Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ تفسير سورة الشورى مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ فَزِدْ لَهُ فِ حَرْئِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَانُؤْتِهِ. الْعَزِيزُ ® مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ الْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَوَا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الِدِينِ مَالَمْ يَأْذَنَّبِهِ جَ تَرَى ٢١ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ اُلْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمُّ وَإِنَّ الَِّلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّاكَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعْ بِهِمْ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ ® ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ قُل لَّ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبِىُّ وَمَن يَقْتِفْ فِي الأَرْضِ إلاّ عَلَى اللَّهِ رِزقُها﴾ [هود: ٦]: أي ما تقوم به الحياة، فإن هذا على العموم لكل حيوان طول عمره ولزائد خاص بمَن شاء الله ﴿حَزْثَ الآخِرَةِ﴾ عبارة عن العمل لها وكذلك حرث الدنيا وهو مستعار من حرث الأرض لأن الحراث يعمل وينتظر المنفعة بما عمل ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ عبارة عن تضعيف الثواب ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي نؤته منها ما قدّر له لأن كل أحد لا بدّ أن يصل إلى ما قسم له ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ هذا للكفّار، أو لمَن كان يريد الدنيا خاصّة، ولا رغبة له في الآخرة ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ أم منقطعة للإنكار والتوبيخ، والشركاء الأصنام وغيرها، وقيل الشياطين ﴿شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ الضمير في شرعوا للشركاء، وفي لهم للكفّار، وقيل بالعكس والأول أظهر ولم يأذن بمعنى لم يأمر، والمراد بما شرعوا من البواطل في الاعتقادات وفي الأعمال كالبحيرة والوصيلة وغير ذلك ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَضْلِ﴾ أي لولا القضاء السابق بأن لا يقضي بينهم في الدينا لقضى بينهم فيها ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ يعني في الآخرة. ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ تقديره يبشّر به وحذف الجار والمجرور ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فيه أربعة أقوال: الأول أن القربى بمعنى القرابة، وفي بمعنى من أجل، والمعنى لا أسألكم عليه أجرًا إلاّ أن تودّوني لأجل القرابة التي بيني وبينكم فالمقصد على هذا استعطاف قريش ولم يكن فيهم بطن إلاّ وبينه وبين النبي وَ له قرابة. الثاني أن القربى بمعنى الأقارب، أو ذوي القربى والمعنى إلاّ أن تودّوا أقاربي وتحفظوني فيهم، والمقصد على هذا وصية بأهل البيت. الثالث أن القربى قرابة الناس بعضهم من بعض، والمعنى أن تودّوا أقاربكم، والمقصود على هذا وصيّة بصلة الأرحام. الرابع أن القربى التقرّب إلى الله، والمعنى إلاّ أن تتقرّبوا إلى الله بطاعته، والاستثناء على القول الثالث والرابع منقطع، وأما ٣٠٢ تفسیر سوزا الشورى حَسَنَّةُ نَزِدْ لَهُمْ فِيهَا حُسْنَّاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبَّ فَإِن ◌َشَاء اللَّهُ يَخْتِمَ عَى قَلْمِكٌ، وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَطِلَ وَ يُّ الْحَقَّ بِكَلِمَنِّ ◌ِنَّهُ عَلِيُهُ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٤) وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النََّةَ مَنّ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامُواْ وَعَيِلُواْ الصَِّحَثِ ٢٥ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَِّكَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ على الأول والثاني فيحتمل الانقطاع لأن المودة ليست بأجر، ويحتمل الاتصال على المجاز كأنه قال لا أسألكم عليه أجْرًا إلاّ المودّة فجعل المودة كالأجر ﴿يَقْتَرِفْ﴾ أي يكتسب وقَّةُ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ يعني مضاعفة الثواب ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أم منقطعة للإنكار والتوبيخ ﴿فَإِن يُقٍَ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ فالمقصد بهذا قولان: أحدهما أنه ردّ على الكفّار في قولهم: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أي لو افتريت على الله كذبًا لختم على قلبك ولكنك لم تفترٍ على الله كذبًا فقد هداك وسدّدك، والآخر أن المراد إن يشأ الله يختم على قلبك بالصبر على أقوال الكفّارِ وتحمّل أذاهم ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ هذا فعل مستأنف غير معطوف على ما قيلِه لأن الذي قبله مجزوم وهذا مرفوع فيوقف على ما قبله ويبدأ به، وفي المراد وجهان أحدهما أنه من تمام ما قبله: أي لو افتريت على الله كذبًا لختم على قلبك ومحا الباطل الذي كنت تفتريه لو افتريت، والآخر أنه وعد لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بأن يمحو الله الباطل وهو الكفر ويحقّ الحق وهو الإسلام ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ الثَّبَةَ عَنْ عِبَادِهٍ﴾ عن هنا بمعنى من، وكأنه قال التوبة الصادرة من عباده وقبول التوبة على ثلاثة أوجه: أحدها التوبة من الكفر فهي مقبولة قطعًا والثاني التوبة من مظالم العباد فهي غير مقبولةُ خُتَّى تردّ المظالم أو يستحلّ منها والثالث التوبة من المعاصي التي بين العبد وبين الله فالصحيح أنها مقبولة بدليل هذه الآية وقيل إنها في المشيئة ﴿وَيَغْفُوا عَنِ السِّيَّئَاتِ﴾ العفو مَعَ الْتَوْبَة على حسب ما ذكرنا وأما العفو دون التوبة فهو على أربعة أقسام الأول العفو عن الكفر وهو لا يكون أصلاً والثاني العفو عن مظالم العباد وهو كذلك والثالث العفو عن الذنوب الصغائر إذا اجتنبت الكبائر وهو حاصل باتفاق الرابع العفو عن الكبائر فمذهب أهل السُّنّة في المشيئة ومذهب المعتزلة أنها لا تغفر إلاّ بالتوبة ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه ثلاثة أقوالِ أحدها: أن معنى يستجيب يجيب والذين آمنوا مفعول والفاعل ضمير يعود على الله تعالى أي يچيبهم فيما يطلبون منه وقال الزمخشري أي أصله يستجيب للذين آمنوا فحذف اللام والثاني أن معناه يجيب والذين آمنوا فاعل أي يستجيب المؤمنون لربّهم باتّباع دينه والثالث أن معناه يطلب المؤمنون الإجابة من ربّهم واستفعل على هذا على بابه من الطلب والأول أرجح لدلالة قوله ويزيدهم من فضله ولأنه قول ابن عباس ومعاذ بن جبل ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾. ٣٠٣ تفسير سورة الشورى وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْاْ فِ الْأَرْضِ وَيَزِيدُ هُم مِّنِ فَضْلِهِ، وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ لـ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ (٨) وَمِنْ ءَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ ﴿ وَمَآ أَضَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴿ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِينَ فِ الْأَرْضِّ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢) وَمِنْ ءَايَتِهِ الْجَوَارِ فِ الْبَحْرِ كَالْأَعْلَمِ ﴿ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الْرِيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوَّةٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ شَ أَوْ يُوِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ (٢) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّ ءَايَِنَا مَا أي يزيدهم ما لا يطلبون زيادة على الاستجابة