Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ تفسير سورة غافر وَيَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ ٣١ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمٍّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ النَّنَادِ ﴿ يَوْمَ تُوَلَّوَنَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ اَللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (﴿ وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَمَا زِلْتُمْ فِ شٍَّّ مِّمَّا جَآءَ كُم بِّ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ الَّذِينَ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولَاً كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنْهُمْ كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبٍِّ جَبَّارٍ ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِىَّ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ ﴿ أَسْبَبَ السَّمَوْتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُهُ كَذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ عليه السلام وهذا بعيد، وإنما توهموا ذلك لأنه صرّح هنا بالإيمان وكان كلام المؤمن أولاً غير صريح بل كان فيه تورية وملاطفة لقومه، إذ كان يكتم إيمانه، والجواب: أنه كتم إيمانه أول الأمر ثم صرّح به بعد ذلك، وجاهرهم مجاهرة ظاهرة، لمّا وثق بالله حسبما حكى الله من كلامه إلى قوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوّضُ أَمْرِي إِلَى اللّهِ﴾ [غافر: ٤٤] ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ يعني يوم القيامة وسُمّي بذلك لأن المُنادي ينادي الناس، وذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَّدْعُو كُلَّ أُنَاس﴾ [الإسراء: ٧١] وقيل لأن بعضهم ينادي بعضًا، أي ينادي أهل الجنة أن قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقًّا وينادي أهل النار أن أفيضوا علينا من الماء ﴿يَوْمَ تُوَلُونَ مُذْبِرِينَ﴾ أي منطلقين إلى النار وقيل هاربين من النار ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّئَاتِ﴾ قيل هو يوسف بن يعقوب وقيل هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب والبيّنات التي جاء بها يوسف لم تعيّن لنا، واختلف هل أدركه فرعون موسى أو فرعون آخر قبله لأن كلّ مَن مَلَكَ مصر يقال له فرعون ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ كلامهم هذا لا يدلّ على أنهم مؤمنون برسالة يوسف، وإنما مرادهم لم يأتِ أحد يدّعي الرسالة بعد يوسف، قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: إنما هو تكذيب لرسالة مَن بعده مضموم إلى تكذيب رسالته ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ بدل من مسرف مرتاب وإنما جاز إبدال الجمع من المفرد، لأنه في معنى الجمع كأنه قال كل مسرف ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ فاعل کبُر مصدر يجادلون، وقال الزمخشري: الفاعل ضمير من هو مسرف ﴿الأَسْبَابَ﴾ الأسباب هنا الطرق وقيل الأبواب، وكرّرها للتفخيم والبيان ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالرفع عطف على أبلغ وبالنصب بإضمار أن في جواب لعلّ لأن الترجّي غير واجب، فهو كالتمنّي في انتصاب جوابه، ولا نقول إن لعلّ أَشْرِبَت معنى ليت كما قال بعض النحاة ﴿تَبَابِ﴾ أي خسران ﴿مَتَاعٌ﴾ أي يتمتع به قليلاً، فإن قيل لِمَ کرّر ٢٨٢ تفسير سورةغافر لِفِرْعَوْنَ سُوْءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْهُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابِ اللَّهَ وَقَالَ الَّذِيّ ءَمَن يَقَوْمِ أَتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٨) يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا مَعُ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ جَمَنْ عَسِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صِحَامِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَأَوْلَكَ يَدْ خُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَفُونَ فِيَا بِغَيْرِ حِسَابٍ. ﴿ وَقَّوْمِ مَا لِيّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَنِىَ إِلَى النَّارِ بَا تَدْعُونَفِ لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ ع لَا جَزَوَ أَنَّمَا تَدْ عُونَفِيَ إِلَتْهِ وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلَّمٌ وَأَنَأْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَِّ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِ الْأَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَضْحَلَسُ النَّارِ ﴾ فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمَّ وَأُفَوَّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ٤٤ النَّارُ يُعْرَضُونَ عُلَيْهَا ٤٥ فَوَقَدْهُ اَللَّهُ سَيِّئَاتٍ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ وَإِذْ يَتَجَآ ◌ُوستَ فِي غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِظُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَوْاْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَا المؤمن نداء قومه مرارًا؟ فالجواب أن ذلك لقصد التنبيه لهم وإظهار الملاطفة والنصيحة، فإن قيل لِمَّ جاء بالواو في قوله ويا قوم في الثالث دون الثاني؟ فالجواب: أن الثاني بيان للأول وتفسير فلم يصحّ عطفه عليه بخلاف الثالث فإنه كلام آخر فصحّ عطفه عليه ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمْ﴾ أي ليس لي علم بربوبيته والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كأنه قال وأُشرك به ما ليس بإله وإذا لم يكن إلها لم يصحّ علم ربوبيتهِ ﴿لاَ جَرَمَ﴾ أي لا بدّ.ولا شك ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ قال ابن عطية ليس له قدر ولا حق، يجب أن يدعى إليه كأنه قال أتدعونني إلى عبادة ما لا خطر له في الدنيا، ولا في الآخرة، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه ليس له دعوة قائمة أي لا يدعى أحد إلى عبادته ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ دليل على أن مَن فوّض أمره إلى الله عزّ وجل كان الله معه ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ النار بدل من سوء العذاب، أو مبتدأ أو خبر مبتدأ مضمر، وعرضهم عليها من حين موتهم إلى قوم القيامة، وذلك مدّة البرزخ بدليل قوله ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، واستدلّ أهل السُّنّةِ بذلك على صحة ما ورد من عذاب القبر، ورُويَ أن أرواحهم في أجواف طيور سود تروح بهم وتغدو إلى النار ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ قيل معناه في كل غدوة وعشية من أيام الدنيا. وقيل المعنى على تقدير ما بين الغدوة والعشية لأن الآخرة لا غدوة فيها ولا عشية ﴿لخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ إِن ٢٨٣ تفسير سورة غافر قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٤٧ نَصِيبًا مِنَ النَّارِ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩ قَالُواْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيَكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَتِّ قَالُواْ بَلَّى قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَدُوًّا اَلْكَفِرِ ينَ إِلَّا فِي ضَلَلٍ جَ إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ اُلْأَشْهَدُ (®َ يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الذَّارِ (٥) وَلَقَدْءَانَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِىّ إِسْرَءِيلَ الْكِتَبَ (@َ هُدَّى وَذِكْرَى لِأُوْلِ الأَلْبَبِ ٥٤ فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَاَلْإِبْكَرِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ الَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنَّهُمْ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّ كِبْرٌ مَّاهُم بِبَلِغِيَةٍ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ٥٦ قيل هلاّ قال الذين في النار لخزنتها فَلِمَ صرّح باسمها؟ فالجواب أن في ذكر جهنم تهويلاً ليس في ذكر الضمير ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ يحتمل أن يكون من كلام خَزَنَة جهنّم فيكون متصلاً بقوله فادعوا أو يكون من كلام الله تعالى استئنافًا ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ قيل إن هذا خاص فيمَن أظهره الله على الكفّار وليس بعامً لأن من الأنبياء مَن قتله قومه كزكريا ويحيى، والصحيح أنه عامّ، والجواب عمّا ذكروه أن زكريا ويحيى لم يكونا من الرُّسُل إنما كانا من الأنبياء الذين ليسوا بمرسلين وإنما ضمن الله نصر الرُّسل خاصّة لا نصر الأنبياء كلهم ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ يعني يوم القيامة والأشهاد جمع شاهد أو شهيد ويحتمل أن يكون بمعنى الحضور أو الشهادة على الناس أو الشهادة في سبيل الله والأظهر أنه بمعنى الشهادة على الناس لقوله فكيف إذا جئنا من كل أُمة بشهيد ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ يحتمل أنهم لا يعتذرون أو يعتذرون ولكن لا تنفعهم معذرتهم والأول أرجح لقوله ولا يؤذن لهم فيعتذرون فنفى الاعتذار والانتفاع به ﴿إنّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يعني وعده لسيّدنا محمد وَّلَه بالنصر والظهور على أعدائه الكفّار ﴿بِالْعَشِيِّ وَالإِنْكَارِ﴾ قيل العشيّ صلاة العصر والإبكار صلاة الصبح وقيل العشيّ بعد العصر إلى الغروب والإبكار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ يعني كفّار قريش ﴿إِنَّ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّ كِبْرٌ﴾ أي تكبّر وتعاظم يمنعهم من أن يتبعوك أو ينقادوا إليك وقيل كبرهم أنهم أرادوا النبوّة لأنفسهم ورأوا أنهم أحقّ بها والأول أظهر لأن إرادتهم النبوّة لأنفسهم حسد والأول هو الكبر ﴿مَّا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أي لا يبلغون ما يقتضيه كبرهم من الظهور عليك ومن نيل النبوّة ﴿فَاسْتَعِذْ ٢٨٤ تفسير سورة غافر لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبُرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَِلُواْ الصَِّحَتِ وَلَا الْمُسِىُّ قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ (٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَئِيَةٌ لََّ رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (جَهُ وَقَالَ ج رَبُّكُمُ أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْثِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اَلَيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًاْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (جَ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقٌ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُواْ بِشَايَاتِ اللَّهِ ٦٢ كُلِّ شَىْءٍ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوْ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يَجْحَدُونَ () اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ: صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُ: بِاللهِ﴾ أي استعذ من شرّهم لأنهم أعداء لك واستعذ من مثل حالهم في الكبر والحسد واستعذ بالله في جميع أمورك على الإطلاق ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ الخلق هنا مصدر مضاف إلى المفعول والمراد به الاستدلال على البعث لأن الإله الذي خلق السموات والأرض على كبرها قادر على إعادة الأجسام بعد فنائها وقيل المراد توبيخ الكفّار المتكبّرين كأنه قال خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس فما بال هؤلاء يتكبرون على خالقهم وهم من أصغر مخلوقاته وأحقرهم والأول أرجح لوروده في مواضع من القرآن لأنه قال بعده إن الساعة لآتية لا ريب فيها فقدّم الدليل ثم ذكر المدلول. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ الدعاء هنا هو الطلب والرغبة وهذا وعد مقيّد بالمشيئة وهي موافقة القدر لمن أراد أن يستجيب له وقيل ادعوني هنا بمعنى اعبدوني بدليل قوله بعده إن الذين يستكبرون عن عبادتي وقوله وَ الر: ((الدعاء هو العبادة)) ثم تلا الآية وأستجب لكم على هذا القول بمعنى أغفر لكم أو أعطيكم أجوركم والأول أظهر ويكون. قوله ويستكبرون عن عبادتي بمعنى يستكبرون عن الرغبة إليّ كما قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (مَن لم يسأل الله يغضب عليه))، وأما قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((هو العبادة)) فمعناه أن الدعاء والرغبة إلى الله هي العبادة لأن الدعاء يُظهِر فيه افتقار العبد وتضرّعه إلى الله ﴿دَاخِرِينَ﴾ أي صاغرين ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ ذكر في يونس ﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيْبَاتِ﴾ يعني: المستلذّات لأنه إذا جاء ذكر الطيّبات في معرض الإنعام فيراد به المستلذّات وإذا جاء في ٢٨٥ تفسير سورة غافر هُوَ أَلْحَىُّ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ فَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٦٤ اُلْعَلَمِينَ قُلْ إِنِّ نُهِيْثُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَآءَ بِىَ الْبَيِّنَتُ مِن رَّبِّ اُلْعَلَمِينَ ٦٥ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٤) هُوَ الَّذِى خَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخَأْ وَمِنكُم مَّن يُنَوَفَى مِن قَبْلُ هُوَ اُلَّذِى يُحِىء وَيُمِيثٌ فَإِذَا قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا ٦٧ وَلِتَبْلُغُواْ أَجَلَاً مُّسَنَّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿وَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىَّ ءَايَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (١) الَّذِينَ كَذَّبُواْ ج بِالْكِتَبِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَاً فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨) إِذِ الْأَغَْلُ فِىَ أَعْنَفِهِمْ وَالسَّلَسِلُ (٧٣)) من ثُمَّ قِلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُمْ تُشْرِكُونَ ٧٢ يُسْحَبُّونَ (٨) فِ الْحَمِيمِ ثُمَّ فِىِ النَّارِ يُسْجَرُونَ ( دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُنْ تَدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اَللَّهُ الْكَفِرِينَ (*) ذَلِكُمُ بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الِْ وَبِمَا كُمْ تَمْرَحُونَ (١٥) أَدْ خُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِنَ (٦) فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ معرض التحليل والتحريم فيُراد به الحلال والحرام ﴿الْحَمْدُ لِلْهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا متّصل بما قبله قال ذلك ابن عطية والزمخشري وتقدیره ادعوه مخلصین قائلین الحمد لله ربّ العالمين ولذلك قال ابن عباس مَن قال لا إله إلاّ الله فليقل الحمد لله ربّ العالمين ويحتمل أن يكون الحمد لله استئنافًا ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أراد الجنس ولذلك أفرد لفظه مع أن الخطاب لجماعة ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشدَّكُمْ﴾ ذكر الأشدّ في سورة يوسف عليه السلام واللام تتعلق بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا وأما لتبلغوا أجلاً مسمّى فمتعلّق بمحذوف آخر تقديره فعل ذلك بكم لتبلغوا أجلاً مسمَّى وهو الموت أو يوم القيامة ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ يعني كفار قريش وقيل هم أهل الأهواء كالقدرية وغيرهم وهذا مردود بقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ إلاّ إن جعلته منقطعًا مما قبله وذلك بعيد ﴿إِذِ الأَغْلَاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ العامل في إذ يعلمون وجعل الظرف الماضي من الموضع المستقبل لتحقّق الأمر ﴿يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيم﴾ أي يجرّون والحميم الماء الشديد الحرارة ﴿ثُمَّ فِي الثَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ هذا من قولك سجرت التنّور إذا ملأته بالنار، فالمعنى أنهم يدخلون فيها كما يدخل الحطب في التنور، ولذلك قال مجاهد في تفسيره توقد بهم النار ﴿تَمْرَحُونَ﴾ من المرح وهو الأشر والبطر وقيل الفخر والخيلاء ﴿فَبِشْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ إن قيل قياس ٢٨٦ أ تشقير: سورة غافر وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَن قَصَصْنَا عَلَيْلِكَبْ لَوَمِنْهُم أَوْ نَتَوَفَيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ الَّ مَن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِى بِشَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ فُضِىَ (١) أَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِّكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا (٧٨ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَلِتَّبْأُوْ عَلَيْهَا حَاجَةٌ فِ صُدُورِكُمْ وَعَلَيَّهَا وَعَلَى أَلْفُلْكِ تَأْكُلُونَ ٧٩ ◌ُحْمَلُونَ الْ ◌َوَيُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، فَأَىَّ ءَايَدْتِ اٌللَّهِ تُنْكِّرُونَ (٤) أَفَلَمْ يَشِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيْنُظُرُوا ٨٠ كَيْفَ كَانَّ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَحْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِ الْأَرْضِ فَمَأْ أَغْنَى فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِخُواْ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَّ أَلْعِلْمِ ٨٢ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ النظم أن يقول بئس مدخل الكافرين لأنه تقدّم قبله ادخلوا. فالجواب: أن الدخول المؤقّت بالخلود في معنى الثوى ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أصل إمّا نرينك إن نريك ودخلت ما الزائدة بعد إن الشرطية، وجواب الشرط محذوف تقديره إن أريناك بعض الذي تُعدهم من العذاب قرّت عينك بذلك وإن توفّيناك قبل ذلك فإلينا يرجعون، فننتقم منهم أشدّ الانتقام ﴿مِنْهُم مَّنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ رُوِيَ عن النبي ◌َ ﴿ أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف رسول وفي حديث آخر أربعة آلافه، وفي حديث أبي ذرّ إن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا منهم الرُّسُل ثلاثمائة وثلاثة عشر: فذكر الله بعضهم في القرآن، فهم الذين قصّ عليه ولم يذكر سائرهم فهم الذين لم يقصص عليه ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْخَقْ﴾ قال الزمخشري: أمر الله القيامة، وقال ابن عطية: المعنى إذا أراد الله إرسالى رسول قضى ذلك ويحتمل أن يريد بأمر الله إهلاك المكذّبين للرَّسُل لقوله: ﴿وَخَسِرَ هُتَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ هنالك في الموضعين يُراد به الوقت والزمان وأصله ظرف مكان ثم وضع موضع ظرف الزمان ﴿الأَنْعَامِ﴾ هي الإبل والبقر والضأن والمعز، فقوله: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ يعني الإبل ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني اللحوم والمنافع منها اللبن والصوف وغير ذلك ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيهَا حَاجَةً﴾ يعني قطع المسافة البعيدة وحمل الأثقال على الإبل، وتحملون يريد الركوب عليها وإنما كرّره بعد قوله: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ لأنه أراد الركوب الأول المتعارف في القرى والبلدان وبالحمل عليها الأسفار البعيدة، قاله ابن عطية ﴿وَيُرِّيَكُمْ آيَاتِهِ﴾ هذا عموم بعد ما قدّم من الآيات المخصوصة ولذلك وبّخهم بقوله: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ ﴿فَرِحُوا بِهَا عِندَهُم مِّنَّ الْعِلْم﴾ الضمير يعود على الأمم المكذبين وفي تفسير علمهم وجوه: أحدها أنه ما كانوا يعتدون من أنهم لا يبعثون ولا يحاسبون، والثاني أنه علّمهم بمنافع الدنيا وبوجوه كسبها، ٢٨٧ تفسير سورة غافر ◌ََّ فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَّاً سُنَّتَ اللَّهِ اَلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِىِ عِبَادِهِ. (٨٤ كُتَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ ٨٥ والثالث أنه علّم الفلاسفة الذين يحتقرون علوم الشرائع وقيل الضمير يعود على الرسل، أي فرحوا بما أعطاهم الله من العلم بالله وشرائعه أو بما عندهم من العلم بأن الله ينصرهم على مَن يكذبهم وأما الضمير في وحاق بهم فيعود على الكفّار باتفاق ولذلك ترجح أن يكون الضمير في فرحوا يعود عليهم ليتّسق الكلام ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ انتصب على المصدرية والله سبحانه أعلم. سورة فصّلت مكية وآياتها ٥٤ نزلت بعد غافر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْيِ الرّحمـ كِتَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٣ ٢ تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيَّ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيّ بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿فُصِّلَتْ﴾ أي بيّنت وقيل قطعت إلى سور وآيات ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ منصوب بفعل مضمر على التخصيص أو حال أو مصدر ﴿لْقَوْم يَعْلَمُونَ﴾ معناه يعلمون الأشياء ويعقلون الدلائل إذا نظروا فيها وذلك هو العلم الذي يوجب التكليف وقيل معناه يعلمون الحق والإيمان فالأول عامّ وهذا خاصّ، والأول أولى لقوله: فأعرض أكثرهم لأن الإعراض ليس من صفة المؤمنين، وقيل يعلمون لسان العرب فيفهمون القرآن إذ هو بلغتهم، وقوله لقوم يتعلق بتنزيل أو فصّلت والأحسن أن يكون صفة لكتاب ﴿فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾ أي لا يقبلون ولا يطيعون وعبّر عن ذلك بعدم السماع على وجه المبالغة ﴿فِي أَكِنَّةٍ﴾ جمع كنان وهو الغطاء، ﴿وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ عبارة عن بعدهم عن الإسلام ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ قيل معناه اعمل على دينك إننا عاملون على ديننا فهي متاركة، وقيل اعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك، فهو تهديد ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هي زكاة ٢٨٩ تفسير سورة فصلت ءَاذَاِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنََّا عَمِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَّ ◌َ الَّذِينَ لَا يُؤْثُونَ ٦ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَأَسْتَقِيمُوْاْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ ﴿ قُلْ أَبِتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنٍ وَتَجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ مَمْنُونٍ وَجَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَزَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىّ أَرْبَعَةِ أَيَّامِ سَوَآءُ ٩ اُلْعَلَمِينَ ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْتِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهَاً قَالَتَآَ أَنْيْنَا ١٠ لِلسَّآئِلِينَ المال وإنما خصّها بالذكر لصعوبتها على الناس ولأنها من أركان الإسلام وقيل يعني بالزكاة التوحيد وهذا بعيد وإنما حمله على ذلك لأن الآيات مكيّة، ولم تفرض الزكاة إلاّ بالمدينة والجواب أن المراد النفقة في طاعة الله مطلقًا وقد كانت مأمورًا بها بمكة ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع من قولك، مننت الحبل إذا قطعته وقيل غير منقوص، قيل غير محصور، وقيل لا يمنّ عليهم به لأن المنّ يكذّر الإحسان ﴿أَنْدَادًا﴾ أي أمثالاً وأشباهًا من الأصنام وغيرها ﴿رَوَاسِيَّ﴾ يعني الجبال ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ أكثر خيرها ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ أي أرزاق أهلها ومعاشهم وقيل يعني أقوات الأرض من المعادن وغيرها من الأشياء التي بها قوام الأرض والأول أظهر ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّام﴾ يريد أن الأربعة كملت باليومين الأوّلين فخلق الأرض في يومين وجعل فيها ما ذكر في يومين، فتلك أربعة أيام وخلق السموات في يومين فتلك ستة أيام حسبما ذكر في مواضع كثيرة ولو كانت هذه الأربعة الأيام زيادة على اليومين المذكورين قبلها لكانت الجملة ثمانية أيام بخلاف ما ذكر في المواضع الكثيرة ﴿سَوَاءٌ﴾ بالنصب مصدر تقديره استوت استواء قاله الزمخشري، وقال ابن عطية انتصب على الحال ﴿لْلِسَّائِلِينَ﴾ قيل معناه لمَن سأل عن أمرها وقيل معناه للطالبين لها، ويعني بالطلب على هذا حاجة الخلق إليها، وحرف الجر يتعلق بمحذوف على القول الأول تقديره يبيّن ذلك لمَن سأل عنه ويتعلق بقدّر على القول الثاني ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي قصد إلیھا، ويقتضي هذا الترتيب: أن الأرض خلقت قبل السماء، فإن قيل كيف الجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿وَالأَرْضِ بَعْدَ ذَلِكَ دَخَّاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] فالجواب أنها خلقت قبل السماء، ثم دحيث بعد ذلك ﴿وَهِيَ دُخَانْ﴾ رُوِيَ أنه كان العرش على الماء فأخرج إليه من الماء دخان فارتفع فوق الماء فأيبس الماء فصار أرضًا، ثم خلق السموات من الدخان المرتفع ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اثْنِيَا طَوْعَا أَوْ كَزْهَا﴾ هذه عبارة عن لزوم طاعتهما كما يقول الملك لمَن تحت ٢٩٠ تفسير سورة فصلت ا فَقَضَدُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا وَزَيِّنَا السَّمَآءَ الذُّنْيَا طَآئِعِينَ بِمَصَبِيحَ وَحِفْظَا ذَلِكَ تَقْدِيُ اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١) فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرَتُكُمْ صَلِقَةً مِثْلَ صَعِقَّةٍ عَادٍ وَثَمُودَ ﴿ إِذَّ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلََّ تَقْبُدُونَ إِلَّ اللهَ قَالُواْلَوْشَآءُ ﴿أَ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرٍ لَأْسِّ رَبَُّ لَأَنْزَ مَكَةٌ فَإِنَّا بِمَا أَرْسِلْتُمُ بِ كَلِفِرُونٌ يده افعل كذا شئت أو أبيت أي لا بدّ لك من فعله، وقيل تقديره ائتياً طوعًا وإلاّ أتيتما كرهًا ومعنى هذا الإتيان تصويرهما على الكيفية التي أرادها الله وقوله لهما أنتيا مجاز وهو عبارة عن تكوينه لهما وكذلك قولهما أتينا طائعين عبارة عن أنهما لم يمتنعا عليه حين أراد تكوينهما وقيل بل ذلك حقيقة وأنطق الله الأرض والسماء بقولهما أتينا طائعين وإنما جمع طائعين جمع العقلاء لوصفهما بأوصاف العقلاء ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَنْوَاتٍ﴾ أي صنعهنّ والضمير السموات السبع وانتصابها على التمييز تفسير للضمير وأعاد عليها ضمير الجماعة المؤنثة لأنها لا تعقل فهو كقولك الجذوع انكسرت وجمعهما جمع المفكر العاقل في قوله طائعين لأنه وصفهما بالطوع وهو فعل العقلاء فعاملهما معاملتهم فهو كقولك رأيتهم لي ساجدين وأعاد ضمير التثنية في قوله قالته أتينا لأنه جعل الأرض فرقة والسماء الأخرى. ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءِ أَمْرَهَا﴾ أي أوحى إلى سكانها من الملائكة وإليها نفسها ما شاء من الأمور التي بها قوامها وصلاحها وأضاف الأمر إليها لأنه فيها ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا. بِمَصَابِيحَ﴾ يعني الشمس والقمر والنجوم وهي زينة للسماء الدنيا سواء كانت فيها أو فيما فوقها من السموات ﴿وَحِفْظًا﴾ تقديره وحفظناها حفظًا ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله. على المعنى كأنه قال وخلقنا المصابيح زينةً وحفظًا ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ الضمير لقريش ﴿صَاعِقَةِ﴾ يعني واقعة واحدة شديدة وهي مستعارة من صاعقة النار وقرىء صعقة بإسكان العين وهي الواقعة من قولك صعق الرجل ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ معنى ما بين الأيدي المتقدّم، ومعنى ما خلف المتأخر، فمعنى الآية: أن الرُّسُل جاؤوهم في الزمان المتقدّم واتصلت نذارتهم إلى زمان عاد وثمود حتى قامت عليهم الحجة بذلك من بين أيديهم ثم جاءتهم رُسُل آخرون عند اكتمال أعمارهم فذلك من خلفهم قاله این عطية وقال الزمخشري معناه أتوهم من كل جانب فهو عبارة عن اجتهادهم في التبليغ إليهم. وقيل أخبروهم بما أصاب من قبلهم فذلك ما بين أيديهم وأنذروهم ما يجري عليهم من الزمان المستقبل وفي الآخرة فذلك من خلفهم ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾ أن حرف عبارةٍ وتفسِيرٍ أو مصدرية على تقدير بأن لا تعبدوا إلاّ الله ﴿فَإِنَّا بِمَا أَرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ ليسِ فِيهِ اعترافٍ. ٢٩١ تفسير سورة فصّلت وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةٌ أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِشَايَتِنَا ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِيَّ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِرِىِ فِى الْحَيَوَةِ تَجْحَدُون وَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُواْ الْعَمَى عَلَى الذُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَى وَهُمْ لَا يُنُصَرُونَ (﴾ وَنَجِّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ ١٧ الْهُدَى فَأَخَذَتَهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ يَثَّقُونَ (١٦) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِفَهُمْ يُوزَعُونَ (٢٦) حََّ إِذَا مَا جَآءُ وهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُهُمْ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (٢) وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (*) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ٢٢ وَذَلِكُمْ ظَبِّكُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَ نَّكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَسِرِينَ لَّا فَإِنِ يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ الكفّار بالرسالة وإنما معناه بما أرسلتم على قولكم ودعواكم وفيه تهكّم ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ قيل إنه من الصرّ وهو شدّة البرد فمعناه باردة وقيل إنه من قولك صرصر إذا صوّت فمعناه لها صوت هائل ﴿فِي أَيَّام نَّحِسَاتٍ﴾ معناه من النحس وهو ضدّ السعد وقيل شديدة البرد وقيل متتابعة والأول أرجح، ورُوِيَ أنها كانت آخر شوّال من الأربعاء إلى الأربعاء وقرىء نحسات بإسكان الحاء وكسرها فأما الكسر فهو جمع نحس وهو صفة وأما الإسكان فتخفيف من الكسر على وزن فعل أو وصف بالمصدر ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي بيّنًا لَهم فهو بمعنى البيان لا بمعنى الإرشاد ﴿فَهُم يُوزَّعُونَ﴾ أي يدفعون بعنف ﴿وَجِلُودُهُم﴾ يعني الجلود المعروفة وقيل هو كناية عن الفروج والأول أظهر ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ الآيات يحتمل أن تكون من كلام الجلود أو من كلام الله تعالى أو الملائكة، وفي معناه وجهان: أحدهما لم تقدروا أن تستتروا من سمعكم وأبصاركم وجلودكم لأنها ملازمة لكم فلم يمكنكم احتراس من ذلك فشهدت عليكم، والآخر لم تتحفظوا من شهادة سمعكم وأبصاركم وجلودكم، لأنكم لم تبالوا بشهادتها ولم تظنوا أنها تشهد عليكم، وإنما استترتم لأنكم ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون، وهذا أرجح لاتّساق ما بعده معه ولما جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود: أنه قال اجتمع ثلاثة نفر قرشيان وثقفي قليل فقه قلوبهم كثير شحم بطونهم، فتحدّثوا بحديث فقال أحدهم أترى الله يسمع ما قلنا، فقال: الآخر إنه يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا فقال الآخر: إن كان يسمع منّا شيئًا فإنه ٢٩٢ تفسير سورة فصلت ﴿ وَقَيَّضَّنَا لَهُمْ قُرْنَاءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم ◌َّا بَيْنَ ٢٤ مَثْوَى لَهُمّ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ قَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ أَيْدِيِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِيَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْمِنِّ وَالإِنسِّ إِنَّهُ كَانُواْ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ ٢٦ خَسِرِينَ (9) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْمَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ◌َ ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَاءِ اَللَّهِ النَّارُ لَمِفِيْهَا ٢٧ كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( بَارُ الْحُلْدِ جَآءُ بِمَا كَانُواْ بِثَايَغْنَا يَحَْدُونَ (١٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَبْنِ أَضْلَّانَا مِنَ لَالْجِنّ وَاْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٤) إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدِمُوا تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِىَ كُمْ يسمعه كله فنزلت الآية ﴿أَزْدَاكُمْ﴾ أي أهلككم من الرّدى بمعنى الهلاك ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَّبِينَ﴾ هو من العتب بمعنى الرضا أي إن طلبوا العتبى ليس فيهم مَن يغَطَأَهَا ﴿وَقَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ أي يسّرنا لهم قرناء سوء من الشياطين وغواة الإنس ﴿فَزَّيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما بين أيديهم ما تقدّم من أعمالهم، وما خلفهم ما هم عازمون عليه أو ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة، والتكذيب بها ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي سبق عليهم القضاء بعذابهم ﴿فِي أُمَم﴾ أي في جملة أُمم، وقيل في بمعنى مع ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ رُوِيَ أن قائل هذه المقالة أبو جهل بن هشام لعنه الله ﴿وَالْغوا فِيه﴾ المعنى لا تسمعوا إليه، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات وإنشاد الشعر وشبه ذلك حتى لا يسمعه أحد، وقيل معناه قعوا فيه وعيبوه ﴿أُوِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنًا﴾ يقولون هذا إذا دخلوا جهنم، فقولهم مستقبل ذكر بلفظ الماضي، لتحقّقه،. ومعنى اللذين أضلاّنا: كلّ مَن أغوانا من الجنّ والإنس، وقيل المراد ولد آدم الذي سنّ القتل وإبليس الذي أمر بالكفر والعصيان وهذا باطل لأن ولد آدم مؤمن عاصي وإنما طلعب هؤلاء مَن أضلّهم بالكفر ﴿تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ أي في أسفل طبقة من النار ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، استقاموا على قولهم: ربّنا الله، فصح إيمانهم ودام توحيدهم وقال عمر بن الخطاب المعنى استقاموا على الطاعة وترك المعاصي وقول عمر أكمل وأحوط وقول أبي بكر أرجح لما روى أنس أن رسول الله وال قوا هذه الآية وقال قد قالها قوم ثم كفروا فمَن مات عليها فهو ممّن استقام، وقال بعض الصوفية: معنى استقاموا أعرضوا عمّا سوى الله وهذه حالة الكمال على أن اللفظ لا يقتضيه ﴿تَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ يعني عند الموت ﴿وَلَكُم فِيهَا﴾ الضمير للآخرة ﴿مَا تَدَّعُونَ﴾ أي ما تطلبون ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ ٢٩٣ تفسير سورة فصّلت نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ ٣٠ تُوعَدُونَ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿ نُلًا مِّنْ غَفُورٍ زَحِيمٍ ﴾ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَاً ج إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿ وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَ السَّيِّئَةُ أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَكُمُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيدٌ ﴿ وَمَا يُلَقَّنِهَآ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّتِهَا إِلَّ ذُو حَظٍ عَظِيمٍ (٢) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعُ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ أَلَيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَاَلْقَمَرْ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَمِنْ فَإِنِ ٣٧ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ اسْتَكْبَرُواْ فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ ﴾ الَ ءَايَيْهِ- أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَنْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِى الْمَوْنَىّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى ءَايَئِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَأُ أَفَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرُّ أَم مَّن يَأْتِىّ ءَامِنَّا يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَُّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ (٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَ هُمّ قَوْلاً مٌمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ﴾ أي لا أحد أحسن أقوالاً منه ويدخل في ذلك كلّ مَن دعا إلى عبادة الله أو طاعته على العموم، وقيل: المراد سيدنا محمد بَّه، وقيل المؤذنون وهذا بعيد لأنها مكيّة، وإنما شرع الأذان بالمدينة ولكن المؤذنون يدخلون في العموم ﴿وَمَا يُلْقَّاهَا﴾ الضمير يعود على الخلق الجميل الذي يتضمنه قوله: ﴿أَذْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَخْسَنُ﴾ ﴿ذُو حَظٌ عَظِيمٍ﴾ أي حظّ من العقل والفضل وقيل حظّ عظيم في الجنة ﴿وَإِمَّا يَنزَغَتَّكَ﴾ إن شرطية دخلت عليها ما الزائدة ونزغ الشيطان وساوسه وأمره بالسوء. ﴿الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الضمير يعود على الليل والنهار والشمس والقمر، لأن جماعة ما لا يعقل كجماعة المؤنث أو كالواحدة المؤنثة، وقيل إنما يعود على الشمس والقمر وجمعهما لأن الاثنين جمع وهذا بعيد، ﴿قَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ الملائكة ﴿لاَ يَسْتَمُونَ﴾ أي لا يملّون ﴿الأَرْضَ خَاشِعَةٌ﴾ عبارة عن قلّة النبات ﴿اهْتَزَّتْ﴾ ذكر في الحج ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُخيِي الْمَوْتَى﴾ تمثيل واحتجاج على صحة البعث ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي يطعنون عليها وهذا الإلحاد هو بالتكذيب وقيل باللغو فيه حسبما تقدّم في السورة ﴿ أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ الآية: قيل إن المراد بالذي يلقى في النار أبو جهل وبالذي يأتي آمنًا عثمان بن عفّان وقيل عمّار بن ياسر واللفظ أعمّ من ذلك ﴿أَعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ تهديد لا إباحة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ٢٩٤ تغسليو سورة فصلت وَإِنَُّ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ ﴿ لَا يَأْنِهِ الْتَطِلُ مِنْ بَيْنِ يُّدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (َّ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلْزُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ () وَلَوْ جَعَلْتَهُ قُرْءَانَا أَعْجَمِيَّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُِّّلَتْ ءَايَلِنُهُ وَءَأعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدِّى وَشِفَرَاءُ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَ أُوْلَئِكَ يُنَدَوْنَ مِن مَكَانٍ بَعِيدِ ٤٤ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لَا سَمَكَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنْهُمْ بِالذّكر﴾ الذكر هنا القرآن باتفاق وخبر إن محذوف تقديره ضلّوا أو هلكوا، وقيل خبرها أولئك ينادون من مكان بعيد، وذلك بعيد ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ أي كريم على الله، وقيل منيع من الشيطان ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ أي ليس فيما تقدمه ما يبطله ولا يأتي بعده ما ييطله والمراد على الجملة أنه لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرَّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ في معناه قولان: أحدهما ما يقول الله لك من الوحي والشرائع، إلا مثل ما قال للرُّسُل من قبلك، والآخر ما يقول لَك الكفّار من التكذيب والأذى إلاّ مثل ما قالت الأمم المتقدمون لرسلهم فالمراد على هذا تسلية النبي # بالتأسي، والمراد على القول الأول أنه عليه الصلاة والسلام أتى بما جاءت به الرسل فلا تنكر رسالته ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾. يحتمل أن يكون مستأنفًا، أو يكون هو المقول في الآية المتقدمة وذلك على القول الأوّل، وأما على القول الثاني فهو مستأنف منقطع مما قبله، ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلاَ فُصْلَتْ آيَاتُهُ﴾ الأعجمي الذي لا يُفصِح ولا يبيّن كلامه سواء كان من العرب أو من العجم والعجمي الذي ليس من العرب فصيحًا كان أو غير فصيح، ونزلت الآية بسبب طعن قريش في القرآن، فالمعنى أنه لو كان أعجميًّا لطعنوا فيه وقالوا هلا كان مبيّناً فظهر أنهم يطعنون فيه على أيّ وجه كان ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ هذا من تمام كلامهم والهمزة للإنكار، والمعنى: أنه لو كان القرآن أعجميًا لقالوا قرآن أعجمي ورسول عربي، أو مرسل إليه عربي، وقيل إنما طعنوا فيه لما فيه من الكلمات العجمية، كسجين وإستبرق فقالوا قرآن أعجمي وعربي، أي مختلط من كلام العرب والعجم، وهذا يجري على قراءة أعجمي بفتح العين ﴿في آخَاتِهِمْ وَقْرٌ﴾ عبارة عن إعراضهم عن القرآن فكأنهم صُمَّ لا يسمعون وكذلك ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمْى﴾ عبارة عن قلّة فهمهم له ﴿أُولَئِكَ يُنَاذَوْنَ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ فيه قولان: أحدهما عبارة عن قلّة فهمهم فشبّهُهم بمَن ينادى من مكان بعيد فهو لا يسمع الصوت ولا يفقه ما يقال، والثاني أنه حقيقة في يوم القيامة، أي ينادون من مكان بعيد ليسمعوا أهل الموقف توبيخهم، والأوّل ◌َليق بالكنايات التي قبلها ﴿كَلِمَةٌ سَبْقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ يعني القدر ﴿إِلَيْهِ يُرُدُّ عِلْمٌ ٢٩٥ تفسير سورة فصّلت ٤٦ ◌َ مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ لَفِى شَكٍ مِنْهُ مُرِيبٍ (٥ ﴿ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَةٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ. وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُواْ يَدْعُونَ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى قَالُواْ ءَاذَنَّكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ أَّ لَّا يَسْتَمُ الْإِنسَنُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسُِّ مِن قَبْلُ وَظَنُواْ مَا لَهُم مِّن ◌َّحِصٍ ﴾ قَنُوطٌ (٤) وَلَيِنْ أَذَقْنَهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّةَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى وَمَا أَظُنُ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَيِن تُجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىّ فَلَُنَبِقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَذَابٍ غَلِيظٍ عَرِيضٍ ﴿ قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَنْ هُوَ فِ شِقَاقٍ السَّاعَة﴾ أي علم زمان وقوعها، فإذا سُئِلَ أحد عن ذلك قال: الله هو الذي يعلمها ﴿مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ جمع كم بكسر الكاف وهو غلاف الثمرة قبل ظهورها ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ العامل في يوم محذوف والمراد