؤية المؤمن الله في
الآخرة وتأوّلها المعتزلة أن معناها محجوبون عن رحمته ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلْبِينَ﴾
عليّون اسم علم للكتاب الذي تُكتَب فيه الحسنات وهذا جمع منقول من صفة علي، على
وزن فعيل للمبالغة وقد عظّمه بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلْيُونَ﴾ ثم فسّره بقوله: ﴿كِتَابٌ
مِّزْقُومٌ﴾ وهو مشتق من العلوّ لأنه سبب في ارتفاع الدرجات في الجنة، أو لأنه مرفوع في
مكان عليّ فقد رُوِيَ عن النبي ◌َّ أنه تحت العرش، وقال ابن عباس: هو الجنة وارتفع
كتاب مرقوم في الموضعين على أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره هو كتاب، وقال ابن عطيّة:
كتاب مرقوم خبر إن والظرف ملغى وهذا تكلّف يفسد به المعنى، وقد رُوِيّ في الأثر ما
رُوِيَ في الآية وهو أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد فإن رضيه الله قال اجعلوه في
علّيين، وإن لم يرضَه قال اجعلوه في سجّين ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ يعني الملائكة المقرّبين
﴿الأَرَائِكِ﴾ قد ذكر ﴿يَنْظُرُونَ﴾ رُوِيَ عن النبي ◌َّ أنه قال: ((ينظرون إلى أعدائهم في النار))
وقيل ينظرون إلى الجنة وما أعطاهم الله فيها ﴿نَضْرَةَ النَّعِيم﴾ أي بهجته ورونقه، كما يرى
في وجوه أهل الرفاهية والعافية والخطاب في تعرف للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أو لكل
مخاطب من غير تعيين ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُوم﴾ الرحيق الخمر الصافية والمختوم فسّره
الله بأن ختامه مِسْك، وقُرىء ختامه بألف بعد التّاء، وخاتمه بألف بعد الخاء وبفتح التاء
وكسرها وفي معناه ثلاثة أقوال: أحدها أنه من الختم على الشيء، بمعنى جعل الطابع عليه
فالمعنى أنه ختم على فم الإناء الذي هو فيه بالمِسْك كما يختم على أفواه آنية الدنيا بالطين

٥٥٠
تفسير سورة المطففين
عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
٢٧
وَمِنَ الجُ مِن تَسْنِيٍ
يَضْحَكُونَ (ثَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَنُونَ (ْ) وَإِذَا أَنْقَلَبُوْ إِلَى أَهْلِهِمُ أَنْقَلَبُواْ فَكِهِينَ الإِثْنَا وَإِذَا رَأَوْهُتْ
فَلْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ الْكُفَارِ.
٣٣
وَمَآ أُزْسِلُواْ عَلَيْهِمْ خَفِظِينَ
٣٢
قَالُواْ إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَضَالُونَ
٣٦
يَضْحَكُونَ (٦) عَلَى الْأَرَآئِكِ يَظُرُونَ الْجَهَلْ تُوَّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
إذا قصد حفظها، وصيانتها، الثاني أنه من ختم الشيء أي تمامه فمعناه خاتم شربه مِسْك أي
يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المِسْك ولذّته، الثالث أن معناه مزاجه مِسك أي يمزج
الشراب بالمِسك، وهذا خارج عن اشتقاق اللفظ ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُعَنَافِسُونَ﴾ التنافس.
في الشيء هو الرغبة فيه، والمُغالاة في طلبه والتزاحم عليه ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ تسنيم
اسم لعين في الجنة، يشرب منها المقرّبون صرفًا ويمزج منه الرحيق الذي يشرب منه.
الأبرار، فدل ذلك على أن درجة المقرّبين فوق درجة الأبرار، فالمقربون هم السابقون:
والأبرار هم أصحاب اليمين ﴿عَيْتًا﴾ منصوب على المدح بفعل مضمر؛ أو على الحال من
تسنيم ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ بمعنى يشربها فالباء زائدة ويحتمل أن يكون بمعنى يشرب منها أو
كقولك شربت الماء بالعسل ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ نزلت هذهِ.