فيما طلبوا وهذه الزيادة رُوِيَ عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنها الشفاعة والرضوان ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ أي بغى بعضهم على بعض وطغوا لأن الغنى يوجب الطغيان وقال بعض الصحابة فينا نزلت لأنا نظرنا إلى أموال الكفّار فتمنيناها ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعدِ مَا قَتَطُوا﴾ قيل لعمر رضي الله عنه اشتدّ القحط وقنط الناس فقال الآن يمطرون وأخذ ذلك من هذه الآية ومنه قوله وَ﴾: ((اشتدي أزمة تنفرجي)) ﴿وَيَنْشُرُ رُخْمَتَهُ﴾ قيل يعني المطر فهو تكرار للمعنى الأول بلفظ آخر وقيل يعني الشمس وقيل بالعموم ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ﴾ لا إشكال لأن الدواب في الأرض وأما في السماء فقيل يعني الملائكة وقيل يمكن أن تكون في السماء دواب لا نعلمها نحن وقيل المعنى أنه بثّ في أحدهما فذكر الاثنين كما تقول في بني فلان كذا وإنما هو في بعضهم ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ يريد جمع الخلق في الحشر يوم القيامة ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ المعنى أن المصائب التي تصيب الناس في أنفسهم وأموالهم إنما هي بسبب الذنوب قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلاّ بذنب وما يعفو الله عنه أكثر وقرىء بما كسبت بغير فاء على أن يكون ما أصابكم بمعنى الذي وقرىء بالفاء على أن يكون ما أصابكم شرطًا ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ قد ذكر ﴿الْجَوَارِ﴾ جمع جارية وهي السفينة ﴿كَالأَعْلاَمِ﴾ جمع علم وهو الجبل ﴿إن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ الضمير في يظللن للجواري وفي ظهره للجرّ، أي لو أراد الله أن يُسْكِن الرياح لبقيت السفن واقفة على ظهر البحر فالمقصود تعديد النعمة في إرسال الرياح أو تهديد بإسكانه ﴿أَو يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ عطف على يسكن الريح، ومعنى يوبقهنّ يهلكهنّ بالغرق من شدّة : ٣٠٤ تفسير سورة الشورى ◌َ ◌َآ أُوْتِتُم مِّنْ شَىْءٍ فَعُ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى ◌َّهُمْ لَهُم ◌ِن ◌َّحِصِ ! ٣٥ يَتَوَّكَّلُونَ ﴿ وَالَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَِّرَ آلْإِثِمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ الْ وَالَّذِينَ أُسْتَعَابُواْ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ اَلْبَغْىُ هُمْ (٣٨ لِرَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقَْهُمْ يُفِقُونَ الرياح العاصفة والضمير فيه للسفن، وفي كسبوا لركابها من الناس والمعنى أنه لو شاء لأغرقها بذنوب الناس ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّنَ مَّحِيصٍ﴾ أي يعلمون أنه لا مهرب لهم من الله وقرىء يعلم بالرفع على الاستئناف، وبالنصب واختلف فيُّ إعرابه على قولين: أحدهما أنه تصب بإضمار أن بعد الواو لما وقعت بعد الشرط والجزاء لأنه غير واجب وأنكر ذلك الزمخشري وقال إنه شاذً فلا ينبغي أن يحمل القرآن عليه، والثاني قول الزمخشري إنه معطوف على تعليل محذوف تقديره، لينتقم منهم ويعلم، قال ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف في القرآن كثير، ومنه قوله ولنجعله آية للناس ﴿كَبَائِرَ الإثم﴾ ذكرنا الكبائر في النساء وقيل كبائر الإثم: هو الشرك، والفواحشٍ: هي الزنا واللفظ أعمَّ من ذلك ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبْهِمْ﴾ قيل يعني الأنصار لأنهم استجابوا لما دعاهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى الإسلام، ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولاً بصفات أبي بكر الصدّيقِ، ثم صفات عمر بن الخطاب ثم صفات عثمان بن عفّان ثم صفات علي بن أبي طالب، فكونه جمع هذه الصفات ورتّيها على هذا الترتيب يدلّ على أنه قصد بها مَن اتّصف بذلك فأما صفات أبي بكر فقوله: الذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون، وإنما جعلناها صِفة أبي بكر وإن كان جميعهم متّصفًا بها لأن أبا بكر كانت له فيها مِزية لم تكن لغيره قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجحهم))، وقال لي: «أنا مدينة الإيمان وأبو بكر بابها»، وقال أبو بكر لو كشف الغطاء لما ازددت إلاّ يقينًا والتوكّل إنما يقوى بقوة الإيمان. أما صفات عمر فقوله: والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش لأن ذلك هو التقوى، وقد قال وسلم: ((أنا مدينة التقوى وعمر بابها))، وقوله: ﴿وإذَا مَا غَضِيُوا هُم يَغْفُرُون﴾، وقوله: ﴿قُل لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٤٥] نزلت في عمر، وأما صفات عثمان فقوله: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ لأن عثمان لِّا دِعاء رسول الله *** إلى الإيمان تبعه وبادر إلى الإسلام وقوله وأقاموا الصلاة، لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت ﴿أمَّنْ هُوَ قَانِتْ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزُّمِر: ٩] الآية: ورُوِيّ أنه كان يُحيي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن كله، وقوله وأمرهم شورى بينهم لأن 1 ٣٠٥ تفسير سورة الشورى ٤٠ وَجَزَّاؤُاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الَِّمِينَ ٣٩ يَنْنَصِرُونَ وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّنِ سَبِيلٍ ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ! ٤٣ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِه وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْ اَلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرٍَّمِّن عثمان وَلِيَ الخلافة بالشّورى، وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله ويكفيك أنه جهز جيش العسرة، وأما صفة عليّ فقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُم البَغْيُ هُم يَنْتَصِرُون﴾، لأنه لمّا قاتلته الفئة الباغية قاتلها انتصارًا للحق، وانظر كيف سمّى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المقاتلين لعليّ الفئة الباغية حسبما ورد في الحديث الصحيح أنه قال لعمّار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية فذلك هو البغي الذي أصابه وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ إشارة إلى فعل الحسن بن عليّ حين بايع معاوية، وأسقط حقّ نفسه ليُصلِح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم في الحسن إن ابني هذا سيد ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وقوله: ﴿وَلِمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ﴾ إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت الحسن، وطلبه للخلافة وانتصاره من بني أميّة، وقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ إشارة إلى بني أُميّة، فإنهم استطالوا على الناس كما جاء في الحديث عنهم، أنهم جعلوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً ويكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون عليّ بن أبي طالب على منابرهم، وقوله: ﴿وَلِمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ الآية إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم على ما نالهم من الضرّ والذلّ، طول مدّة بني أميّة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيْئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ سمّى العقوبة باسم الذنب وجعلها مثلها تحرّزًا من الزيادة عليها ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَضْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ هذا يدلّ على أن العفو عن الظلمة أفضل من الانتصار، لأنه ضمن الأجر في العفو، وذكر الانتصار بلفظ الإباحة في قوله: ﴿وَلِمَنْ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ وقيل إن الانتصار أفضل، والأول أصحّ فإن قيل كيف ذكر الانتصار في صفات المدح في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصابَهُمْ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُون﴾ والمُبح لا مدح فيه ولا ذمّ، فالجواب: من ثلاثة أوجه أحدها أن المباح قد يمدح لأنه قيام بحق لا بباطل، والثاني أن مدح الانتصار لكونه كان بعد الظلم تحرّزًا ممّن بدأ بالظلم فكأن المدح إنما هو بترك الابتداء بالظلم، والثالث إن كانت الإشارة بذلك إلى عليّ بن أبي طالب حسبما ذكرنا فانتصاره محمود، لأن قتال أهل البغي واجب لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي ٣٠٦ تفسير سورة الشورى ﴿ وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ وَقَالَ الَّذِينَ (٤٤ سَبِيلِ ® ءَامَنُوْ إِنَّ الْخَسِرِ يِنَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الَِّمِينَ فِ عَذَابٍ مُقِيمٍ (٢) وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنْصُرُونَهُ مِّن دُونِ اللَّهُ وَ مَن يُضْلِلِ لَللَّه ◌َا لَهُ مِن سَبِيلٍ! أُسْتَجِبُواْ لِرَبِّكُمْ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِن مَّلٍَْ يَوْمَيٍِ وَمَا لَكُمْمِن فَإِنَّ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيَّكَ إِلَّ الْبَغُّ وَإِنَّ إِذَا أَذَقْنَا تَكِيرِ ه اَلْإِنسَنَ مِنَّا رَحْمَةٌ فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَبْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَنَ كُفُورٌ لَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ ﴿ وَمَاء كَانَ الذُّكُرَ ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذَكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمَاْ إِنَّهُ عَلِيٌ قَدِيرٌ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلََّ وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًاً فَيُوحِيَّ بَإِذْنِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] ﴿يُعرَضُون عَلَيْهَا﴾ أي على النار ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذَّلِّ﴾ عبارة عن الذلّ والكآبة، ومن الذلّ يتعلق بخاشعين ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيَّ﴾ فيه قولان: أحدهما أنه عبارة عن الذلّ، لأن نظر الذليل بمهابة واستكانة والآخر أنهم يحشرون عميًا فلا ينظرون بأبصارهم، وإنما ينظرون بقلوبهم واستبعد هذا ابن عطية والزمخشري ت والظرف يحتمل أن يريد به العين أو يكون مصدرًا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يتعلق بقال أو بخسروا ﴿أَلاَ إِنَّ الظَّالِينَ﴾ يحتمل أن يكون من كلام الذين آمنوا أو مستأنفًا من كلام الله تعالى ﴿لاَّ مَرَدَّ لَهُ﴾ ذكر في الروم ﴿مّن نّكِيرٍ﴾ أي إنكار يعني لا تنكرون أعمالكم ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا﴾.قدّم الإناث اعتناءً بهنّ وتأنيسًا لمَن وهبهنّ له. قال واثلة بن الأسقع مَن يُمْن المزأة تبكيرها بأُنثى قبل الذّكَر، لأن الله بدأ بالإناث وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في الأنبياء عليهم السلام غشعيب ولموط كان لهنما إناث دون ذكور وإبراهيم كان له ذكور دون إناث، ومحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم جمع الإناث والذكور ويحيلى كان عقيمًا والظاهر أنها على العملوم في جميع الناس، إذ كل واحد منهم لا يخلو عن قسم من هذه الأقسام الأربعة التي ذكر، وفي الآية من أدوات البيان التقسيم ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاّ وَخيًا﴾ الآية: بيّن الله تعالى فيها كلامه لعباده وجعله على ثلاثة أوجه أحدها الوحي المذكور أولاً وهو الذي يكون بإلهام أو منام والآخر أن يسمعه كلامه من وراء حجاب الثالث الوحي بواسطة الملك: وهو قوله، أو يرسل رسولاً يعني ملكًا فيُوحي بإذنه ما يشاء إلى النبي وهذا خاصّ بالأغبياء والثاني، خاصّ ٣٠٧ تفسير سورة الشورى عَلِىٌّ حَكِيمٌ ﴾ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيَّكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن ◌َ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ ٥٢ جَعَلْنَهُ نُورًا تَّهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَّأْ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ! مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ أَلَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ٥٣ بموسى وبمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم إذ كلّمه الله ليلة الإسراء وأما الأول فيكون الأنبياء والأولياء كثيرًا وقد يكون لسائر الخلق ومنه ﴿وأوحى ربّك إلى النحل﴾ ومنه منامات الناس ﴿أَوْ يُرْسِلِ رَسُولاً) قرىء يرسل، ويوحي بالرفع على تقدير أو هو يرسل وبالنصب عطفًا على وحيًا لأن تقديره أن يوحي عطف على أن المقدّرة ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مَنْ أَمْرِنَا﴾ الروح هنا القرآن والمعنى مثل هذا الوحي وهو بإرسال ملك أوحينا إليك القرآن والأمر هنا يحتمل أن يكون واحد الأمور أو يكون من الأمر بالشيء ﴿مَا كُنتَ تَذْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ﴾ المقصد بهذا شيئان أحدهما تعداد النعمة عليه وَّو بأن علّمه الله ما لم يكن يعلم والآخر احتجاج على نبوّته لكونه أتى بما لم يكن يعلمه ولا تعلمه من أحد، فإن قيل أما كونه لم يكن يدري الكتاب فلا إشكال فيه وأما الإيمان ففيه إشكال لأن الأنبياء مؤمنون بالله قبل مبعثهم. فالجواب أن الإيمان يحتوي على معارف كثيرة وإنما كمل له معرفتها بعد بعثه وقد كان مؤمنا بالله قبل ذلك فالإيمان هنا يعني به كمال المعرفة وهي التي حصلت له بالنبوّة ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ الضمير للقرآن. ١٠ سورة الزخرف ٠٠٠ مكتبة إلاّ آية ٥٤ فمدنيّة وآياتها ٨٩ نزلت بعد الشورى بِسْمِ اللَّهِ اَلَّمَنِ أَ إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَنَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (جَ وَلِنَّهُ فِيْ لُقِـ حمّ ◌َ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ : ٢ ، أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا ٤ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ حکِیءُ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينٍ﴾ يعني القرآن والمبين يحتمل أن يكون بمعنى البين، أو المبين لغيره ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمُّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ أُمّ الكتاب، اللوح المحفوظ والمعنى أن القرآن وصف في اللوح بأنه عليّ حكيم، وقيل المعنى أن القرآن نسخ بجملته في اللوح المحفوظ ومنه كان جبريل ينقله فوصفه الله بأنه عليّ حكيم لكونه مكتوب في اللوح المحفوظ والأول أظهر وأشهر ﴿أَفَتَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ الهمزة للإنكار والمعنى أنمسك عنكم الذكر ونضرب من قولك أضربت عن كذا إذا تركته والذكر يراد به القرآن أو التذكير والوعظ وصفحًا فيه وجهان: أحدهما أنه بمعنى الإعراض، تقول صفحت عنه إذا أعرضت عنه فكأنه قال أنترك تذكيركم إعراضًا عنكم وإعراب صفحًا على هذا مصدر من المعنى أو مفعول من أجله أو مصدر في موضع الحال والآخر أن يكون بمعنى العفو والغفران، فكأنه يقول أنمسك عنكم الذكر عفوًا عنكم وغفرانًا لذنوبكم وإعراب صفحًا على ٣٠٩ تفسير سورة الزخرف وَمَا يَأْنِيهِم ◌ِن نَّبِّ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، ٦ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِّ فِىِ الْأَوَّلِينَ ◌ُسْرِفین ◌َ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ﴿ وَلَيِنِ سَأَلْنَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٧ يَسْتَهْزِءُونَ ◌َ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا ٩ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١) وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ. بَلْدَةً مَّيْنَا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (٤) وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُ مِنَ الْقُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَكَبُونَ ﴿٨) لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيْتُمٌ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١) وَإِنَّا إِلَى رَبِنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١) وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًاْ إِنَّ هذا مفعول من أجله أو مصدر في موضع الحال ﴿أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ قرىء بكسر الهمزة على الشرط والجواب في الكلام الذي قبله وقرىء بالفتح على أنه مفعول من أجله ﴿أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا﴾ الضمير لقريش وهم المخاطبون بقوله أن كنتم قومًا مسرفين، فإن قيل كيف قال إن كنتم على الشرط بحرف إن التي معناها الشك ومعلوم أنهم كانوا مسرفين، فالجواب أن في ذلك إشارة إلى توبيخهم على الإسراف وتجهيلهم في ارتكابه فكأنه شيء لا يقع من عاقل فلذلك وضع حرف التوقّع في موضع الواقع ﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ أي تقدّم في القرآن ذكر حال الأوّلين وكيفية إهلاكهم لما كفروا ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم﴾ الآية احتجاج على قريش لأنهم كانوا يعترفون أن الله هو الذي خلق السموات والأرض وكانوا مع اعترافهم بذلك يعبدون غيره، ومقتضى جوابهم أن يقولوا خلقهنّ الله، فلما ذكر هذا المعنى جاءت العبارة عن الله بالعزيز العليم لأن اعترافهم بأنه خلق السموات والأرض يقتضي أن يعترفوا بأنه عزيز عليم، وأما قوله الذي جعل لكم فهو من كلام الله لا من كلامهم ﴿مَهْدًا﴾ أي فراشًا على وجه التشبيه ﴿سُيُلاَ﴾ أي طرقًا تمشون فيها ﴿مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي بمقدار ووزن معلوم وقيل معناه بقضاء ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ تمثيل للخروج من القبور بخروج النبات من الأرض ﴿الأَزْوَاجَ كُلُّهَا﴾ يعني أصناف الحيوان والنبات وغير ذلك ﴿لِتَسْتَوْا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ الضمير يعود على ما تركبون ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُم﴾ يحتمل أن يكون هذا الذكر بالقلب أو باللسان، ويحتمل أن يريد النعمة في تسخير هذا المركوب أو النعمة على الإطلاق، وكان بعض السلف إذا ركب دابّة يقول الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ثم يقول سبحان الذي سخّر لنا هذا ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي مطيقين وغالبين ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ اعتراف بالحشر فإن قيل ما مناسبة هذا للركوب؟ فالجواب: أن راكب السفينة أو الدابّة متعرّض ٣١٠ تفسير سورة الزخرف أَمِ أَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنْكُمْ يِالْبَنِينَ ﴿ وَإِذَا بُشْرَ اُلْإِنسَنَ لَكَفُورٌ مُبِينُ ١٥ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلَا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) أَوَ مَن يُنَشَوَّافِى الْبِلْيَةِ جَ وَجَعَلُواْ الْمَتِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَّ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمَّ وَهُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرٌ مُّبِينٍ (٥ .٣ للهلاك بما يخاف من غرق السفينة أو سقوطه عن الدابة، فأمر بذكر الحشر ليكون مستعدًّا للموت الذي قد يعرض له وقيل يذكر عند الركوب ركوب الجنازة، ﴿وَجّعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَّادِهِ جُزءًا﴾ الضمير في جعلوا لكفّار العرب، وفي له الله تعالى وهذا الكلام متصل بقوله ولئن سألتهم الآية والمعنى أنهم جعلوا الملائكة بنات الله فكأنهم جعلوا جزءًا من عباده نصيبًا له وحظًّا دون سائر عباده وقال الزمخشري معناه أنهم جعلوا الملائكة جزءاً منه وقال بعض اللغويين الجزء في اللغة الإناث واستشهد على ذلك ببيت شعر قال الزمخشري وذلك كذب على اللغة والبيت موضوع ﴿أَم اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ أم للإنكار والردّ على الذين قالوا إن الملائكة بنات الله ومعنى أصفاكم خصّكم أي كيف يتخذ لنفسه البنات وهنّ أدنى وأصفاكم بالبنین وهم أعلا ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحِدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا﴾ أي إذا بشّر بالأُنثِی وقد ذكر هذا المعنى في النحل والمراد أنهم يكرهون البنات فكيف ينسبونها إلى الله تعالى عن قولهم ﴿أَوَ مَن يُتَشَّؤْا فِي الْحِلْيَّةِ﴾ المراد بمَن ينشأ في الحلية النساء والحلية هي الحليّ من الذهب والفضة وشبه ذلك ومعنى ينشأ فيها يكبر وينبت في استعمالها وقرىء ينشأ بضم الياء وتشديد الشين بمعنى يربّى فيها والمقصد الردّ على الذين قالوا الملائكة بنات الله كأنه قال أجعلتم الله من ينشأ في الحلية وذلك صفة النقص ثم أتبعها بصفة نقص أخرى وهي قوله وهو في الخصام غير مبين يعني أن الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أن تبيّن حاجتها لنقص عقلها وقلّ ما تجد امرأة إلاّ تفسد الكلام وتخلط المعاني فكيف ينسب لله مَن يتصف بهذه النقائص وإعراب ينشأ مفعول بفعل مضمر تقديره أجعلتم لله مَن ينشأ أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره أو مَن ينشأ في الحلية خصصتم به الله ﴿وَجَعَلُوا الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَّاهُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ الضمير في جعلوا لكفّار العرب فحكى عنهم ثلاثة أقوال شنيعة أحدها أنهم نسبوا إلى الله الولد، والآخر أنهم نسبوا إليه البنات دون البنين، والثالث أنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثًا، وقرىء عند الرحمن بالنون، والمراد به قرب الملائكة وتشريفهم كقوله والذين عند ربك، وقرىء عباد بالباء جمع عبد والمراد به أيضًا الاختصاص والتشريف ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ هذا ردّ على العرب في قولهم إن الملائكة إناثًا، والمعنى هم لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف يقولون ما ليس لهم به علم؟ ﴿سَتُكْتَبُ شَهَاهَتُهُمْ ٣١١ تفسير سورة الزخرف ، وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍّ إِنْ سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ ١٩ بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ٢١ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٥) أَمْ ءَانْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ( ءَابَآءَ نَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىَّ ءَاثَرِهِمْ مُهْتَدُونَ () وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ قَلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا ٢٣ مُتََّفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاءَابَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاثَرِهِم مُقْتَدُونَ (! وَجَدْ تُمَّ عَلَيْهِ ءَابَةَكُمْ قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُزْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ (١) فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ ﴿ وَإِذْ قَالَ إَِهِيُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، إِنَّنِى بَرَآءُ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ فَإِنَّهُ اُلْمُكَذِّبِينَ وَيُسْأَلُونَ﴾ أي تكتب شهادتهم