Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ تفسير سورة الحج مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٤َ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةُ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٢) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ أَنَّهُ ﴿مُعَاجِزِين﴾ بالألف: أي مغالبين، لأنهم قصدوا عجز صاحب الآيات، والآيات تقتضي عجزهم، فصارت مفاعلة، وقرىء بالتشديد من غير ألف ومعناه أنهم يعجزون الناس عن الإسلام أي يثبطونهم عنه ﴿مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيِّ﴾ النبيّ أعمّ من الرسول فكل رسول نبيّ وليس كل نبيّ رسولاً، فقدّم الرسول لمناسبته لقوله أرسلنا وأخر النبي لتحصيل العموم، لأنه لو اقتصر على رسول لم يدخل في ذلك مَن كان نبيًّا غير رسول ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَتِهِ﴾ سبب هذه الآية أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قرأ سورة والنجم بالمسجد الحرام بمحضر المشركين والمسلمين فلما بلغ إلى قوله: ﴿أَفَرَ أَيْتُم اللأَّتَّ والعُزّى ومَناة الثالثة الأخْرَى﴾ [النجم: ١٩] ألقى الشيطان، تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى، فسمع ذلك المشركون ففرحوا به وقالوا هذا محمد يذكر آلهتنا بما نريد واختلف في كيفية إلقاء الشيطان، فقيل إن الشيطان هو الذي تكلم بذلك، وظن الناس أن النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم هو المتكلّم به لأنه قرّب صوته من صوت النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم حتى التبس الأمر على المشركين وقيل إن النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم هو الذي تكلم بذلك على وجه الخطأ والسهو؛ لأن الشيطان ألقاه ووسوس في قلبه حتى خرجت تلك الكلمة على لسانه من غير قصد، والقول الثاني أشهر عند المفسّرين والناقلين لهذه القصة، والقول الأول أرجح، لأن النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم معصوم في التبليغ، فمعنى الآية أن كل نبي وكل رسول قد جرى له مثل ذلك من إلقاء الشيطان، واختلف في معنى تمنى وأُمنيته في هذه الآية فقيل تمنى بمعنى تلا، والأمنية: التلاوة: أي إذا قرأ الكتاب ألقى الشيطان من عنده في تلاوته، وقيل هو من التمنّي بمعنى حبّ الشيء، وهذا المعنى أشهر في اللفظ: أي تمنى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مقاربة قومه واستئلافهم، وألقى الشيطان ذلك في هذه الأمنية ليعجبهم ذلك ﴿فَيَتْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي يبطله كقولك نسخت الشمس الظلّ ﴿لْيَجْعَلَ﴾ متعلق بقوله ينسخ ويحكم ﴿لَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي أهل الشك ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ المكذبون، وقيل الذين في قلوبهم مرض عامّة الكفّار، والقاسية قلوبهم أشدّ كفرًا وعُتوًّا كأبي جهل ﴿وَإنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ يعني بالظالمين المذكورين قبل، ولكنه جعل الظاهر موضع ٦٢ ۔ تفسير سورة الحج أَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ (٨) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَّى تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْنِيَهُمْ الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ لِلّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ عَذَابٌ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ الضَّالِحَتِ فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ جَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا فَأُوْلَكِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ شَ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا ◌َ لَيُدْسِنَّهُم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَةٌ، وَإِنَّ اللَّهُ ٥٨ حَسَنَاً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الَّزِقِينَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (3* ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُفِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهَ إِنَ اْللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ◌َ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهُ يُولِجُ اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ المضمر، ليقضي عليهم بالظلم، والشقاق: العداوة، ووصفه ببعيد، لأنه في غاية الضلالة والبعد عن الخير ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ قيل يعني الصحابة، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الضمير عائد على القرآن، وقال الزمخشري هو لتمكين الشيطان من الإلقاء ﴿فَتُخْبِتَ﴾ أي تخشع ﴿فِي مِرْبَةٍ مِنْه﴾ الضمير للقرآن، أو للنبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم أو للإلقاء ﴿يَوْمِ عَقِيم﴾ يعني يوم بدر، ووصفه بالعقيم لأنه لا ليلة لهم بعده ولا يوم، لأنهم يقتلون فيه، وقيل هو يوم القيامة، والساعة مقدّماته، ويقوّي ذلك قوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ﴾، ثم قسم الناس إلى قسمين: أصحاب الجحيم وأصحاب النعيم ﴿قُلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ رُوِيَ أن قومًا قالوا يا رسول الله قد علمنا ما أعطى الله لمَن قتل من الخيرات، فما لمَن مات معك، فنزلت الآية مُعلمَة أن الله يرزق مَن قتل ومَن مات معًا، ولا يقتضي ذلك المساواة بينهم لأن تفضيل الشهداء ثابت ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ يحتمل أن يريد به