الآية في صناديد قريش، كأبي جهل وغيره مرّ بهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
وجماعة من المؤمنين، فضحكوا منهم واستخفّوا بهم ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ أي يغمز
بعضهم إلى بعض ويشير بعينيه والضمير في مرّوا يحتمل أن يكون للمؤمنين أو الكفّار،.
والضمير في يتغامزون للكفّار لا غير ﴿فَكِهِينَ﴾ من الفكاهة وهي اللهو أي يتفكهون بذکر
المؤمنين، والاستخفاف بهم قاله الزمخشري ويحتمل أن يريد يتفكهون بنعيم الدنيا ﴿وَإِذَا.
رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ أي إذا رأى الكفّار المؤمنين نسبوهم إلى الضلال، وقيل إذا
رأى المؤمنون الكفّار نسبوهم إلى الضلال والأول أظهر وأشهر ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ.
حَافِظِينَ﴾ أي ما أرسل الكفّار حافظين على المؤمنين، يحفظون أعمالهم ويشهدون برشدهم.
أو ضلالهم وكأنه قال كلامهم بالمؤمنين فضول منهم ﴿فَأَلْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ.
يَضْحَكُونَ﴾ يعني باليوم يوم القيامة إذ قد تقدّم ذكره فيضحك المؤمنون، فيه من الكفّار كما.
ضحك الكفّار منهم في الدنيا ﴿هَلْ تُوَّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ معنى ثُوِّب جُوزِيَ يقال.
ثوّبه وأثابه: إذا جازاه وهذه الجملة يحتمل أن تكون متصلة بما قبلها في موضع مفعولت:
ينظرون فتوصّل مع ما قبلها أو تكون توقيفًا فيوقف قبلها ويكون معمول ينظرون محذوفًا
حسبما ذكرنا في ينظرون الذي قبل هذا وهذا أرجح لاتفاق الموضعين . ...

سورة الانشقاق
مكتبة وآياتها ٢٥ نزلت بعد الانفطار
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِمـ
وَإِذَا اُلْأَرَّضُ مُدَّتْ (٢) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٨) وَذِنَتْ لِرَبِهَا
٢
إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ لِ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ الـ
وَحُقَّتْ نَ يَأَيُّهَا آلْإِنْسَنُ إِنَّكَ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدّحًا فَمُلَقِيهِ ؟ فَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِنَبَهُ بِيَمِينِةٍ، أ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ اختلف في هذا الانشقاق هل هو تشقّقها بالغمام أو انفتاحها
أبوابًا، وجواب إذا محذوف ليكون أبلغ في التهويل إذ يقدّر السامع أقصى ما يتصوّره
وحذف للعلم به اكتفاء بما في سورة التكوير والانفطار من الجواب وقيل الجواب ما دلّ
عليه فمُلاقيه: أي إذا السماء انشقّت لَقِيَ الإنسان ربّه، وقيل الجواب أذِنَت على زيادة الواو
وهذا ضعيف ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾ معنى أذِنت في اللغة استمعت وهو هنا عبارة عن طاعتها لربّها
وأنها انقادت لله حين أراد انشقاقها وكذلك طاعة الأرض لما أراد مدّها وإلقاء ما فيها
﴿وَحُقَّتْ﴾ أي حقّ لها أن تسمع وتطيع لربّها أو حقّ لها أن تنشقّ من أهوال القيامة وهذه
الكلمة من قولهم هو حقيق بكذا أو محقوق به أي يجب عليه أن يفعله فالمعنى يحقّ على
السماء أن تسمع وتطيع لربّها أو يحقّ عليها أن تتشقّق، ويحتمل أن يكون أصله حققت بفتح
الحاء وضمّ القاف على معنى التعجّب ثم أدغمت القاف في القاف التي بعدها ونقلت

٥٥٢
تفسير سورة الانشقاق
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَقَلِبُ إِلَى أَهْلِ مَسْرُورًا (٢) وَأَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِتَبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ.