التي شهدوا بها على الملائكة، ويسألون عنها يوم القيامة ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم﴾ الضمير في قالوا للكفّار، وفي عبدناهم للملائكة، وقال ابن عطية للأصنام والأول أظهر وأشهر، والمعنى احتجاج احتجّ به الذين عبدوا الملائكة، وذلك أنهم قالوا لو أراد الله أن لا نعبدهم ما عبدناهم، فكونه يمهلنا ويُنعم علينا: دليل على أنه يرضي عبادتنا لهم، ثم ردّ الله عليهم بقوله: ﴿مَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ يعني أن قولهم بلا دليل وحجة، وإنما هو تخرّص منهم ﴿أَم آتَيْتَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل القرآن، وهذا أيضًا ردّ عليهم لكونهم ليس لهم كتاب يحتجّون به ﴿بَلْ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي على دين وطريقة، والمعنى أنهم ليس لهم حجة، وإنما هم مقلّدو آبائهم ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ الآية المعنى كما اتّبع هؤلاء الكفّار آباءهم بغير حجة اتّبع كل مَن كان قبلهم من الكفّار آباءهم بغير حجة بل بطريق التقليد المذموم ﴿قُلْ أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ هذا ردّ على الذين اتبعوا آباءهم، والمعنى قل لهم أتتبعونهم ولو جئتکم بدین أهدی من الدين الذي وجدتم عليه آباءكم، وقرىء قال أَوَ لو جئتكم، والفاعل ضمير يعود على النذير المتقدّم، وأما قراءة قل بالأمر فهو خطاب لمحمد ﴿ أمره الله أن يقول ذلك لقريش وقيل هو للنذير المتقدّم أمره الله أن يقول ذلك لقومه، والأول أظهر، وعلى هذا تكون هذه الجملة اعتراضًا بين قصة المتقدمين، فإن قوله: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾: حكاية عن الكفّار المتقدمين، وكذلك قوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾: يعني من المتقدمين ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ أي بريء وبراء في الأصل مصدر ثم استعمل صفة ولذلك استوى فيه الواحد والجماعة كعدل وشبهه ﴿إلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ يحتمل أن يكون استثناءً منقطعًا، وذلك إن كانوا لا يعبدون الله، أو يكون متصلاً إن كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، وإعرابه على هذا بدل مما تعبدون فهو في موضع خفض أو منصوب ٣١٢ تفسير سورة الزخرف: بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء وَءَابَآءُهُمْجَنّى ٢٨ ـَ وَجَعَلَهَا كَلِمَةُ بَقِيَّةٌ فِىِ عَقِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٢٧ سَيَهْدِینِ جَآءَ هُمُ الْحُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ (٢) وَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ قَالُواْهَذَا سِخْرٌ وَإِنَّا بِهَ كَفِرُونَ ﴿٤) وَقَالُوْلَّوْلَا نُزْلَ، هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمِ ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَثَ رَبِّكَ نَجْرٌ قَّسَمْنَا بَيْنَهُم ◌َعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضَا سُخْرِنَّا وَرَحْمَتُ رََّ على الاستثناء فهو في موضع نصب ﴿سَيَهْدِينِ﴾ قال هنا سيهدين، وقال مرة أخرى فهو يهدين، ليدلّ على أن الهداية في الحال والاستقبال ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَّةٌ فِي عَقِبِهِ﴾ ضمير الفاعل في جعلها يعود على إبراهيم عليه السلام، وقيل على الله تعالى، والأول أظهر، والضمير يعود على الكلمة التي قالها وهي إنني براء مما تعبدون، ومعناها التوحيد، ولذلك، قيل يعود على الإسلام لقوله هو سمّاكم المسلمين من قبل، وقيل يعود على لا إله إلاّ الله): والمعنى متقارب: أي جعل إبراهيم تلك الكلمة ثابتة في ذرّيّته لعلّ من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد، والعقب هو الولد وولد الولد ما تناسلا أبدًا ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ الإشارة بهؤلاء إلى قريش، وهذا الكلام متصل بما قبله، لأن قريشًا من عقب إبراهيم عليه السلام فالمعنى لكن هؤلاء ليسوا ممّن بقيت الكلمة فيهم، بل متّعهم بالنّعَم والعافية فلم يشكروا عليها واشتغلوا بها عن عبادة الله ﴿حَتَّى جَاءَهُمْ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ وهو محمد زَ﴿ ﴿وَقَالُوا لَوْلاَ نُزْلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظَيمٌ﴾ الضمير في قالوا لقريش، والقريتان مكة والطائف، ومن القريتين معناها من إحدى القريتين كقولك يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان: أي من أحدهما، وقيل معناه على رجل من رجلين من القريتين، فالرجل الذي من مكة الوليد بن المغيرة، وقيل عتبة بن ربيعة، والرجل الذي من الطائف عروة بن مسعود، وقيل حبيب بن عمير، ومعنى الآية أن قريشًا استبعدوا نزول القرآن على محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، واقترحوا أن ينزل على أحد هؤلاء، وصفوه بالعظمة يريدون الرئاسة في قومه وكثرة ماله، فردّ الله عليهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ يعني أن الله يخصّ بالنبوّة مَن يشاء من عباده على ما تقتضيه حكمته وإرادته، وليس ذلك بتدبير المخلوقين، ولا بإرادتهم، ثم أوضح ذلك بقوله: ﴿نَخْنُ قَسَمْتَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِيّ الْخَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي كما قسمنا المعايش في الدنيا كذلك قسمنا المواهب الدينية، وإذا كنا فهم نمهل الحظوظ الفانية الحقيرة، فأولى وأحرى أن لا نمهل الحظوظ الشريفة الباقية ﴿لْيَتْعِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ وهو من التسخير في الخدمة: أي رفعنا بعضهم فوق بعض ليخدم بعضهم بعضًا ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ هذا تحقير للدنيا، والمراد برحمة ربك ٣١٣ تفسير سورة الزخرف ◌َ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ ٣٢ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبَوَبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِّقُونَ () وَزُخْرُفًا سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَ مَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (َّ وَإِن كُلُ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (3) وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُمْ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ فَرِينٌ (٢٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم حَقَّ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَلَيَّتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (3) وَلَنْ مُهْتَدُونَ الشَّ هنا النبوّة وقيل الجنة ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةَ﴾ الآية: تحقير أيضًا للدنيا، ومعناها لولا أن يكفر الناس كلهم لجعلنا للكفّار سقفًا من فضة، وذلك لهوان الدنيا على الله كما قال رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها جرعة ماء)) ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ المعارج الأدراج والسلالم، ومعنى يظهرون يرتفعون، ومنه ((فَما استطاعوا أن يُظهِروه)) والسّرر جمع سرير، والزخرف الذهب، وقيل أثاث البيت من الستور والنمارق وشبه ذلك وقيل هو التزويق والنقش وشبه ذلك من التزيين كقولك: ((حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّينت)) ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ يعش من قولك عشى الرجل إذا أظلم بصره، والمراد به هنا ظلمة القلب والبصيرة، وقال الزمخشري يعشى بفتح الشين إذا حصلت الآفة في عينيه، ويعشو بضم الشين إذا نظر نظرة الأعشى وليس به آفة، فالفرق بينهما كالفرق بين قولك عمی وتعامی، فمعنى القراءة بالضم يتجاهل ويجحد مع معرفته بالحق، والظاهر أن ذلك عبارة عن الغفلة وإهمال النظر، وذكر الرحمن، وقال الزمخشري