Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ تفسير سورة المجادلة لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اَللَّهِ وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ فَ إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُتُواْ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَتِ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَفِنَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ أَخْصَنْهُ اَللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ (٥) أَمْ تَّرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآَ أَدْفَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَ يُقَتِثُهُم بِمَا عَمِلُواْيَوْمَ اَلْقِيَّمَةِ إِنَّ اللَّهَ ◌َ أَلَمَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنَّهُ وَيَتَنَجَوْنَ بِآلْإِثْمِ ٧ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ ! وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوَكَ بِمَا لَمْ يُحْيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِىَ أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَنَجَيْتُمْ فَلَا تَنَتَجَوْأْ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ بِلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَجُواْ بِآلِّ وَالنَّقْوَى وَأَتَّقُواْ اللّهَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٥) إِنَّمَا النَّجْوَى التحرير إلى الصوم وقال الزمخشري المعنى ذلك البيان والتعليم لتؤمنوا، وهذا أظهر لأنه أعمّ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ﴾ أي يخالفون ويعادون ﴿كُبِتُوا﴾ أي هلكوا وقيل لُعِنوا وقيل كبت الرجل إذا بقي خزيانًا ونزلت الآية في المنافقين واليهود ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ يحتمل أن يكون النجوى هنا بمعنى الكلام الخفيّ فيكون ثلاثة مضاف إليه بمعنى الجماعة من الناس فيكون ثلاثة بدل أو صفة، والأول أحسن ﴿إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني بعلمه وإحاطته وكذلك سادسهم، وهو معهم أينما كانوا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ نزل في قوم من اليهود كانوا يتناجون فيما بينهم ويتغامزون على المؤمنين فنهاهم رسول الله وَّر عن ذلك فعادوا، وقيل نزلت في المنافقين، والأول أرجح لقوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ لأن هذا من فعل اليهود والأحسن أن المراد والمنافقين معًا لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ تَوَلُوا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ [المجادلة: ١٤] فنزلت الآية في الطائفتين ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ كانت اليهود يأتون رسول الله وَّر فيقولون السام عليك يا محمد بدلاً من السلام عليكم والسام الموت وهو ما أرادوه بقولهم وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول لهم: ((وعليكم)) فسمعتهم عائشة يومًا فقالت بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله وَ ليقول: ((مهلاً يا عائشة إن الله يكره الفحش والتفخّش))، فقالت أما سمعت ما قالوا قال: ((أما سمعت ما قلت لهم إني قلت وعليكم)) ويريد بقوله ما لم يحيّك به الله قوله تعالى: ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا تَقُولُ﴾ كانوا يقولون لو كان نبيًّا لعذّبنا الله بإذايته فقال الله ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ ٤٢٢ تفسير سورة المجادلة :: مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَلِ اُلْمُؤْمِنُونَ (٤) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَّفَسَّحُواْ فِى الْمَجَلِ فَأَفْسَحُواْ يَفْبَحَ اللَّهُ لَكُمْ وَ إِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَوَحَتٍ وَلَهُ بِمَا تَعْمَلُونَ. أي يكفيهم ذلك عذابًا ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل يعني النحوى بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وحذف وصفها بذلك لدلالة الأول عليه وقيل أراد نجوى اليهود والمنافقين ويؤيّد هذا قوله ليجزي الذين آمنوا ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَأَفْسَحُوا﴾ اختلف في سبب نزول الآية فقيل نزلت في مقاعد الحرب والقتال وقيل نزلت بسبب ازدحام الناس، في مجلس رسول الله وَّه وحرصهم على القرب منه وقيل أقام النبي: وَّ، قومًا ليجلس أشياخًا من أهل بدر في مواضعهم، فنزلت الآية ثم اختلفوا هل هي مقصورة على مجلس النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أو هي عامّة في جميع المجالس، فقال قوم إنها مخصوصة ويدلّ على ذلك قراءة المجلس بالإفراد، وذهب الجمهور إلى أنها علقة ويدلّ على ذلك قراءة المجالس بالجمع وهذا هو الأصح ويكون المجلس بالإفراد على هذا للجنس والتفسيح المأمور به هو التوسّع دون القيام ولذلك قال رسول الله مثلتر: ((لا يقم أحد. من مجلسه ثم يجلس الرجل فيه ولكن تفتّحوا وتوسّعوا)) وقد اختلف في هذا النهي عن القيام من المجلس لأحد هل هو على التحريم أو الكراهة ﴿يَفْسَح اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي يوسع لكم في جنته ورحمته ﴿وَإذا قِيلَ أَنشُزُوا فَآَنْشُزُوا﴾ أي إذا قيل لكم ارتفعوا، وقوموا فافعلوا ذلك واختلف في هذا النشوز المأمور به فقيل إذا دعوا إلى قتال أو صلاة أو فعل طاعة، وقيل إذا أُمروا بالقيام من مجلس رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لأنه كان يحبّ الانفراد أحيانًا. وربما جلس قوم حتى يؤمروا بالقيام، وقيل المراد القيام في المجلس للتوسّع ﴿يَزْفَعُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ فيها قولان أحدهما يرفع الله المؤمنين العلماء. درجات فقوله والذين أوتوا العلم درجات صفة للذين آمنوا كقوله جاءني العاقل الكريم وأنت تريد رجلاً واحدًا، والثاني يرفع الله المؤمنين والعلماء الصنفین چمیعًا درجات فالدرجات على الأول للمؤمنين بشرط أن يكونوا علماء وعلى الثاني للمؤمنين الذين ليسوا علماء، وللعلماء أيضًا ولكن بين درجات العلماء وغيرهم تفاوت يوجد في موضع آخر كقوله ◌َلو: ((فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب))، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((فضل العالِم على العابد كفضلي على أدناكم رجلاً)، وقوله عليه السلام: ((يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء فإذا كان لهم فضل على العوايدنين : ٤٢٣ تفسير سورة المجادلة خَبِرٌ (٤١) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا فَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَلَكُمْ صَدَقَةٌ ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَظْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ (٢٦جَاءَ أَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اَللَّهُ ﴿ أَمْ تَرَ إِلَى ١٣ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولُ, وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ أَعَدَّ اُللَّهُ ١٤ الَّذِينَ تَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّاهُم مِّنَكُمْ وَلَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( لَمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٥) أَتَّخَذُوَأْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ ◌َّنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَهُمْ وَلَ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَأْ أُوْلَئِكَ أَضْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا ١٦ عَذَابٌ مُّهِينٌ ◌ْجَ يَوْمَ يَبْعَُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَعْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَا إِنَهُمْ هُمُ خَلِدُونَ والشهداء، فما ظنك بفضلهم على سائر المؤمنين) ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ قال ابن عباس سببها أن قومًا من شبّان المسلمين كثرت مناجاتهم للنبي بَّ في غير حاجة، لتظهر منزلتهم وكان النبي وَلّ سمحًا لا يردّ أحدًا، فنزلت الآية مشدّدة في أمر المناجاة، وقيل سببها أن الأغنياء غلبوا الفقراء على مناجاة النبي _#3 وهذه الآية منسوخة باتفاق نسخها قوله بعدها: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّموا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية: فأباح الله لهم المناجاة دون تقديم صدقة بعد أن كان أوجب تقديم الصدقة قبل مناجاته عليه السلام، واختلف هل كان هذا النسخ بعد أن عمل بالآية أم لا؟ فقال قوم لم يعمل بها أحد وقال قوم عمل بها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه رُوِيّ أنه كان له دينارًا فصرفه بعشرة دراهم وناجاه عشر مرّات تصدّق في كل مرة منها بدرهم وقيل تصدّق في كل مرة بدينار ثم أنزل الله الرخصة لمَن كان قادرًا على الصدقة وأما مَن لم يجد فالرخصة لم تزل ثابتة له بقوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ التوبة هنا يراد بها عفو الله عنهم في تركهم للصدقة التي أمروا بها أو تخفيفها بعد وجوبها ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي دوموا على هذه الأعمال التي هي قواعد شرعكم دون ما كنتم قد كلّفتم من الصدقة عند المناجاة ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ نزلت في قوم من المنافقين تولّوا قومًا من اليهود وهم الذين غضب الله عليهم ﴿مَّ هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ﴾ يعني أن المنافقين ليسوا من المسلمين ولا من اليهود فهو كقوله فيهم: ﴿مذبذبين بِيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاء ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني أن المنافقين كانوا إذا ◌ُوتبوا على سوء أقوالهم وأفعالهم حلفوا أنهم ما قالوا ولا فعلوا وقد صدر ذلك منهم مرارًا كثيرةً هي مذكورة في السير وغيرها ﴿أَتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أصلِ ٤٢٤ تفسير سورة المجادلة ◌َ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَائِنُ فَأَنْسَنُهُمْ فِكْرِ اللَّهِ أُوْلَكَ حِزْبُ الشَّيْطِنِ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ ١٨ اُلْكَذِبُونَ اكَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَنَّ أَنَا إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَيْكَ فِى الْأَذَلِينَ ١٩ ** اَلْتَسِرُونَ وَرُسُلِّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴿ لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَةٍ وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمُّ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَتَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْهٌ وَيُدِّلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلَا إِنَّ حِرْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٢٢ الجُنّة ما يستتر به ويتّقى به المحذور كالترس، ثم استعمل هنا استعارة لأنهم كانوا يُظهِرون الإسلام لتعصم دماؤهم وأموالهم، وقرىء اتخذوا بكسر الهمزة ﴿اسْتَخوذَ عَلّيْهِمُ الشَّيْطَانٌ﴾. أي غلب عليهم وتملّك نفوسهم ﴿فِي الأَذَلِينَ﴾ أي في جملة الأذلين: أي معهم ﴿كَتَبُه الله﴾ أي قضی وقدر ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْمًا﴾ الآية: معناها لا تجد مؤمنًا یحب كافرًا ولو كان أقرب الناس إليه وهذه حال المؤمن الصادق الإيمان، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يقاتلون آباءهم وأبناءهم وإخوانهم إذا كانوا كفّارًا، فقد قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه يوم أُحُد، وقتل مصعب بن عمير أخاه عزير بن عمير يوم أَحُد، ودعا أبو بكر الصديق ابنه يوم بدر للبراز فأمره النبي ◌ّ # أن يقعد، وقيل إن الآية نزلت في حاطب حين كتب إلى المشركين يخبرهم بأخبار رسول الله وَ ل#، والأحسن أنها على العموم، وقيل نزلت فيمن يصحب السلطان وذلك بعيد ﴿يُؤَادُونَ﴾ هذه مفاعلة من المودّة فتقتضي أن المودّةٍ من الجهتين ﴿مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ أي عاداه وخالفه ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ أي أثبته فيها كأنه مكتوب ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوحِ مِّنْهُ﴾ أي بلطف وهدى وتوفيق وقيل بالقرآن، وقيل بجبريل ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ هذه في مقابلة قوله أولئك حزب الشيطان، والحزب هم الجماعة المتحزّبون لمَن أُضيفوا إليه. سورة الحشر مدنيّة وآياتها ٢٤ نزلت بعد البيّنة بِسْمِ اللَّهِ الرََّى آلـ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿َهُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمٍ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَّا نِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم نزلت هذه السورة في يهود بني النضير وكانوا في حصون بمقربة من المدينة، وكان بينهم وبين رسول الله وَ ر عهد، فأرادوا غيره فأطلعه الله على ذلك فخرج إليهم وحاصرهم إحدى وعشرين ليلة حتى صالحوه على أن يخرجوا من حصونهم فخرجوا منها وتفرّقوا في البلاد ﴿هُو الَّذِي أَخِرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني بني النضير ﴿لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ في معناه أربعة أقوال: أحدها أنه حشر القيامة أي خروجهم من حصونهم أول الحشر والقيام من القبور آخره، ورُويَ في هذا المعنى أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لهم: ((امضوا هذا أول الحشر، وأنا على الأثر))، الثاني: أن المعنى الأول موضع الحشر وهو الشام، وذلك أن أكثر بني النضير خرجوا إلى الشام، وقد جاء في الأثر أن حشر القيامة إلى أرض الشام، ورُوِيّ في هذا المعنى أن النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم قال لبني النضير: ((اخرجوا٨، قالوا: إلى أين؟ قال: ((إلى أرض المحشر)). الثالث: أن المراد الحشر في الدنيا ٤٢٦ تفسير سورة الحشر اللَّهِ فَنَّهُمُ اَللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَفَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُوتَهُم بِأَيْدِهِمْ وَأَيْدِى اٌلْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَأُوْلِ الْأَبْصَرِ ) وَلَوَلَآ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَأُ وَلَمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٤َ فَرِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُواْاللّهُ وَرَسُولَةٌ وَمَن يُشَآَقِ اللَّهَ فَإِنَّاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ! ٤ مَا قَطَعْتُمْ مِن لِّبِنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآَيِعَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ (٥) وَمَآ أَفَآءَ الذي هو الجلاء والإخراج، فإخراجهم من حصونهم أول الحشر، وإخراج أهل خيبر آخره، الرابع: أن معناه إخراجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم النبي ◌َّر. وقال الزمخشري اللام في قوله لأول بمعنى عند كقولك جئت لوقت كذا ﴿مَا ظَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ يعني لكثرة عدّتهم ومنعة حصونهم ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ﴾ عبارة عن أخذ الله لهم ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أما إخراب المؤمنين فهو هدم أسوار الحصون ليدخلوها، وأسند ذلك إلى الكفّار في قوله يخربون لأنه كان بسبب كفرهم وغدرهم، وأما إخراب الكفّار لبيوتهم فلثلاثة مقاصد: أحدها حاجتهم إلى الخقب والحجارة ليسدّوا بها أفواه الأزقة ويحصّنوا ما خرّبه المسلمون من الأسوار، والثاني ليحملوا معهم ما أعجبهم من الخشب والسواري وغير ذلك. الثالث أن لا تبقى مساكنهم مبنية للمسلمين فهدموها شحًا عليها ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ استدلّ الذين أثبتوا القياس في الفقه بهذه الآية واستدلالهم بها ضعيف خارج عن معناهاً ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ الجلاء هو الخروج عن الوطن، فالمعنى لولا أن كتب الله على بني النضير خروجهم عن أوطانهم لعذّبهم في الدنيا بالسيف كما فعل بإخوانهم بني قريظة، ولهم مع ذلك عذاب النار ﴿شَاقُوا﴾ ذكر في الأنفال ﴿مَا قَطَعتُم مِّن لَيْنَةٍ﴾ اللّنة هي النخلة وقيل هي الكريمة من النخل، وقيل النخلة التي ليست بعجوة، وقيل ألوان النخل المختلط، وسبب الآية أن رسول الله وَ# لمّا نزل على حصون بني النضير قطع المسلمون بعض نخلهم وأحرقوه فقال بنو النضير ما هذا إلاّ فساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد، فنزلت الآية معلّمة أن كل ما جرى من قطع أو إمساك فإن الله أذِنَ للمسلمين في ذلكٌ ﴿لِيُخْزِيّ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني بني النضير، واستدلّ بعض الفقهاء بهذه الآية على أن كل مجتهد مصيب، فإن الله قد صوّب فعل مَن قطع النخل ومَنَ تَركها، واختلف العلماء في قطع شجر المشركين وتخريب بلادهم فأجازه الجمهور لهذه الآية، ولإقرار رسول الله ﴿ على تحريق نخل بني النضير، وكرهه قوم لوصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه الجيش الذي وجهه إلى الشام أن لا يقطعوا شجرًا مثمرًا ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُم فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ ٤٢٧ تفسير سورة الحشر اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوَجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَمُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ مَآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِرَسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَلاَ رِكَابٍ﴾ معنى أفاء الله: جعله فيئًا لرسول الله وَّر، وأوجفتم من الوجيف وهو سرعة السير، والركاب هي الإبل، والمعنى أن ما أعطى الله رسوله من أموال بني النضير لم يمشٍ المسلمون إليه بخيل ولا إبل ولا تعبوا فيه ولا حصّلوه بقتال ولكن حصل بتسليط رسوله وخير على بني النضير، فأعلم الله من هذه الآية أن ما أخذه من بني النضير وما أخذه من فدك: فهو في خاصّ بالنبي وَ لّر يفعل فيه ما يشاء، لأنه لم يوجف عليها ولا قوتلت كبير قتال فهما بخلاف الغنيمة التي تؤخذ بالقتال فأخذ رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم لنفسه من أموال بني النضير قوت عياله وقسم سائرها في المهاجرين، ولم يعطِ الأنصار منها شيئًا غير أن أبا دجانة وسهل بن حنيف شكوا فاقة فأعطاهما رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم منها سهمًا، هذا قول جماعة، وقال عمر بن الخطاب كان رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم ينفق منها على أهله نفقة سنة وما بقي جعله في السلاح والكراع عدّة في سبيل الله وقال قوم من العلماء وكذلك كلّ ما فتحه الأئمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصّة يأخذون منه حاجتهم ويصرفون باقيه في مصالح المسلمين ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية اضطرب الناس في تفسير هذه الآية وحكمها اضطرابًا عظيمًا فإن ظاهرها أن الأموال التي تؤخذ للكفّار تكون لله وللرسول ومَن ذكر بعد ذلك ولا يخرج منها خمس، ولا تقسم على مَن حضر الوقيعة وذلك يعارض ما ورد في الأنفال من إخراج الخمس، وقسمة سائر الغنيمة على مَن حضر الوقيعة فقال بعضهم إن هذه الآية منسوخة بآية الأنفال وهذا خطأ لأن آية الأنفال نزلت قبل هذه بمدة وقال بعضهم إن آية الأنفال في الأموال التي تغنم ما عدا الأرض، وأن هذه الآية في أرض الكفّار قالوا ولذلك لم يقسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرض مصر والعراق بل تركها لمصالح المسلمين، وهذا التخصيص لا دليل عليه وقيل غير ذلك، والصحيح أنه لا تعارض بين هذه الآية وبين آية الأنفال، فإن آية الأنفال في حكم الغنيمة التي تؤخذ بالقتال وإيجاف الخيل والركاب، فهذا يخرج منه الخمس ويقسم باقيه على الغانمين، وأما هذه الآية ففي حكم الفيء وهو ما يؤخذ من أموال الكفّار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، وإذا كان كذلك فكل واحدة من الآيتين في معنى غير معنى الأخرى ولها حكم غير حكم الأخرى فلا تعارض بينهما ولا نسخ، وانظر كيف ذكر هنا لفظ الفيء وفي الأنفال : ٤٢٨ تفسير سورة الحشر وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَ لَا يَكُونَ دُوْلَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَآ ءَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَذْكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ وَتَّقُواْ اللّه إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِنْ دِيَدْرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهُ وَرَسُولَهُ: أُوْلَكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ٨ لفظ الغنيمة وقد تقرّر في الفقه الفرق بين الفيء والغنيمة، وأن حكمهما مختلف، قاله أبو محمد بن الفرس: وهو قول الجمهور وبه قال مالك وجميع أصحابه وهو أظهر الأقوال وأما فعل عمر في أرض مصر والعراق، فالصحيح أنه فعل ذلك لمصلحة المسلمين بعد استطابة نفوس الغائمين بقوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ يريد بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب كما كانت أموال بني النضير، ولكنه حذف هذا لقوله في الآية قبل هذا ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ فاستغنى بذكر ذلك أولاً عن ذكره ثانيًا ولذلك لم تدخل الواو العاطفة في هذه الجملة لأنها من تمام الأولى فهي غير أجنبية منها فإنه بيّن في الآية الأولى حكم أموال بني النضير، وبيّن في هذه الآية حكم ما كان مثلها من أموال غيرهم على العموم، ويصرف الفيء فيما يصرف فيه خمس الغنائم لأن الله سوَى بينهما في قوله ﴿فَلِلْهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾، وقد ذكرنا ذلك في الأنفال فأغنى عن إعادته وقد ذكرنا في الأنفال معنى قوله لله وللرسول وما بعد ذلك ﴿كَّيْ لاَ يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ أي كيلا يكون الفيء الذي أفاء الله على رسوله من أهل القرى دولة ينتفع به الأغنياء دون الفقراء، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قسم أموال بني النضير على المهاجرين فإنهم كانوا حينئذ فقراء، ولم يعط الأنصار منها شيئًا فإنهم كانوا أغنياء فقال بعض الأنصار لنا سهمنا من هذا الفَيْء فأنزل الله هذه الآية، والدُولة بالضم والفتح ما يدول الإنسان أي يدور عليه من الخير، ويحتمل أن يكون من المداولة أي كي لا يتداول ذلك المال الأغنياء بينهم ويبقى الفقراء بلا شيء ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ نزلت بسبب الفيء المذكور: أي ما أتاكم الرسول من الفيء فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، فكأنها أمر للمهاجرين بأخذ الفيء ونهي للأنصار عنه، ولفظ الآية مع ذلك عامّ في أوامر رسول الله وَلتر أو نواهيه، ولذلك استدلّ بها عبد الله بن مسعود على المنع من لُبْس المحرّم المَخيط ولعن الواشمة والواصلة في القرآن لورود ذلك عن رسول الله اليه . ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ هذا بدل من قوله لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ليبيّن بذلك أن المراد المهاجرين ووصفهم بأنهم أُخرجوا من ديارهم وأموالهم لأنهم هاجروا من مكة ٤٢٩ تفسير سورة الحشر وَالَّذِينَ تَبَّؤَّهُ و الذَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ فَأَوْلَتِكَ هُمُ وتركوا فيها أموالهم وديارهم ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ هم الأنصار والدار. هي المدينة لأنها كانت بلدهم والضمير في قبلهم للمهاجرين، فإن قيل كيف قال تبوّؤوا الدار والإيمان وإنما تتبوّأ الدار أي تسكن ولا يتبوّأ الإيمان؟ فالجواب من وجهين: الأول أن معناه تبوؤوا الدار وأخلصوا الإيمان فهو كقولك: فعلفتها تبنًا وماءً باردًا: تقديره: علفتها تبنّا وسقيتها ماءً باردًا، الثاني أن المعنى أنهم جعلوا الإيمان كله موطن لهم لتمكّنهم فيه كما جعلوا المدينة كذلك. فإن قيل: قوله من قبلهم يقتضي أن الأنصار سبقوا المهاجرين بنزول المدينة وبالإيمان، فأما سبقهم لهم بنزول المدينة فلا شك فيه لأنها كانت بلدهم، وأما سبقهم لهم بالإيمان فمشكل، لأن أكثر المهاجرين أسلم قبل الأنصار. فالجواب من وجهين: أحدهما أنه أراد بقوله من قبلهم من قبل هجرتهم، والآخر أنه أراد تبوؤوا الدار مع الإيمان معًا أي جمعوا بين الحالتين قبل المهاجرين، لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان لا بتبوّىء الدار فيكون الإيمان علی ھذا مفعولاً معه، وهذا الوجه أحسن لأنه جواب عن هذا السؤال وعن السؤال الأول، فإنه إذا كان الإيمان مفعولاً معه لم يلزم السؤال الأول، إذ لا يلزم إلاّ إذا كان الإيمان معطوفًا على الدار ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ قيل إن الحاجة هنا بمعنى الحسد، ويحتمل أن تكون بمعنى الاحتجاج على أصلها والضمير في يجدون للأنصار، وفي أوتوا للمهاجرين، والمعنى أن الأنصار تطيب نفوسهم بما يعطاه المهاجرون من الفيء وغيره، ولا يجدون في صدورهم شيئًا بسبب ذلك ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي يؤثرون غيرهم بالمال على أنفسهم ولو كانوا في غاية الاحتياج والخصاصة هي الفاقة. ورُوِيّ أن سبب هذه الآية أن رسول الله وَلقول لما قسم هذه القرى على المهاجرين دون الأنصار قال للأنصار: ((إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذه) فقالوا بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة، ورُوِيَ أيضًا أن سببها أن رجلاً من الأنصار أضاف رجلاً من المهاجرين فذهب الأنصاري بالضيف إلى منزله فقالت له امرأته والله ما عندنا إلّ قوت الصبيان فقال لها نوّمي صبيانك وأطفئي السراج، وقدّمي ما عندك للضيف ونوهمه نحن أنّا نأكل ولا نأكل ففعلا ذلك فلما غدا على رسول الله وَ لتر فقال له عجب الله من فعلكما البارحة ونزلت الآية ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ شُحَ النفس هو البخل ٤٣٠ تفسير سورة الحشر اُلْمُفْلِحُونَ ﴿ وَالَّذِينَ خَلَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لََا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآَ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمُ لَكِ﴾ ◌َْ تَرَّ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَرَ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُ أَحَدًا أَبَدًّا وَ إِن قُوْتِلْتُمْ لَنَصُرَّكُمْ وَلَه ◌َنْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (َ لَبِنْ أُخْرِجُواْلَا يَخْيُعُونَ مَعَهُمْ وَلَيِنِ قُوتِلُواْ لَا يَنَصُرُونَهُمْ وَلَيْنِ نَّضْرُوهُمْ لَيُوَلُنتَ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُصَرُونَ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ فِ صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (َ لَا يُقَدِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّ فِى قُرَّى تُحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدٍُ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَفَّىَ : والطمع وفي هذا إشارة إلى أن الأنصار وقاهم الله شُحَ أنفسهم فمدحهم الله بذلك، وبأنهم يؤثرون على أنفسهم وبأنهم لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتبي المهاجرون وأنهم يحبون المهاجرين ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ جَاؤُوا هذا معطوف على المهاجرين والأنصار المذكورين قبل فالمعنى أن الفيء للمهاجرين والأنصار ولهؤلاء الذين جاؤوا من بعدهم ويعني بهم الفرقة الثالثة من الصحابة وهم من عدا المهاجرين والأنصار كالذين أسلموا يوم فتح مكة وقيل يعني مَن جاء بعد الصحابة وهم التابعون ومن تبعهم إلى يوم القيامة وعلى هذا حملها مالك فقال: إن مَن قال في أحد من الصحابة قول سوء فلا حظً له في الغنيمة والفيء، لأن الله وصف الذين جاؤوا بعد الصحابة بأنهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فمَن قال ضدّ ذلك فقد خرج عن الذين وصفهم الله ﴿أَلِّمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ الآية: نزلت في عبد الله بن أبيّ ابن سلول وقوم من المنافقين بعثوا إلى بني النضير، وقالوا لهم اثبتوا في حصونكم فإنّا معكم كيف ما تقلّيت حالكم، ﴿وَلاَ نُطِيعُ فِيَكُمْ أَحَدًا أَبْدًا﴾ أي لا نسمع فيكم قول قائل ولا نطيع مَن يأمرنا بخذلانِكم ثم كذبهم الله في هذه المواعيد التي وعدوا بها، فإن قيل: كيف قال لئن نصروهم ليولنّ الأدبار بعد قوله لا ينصرونهم؟ فالجواب: إن المعنى على الفرض والتقدير أي لو فرضنا أن ينصروهم لولّوا الأدبار ﴿لأَنْتُمْ أَشَبَدُّ رَهَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ﴾ الرهبة هي الخوف، والمعنى أن المنافقين واليهود يخافون الناس أكثر مما يخافون الله ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلاَّ فِي قُرَى مُحَصِّئَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين إلاّ وهم في قرى محصنة بالأسوار والخنادق أو من وراء الحيطان دون أن يخرجوا إليكم ﴿يَأْسُهُم بَنْنَهُم شَدِيدٌ﴾ يعني عداوة بعضهم البعض ﴿تَخِسَيُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أي تظن أنهم مجتمعون بالألفة ٤٣١ تفسير سورة الحشر كَمَثَلِ اُلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًّا ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ١٤ أَلِيمُ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْقَالَ لِلْإِنِسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّ بَرِىٌّ مِّنكَ إِنَّّ أَخَافُ اَللَّهَ يَأَيُّهَا ١٧ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴿ فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيَهَأَ وَذَلِكَ جَزََّؤُأُ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٨ لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنْسَنُهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ الفَ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةُ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ ﴿ لَوْ أَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٌ لَرَ أَيْتَهُ. والمودة وقلوبهم متفرّقة بالمخالفة والشحناء ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾ أي هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم يعني يهود بني قينقاع فإن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير فكانوا أمثالهم وقيل يعني أهل بدر الكفّار، فإنهم قبلهم ومثلاً لهم في أن غلبوا وقهروا والأول أرجح لأن قوله قريبًا يقتضي أنهم كانوا قبلهم بمدة يسيرة وذلك أوقع على بني قينقاع وأيضًا فإن تمثيل بني النضير ببني قينقاع أليق لأنهم يهود مثلهم، وأخرجوا من ديارهم كما فعل بهم. وذلك هو المراد بقوله: ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ وقريبًا ظرف زمان ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ﴾ مثل الله المنافقين الذين أغووا يهود بني النضير ثم خذلوهم بعد ذلك بالشيطان فإنه يغوي ابن آدم ثم يتبرأ منه والمراد بالشيطان والإنسان هنا الجنس، وقيل أراد الشيطان الذي أغوى قريشًا يوم بدر وقال لهم إني جار لكم، وقيل المراد بالإنسان برصيص العابد، فإنه استودع امرأة فزيّن له الشيطان الوقوع عليها فحملت فخاف الفضيحة فزيّن له الشيطان قتلها فلما وجدت مقتولة تبيّن ما فعل فتعرّض له الشيطان قال له اسجد لي أُنجيك فسجد له فتركه الشيطان وقال له إني بريء منك وهذا ضعيف في النقل، والأول أرجح ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾ الضميران يعودان على الشيطان والإنسان، وفي ذلك تمثيل للمنافقين واليهود ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ هذا أمر بأن تنظر كل نفس ما قدّمت من أعمالها ليوم القيامة ومعنى ذلك محاسبة النفس لتكفّ عن السيئات وتزيد من الحسنات، وإنما عبّر عن يوم القيامة بغد تقريبًا له لأن كلّ ما هو آتٍ قريب، فإن قيل: لِمَ كرّر الأمر بالتقوى؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أنه تأكيد، والآخر وهو الأحسن أنه أمر أولاً بالتقوى استعدادًا ليوم القيامة، ثم أمر به ثانيًا لأن الله خبير بما يعملون، فلما اختلف الموجبات كرّره مع كل واحد منهما ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ يعني الكفّار والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعن الترك أو الغفلة أي نسوا حقّ الله ٤٣٢ تفشير سورة الحشر خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ (بَ هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُّ الرَّحِيمُ (لَ هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُّ ◌َ هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوَّرِّ لَهُ الْأَسْمَّةُ الْحُسْنَى يُسِْحُ ٢٣ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ لَهُمَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فِيَ فأنساهم حقوق أنفسهم والنظر لها ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية: توبيخ لابن آدم على قسوة قلبه وقلّة خشوعه عند تلاوة القرآن فإنه إذا كان الجبل يخشع ويتصدّع لو سمع القرآن فما ظنك بابن آدم ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي يعلم ما غاب عن المخلوقين وما شاهدوه وقيل الغيب الآخرة والشهادة الدنيا، والعموم أحسن ﴿القُدُّوسُ﴾ مشتق من التقديس، وهو التنزه عن صفات المخلوقين وعن كل نقص وعيب وصيغة فعول للمبالغة كالسبوح ﴿السَّلاَمُ﴾ في معناه قولان: أحدهما الذي سلم عباده من الجور، والآخر السليم من النقائص، وأصله مصدر بمعنى السلامة وصف به مبالغة أو على حذف مضاف تقديره ذو السلام ﴿المُؤْمِنُ﴾ فيه قولان: أحدهما أنه من الأمن أي الذي أمّن عباده، والآخر أنه من الإيمان أي المصدّق لعباده في إيمانهم أو في شهادتهم على الناس يوم القيامة أو المصدّق نفسه في أقواله ﴿المُهَيْمِنُ﴾ في معناه ثلاثة أقوال الرقيب والشاهد والأمين، قال الزمخشري أصله مؤيمن بالهمزة ثم أُبدلت هاء ﴿الْجَبَّارُ﴾ في معناه قولان: أحدهما أنه من الإجبار بمعنى القهر، والآخر أنه من الجبر أي يجبر عباده برحمته، والأول أظهر ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ أي الذي له التكبّر حقًّا ﴿الْبَارِىءُ﴾ أي الخالق يقال أبرأ الله الخلق أي خلقهم ولكن البارىء والفاطر يراد بهما الذي برأ الخلق واخترعه ﴿المُصَوّرُ﴾ أي خالق الصور ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قال رسول اللهِ وَله: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا مَن أحصاها دخل الجنة))، قال المؤلّف: قرأت القرآن على الأستاذ الصالح أبي عبد الله بن الكماد فلما بلغت إلى آخر سورة الحشر قال لي: ضع يدك على رأسك، فقلت له: ولِمَ ذلك؟ قال: لأني قرأت على القاضي أبي علي بن أبي الأحوص فلما انتهيت إلى خاتمة الحشر قال لي: ضع يدك على رأسك وأسند الحديث إلى عبد الله بن مسعود، قال: قرأت على النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم فلما انتهيت إلى خاتمة الحشر قال لي: ((ضع يدك على رأسك))، قلت: ولِمَ ذاك يا رسول الله فداك أبي وأمي؟ قال: ((أقرأني جبريل القرآن فلما انتهيت إلى خاتمة الحشر، قال لي: ضع يدك على رأسك يا محمد، قلت: ولِمَ ذاك؟ قال: إن الله تبارك وتعالى افتتح ٤٣٣ تفسير سورة الحشر القرآن فضرب فيه فلما انتهى إلى خاتمة سورة الحشر أمر الملائكة أن تضع أيديها على رؤوسها فقالت: يا ربّنا ولِمَ ذاك؟ قال: إنه شفاء من كل داء إلاّ السام، والسام الموت)). : سورة الممتحنة مدنيّة وآياتها ١٣ نزلت بعد الأحزاب اَللَّهِ الرََّنِ الرَّحـ ـــ بسـ - ◌َّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم ◌ِلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ اَلْحَقِّ يُخرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِلَّهِ رَبَّكُمْ إِن كُنْتُمْ خَرَحْتُمْ جِهَدًا فِ سَبِيلِى وَأَبِغَاءَ مَرْ ضَائِيّ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ العدو يطلق على الواحد والجماعة، والمراد به هنا كفّار قريش وهذه الآية نزلت بسبب حاطب بن أبي بلتعة وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أراد الخروج إلى مكة عام الحديبية فورّى عن ذلك بخيبر فشاع في الناس أنه خارج إلى خيبر وأخبر هو جماعة من كبار أصحابه بقصده إلى مكة منهم حاطب فكتب بذلك حاطب إلى قوم من أهل مكة فجاء الخبر إلى رسول الله و 98 من السماء فبعث عليّ بن أبي طالب والزبير والمقداد وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين فانطلقوا حتى وجدوا المرأة فقالوا لها أخرجي الكتاب فقالت ما معي كتاب ففتشوا جميع رحلها فما وجدوا شيئًا فقال بعضهم ما معها كتاب فقال عليّ بن أبي طالب ما كذب رسول الله وَ * ولا كذب الله، والله لتخرجنّ الكتاب أو لنجرّدنك قالت أعرضوا عنّي فأخرجته من قرون رأسها، وقيل أخرجته من حجزتها فجاؤوا ٤٣٥ تفسير سورة الممتحنة ١ ◌ُشِرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَأْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَئْتُمْ وَمَن يَفْعَلَهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّيِلِ لَن إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاءُ وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيَدِيَهُمْ وَأَلْسِتَهُمْ بِالسُّوْءِ وَوَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ إِ تَنَفَعَكُمْ أَرْحَامُّكُمْ وَلَا أَوْلَؤُكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٥) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ فِىّ إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَهَا وَأْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا به رسول الله وَ﴿ فقال لحاطب: ((مَن كتب هذا)) قال أنا يا رسول الله ولكن لا تعجل عليّ فوالله ما فعلت ذلك ارتدادًا عن ديني ولا رغبة في الكفر ولكني كنت امرءًا ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها فأحببت أن تكون لي عندهم يد يرعونني بها في قرابتي، فقال عمر بن الخطاب دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله وَالقر: ((صدق حاطب إنه من أهل بدر، وما يدريك يا عمر لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم لا تقولوا لحاطب إلاّ خيرًا)) فنزلت الآية عتابًا لحاطب وزجرًا عن أن يفعل أحد مثل فعله، وفيها مع ذلك تشريف له، لأن الله شهد له بالإيمان في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ عبارة عن إيصال المودّة إليهم وألقى يتعدّى بحرف جرّ وبغير حرف جرّ كقوله: ﴿أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] وهذه الجملة في موضع الحال من الضمير في قوله: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا﴾ أو في موضع الصفة لأولياء أو استئناف ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ حال من الضمير في لا تتخذوا أو في تلقون ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ أي يخرجون الرسول ويخرجونكم يعني إخراجهم من مكة، فإنهم ضيّقوا عليهم وآذوهم حتى خرجوا منها مهاجرين إلى المدينة، ومنهم مَن خرج إلى أرض الحبشة ﴿أَن تُؤْمِنُوا﴾ مفعول من أجله أي يخرجونكم من أجل إيمانكم ﴿إن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾ جواب هذا الشرطَ محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو لا تتخذوا، والتقدير إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياءً وجهادًا مصدر في موضع الحال أو مفعول من أجله وكذلك ابتغاء ﴿إن يَثْقَفُوكُمْ﴾ معناه إن يظفروا بكم ﴿وَوَدُوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي تمنّوا أن تكفروا فتكونون مثلهم، قال الزمخشري وإنما قال ودّوا بلفظ الماضي بعد أن ذكر جواب الشرط بلفظ المضارع لأنهم أرادوا كفركم قبل كل شيء ﴿لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامَكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾ إشارة إلى ما قصد حاطب من رعي قرابته ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْتَكُمْ﴾ يحتمل أن يكون من الفصل بالحكم بينهم أو من الفصل بمعنى التفريق أي يفرّق بينكم وبين قرابتكم يوم القيامة، وقيل إن العامل في يوم القيامة ما قبله وذلك بعيد ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ الأسوة هو الذي يقتدي به فأمر الله المسلمين أن يقتدوا ٤٣٦ تفسير سورة الممتحنة: بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَاَلْبَغْضَآءُ أَبَدًّا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ زَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ: ( رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ ◌َ لَقَدْ كَانَ لَكُنْ فِهِمْ أُسْوَةُ خَسَنَّةٌ لِّمُ كَانَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَأَغْفِرْ لَنَا رَبًَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكِيمُ *َسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُ وَبَيْنَ الَّذِينَ ٦ يَرْجُوْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْأَخِرُّ وَمَن يَنَوَلَّ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ الْغَنِىُّ اَلْحِيدُ عَدَيْتُم ◌ِنْهُمْ قَوَدَّةٌ وَاللَّهُ قَدِيْرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ لَّا يَنْهَكُ اَللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَّْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَّرِكُمْ أَنْ تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ ﴿ إِنَّمَا يَتَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ بإبراهيم الخليل عليه السلام وبالذين معه في عداوة الكفّار والتبرّىء منهم ومعنى والذين معه مَن آمن به من الناس، وقيل الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريبًا من عصره، ورجّح ابن عطية هذا القول بما ورد في الحديث أن إبراهيم عليه السلام قال لزوجته ما على الأرض مؤمن بالله غيري وغيرك ﴿بُرَآءُ﴾ جمع بريء ﴿كَفَزنا پکُمْ﴾ أي کذیناکم في أقوالکم، ويحتمل أن يكون عبارة عن إفراط البغض والمقاطعة لهم ﴿إِلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ هذا استثناء من قوله أسوة حسنة، فالمعنى اقتدوا بهم في عداوتهم للكفّار ولا تقتدوا بهم في هذا، لأن إبراهیم وعد أباه أن يستغفر له فلما تبين له أنه عدوٌ لله تبرأ منه، وقيل الاستثناء من التبرّي والقطيعة، والمعنى تبرّأ إبراهيم والذين معه من الكفّار إلاّ أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ هذا من كلام سيدنا إبراهيم عليه السلام والذين معه وهو متّصل بما قبل الاستثناء فهو من جملة ما أُمروا أن يقتدوا به ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في معناه قولان: أحدهما لا تنصرهم علينا فيكون ذلك لهم فتنة وسبب ضلالهم لأنهم يقولون غلبناهم فيكون ذلك لهم لأنّا على الحق وهم على الباطل. والآخر: لا تسلّطهم علينا فيفتنونا عن ديننا، ورجّح ابن عطية هذا، لأنه دعاء لأنفسهم وأما على القول الأول فهو دعاء للكفّار ولكن مقصدهم ليس الدعاء للكفّار وإنما هو دعاء لأنفسهم بالنصر بحيث لا يفتتن الكفّار بذلك ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَاذَيْتُم مُّنْهُم مَّوَدَّةٌ﴾ لمّا أمر الله المسلمين بعداوة الكفّار ومقاطعتهم فامتثلوا ذلك على ما كان بينهم وبين الكفّار من القرابة فعلم الله صدقهم فآنسهم بهذه الآية ووعدهم بأن يجعل بينهم مؤدّة، وهذه المودة كملت في فتح مكة فإنه أسلم حينئذ سائر قريش وقيل المودة تزوّج النبي وَله حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب سيد قريش، وردّ ابن عطية هذا القول بأن تزوّج أم حبيبة كان قبل نزول هذه الآية ﴿لاَّ يَتْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَم يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ رخص الله للمسلمين في ٤٣٧ تفسير سورة الممتحنة قَتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ وَظَهَرُواْ عَلَ إِخْرَاِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَنَوَهُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿ وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِنٌّ فَإِنّ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَّ وَءَاتُوهُم مَّا أَنفَقُواْ وَلَا جُنَاحَ مبرّة مَن لم يقاتلهم من الكفّار، واختلف فيهم على أربعة أقوال: الأول أنهم قبائل من العرب منهم خزاعة وبنو الحارث بن كعب كانوا قد صالحوا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم على أن لا يقاتلوه ولا يُعينوا عليه. الثاني أنهم كانوا من كفّار قريش لم يقاتلوا المسلمين ولا أخرجوهم من مكة، والآية على هذين القولين منسوخة بالقتال. الثالث أنهم النساء والصبيان، وفي هذا ورد أن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت يا رسول الله إن أُمي قَدِمَت عليّ وهي مشركة أفأصِلها قال: ((نعم صِلِي أُمّك)). الرابع أنه أراد مَن كان بمكة من المؤمنين الذين لم يهاجروا، وأما الذين نهى الله عن مودّتهم لأنهم قاتلوا المسلمين وظاهروا على إخراجهم فهم كفّار قريش ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ أي اختبروهنّ لتعلموا صدق إيمانهنّ، وإنما سمّاهنّ مؤمنات لظاهر حالهنّ، وقد اختلف في هذا الامتحان على ثلاثة أقوال: أحدها أن تستحلف المرأة أنها ما هاجرت لبغضها في زوجها ولا لخوف وغير ذلك من أعراض الدنيا سوى حبّ الله ورسوله والدار الآخرة، والثاني أن يعرض عليها شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله، والثالث أن تعرض عليها الشروط المذكورة بعد هذا من ترك الإشراك والسرقة، وقتل أولادهنّ وترك الزنا والبهتان، والعصيان، فإذا أقرّت بذلك فهو امتحانها قالته عائشة رضي الله تعالى عنها ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ نزلت هذه الآية إثر صلح الحديبية، وكان ذلك الصلح قد تضمن أن يردّ المسلمين إلى الكفّار، وكلّ مَن جاء مسلمًا من الرجال والنساء فنسخ الله أمر النساء بهذه الآية ومنع من ردّ المؤمنة إلى الكفّار إذا هاجرت إلى المسلمين وكانت المرأة التي هاجرت حينئذ أميمة بنت بشر امرأة حسّان بن الدحداحة، وقيل سبيعة الأسلمية، ولما هاجرت جاء زوجها فقال يا محمد ردّها علينا فإن ذلك في الشرط الذي لنا عليك فنزلت الآية: فامتحنها رسول الله وَ ﴿ فلم يردّها وأعطى مهرها لزوجها، وقيل نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط هربت من زوجها إلى المسلمين واختلف في الرجال هل حكمهم في ذلك كالنساء فلا تجوز المهادنة على ردّ مَن أسلم منهم، أو يجوز حتى الآن على قولين والأظهر الجواز لأنه إنما نسخ ذلك في النساء ﴿لاً هُنَّ حِلِّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ هذا تعليل للمنع من ردّ المرأة إلى الكفّار وفيه دليل على ٤٣٨ عنسيه تفسير سورة الممتحة عَلَيْكُمْ أَن تَنكِعُوهُنَ إِذَآ ءَانْتُمُوهُنَّ لُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ وَسْعَلُواْ مَآَ أَنَقْتُمْ وَلْيَسْتَلُواْ مَّ أَنْفَقُوْ ذَلِكُمْ حَكُمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيْرٌ لْهُ وَإِن فَاتَّكُمْ شَىْءٌ مِّنْ ◌َنْفَِكُمْ إِلَى الْكُفَارِ، فَقَةُ ٠٫٠٠ ارتفاع النكاح بين المشركين والمسلمات ﴿وَآتُوهُم مَا أَنْفَقُوا﴾ يعني أعطوا الكفّار ما أعطوا نساءهم من الصدقات إذا هاجرن ثم أباح للمسلمين تزوّجهنّ بالصداق ﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِضَمْ الكوافِرِ﴾ العصم جمع عصمة أي النكاح فأمر الله المسلمين أن يفارقوا نساءهم الكوافر، يعني المشركات من عَبَدَة الأوثان، فالآية على هذا محكمة، وقيل