١٠
فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُرًا () وَيَصْلَى سَعِيرًا (١) إِنَّهُ كَانَ فِىَ أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٢٤) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ ه ◌َ إِنَّ
حركتها إلى الحاء ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّت﴾ أي زال ما عليها من الجبال حتى صارت مستوية
﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيها وَتَخَلَتْ﴾ أي ألقت ما في جوفها من الموتى للحشر وقيل ألقت ما فيها من
الكنوز وهذا ضعيف لأن ذلك يكون وقت خروج الدجال قبل القيامة والمقصود ذكر يوم
القيامة وتخلّت أي بقيت خالية مما كان فيها ﴿يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ﴾ خطاب للجنس ﴿إِنَّكَ كَادِخْ
إِلَى رَبِّكَ﴾ الكدح في اللغة هو الجدّ والاجتهاد والسرعة فالمعنى أنك في غاية الاجتهاد في
السير إلى ربّك لأن الزمان يطير وأنت في كل لحظة تقطع حظًا من عمرك القصير فكأنك
سائر مسرع إلى الموت ثم تلاقي ربّك، وقيل المعنى إنك ذو جدّ فيما تعمل من خير أو شرّ
ثم تلقى ربّك فيجازيك به والأول أظهر لأن كادح تعدّى بإلى لما تضمن معنى السير ولو
كان بمعنى العمل لقال لربّك ﴿فَأَمَّا مَن أُوتِيَ مْتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ذكر في الحاقةِ ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ
حِسَابًا يَسِيرًا﴾ يحتمل أن يكون اليسير بمعنى قليل أو بمعنى هيّن سهل، وفي الحديث أن
رسول الله وَل﴾ قال: ((مَن نوقش الحساب عذّب)) فقالت عائشة: ألم يقل الله فسوف يحاسب
حسابًا يسيرًا؟ فقال رسول الله وَلقول: ((إنما ذلك العرض وأما مَن نوقش الحساب فيهلك)).
وفي الحديث أيضًا عن رسول الله وَّ: ((إن الله يُدني العبد يوم القيامة حتى يضع كنفه عليه
فيقول فعلت كذا وكذا ويعدّد عليه ذنوبه ثم يقول سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك
اليوم، ورُوِيَ أن رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم قال: ((مَن حاسب نفسه في
الدنيا هوّن الله عليه حسابه يوم القيامة)) ﴿وَيَتْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أي يرجع إلى أهله في
الجنة مسرورًا بما أعطاه الله والأهل زوجاته في الجنة من نساء الدنيا أو من الحور العين
ويحتمل أن يريد قرابته من المؤمنين وبذلك فسّره الزمخشري ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَوَاءَ
ظَهْرِهِ﴾ يعني الكافر ورُويَ أن هاتين الآيتين نزلتا في أبي سلمة بن عيد الأسد وكان من
فضلاء المؤمنين وفي أخيه أسود وكان من ◌ُتاة الكافرين ولفظها أعمّ من ذلك فإن قيل كيف
قال في الكافر هنا أن يؤتى كتابه وراء ظهره وقال في الحاقّة بشماله؟ فالجواب من وجهيل
أحدهما أن يديه تكونان مغلولتين إلى عنقه وتجعل شماله وراء ظهره فيأخذ بها كتابه وقيل
تدخل يده اليسرى في صدره وتخرج من ظهره فيأخذ بها كتابه ﴿يَذْعُو ثُبُورًا﴾ أي يصيح
بالويل والثبور ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أي كان في الدنيا مسرورًا مع أهله مِتنعّمًا غافلاً
عن الآخرة وهذا في مقابلة ما حُكِيَ عن المؤمن أنه ينقلب إلى أهله مسرورًا في الجنة وهو

٥٥٣
تفسير سورة الانشقاق
لَتَرْكَبُنَّ
١٨
وَاُلْقَمَرِ إِذَا أَنََّقَ
١٧
أَ وَالَتْلِ وَمَا وَسَقَ!