يريد به القرآن، وقال ابن عطية يريد به ما ذكر الله به عباده من المواعظ، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، ويحتمل عندي أن يريد ذكر العبد لله، ومعنى الآية: أن مَن غفل عن ذكر الله يسّر الله له شيطانًا يكون له قرينًا فتلك عقوبة على الغفلة عن الذكر بتسليط الشيطان كما أن مَن داوم على الذكر تباعد عنه الشيطان ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الضمير في إنهم للشياطين، وضمير المفعول في يصدّونهم لِمَن يعش عن ذكر الرحمن، وجمع الضميرين لأن المراد به جمع ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ قرىء جاءنا بضمير الاثنين وهما من يعش وشيطانه، وقرىء بغير ألف على أنه ضمير واحد وهو من يعش، والضمير في قال لمَن يعش، وقيل للشيطان ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ فيه قولان. أحدهما أنه يعني المشرق والمغرب، وغلب أحدهما في التشبيه، كما قيل القمران، والآخر أنه يعني المشرقين والمغربين، وحذف المغربين لدلالة المشرقين عليه ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ ٣١٤ تفسير سورة الزخرف يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْتََّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴿ أَفَأَنْتَ تُشْمِعُ الصُّوَّ لَوْ تَهْدِى الْعُمْىَ ◌َ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم ◌ُمْنَقِمُونَـ (١) أَوْ نُرِيَنَّكَ اَلَّذِى وَمَن كَانَ فِ ضَلالٍ مُبینٍ ◌َ فَأَسْتَمْسِكَ بِلَّذِىّ أُوحِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (*) وَإِنَّهُ ٤٢ وَعَدْتَهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ ! ، وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٤٤ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ تُسْتَلُونَ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةَ يُعْبَدُونَ (٢) وَلَقَدْ أَزْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَبِّنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَيْهِ فَقَالَ إِنِّ رَسُولُ إذا ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْترِكُونَ﴾ هذا كلام يقال للكفّار في الآخرة، ومعناه أنهم لا ينفعهم اشتراكهم في العذاب ولا يجدون راحة التأسي التي يجدها المکروب في الدنيا إذا رأى غيره قد أصابه مثل الذي أصابه، والفاعل في ينفعكم قوله؛ ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَّابِ مُشْتَرِكُونَ﴾، و﴿إِذ ظَلَمْتُمْ﴾: تعليل معناه بسبب ظلمكم، وقيل الفاعل مضمر وهو التبرّي الذي يقتضيه قوله: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْتَكَ بُعْدَّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ وأنكم على هذا تعليلٌ، والأول أرجح ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الضُّمَّ﴾ الآية: خطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، والمراد بالصمّ والعمي الكفّار إذا كانوا لا يعقلون براهين الإسلام ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ إِما مركبة من إن الشرطية وما الزائدة، ومقصد الآية وعيد للكفّار، والمعنى إن عجلنا وفاتك قبل الانتقام منهم فإنا سننتقم منهم بعد وفاتك، وإن أخّرنا وفاتك إلى حين الالتقام منهم فإنا عليهم مقتدرون، وهذا الانتقام يحتمل أن يريد به قتلهم يوم بدر وفتح مكة وشبه ذلك من الانتقام في الدنيا أو يريد به عذاب الآخرة، وقيل إن الضمير في منهم منتقمون للمسلمين، وأن معنى ذلك أن الله قضى أن ينتقم منهم بالفتن والشدائد، وأنه أكرم نبيّه عليه السلام بأن توفّاه قبل أن يرى الانتقام من أمته، والأول أشهر وأظهر ﴿وَإِنَّهُ فَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ الصغير في إنه للقرآن أو للإسلام، والذكر هنا بمعنى الشرف، وقوم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم هم قريش وسائر العرب، فإنهم نالوا بالإسلام شرف الدنيا والآخرة ويكفيك أن فتحوا مشارق الأرض ومغاربها وصارت منهم الخلافة والملك، وورد عن ابن عباس أنه لما تمزات هذه الآية علم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن الأمر بعده لقريش، ويحتمل أنه يريد بالذكر التذكير والموعظة، فقومه على هذا أمته كلهم وكل مَن بعث إليهم ﴿وَسَوْفَ تُسْتَلُونَ﴾ أي تُسألون عن العمل بالقرآن وعن شكر الله عليه ﴿وَاسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِتَا﴾ إن قيل كيف أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يسأل الرسل المتقدّمين وهو لم يدركهم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنه رآهم ليلة الإسراء. الثاني أن المفتى اسأل أمة مَن أرسلنا قبلك. الثالث أنه لم يرد سؤالهم حقيقة، وإنما المعلى أن شرائعهم متفقة ٣١٥ تفسير سورة الزخرف رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ فَمَا جَآءَ هُم بِثَايِنَآ إِذَا هُم مِنْهَا يَضْحَكُونَ (١) وَمَا نُرِبِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْتَهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٥) وَقَالُواْ يَتَأَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندََ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴿ فَلَمَّا كَثَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِ قَوْمِهِ، قَالَ يَقَّوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَّجْرِى مِن تَحْنِىّ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥) أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا على توحيد الله بحيث لو سئلوا أهل مع الله آلهة يعبدون لأنكروا ذلك ودانوا بالتوحيد ﴿وَمَا نُرِيهِم مِنْ آيَةٍ إلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ الآيات هنا المعجزات كقلب العصا حيّة، وإخراج اليد بيضاء، وقيل البراهين والحجج العقلية، والأول أظهر ومعنى أكبر من أختها أنها في غاية الكبر والظهور ولم يرد تفضيلها على غيرها من الآيات، إنما المعنى أنها إذا نظرت وجدت كبيرة، وإذا نظرت غيرها وجدت كبيرة فهو كقول الشاعر: مَن تلق منهم فقل لاقيت سيدهم هكذا قال الزمخشري، ويحتمل عندي أن يريد ما نريهم من آية إلاّ هي أكبر مما تقدّمها، فالمراد أكبر من أُختها المتقدّمة عليها ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ ظاهر كلامهم هذا التناقض، فإن قولهم يا أيها الساحر يقتضي تكذيبهم له وقولهم ادع لنا ربك يقتضي تصديقه، والجواب من وجهين: أحدهما أن القائلين لذلك كانوا مكذّبين، وقولهم ادع لنا ربك: يريدون على قولك وزعمك وقولهم إننا لمهتدون وعد نووا خلافه، والآخر: أنهم كانوا مصدّقين، وقولهم يأيّها الساحر إمّا أن يكون عندهم غير مذموم، لأن السحر كان علم أهل زمانهم وكأنهم قالوا يأيها العالم، وإما أن يكون ذلك اسمًا قد ألفوا تسمية موسى به من أول ما جاءهم فنطقوا به بعد ذلك من غير اعتقاد معناه ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ يحتمل أنه ناداهم بنفسه أو أمر مناديًا ينادي فيهم ﴿قَالَ يَا قَوْم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ قصد بذلك الافتخار علی موسی، ومصر هي البلد المعروف وما يرجع إليه، ومنتھی ذلك من نهر إسكندرية إلى أسوان بطول النيل ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ يعني الخلجان الكبار الخارجة من النيل كانت تجري تحت قصره، وأعظمها أربعة أنهار: نهر الإسكندرية وتنيس ودمياط، ونهر طولون ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ مذهب سيبويه أن أم هنا متصلة معادلة، والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون، ثم وضع قوله أنا خير موضع تبصرون لأنهم إذا قالوا له أنت خير فإنهم عنده بصراء، وهذا من وضع السبب وضع المسبّب، وكان الأصل أن يقول أفلا تبصرون أم تبصرون، ثم