به يوم القيامة، والضمير للمشركين وقوله أين شركائي توبيخ لهم، وأضاف الشركاء إلى نفسه على زعم المشركين، كأنه قال الشركاء الذين جعلتم لي ﴿قَالُوا آذَنَّكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ المعنى: أنهم قالوا أعلمناك ما منّا مَن يشهد اليوم بأن لك شريكًا لأنهم كفروا يوم القيامة بشركائهم ﴿وَضَلْ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ﴾ أي ضلّ عنهم شركاؤهم بمعنى أنهم لا يروهم حينئذ فما على هذا موصولة أو ضلّ عنهم قولهم الذي كانوا يقولون من الشرك، فما على هذا مصدرية ﴿وَظَنُوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾ الظنّ هنا بمعنى اليقين، والمحيص المهرب: أي علموا أنهم لا مهرب لهم من العذاب وقيل يوقف على ظنوا، ويكون ما لهم: استئنافًا، وذلك ضعيف ﴿لاَ يَسْأَمُ الإنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ أي لا يملّ من الدعاء بالمال والعافية وشبه ذلك، ونزلت الآية في الوليد بن المغيرة، وقيل في غيره من الكفّار واللفظ أعمّ من ذلك ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أي هذا حقّي الواجب لي، وليس تفضلاً من الله ولا يقول هذا إلاّ كافر، ويدلّ على ذلك قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ وقوله: ﴿وَلَيْنِ رْجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ معناه إن بعثت تكون لي الجنة وهذا تخرّص وتكبِّر، ورُوِيّ أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة ﴿وَنَأَى بِجَانِهِ﴾ ذكر في الإسراء ﴿دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي كثير، وذكر الله هذه الأخلاق على وجه الذمّ لها ﴿قُلْ أَرَأَنْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ الآية معناها أخبروني إن كان القرآن من عند الله ثم كفرتم به ألستم في شقاق بعيد فوضع قوله من أضلّ موضع الخطاب لهم ﴿سَتُرِيهِمْ ٢٩٦ تفسير سورة فصلت سَئِّرِيهِمْ ءَايَِّنَا فِ اُلَّفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقٌ أَوَلَمْ يَكْفِ بَعِيدٍ ٥٢ أَلَا إِنَّهُمْ فِىِ مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْء بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ ٥٤ تُحِيطٌ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ الضمير لقريش وفيها ثلاثة أقوال: أحدها أن الآيات في الآفاق هي فتح الأقطار للمسلمين والآيات في أنفسهم هي فتح مكة فجمع ذلك وعداً للمسلمين بالظهور، وتهديدًا للكفّار، واحتجاجًا عليهم بظهور الحق وخمول الباطل، والثاني أن الآيات في الآفاق هي ما أصاب الأمم المتقدمة من الهلاك وفي أنفسهم يوم بدر .. الثالث أن الآيات في الآفاق: هي خلق السماء وما فيها من العِبَرِ والآيات، وفي أنفسهم خلقة بني آدم وهذا ضعيف لأنه قال سنريهم بسين الاستقبال، وقد كانت السموات وخلقة بني آدم مرئية والأول هو الراجح ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الضمير للقرآن أو للإسلام ﴿مُحِيَطْ﴾ أي محيط بعلمه وقدرته وسلطانه. الجلد: حياة سورة الشورى مکیة إلاّ الآيات ٢٣ و٢٤ و٢٥ و٢٧ فمدنيّة وآياتها ٥٣ نزلت بعد فصّلت بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَ كَذَلِكَ يُوحِىّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَلَهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ ٢ حمّ (١) عَسَقَ تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَتَبِكَةُ يُسَبِّحُونَ ٤ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِىُّ اَلْعَظِيمُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم حم عسق الكلام فيه كسائر حروف الهجاء حسبما تقدّم في سورة البقرة، وقد حكى الطبري أن رجلاً سأل ابن عباس عن ﴿حم عسق﴾ فأعرض عنه، فقال حذيفة إنما كرهها ابن عباس لأنها نزلت في رجل من أهل بيته اسمه عبد الله يبني مدينة على نهر من أنهار المشرق ثم يخسف الله بها في آخر الزمان، والرجل على هذا أبو جعفر المنصور والمدينة بغداد وقد ورد في الحديث الصحيح أنها يخسف بها ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ الكاف نعت لمصدر محذوف والإشارة بذلك إلى ما تضمنه القرآن أو السورة، وقيل الإشارة لقوله: ﴿حم عسق﴾ فإن الله أنزل هذه الأحرف بعينها في كل كتاب أنزله، وفي صحة هذا نظر ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ اسم الله فاعل بيوحي، وأما على قراءة يوحى بالفتح فهو فاعل بفعل مضمر دلّ عليه يوحى كأن قائلاً قال مَن الذي أوحى فقيل الله ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّزْنَ﴾ أي يتشققن من خوف الله وعظيم جلاله، وقيل من قول الكفّار اتخذ الله ولدا، فهي كالآية ٢٩٨ تفسير سورة الشورى بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَالَّذِينَ أَمَّخَذُواْ مِن دُونِهِ: أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظُ خَيْهِمْ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِلٍ ﴾ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لُِّنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهَ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ (*) وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَعَلَهُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِىِ رَحْمَتِهٍ، وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (جـ) أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِىُّ وَهُوَ يُحِى الْمَوْنَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ (١) فَاطِرُ السَّمَوَتِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ: إِلَى اَللَّهِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ وَالْأَرْضِّ جَعَلَ لَكُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ، التي في مريم قال ابن عطية: وما وقع للمفسّرين هنا من ذكر الثقل ونحوه: مردود لأن الله تعالى لا يوصف به ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ الضمير للسموات والمعنى يتشققن من أعلاهنّ، وذلك مبالغة في التهويل، وقيل الضمير للأرضين وهذا بعيد، وقيل الضمير للكفّار كأنه قال من فوق الجماعات الكافرة التي من أجل أقوالها تكاد السموات يتفطرن، وهذا أيضًا بعيد ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ﴾ عموم يراد به الخصوص لأن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض، فهي كقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. وقيل إن يستغفرون للذين آمنوا نسخ هذه الآية، وهذا باطل، لأن النسخ لا يدخل في الأخبار، ويحتمل أن يريد بالاستغفار طلب الحلم عن أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم، ومعناه الإمهال: لهم وأن لا يعاجلوا بالعقوبة فيكون عامًّا، فإن قيل: ما وجه اتصال قوله والملائكة يسبّحون الآية: بما قبلها؟ فالجواب أنّا إن فسرنا تفطر السموات بأنه من عظمة الله فإنه يكون تسبيح الملائكة أيضًا تعظيمًا له فينتظم الكلام، وإن فسّرِنا تفطّرها بأنه من كفر بني آدم فيكون تسبيح الملائكة تنزيها لله تعالى عن كفر بني آدم وعن أقوالهم القبيحة ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ هي مكة، والمراد أهلها، ولذلك عطف عليه من حولها يعني من الناس ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ يعني يوم القيامة وسمّي بذلك لأن الخلائق يجتمعون فيه ﴿أَم اتَّخَذُوا﴾ أم منقطعة، والأولياء هنا المعبودون من دون الله ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي ما اختلَفتم فيه أنتم والكفّار من أمر الدين فحكمه إلى الله بأن يعاقب المبطل ويُثيب المحقّ أو ما اختلفتم فيه من الخصومات فتحاكموا فيه إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كقوله: ((فردوه إلى الله والرسول)) ﴿مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ يعني الإناث ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ يحتمل أن يريد الإناث أو الأصناف ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ معنى يذرؤكم يخلقكم نسلاً بعد نسل وقرنًا بعد قرن، وقيل يكثركم، والضمير ٢٩٩ تفسير سورة الشورى لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ ١١ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ١٢ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ وَمَا وَصَّيْنَا بٍِ إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَتَفَرَّقُواْ فِيَّهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُلِبُ ﴿ وَمَا نَفَرَّقُواْ إِلَّ مِنْ بَعْدِمَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَيِّكَ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍ مِّنْهُ مُرِيدٍ ﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَّ وَلَا المجرور يعود على الجعل الذي يتضمنه قوله: ﴿جَعَلَ لَكُم﴾، وهذا كما تقول كلّمت زيدًا كلامًا أكرمته فيه، وقيل الضمير للتزويج الذي دلّ عليه قوله أزواجًا، وقال الزمخشري تقديره يذرؤكم في هذا التدبير، وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجًا، والضمير في يذرؤكم خطاب للناس والأنعام غلب فيه العقلاء على غيرهم، فإن قيل: لِمَ قال یذرؤكم فيه وهلاً قال يذرؤكم به؟ فالجواب: أن هذا التدبير جعل كالمنع والمعدن للبثّ والتكثير قاله الزمخشري ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تنزيه لله تعالى عن مشابهة المخلوقين، قال كثير من الناس الكاف زائدة للتأكيد، والمعنى ليس مثله شيء، وقال الطبري وغيره ليست بزائدة، ولكن وضع مثله موضع هو، والمعنى ليس كهو شيء قال الزمخشري: وهذا كما تقول مثلك لا يبخل، والمراد أنت لا تبخل، فنفى البخل عن مثله والمراد نفيه عن ذاته ﴿مَقَالِيدُ﴾ قد ذكر ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ اتفق دين سيدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم مع جميع الأنبياء في أصول الاعتقادات، وذلك هو المراد هنا، ولذلك فسّره بقوله أن أقيموا الدين يعني إقامة الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه وبالدار الآخرة، وأما الأحكام الفروعية فاختلفت فيها الشرائع فليست تُراد هنا ﴿أَن أَقِيمُوا﴾ يحتمل أن تكون أن في موضع نصب بدلاً من قوله ما وصّى أو في موضع خفض بدلاً من به أو في موضع رفع على خبر ابتداء مضمر أو تكون مفسّرة لا موضع لها من الإعراب ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي صعب الإسلام على المشركين ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ﴾ الضمير في إليه يعود على الله تعالى وقيل على الدين ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ يعني أهل الأديان المختلفة من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿وَلَوْلاً كَلِمَةٌ﴾ يعني القضاء السابق بأن لا يفصل بينهم في الدنيا ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾ يعني المعاصرين لسيّدنا محمد بَّه من اليهود والنصارى، وقيل يعني العرب، والكتاب على هذا القرآن ﴿لَفِي شَكِّ مِّنْهُ﴾ الضمير ٣٠٠ تفسير سورة الشورى تَِّعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنْتُ بِمَّ أَنَزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبِّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَّأَ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمَّ لَا حُبَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَّكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَّاً وَإِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ (١٦) وَالَّذِينَ يُحَاجُونَ فِ اَللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أَسْتُجِيبَ لَهُ مُجَّنُهُمَّ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَّهُمْ عَذَابٌ ﴿ يُسْتَتَعِْلُ شَدِيدُ (٨) اَللَّهُ الَّذِىّ أَنْزَلَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانُ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ! بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَاْ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِى السَّاعَةِ لَفِى صَلَالٍ بَعِيدٍ (١) اللَّهُ لَطِيفُ بِعِبَادِهِ، يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ: الْقَوِىُ للكتاب، أو الدّين أو لسيدنا محمد ◌ّل﴿ ﴿فَلِذَلِكَ فَأَدْعُ﴾ أي إلى ذلك الذي شرع الله فادع الناس فاللام بمعنى إلى والإشارة بذلك إلى قوله شرع لكم من الدين أو إلى قوله ما تدعوهم إليه وقيل إن اللام بمعنى أجل والإشارة إلى التفرّق والاختلاف أي لأجل ما حدث من التفرّق ادع إلى الله وعلى هذا يكون قوله: ﴿وَأَسْتَقِمْ﴾ معطوفًا وعلى الأول يكون مستأنفًا فيوقف على فادع واستقم ﴿كَمّا أُمِرْتَ﴾ أي دُمْ على ما أُمَرت به من عبادة الله وطاعته وتبليغ رسالته ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الضمير للكفار وأهواؤهم ما كانوا يحبون من الكفر والباطل كله ﴿وَأَمِرْتُ لأَهْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾ قيل يعني العدل في الأحكام إذا تخاصموا إليه، ويحتمل أن يريد العدل في دعائهم إلى دين الإسلام أي أمرت أن أحملكم على الحق ﴿لاً حُجَّةَ بَيْتَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ أي لا جدال ولا مناظرة، فإن الحق قد ظهر وأنتم تعائدون ﴿وَالَّذِيْنَّ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ أي يجادلون المؤمنين في دين الإسلام، ويعني كفّار قريش، وقيل اليهود ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَسْتُجِيبَ لَهُ﴾ الضمير يعود على الله أي من بعد ما استجاب الناس له ودخلواً في دينه، وقيل يعود على الدين وقيل علىَّ محمد ﴿، والأول أظهر وأحسن ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ أي راهقة باطلة: ﴿أَنْزَّلَ الْكِتَابَ﴾ يعني جنس الكتاب ﴿بِالْحَقٌ﴾ أي بالواجب أو متضمنًا الحق: ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ قال ابن عباس وغيره يعني العدل، ومعنى إنزال العدل، إنزال الأمر به في الكتب المنزلة، وقيل يعني الميزان المعروف، فإن قيل: ما وجه اتصالى ذكر الكتاب والميزان بذكر الساعة؟ فالجواب أن الساعة يوم الجزاء والحساب، فكأنه قال: اعدلوا وافعلوا الضواب قبل اليوم الذي تحاسبون فيه على أعمالكم ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ جاء قريب، بالتذكير لأن تأنيث الساعة غير حقيقي، ولأن المراد به وقت الساعة ﴿يَسْتَغْجِلُ فِهَا﴾ أي يطلبون تعجعلها استهزاءً بها وتعجيزًا للمؤمنين ﴿يُمَّارُونَ﴾ أي يجادلون ويخالفون ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني الرزق الزائد على المضمون لكل حيوان في قوله: ﴿وَمَا مِن دَابّةٍ