١٦
فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَفَقِ
١٥
رَبَُّ كَانَ بِهِ، بَصِيرًا
) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ ﴾ ﴿ بَلِ اَلَّذِينَ
٢٠
(١) فَعَالَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
طَبَقًا عَنْ طَبَقِ
فَبَشِّرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (١) إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
٢٣
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُؤْعُونَ
٢٢
كَفَرُوا يُكَذِبُونَ
ضدّ ما حُكِيَ عن المؤمنين في الجنة من قولهم: ﴿إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِين﴾
[الطور: ٢٦] ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَن يَحُور﴾ أي لا يرجع إلى الله والمعنى أنه يكذب بالبعث
﴿بَلَى﴾ أي يحور ويبعث ﴿فَلاَ أُقْسِمُ﴾ ذكر في نظائره ﴿بِالشَّفَقِ﴾ هي الحمرة التي تبقى بعد
غروب الشمس وقال أبو حنيفة هو البياض وقيل هو النهار كله وهذا ضعيف والأول هو
المعروف عند الفقهاء وعند أهل اللغة ﴿واللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي جمع وضمّ ومنه الوسق
وذلك أن الليل يضمّ الأشياء ويسترها بظلامه ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا أَتَّسَقَ﴾ أي إذا كمل ليلة أربعة
عشر ووزن اتّسق افتعل وهو مشتق من الوسق فكأنه امتلأ نورًا وفي الآية من أدوات البيان
لزوم ما لا يلزم لالتزام السين قبل القاف في وسق واتّسق ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًّا عَن طَبَقٍ﴾ الطبق
في اللغة له معنيان أحدهما ما طابق غيره يقال هذا طبق لهذا إذا طابقه والآخر جمع طبقة
فعلى الأول يكون المعنى لتركبنّ حالاً بعد حال كل واحدة منها مطابقة للأخرى وعلى
الثاني يكون المعنى لتركبنّ أحوالاً بعد أحوال هي طبقات بعضها فوق بعض ثم اختلف في
تفسير هذه الأحوال وفي قراءة تركبنّ فأما مَن قرأ بضمّ الباء فهو خطاب لجنس الإنسان وفي
تفسير الأحوال على هذا ثلاثة أقوال أحدها أنها شدائد الموت ثم البعث ثم الحساب ثم
الجزاء والآخر أنها كون الإنسان نطفة ثم علقة إلى أن يخرج إلى الدنيا ثم إلى أن يهرم ثم
يموت والثالث لتركبنّ سُنَن مَن كان قبلكم وأما مَن قرأ تركبنّ بفتح الباء فهو خطاب للإنسان
على المعاني الثلاثة التي ذكرنا وقيل هي خطاب للنبي وَّ ثم اختلف القائلون بهذا على
ثلاثة أقوال أحدها لتركبنّ مكابدة الكفّار حالاً بعد حال والآخر لتركبنّ فتح البلاد شيئًا بعد
شيء والثالث لتركبنّ السموات في الإسراء بعد سماء وقوله عن طبق في موضع الصفة لطبقًا
أو في موضع حال من الضمير في تركبنّ قاله الزمخشري ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ الضمير
الكفّار قريش والمعنى أي شيء يمنعهم من الإيمان ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِم الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ﴾
هذا موضع سجدة عند الشافعي وغيره لأن رسول الله وَ ل سجد فيها وليست عند مالك من
عزائم السجدات ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني المذكورين ووضع الظاهر موضع الضمير ليصفهم
بالكفر ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ أي بما يجمعون في صدورهم من الكفر والتكذيب أو بما
يجمعون في صحائفهم يقال أوعيت المال وغيره إذا جمعته ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وضع

٥٥٤
تفسير سورة الانشقاق
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجُرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ
٢٥
10/23
البشارة في موضع النذارة تهكّمًا بهم ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني مَن قُضِيَ له بالإيمانِ مِنْ
هؤلاء الكفّار فالاستثناء على هذا متصل وإلى هذا أشار ابن عطية وقال الزمخشري هو
منقطع ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ قد ذكر.
١
٠٠)
السعر
٠٠
٠٠١
، ..
٠٠
٠٠. ١ .١
٠٠
٠
.!
٠
٠٠٠ ..
٠٠
٠٫٠٠٠٠
۔
!
٠٠

سورة البروج
مكتّة وآياتها ٢٢ نزلت بعد الشمس
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحمـ
-
قُئِلَ أَصْحَبُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ
وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ
٢
وَأَلْيَوْمِ المَوْعُودِ
١
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ
جَ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ
اَلْوَقُودِ ﴿ إِذْهُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴿ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ الـ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ البروج هي المنازل المعروفة وهي اثنا عشر، تقطعها الشمس
في السنة، وقيل هي النجوم العِظام لأنها تتبرّج أي تظهر ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ هو يوم القيامة
باتّفاق وقد ذُكِر عن رسول الله وَ له ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ يحتمل الشاهد والمشهود أن يكون
من الشهادة على الأمر أو يكون من معنى الحضور وحذف المعمول وتقديره مشهود عليه أو
مشهود به أو مشهود فيه، وقد اضطرب الناس في تفسير الشاهد والمشهود اضطرابًا عظيمًا
ويتلخص من أقوالهم في الشاهد ستة عشر قولاً يقابلها في المشهود اثنان وثلاثون قولاً،
الأول: أن الشاهد هو الله تعالى لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]؛ والمشهود
على هذا يحتمل ثلاثة أوجه، أحدها أن يكون الخلق بمعنى أنه يشهد عليهم والآخر أن
تكون الأعمال بمعنى أنه يشهد بها والثالث أن يكون يوم القيامة بمعنى أن يشهد فيه أي
يحضر للحساب والجزاء أو تقع فيه الشهادة على الناس القول الثاني: أن الشاهد محمد

٥٥٦
تفسير سورة البروج
صلّى الله عليه وآله وسلّم لقوله: ﴿وَيَكُون الرَّسُولُ عَلَيْكُم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]
والمشهود على هذا يحتمل أن يكون أمته لأنه يشهد عليهم أو أعمالهم لأنه يشهد بها أو يوم
القيامة لأنه يشهد فيه أي يحضر أو تقع فيه الشهادة على الأمة، القول الثالث: أن الشاهد
أمة محمد وال﴿ لقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] والمشهود على هذا
سائر الأمم لأنهم يشهدون عليهم أو أعمالهم أو يوم القيامة، القول الرابع أن الشاهد هو
عيسى عليه السلام والمشهود أمته لقوله: ﴿وَكُنْتَ عَلَيْهِم شَهِيدًا ما دُمْتَ فِيْهِم﴾
[المائدة: ١١٧] أو أعمالهم، أو يوم القيامة. الخامس أن الشاهد جميع الأنبياء، والمشهود
أُممهم لأن كل نبيّ يشهد على أُمته، أو يشهد القول بأعمالهم أو يوم القيامة لأنه يشهد فيه،
القول السادس أن الشاهد الملائكة الحَفَظَة والمشهود على هذا الناس، لأن الملائكة
يشهدون عليهم أو الأعمال لأن الملائكة يشهدون بها أو يوم القيامة أو صلاة الصبح لقوله:
﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كان مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] القول السابع أن الشاهد جميع الناس،
لأنهم يشهدون يوم القيامة أي يحضرونها والمشهود يوم القيامة لقوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾
[هود: ١٠٣] والقول الثامن أن الشاهد الجوارح والمشهود عليه أصحابها لقوله: ﴿يَوْمَ
تَشْهِدُ عَلَيْهِم أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] أو الأعمال لأن الجوارح تشهد بها
يوم القيامة لأن الشهادة تقع فيه، القول التاسع أن الشاهد الله والملائكة وأُولو العلم لقوله:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوُلُو العِلْم﴾ [آل عمران: ١٨] والمشهود به
الوحدانية، القول العاشر الشاهد جميع المخلوقات والمشهود به وجود خالقها وإثبات
صفاته من الحياة والقدرة وغير ذلك، القول الحادي عشر أن الشاهد النجم لما ورد في
الأحاديث لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد وهو النجم والمشهود على هذا الليل
والنهار لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل القول الثاني عشر أن الشاهد الحجر
الأسود والمشهود الناس الذين يحجّون. القول الثالث عشر رُوِيَ عن النبي ◌َر أن الشاهد
يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة وذلك أن يوم الجمعة يشهد بالأعمال ويوم عرفة يشهده
جمع عظيم من الناس، القول الرابع عشر أن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النّحر قاله