يعني كل كافرة فعلى هذا نسخ منها جواز تزوّج الكتابيات لقوله: ﴿وَالمُخْصَّنَاتِ مِنَ الَّذِينَ أُوْتُوْلِ الْكِتَابِ مِن قَبْلِكمْ﴾ [المائدة: ٥]، ورُوِيّ أن الآية نزلت في امرأة لعمر بن الخطاب كانت كافرة فطلّقها ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ أي اطلبوا من الكفّار مَا أنفقتم من الصدقات على أزواجكم اللاتي فرون إلى الكفّار، وليطلب الكفّار منكم ما أنفقوا على أزواجهم اللأتي هَاجرَنْ إلى المسلمين ﴿وَإِن ◌َاتَكُمْ شَيْءٍ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَمَا قَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَّ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مَّثْلَ مَا أَتْفَقُوا﴾ معنى فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفّار هروب نساء المسلمين إلى الكفّار، والخطاب في قوله فعاقبتم وآتوا الذين ذهبت أزواجهم للمسلمين، وقوله- خاقبثم ليس من العقاب على الذنب وإنما هو من العقبى أي أصبتم عقبى ولهي الغنيمة أو نشر التعاقب على الشيء كما يتعاقب الرجلان على الدابة إذا ركبها هذا مرة وهذا مرة أخرى! فلما كان نساء المسلمین یھربون إلى الكفّار ونساء الكفّار يهربون إلى المسلمين جعل ذلك كالتعاقب على النساء وسبب الآية أنه لما قال الله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾.،! قال الكفّار لا نرضى بهذا الحكم ولا نعطي صداق من هربت زوجته إلينا من المسلمين؟ فأنزل الله هذه الآية الأخرى وأمر الله المسلمين أن يدفعوا الصداق لمن هزبت زوجته من المسلمين إلى الكفّار ويكون هذا المدفوع من مال الغنائم على قول من قال إن معنى فعاقبتم غنمتم، وقيل من مال الفيء، وقيل من الصدقات التي كانت تُدفَع للكفّار إذافرّ أزواجهم إلى المسلمين فأزال الله دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه وهذه الأحكام التي تضمنتها هذه الآية، قد ارتفعت لأنها نزلت في قضايا معينة وهي مهادنة النبي ( أو سمع مشركي العرب ثم زالت هذه الأحكام بارتفاع الهدنة فلا تجوز مهادنة المشركين من العرب إنما هو في حقهم الإسلام أو السيف، وإنما تجوز: مهادنة أهل الكتاب أو المجوس لأن الله. قال في المشركين اقتلوا المشركين حيث وجفتموهم، وقال في أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وقال النبيّ منّ في المجوس سنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُ، إِذَا جَاءَ ٤٣٩ تفسير سورة الممتحنة ) يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا فَثَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنْفَقُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ الَّذِىّ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ جَآءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا بَأْتِنَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَبْدِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَبَابِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَهَنَّ ! بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ اَللَّهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ أَـ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْتَكَ﴾ هذه البيعة بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا، وكان رسول الله ◌َلّ يبايعهنّ بالكلام ولا تمسّ يده يد امرأة ورد هذا في الحديث الصحيح عن عائشة، ورُوِيّ أنه بَيّر لفّ على يده ثوبًا كثيفًا ثم لمس النساء يده كذلك وقيل إنه غمس يده في إناء فيه ماء ثم دفعه إلى النساء، فغمسن أيديهنّ فيه ﴿وَلاَ يَأْتِينَ بِيُهْتَانٍ﴾ معناه عند الجمهور أن تنسب المرأة إلى زوجها ولدًا ليس له وكانت المرأة تلتقط الولد، فتقول لزوجها هذا ولدي منك وإنما قال ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ لأن بطنها الذي تحمل فيه الولد بين يديها وفرجها الذي تلده به بين رجليها، واختار ابن عطية أن يكون البهتان هنا على العموم بأن يُنسَب للرجل غير ولده أو تفتري على أحد بالقول أو تكذب فيما ائتمنها الله عليه من الحيض والحمل وغير ذلك، وإلى هذا أشار بعض الناس بأن قال بين أيديهنّ يراد به اللسان والفم وبين الأرجل يراد به الفرج ﴿وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ أي لا يعصينّك فيما جاءت به الشريعة من الأوامر والنواهي ومن ذلك النهي عن النياحة وشق الجيوب، ووصل الشعر وغير ذلك مما كان نساء الجاهلية يفعلنه، وورد في الحديث أن النساء لمّا بايعن رسول الله ◌َ* هذه المبايعة، فقرّرهنّ على أن لا يسرقن قالت هند بنت عتبة وهي امرأة أبي سفيان بن حرب يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل عليّ إن أخذت من ماله بغير إذنه، فقال لها: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) فلما قرّرهنّ على أن لا يزنين، قالت هند يا رسول الله أتزني الحرّة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تزني الحرّة)) يعني في غالب المرأة، وذلك أن الزنا في قريش إنما كان في الإماء فلما قال ولا يقتلن أولادهنّ قالت نحن ربّيناهم صغارًا وقتلتهم أنت ببدر كبارًا، فضحك رسول الله وَل﴿ فلما وقفهنّ على أن لا يعصينه في معروف قالت ما جلسنا هذا المجلس وفي أنفسنا أن نعصيك، وهذه المبايعة للنساء غير معمول بها اليوم، لأنه أجمع العلماء على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهنّ هذا فإما أن تكون منسوخة ولم يذكر الناسخ، أو يكون ترك هذه الشروط لأنها قد تقرّرت وعلمت من الشرع بالضرورة فلا حاجة إلى اشتراطها ﴿لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني اليهود وكان بعض فقراء المسلمين يتوّد إليهم ليصيبوا من أموالهم، وقيل يعني كفّار ٤٤٠ تفسير سورة الممتحنة اْآَخِرَةِ كَمَابَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ ١٣ قريش، والأول أظهر لأن الغضب قد صار عُرفًا لليهود كقوله: ﴿غَيْرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم﴾ [الفاتحة: ٧] ﴿قَد ◌َئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَّا يَتِسَ الكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ مَن قال إِنْ القَومِ. الذين غضب الله عليهم هم اليهود، فمعنى يئسوا من الآخرة يئسوا من خير الآخرة والسعادة فيها ومَن قال إن القوم الذين غضب الله عليهم هم كفّار قريش، فالمعنى يئسوا من وجود الآخرة، وصحّتها لأنهم مكذبون بها تكذيبًا جزمًا وقوله: ﴿كَمَّا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابٍ الْقُبُورِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما أن يريد كما يئس الكفّار المكذبون بالبعث من بعث أصحاب القبور فقوله من أصحاب يتعلق بيئس وهو على حذف مضاف، والآخر أن يكون من أصحاب القبور لبيان الجنس أي كما يئس الذين في القبور من سعادة الآخرة لأنهم تيقنوا أنهم يعذبون فيها.