اقتصر على أم وحذف الفعل الذي بعدها واستأنف قوله، أنا ٣١٦ تفسير سورة الزخرف حَا فَلَوْلَا أُلْفِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ ◌َ مَعَهُ الْمَلَبِكَةُ ٥٢ الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ بُبِينُ ( ج مُقْتَرِنِينَ ﴿ فَاسْتَخَفَ قَوْمَهُمْ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٦) فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أَنْتَقَدْنَا وَّ ضُغْرِيبٌ أَبْنُ فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ ٥٥ مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (@) وَقَالُوَاْءَ أَوْلِهَمُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوْ مَا ضَرَبُوهُ لَ إِلَّ ◌َدَلاً خير على وجه الإخبار ويوقف على هذا القول على أم وهذا ضعيفٍ، وقيل أم بمعنى بل فهي منقطعة ﴿مَهِينٌ﴾ أي ضعيف حقير قاله الزمخشري وغيره ﴿وَلاَ مَكَادُ يُبِينُ﴾ إشارة إلى ما بقي في لسان موسى من أثر الجمرة، وذلك أنها كانت قد أحدثت في لسانه عقدة، فلما دعا أن تحلّ أجيبت دعوته وبقي منها أثر كان معه لكنة، وقيل يعني العيّ في الكلام، وقوله ولا يكاد يبين: يقتضي أنه كان يبين، لأن كاد إذا نفيت تقتضي الإثبات ﴿فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَّيْهِ أَسْوَرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾ يريد لولا ألقاها الله إليه كرامة له ودلالة على نبوّته، والأسورة جمع سوار وأسوار، وهو ما يجعل في الذراع من الحليّ، وكان الرجال حينئذ يجعلونه ﴿مُقْتَرِنِينَ﴾ أي مقترنين به لا يفارقونه أو متقارنين بعضهم مع بعض ليشهدوا له ويقيموا الحجة ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ أي طلب خفتهم بهذه المقالة واستهوى عقولهم ﴿آسَفُونا﴾ أي أغضبونا ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ. سَلَفًا وَمَثَلاَ لْلِآخِرِينَ﴾ السلف بفتح السين واللام جمع سالف، وقرىء بضمّها جمع سليفي ومعناه متقدّم: أي تقدّم قبل الكفّار ليكون موعظة لهم، ومثلاً يعتبرون به لئلا يصيبهم مثل ذلك ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاَ إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُونَ﴾ رُوِيَ عن ابن عباسٍ وغيره في: تفسيره هذه الآية أنه لما نزل في القرآن ذكر عيسى ابن مريم والثناء عليه، قالت قريش ما يريد محمد إلاّ أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى فهذا كان صدودهم من ضربه مثلاً؟. حكى ذلك ابن عطية والذي ضرب المثل على هذا هو الله في القرآن، ويصدّون بمعنى. يعرضون، وقال الزمخشري: لما قرأ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على قريش إنكم. وما تعبدون من دون الله حصب جهنم امتعضوا من ذلك، وقال عبد الله بن الزبعري أخاصّة. لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم فقال ◌َله: ((هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم))، فقال خصمتك وربّ الكعبة ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبيّ وتثني عليه خيرًا وقد علمت أن النصارى عبدوه فإن كان عيسى في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه، ففرحت قريش بذلك وضحكوا وسكت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَّهُمْ مِنّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون﴾ [الأنبياء: ١٠١]، ونزلت هذه الآية، فالمعنى على هذا لما ضرب ابن الزبعري عيسى مثلاً وجادل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعبادة ٣١٧ تفسير سورة الزخرف ◌َ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًاً لِّبَنِيّ إِسْرَِّيلَ (٥) وَلَوْ نَشَآءُ ٥٨ بَلَ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ ◌َعَلْنَا مِنْكُم مَّلَئِكَةُ فِىِ الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَ بِهَا وَأَتَّبِعُونٍ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ (٤) وَلَا يَصُدَّتَّكُمُ الشَّيْطِنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (١) وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَتِ قَالَ ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ ٦٣ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى تَّخْتَلِفُونَ فِيْهِ فَتَّقُواْاللَّهَ وَأَطِعُونِ: النصارى إياه إذا قريش من هذا المثل يصدّون أي يضحكون ويصيحون من الفرح، وهذا المعنى إنما يجري على قراءة يصدّون بكسر الصاد بمعنى الضجيج والصياح ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتْنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يعنون بهو عيسى، والمعنى أنهم قالوا آلهتنا خير أم عيسى، فإن كان عيسى يدخل النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه لأنه خير من آلهتنا، وهذا الكلام من تمام ما قبله على ما ذكره الزمخشري في تفسير الآية التي قبله، وأما على ذكر ابن عطية فهذا ابتداء معنى آخر، وحكى الزمخشري في معنى هذه الآية قولاً آخر، وهو أنهم لما سمعوا ذكر عيسى قالوا نحن أهدى من النصارى لأنهم عبدوا آدميًّا ونحن عبدنا الملائكة وقالوا آلهتنا وهم الملائكة خير أم عيسى فمقصدهم تفضيل آلهتهم على عيسى. وقيل إن قولهم أم هو: يعنون به محمدًا وَّر، فإنهم لما قالوا إنما يريد محمد أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى قالوا أآلهتنا خير أم هو يريدون تفضيل آلهتهم على محمد والأظهر أن المراد بهو عيسى وهو قول الجمهور ويدلّ على ذلك تقدّم ذكره ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلاَّ جَدَلاً﴾ أي ما ضربوا لك هذا المثال إلاّ على وجه الجدل وهو أن يقصد الإنسان أن يغلب مَن يناظره سواء غلبه بحق أو بباطل، فإن ابن الزبعرى وأمثاله ممّن لا يخفى عليه أن عيسى لم يدخل في قوله تعالى: ﴿حَصَب جَهَنَّم﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ولكنهم أرادوا المغالطة، فوصفهم الله بأنهم قوم خصمون ﴿إِنْ هُوَ إلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ يعني عيسى والإنعام عليه بالنبوّة والمعجزات وغير ذلك ﴿وَلَّوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُم مَّلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُقُونَ﴾ في معناها قولان: أحدهما لو نشاء لجعلنا بدلاً منكم ملائكة يسكنون الأرض ويخلفون فيها بني آدم، فقوله منكم يتعلق يبدل المحذوف أو بيخلفون، والآخر لو نشاء لجعلنا منكم أي لولدنا منكم أولادًا ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم، فإنّا قادرون على أن نخلق من أولاد الناس ملائكة فلا تنكروا أن خلقنا عيسى من غير والد، حكى ذلك الزمخشري ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمْ لُلسَّاعَةِ﴾ الضمير لعيسى وقيل لمحمد بَّهل وقيل للقرآن، فأما على القول بأنه لعيسى أو لمحمد فالمعنى أنه شرط من أشراط الساعة يوجب العلم بها فسمّي الشرط علمًا لحصول العلم به، ولذلك قرىء لعلم بفتح العين واللام: أي علامة وأما على القول بأنه للقرآن: ٣١٨ تفسير سورة الزخرف فَأَخْتَلَفَ أَلْأَحْزَابُ مِنْ بَلِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهٌ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابٍ يَوْمٍ أَلِيمٍ ®َ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُم بَعْتَهُ وَهُمْ لَا بَعِبَادِ لَا خَوْفُ ٦٧ يَشْعُرُونَ )). الْأَخِلَاءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ إِلَّ الْمُتَّقِينَ. عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ◌َ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِثَايَتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ (١) أَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ ٦٨ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٧٠ أَنْتُمْ وَأَزْوَجُكُمْ تُحْبَرُونَ أُلْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُبُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ لَكُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُونَ ﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَطِدُونَ وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَّقْضِ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٢) وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ هُمُ الظَِّينَ ـَ لَقَدْ جِشْتَكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ ﴿) أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْرًّا ٧٧ عَلَيْنَا رَبِّكَّ قَالَ إِنَّكُمْ مََّكِنُونَ ﴿قُلْ إِن كَانَ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَجْوَبِهُمَّ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَتِهِمْ يَكْتُبُونَ فالمعنى أنه يعلمكم بالساعة ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم يَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِهِ﴾ إنما بين البعض دون الكل لأن الأنبياء إنما يبيّنون أمور الدين لا أمور الدنيا، وقيل بعض بمعنى كل وهذا ضعيف ﴿فَاخْتَلَفَ الأَخْزَابُ﴾ ذكر في مريم ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعةَ﴾ أي ينتظرون، والضمير لقريش أو للأحزاب ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوْ إلَّ الْمُتَّقِينَ﴾ الأخلاء جميع خليل وهو الصديق، وإنما يُعادي الخليل خليله يوم القيامة، لأن الضرر دخل عليه من صحیته؛ ولذلك استثنى المتّقين، لأن النفع دخل على بعضهم من بعض ﴿يَا عِبَادٍ﴾ الآية. تقديره يقول الله يوم القيامة للمثّقين: ﴿يَا عِبَادِي لا خَوْفٌ عَلَيْكم اليَوْمِ وَلاَ أَنْتُم تَحْزَنُون﴾ ﴿تُخْبَرُونَ﴾ أي تنعمون وتسرّون ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي يائسون من الخير ﴿وَنَادَوْا ◌َا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ المعنى أنهم طلبوا الموت ليستريحوا من العذاب، ورُونيّ أن مالكل يبقى بعد ذلك ألف سنة وحينئذ يقول لهم إنكم ماكثون أي دائمون في النار. ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ﴾ الآية من كلام الله تعالى لأهل النار، أو من كلام الله لقريش في الدنيا ﴿أَمْ أَبْرَمُوا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ الضمير لكفّار قريش، والمعنى أنهم إن أحكموا كيد النبي _*. فإنّا مُحكِمَون نصره وحمايته ﴿أَمْ يَخْسَبُونَ﴾ الآية: رُوِيَ أنها نزلت في الأخنس بن شريق والأسوه بن عبد يغوث اجتمعا وقال الأخنس أترى الله يسمع سرّنا، فقال الآخر، يسمع نجوانا ولا يسمع سرّنا ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ السرّ ما يحدّث الإنسان به نفسه أو غيره في خفية، والنجوى ما ٣١٩ تفسير سورة الزخرف ◌ْ سُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ ٨٢ أَوَهُوَ الَّذِى فِىِ السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِي الْأَرْضِ ٨٣ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُ الَّذِى يُوعَدُونَ إِلَهُ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨) وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ! وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ إِلَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٨٥ تكلموا به فيما بينهم ﴿بَلَى﴾ أي نسمع ورسلنا مع ذلك تكتب ما يقول والرسل هنا الملائكة الحافظون للأعمال ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ في تأويل الآية أربعة أقوال: الأول أنها احتجاج ورد على الكفّار على تقدير قولهم، ومعناها لو كان للرحمن ولد كما يقول الكفّار لكنت أنا أول مَن يعبد ذلك الولد كما يعظّم خَدَم الملك ولد الملك لتعظيم والده، ولكن ليس للرحمن ولد فلست بعابد إلاّ الله وحده، وهذا نوع من الأدلّة يسمّى دليل التلازم لأنه علّق عبادة الولد بوجوده ووجوده مُحال فعبادته مُحال، ونظير هذا أن يقول المالكي إذا قصد الردّ على الحنفي في تحريم النبيذ: إذ كان النبيذ غير مُسكِر فهو حلال لكنه مُسكِر فهو حرام، القول الثاني إن كان للرحمن ولد فأنا أول مَن عبد الله وحده وكذّبكم في قولكم أن له ولدًا، والعابدين على هذين القولين بمعنى العبادة، القول الثالث أن العابدين بمعنى المنكرين: يقال عبد الرجل إذا أنف وتكبّر وأنكر الشيء، والمعنى إن زعمتم أن للرحمن ولدًا فأنا أوّل المنكرين لذلك، وإن على هذه الأقوال الثلاثة شرطية، القول الرابع قال قتادة وابن زيد إن هنا نافية بمعنى ما كان للرحمن ولد وتمّ الكلام، ثم ابتدأ قوله فأنا أول العابدين، والأول هو الصحيح لأنه طريقة معروفة في البراهين والأدلة، وهو الذي عوّل عليه الزمخشري، وقال الطبري هو ملاطفة في الخطاب ونحوه قوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَو إيّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَو فِي ضَلاَلٍ مُبِين﴾ [سبأ: ٢٤] وقال ابن عطيّة منه قوله تعالى في مخاطبة الكفّار: ﴿أَينَ شُرَكَائِي﴾ [النحل: ٢٧] يعني شركائي على قولكم ﴿فَذَرْهُمْ﴾ الآية مُوادعة منسوخة بالسيف ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلهٌ وَفِي الأَرْضِ إلهٌ﴾ أي هو الإله لأهل الأرض وأهل السماء والمجرور يتعلق بإله لأن فيه معنى الوصفية ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي علم زمان وقوعها ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَذْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ أي لا يملك كل مَن عبد من دون الله أن يشفع عند الله، لأن الله لا يشفع أحد عنده إلاّ بإذنه، فهو المالك للشفاعة وحده ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمَونَ﴾ اختلف هل يعني بمَن شهد بالحق الشافع أو المشفوع فيه، فإن أراد المشفوع فيه فالاستثناء منقطع والمعنى لا يملكون المعبودون شفاعة لكن مَن شهد بالحق وهو عالم به فهو الذي يشفع فيه، ويحتمل على هذا ٣٢٠ تفسير سورة الزخرف جَ وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَّى يُؤْفَكُونَ ( يَعْلَمُونَ أَوَقِيلِهِ، يَرَبٍ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا ٨٧ يُؤْمِنُونَ (٣) فَأَصْفَحَ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَنْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أن يكون مَن شهد مفعولاً بالشفاعة على إسقاط حرف الجرّ تقديره الشفاعة فيمن شهد بالحق، وإن أراد بمَن شهد بالحق الشافع فيحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا وأن يكون متصلاً إلاّ فِيمَن عبد عيسى والملائكة، والمعنى على هذا لا يملك المعبودون شفاعة إلاَّ مَنٍ شهد بالحق ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ القيل مصدر كالقول، والضمير يعود على النبي ◌َّ؛ وقرىء قيله بالنصب والخفض وقرىء في غير السبع بالرفع، فأما النصب. فقيل هو معطوف على سرّهم ونجواهم، وقيل هو معطوف على موضع الساعة لأنها مفعول أُضيف إلى المصدر وقيل معطوف على مفعول محذوف تقديره يكتبون أقوالهم وقيله، وأما الخفض فقيل إنه معطوف على لفظ الساعة، ويحتمل أن يكون معطوفًا على قوله بالحق، وأما على الرفع فقيل إنه مبتدأ وخبره ما بعده، وضعّف الزمخشري ذلك كله وقال إنه من باب القسم فالنصب والخفض على إضمار حرف القسم كقولك الله لأضربنّ زيدًا والرفع كقولهم أيمن الله ولعمرك، وجواب القسم قوله إن هؤلاء قوم لا يؤمنون كأنه قال أقسم بقيله أن هؤلاء قوم لا يؤمنون ﴿فَاضْفَحْ عَتْهُمْ﴾ منسوخ بالسيف ﴿وَقُلْ ◌ِسَلاَمٌ﴾ تقديره أمري سلام: أي مسالمة، وقيل سلام عليكم على جهة الموادعة وهو منسوخ على الوجهين ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهدید. ٩-٠٠ اناالما: : وبيعها