عليّ بن أبي طالب. القول الخامس عشر أن الشاهد يوم التروية والمشهود يوم عرفة. القول
السادس عشر أن الشاهد يوم الاثنين والمشهود يوم الجمعة ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ الكلام
هنا في ثلاثة فصول: الأول في جواب القسم وفيه أربعة أقوال أحدها أنه قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ
رَبِّكَ لَشَديد﴾ [البروج: ١٢] والثاني أنه ﴿إِن الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِّنِينَ وَالْمُؤْمِئَاتِ﴾
[البروج: ١٠] وهذان القولان ضعيفان لبُعد القسم من الجواب، وثالثها أنه ﴿قُتِلَ أَضْحَابُ

٥٥٧
تفسير سورة البروج
الأُخْدُودِ﴾ تقديره لقد قتل ورابعها أنه محذوف يدلّ عليه قتل أصحاب الأخدود تقديره لقد
قتل هؤلاء الكفّار كما قتل أصحاب الأخدود وذلك أن الكفّار من قريش كانوا يعذبون مَن
أسلم من قومهم ليرجعوا عن الإسلام فذكر الله قصة أصحاب الأخدود وعيدًا للكفّار وتأنيسًا
للمسلمين المعذّبين، الفصل الثاني في تفسير لفظها، فأما قتل فاختلف هل هو دعاء أو خبر
واختلف هل هو بمعنى القتل حقيقة أو بمعنى اللعن، وأما الأخدود فهو الشقّ في الأرض
كالخندق وشبهه، وأما أصحاب الأخدود فيحتمل أن يريد بهم الكفّار الذين كانوا يحرقون
المؤمنين في الأخدود أو يريد المؤمنين الذين حرقوا فيه فيكون القتل حقيقة خبر، أو الأول
أظهر. الفصل الثالث في قصة أصحاب الأخدود وفيها أربعة أقوال: الأول ما ورد عن
رسول الله * في حديث طويل معناه: أن ملكًا كافرًا أسلم أهل بلده، فأمر بالأخدود فخدّ
في أفواه السكك وأضرم فيها النيران فقال مَن لم يرجع عن دينه فألقوه فيها ففعلوا حتى
جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام يا أُمّاه اصبري فإنك على
الحق. الثاني أن ملكًا زنى بأُخته ثم أراد أن يحلل للناس نكاح الأخوات فأطاعه قوم ومنهم
أخذ المجوس ذلك، وعصاه قوم فحفر لهم الأخدود فأحرقهم فيه بالنار. القول الثالث أن
نبي أصحاب الأخدود كان حبشيًا وأن الحبشة بقيّة أصحاب الأخدود. القول الرابع أن
أصحاب الأخدود ذو نواس المذكورة في قصة عبد الله بن التامر التي وقعت في السير،
ويحتمل أن يكون ذو نواس الملك الذي ذكره النبي مثل﴿ فيتفق هذا القول مع الأول فإن ذا
نواس حفر أُخدوداً فأوقد فيه نيرانًا وألقى فيها كل مَن وحّد الله تعالى واتّبع العبد الصالح
عبد الله بن التامر ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُود﴾ النار بدل من الأخدود وهو بدل اشتمال والوقود ما
توقد به النار والقصد وصف النار بالشدّة والعظم ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْها تُعُود﴾ الضمير للكفّار الذين
كانوا يحرقون المؤمنين في الأخدود وهم أصحاب الأخدود على الأظهر والعامل في إذ قوله
قتل فرُوِيَ أن النار أحرقت من المؤمنين عشرين ألفًا، وقيل سبعين ألفًا فقتل على هذا بمعنى
لعن أي لعنوا حين قعدوا على النار لتحريق المؤمنين ورُوِيَ أن الله بعث على المؤمنين ريحًا
فقبضت أرواحهم وخرجت النار فأحرقت الكفّار الذين كانوا عليها فقتل على هذا بمعنى
القتل الحقيقي أي قتلهم النار؛ وقيل الضمير في إذ هم للمؤمنين والأول أشهر وأظهر
لقوله: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُود﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الشهادة أي يشهد
بعضهم لبعض عند الملك بأنه فعل ما أمره الملك من التحريق أو يشهدون بذلك على
أنفسهم يوم القيامة أو يكون بمعنى الحضور أي كانوا حاضرين على ذلك الفعل ﴿وَمَا نَقَمُوا
مِنْهُم إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ أي ما أنكر الكفّار على المؤمنين إلاّ أنهم آمنوا بالله وهذا لا ينبغي

٥.٥٨
تفسير سورة البروج
الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ
بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
٨
فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ ◌َمْ بَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (٢) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ ذَلِكَ أَلْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴾ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴿َ إِنَّهُ
◌َ وَهُوَ الْغَفُورُ اَلْوَدُودُ (١٦) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيْدُ ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِدُ (® هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ
هُوَ يُدِئُ وَنُعِدُ
اُلْجُودِ ﴿ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿ بَلِ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ ﴿ وَاللَّهُ مِن وَرَآءِهِم مُحِيطٌ (٥َ بَلْ هُوَ قُزْءَانٌ
◌َجِدُ(٨) فِ لَوَجْ تَخْفُوظِ
٢٢
أن ينكر فإن قيل لِمَ قال أن يؤمنوا بلفظ المضارع ولم يقل آمنوا بلفظ الماضي لأن القصة قد
وقعت؟ فالجواب أن التعذيب إنما كان على دوامهم على الإيمان ولو كفروا في المستقبل لم
يعذبوهم فلذلك ذكره بلفظ المستقبل فكأنه قال إلاّ أن يدوموا على الإيمان ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إن كانت هذه الآية في أصحاب الأخدود فالفتنة هنا بمعنى الإحراق
وإن كانت في كفّار قريش فالفتنة بمعنى المحنة والتعذيب وهذا أظهر لقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ
يَتُوبُوا﴾ لأن أصحاب الأخدود لم يتوبوا بل ماتوا على كفرهم وأما قريش فمنهم من أسلم
وتاب وفي الآية دليل على أن الكافر إذا أسلم يغفر له ما فعل في حال كفره لقوله الثور:
((الإسلام يجب ما قبله)) ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ يحتمل أن يكون في الآخرة فيكون تأكيدًا
لعذاب جهنم أو نوعًا من العذاب زيادة إلى عذاب جهنم ويحتمل أن يريد في الدنيا وذلك
على رواية أن الكفّار أصحاب الأخدود أحرقتهم النار ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ البَطْش
الأخذ بقوة وسرعة ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ﴾ أي يبدىء الخلق بالنشأة الأولى ويُعيدهم بالنشأة
الآخرة للبعث وقيل يبدىء البطش ويعيده أي يبطش بهم في الدنيا والآخرة والأول أظهر
وأرجح لقوله إنه يبدىء الخلق ثم يعيده وقد ذكرنا الودود في اللغات ﴿قُو الْعَرْشِ الْمَجِيدٌ﴾
أضاف العرش إلى الله وخصّه بالذكر لأن العرش أعظم المخلوقات والمجيد من المجد وهو
الشرف ورِفعة القدر وقرىء المجيد بالرفع صفة لذو العرش وبالخفض صفة للعرش ﴿هَل
أَتَاكَ﴾ توقيف يُراد به التنبيه وتعظيم الأمر والمراد بذكر الجنود تهديد الكفّار وتأنيس
النبي ◌َِّ ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾ تهديد لهم معناه لا يفوتونه بل يصيبهم عذابه إذا شاء
﴿فِي لَوْحِ مَّخْفُوظِ﴾ يعني اللوح المحفوظ الذي في السماء وقرى * محفوظ بالخفض صفة
للَّوح وبالرفع صفة للقرآن أي حفظه الله من التبديل والتغيير أو حفظه المؤمنون في
صدورهم .
٠
٠١٤

سورة الطارق
مكتبة وآياتها ١٧ نزلت بعد البلد
اللَّهِ الرََِّ الرَّحـ
﴿َ النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٢ْ إِن كُلُّ نَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَظُرِ آلْإِنسَانُ
أَوَمَا أَذْرَئِكَ مَا الْفَّارِقُ
١
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ
يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتََّيِّبِ ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِرٌ (جْمَ يَوْمَ نُبْلَى
٦
خُلِقَ مِن ◌َّآءِ دَافِقٍ
مِمَّ خُلِقَ ه
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ هذه السماء التي أقسم الله بها هي المعروفة وقيل أراد المطر لأن
العرب قد تسمّيه سماء وهذا بعيد والطارق في اللغة ما يطرق أي يجيء ليلاً وقد فسّره الله
هنا بأنه النّجم الثاقب وهو يطلع ليلاً ومعنى الثاقب المضيء أو المرتفع فقيل أراد جنس
النجوم وقيل الثريا لأنه الذي تطلق عليه العرب النجم وقيل زُحَل لأنه أرفع النجوم إذ هو
في السماء السابعة ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظْ﴾ هذا جواب القسم ومعناه عند الجمهور
أن كل نفس من بني آدم عليها حافظ يكتب أعمالها يعني الملائكة الحَفَظَة وَرُوِيّ عن
النبي ◌َّر في تفسير هذه الآية أن لكل نفس حَفَظَة من الله يذبّون عنها كما يذبّ عن العسل
ولو وكّل المرء إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الآفات والشياطين وإن صحّ هذا الحديث فهو
المعمول عليه وقرىء لما عليها بتخفيف الميم وعلى هذا تكون إن مخفّفة من الثقيلة واللام
للتأكيد وما زائدة وقرىء لما بالتشديد وعلى هذا تكون إن نافية ولما بمعنى الإيجاب بعد

٥٦٠
تفسير سورة الطارق
السَّرَابِرُ
١٣
أَوَ الْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ هَ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌّ
١١
أَ فَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ !
٩
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْحِ
١٠
النفي ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ حذف ألف ما لأنها استفهامية وجوابها خلق من ماء دافق
وسُمّي المنيّ ماءً دافقًا من الدفق بمعنى الدفع فقيل معناه مدفوق وصاحبه هو الدافق في
الحقيقة قال سيبويه هو على النسب أي ذو دفق، وقال ابن عطية يصحّ أن يكون الماء دافقًا
لأن بعضه يدفع بعضًا ومقصود الآية إثبات الجشر فأمر الإنسان أن ينظر أصل خلقته ليعلم
أن الذي خلقه من ماء دافق قادر على أن يعيده ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله أنه لما
أخبر أن كل نفس عليها حافظ يحفظ أعمالها أعقبه بالتنبيه على الحشر حيث تُجازى كل
نفس بأعمالها ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ الضمير في يخرج للماء وقال ابن عطية
يحتمل أن يكون للإنسان وهذا بعيد جدًّا والترائب عِظام الصدر واحدها تريبة وقيل هي
الأطراف كاليدين والرجلين، وقيل هي عُصارة القلب، ومنها يكون الولد، وقيل هي
الأضلاع التي أسفل الصلب، والأول هو الصحيح المعروف في اللغة ولذلك قال ابن
عباس: هي موضع القِلادة ما بين ثديي المرأةٌ، ويعني صلب الرجل وترائبه وصلب المرأة
وتراثبها، وقيل أراد صلب الرجل وترائب المرأة ﴿إِنَّه عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرْ﴾ الضمير في إنه الله
تعالى وفي رجعه للإنسان، والمعنى أن الله قادر على رجع الإنسان حيًّا بعد موته، والمراد
إثبات البعث، وقيل إن المعنى ردّه ماء كما كان أول مرة، وقيل ردّه من الكبر إلى الشباب،
وقيل الضمير في رجعه للماء الدافق، والمعنى ردّه في الإحليل أو في الصلب وهذا كله
ضعيف بعيد والقول الأول هو الصحيح المشهور ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ يعني يوم القيامة،
والسرائر جمع سريرة وهي ما أسرّ العبد في قلبه من العقائد والنّات وما أخفى من الأعمال
وبلاؤها هو تعرّفها والاطلاع عليها، ورُوِيَ عن النبي وَلِّ أن السرائزُ الإيمان والصلاة
والزكاة والغسل من الجنابة وهذه معظمها فلذلك خصها بالذكر، والعامل في يوم قوله رجُعه
أي يرجعه يوم تبلى السرائر، واعترض بالفصل بينهما وأُجيب بقوّة المصدر في العمل،
وقيل العامل قادر واعترض بتخصيص القدرة بذلك اليوم وهذا لا يلزم لأن القدرة وإن كانت
مطلقة فقد أخبر الله أن البعث إنما يقع في ذلك اليوم وقال مَن احترزَ مَن الاعتراضين في
القولين المتقدمين: العامل فعل مضمر من المعنى تقديره يرجعه يوم تبلى السرائر، وهذا كله
على المعنى الصحيح في رجعه، وأما على الأقوال الأخر فالعامل في يوم مضمر تقديره
اذكر ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ﴾ الضمير للإنسان ولمّا كان دفع المكاره في الدنيا إما بقوة
الإنسان أو بنصرة غيره له أخبره الله أنه يعدمها يوم القيامة ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ المرَاد
بالرجع عند الجمهور المطر وسمّاه رجعًا بالمصدر لأنه الرجح كل عام أو لأنه يرجع إلى