الرزق في الجنة بعد يوم القيامة، أو رزق الشهداء في البرزخ، والأول أرجح، لأنه يعمّ الشهداء والمونى ﴿مُذْخَلاَ﴾ يعني الجنة ﴿ذَلِكَ﴾ تقديره هنا: الأمر ذلك كما يقول الكاتب هذا وقد كان كذا إذا أراد أن يخرج إلى حديث آخر ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ سمّى الابتداء عقوبة باسم الجزاء عليها تجوّزًا كما تسمى العقوبة أيضًا باسم الذنب ووعد بالنصر لمَن بغى عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُؤْ غَفُورٌ﴾ إن قيل ما مناسبة هذين الوصفين للمعاقبة؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أن في ذكر هذين الوصفين إشعار بأن العفو أفضل من العقوبة، فكأنه حضّ على العفو، والثاني أن في ذكرهما إعلامًا بعفو الله عن المعاقب حين عاقب، ولم يأخذ بالعفو الذي هو أولى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ أي ذلك النصر بسبب أن الله قادر، ومن آيات : ٦٣ تفسير سورة الحج ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، ٦١ الَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ هُوَ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ الشَّمَاءِ مَآءُ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِّ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةٌ إِنَّ اللّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ (٤) أَلَمَـ تَرَأَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُ مَّا فِ الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِى اٌلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَفَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِةٍ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ: ٦٥ وَهُوَ الَّذِىَ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِئُكُمْ ثُمَّ يُحِيْكُمْ إِنَّ الْإِنِسَنَ لَكَفُورٌ ( لِكُلِّ أُمَّنِ جَعَلْنَا مَنْسَكَّا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَزِعُنَّكَ فِىِ الْأَمْيِّ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدِّى قدرته أنه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ومعنى الإيلاج هنا أنه يدخل ظلمة هذا في مكان ضوء هذا، ويدخل ضوء هذا مكان ظلمة هذا، وقيل الإيلاج هو ما ينقص من أحدهما ويزيد في الآخر ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي ذلك الوصف الذي وصف الله به هو بسبب أنه الحق. ﴿فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةٌ﴾ تصبح هنا بمعنى تصير، وفهم بعضهم أنه أراد صبيحة ليلة المطر، فقال لا تصبح الأرض مخضرّة إلاّ بمكة، والبلاد الحارّة، وأما على معنى تصير فذلك عامّ في كل بلد، والفاء للعطف، وليست بجواب، ولو كانت جوابًا لقوله ألم ترَ لنصبت الفعل، وكان المعنى نفي خضرتها وذلك خلاف المقصود، وإنما قال تصبح بلفظ المضارعة ليفيد بقاءها كذلك مدة ﴿سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ﴾ يعني البهائم والثمار والمعادن وغير ذلك ﴿أَن تَقَعَ﴾ في موضع مفعول على تقدير عن أن تقع، وقال الزمخشري كراهة أن تقع فهو مفعول من أجله ﴿إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ يحتمل أن يريد يوم القيامة، فجعل طيّ السماء كوقوعها أو يريد بإذنه لو شاء متى شاء ﴿أَخْيَاكُمْ﴾ أي أوجدكم بعد العدم، وعبّر عن ذلك بالحياة لأن الإنسان قبل ذلك تراب فهو جماد بلا روح، ثم أحياه بنفخ الروح ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ يعني الموت المعروف ﴿ثُمَّ يُحيِيكُمْ﴾ يعني البعث ﴿لَكَفُورٌ﴾ أي جحود للنعمة ﴿مَنسَكًا﴾ هو اسم مصدر لقوله ناسكوه ولو كان اسم مكان لقال ناسكون فيه ﴿فَلاَ يُتَازِعُنَّكَ﴾ ضمير الفاعل للكفّار، والمعنى: أنه لا ينبغي منازعة النبي ◌َّز، لأن الحق قد ظهر بحيث لا يسع النزاع فيه، فجاء الفعل بلفظ النهي والمراد غير النهي، وقيل إن المعنى لا تنازعهم فينازعوك فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، ويحتمل أن يكون نهيًا لهم عن ٦٤ تفسير سورة الحج ﴿ اللّهُ يَحْكُمُ بَيْتَسِكُمْ يَوْمَ الْقِيَئِمَّةِ وَإِن جَدَلُوكَ فَقُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ٦٧ مُسْتِقِيمٍ أَلَمْ تَعْلَمْ أَننَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السََّمَآءِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ فِ 74) فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ مِهِ، سُّْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ نِمُ كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ عِلْمٌ وَمَا لِلَِّينَ مِن نَّضِيرٍ (٨َ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَيَتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنكَرِّ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا قُلّ أَفَأْتَبْشُكُمْ بِشَرِّيِّنَ ذَلِكُ الثَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَرِنْسَ الْمَصِيرُ شَ فَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُوْ لَهٌ وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبِىُ المنازعة على ظاهر اللفظ ﴿فِي الأَمْرِ﴾ أي في الدين والشريعة أو في الذبائح ﴿وَاذْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ أي ادع الناس إلى عبادة ربك ﴿وَإن جَادَلُوكَ﴾ الآية: تقتضي موادعة منسوخة بالقتال ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ يعني اللوح المحفوظِ، والإشارة بذلك إلى معلومات الله ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى كتب المعلومات في الكتاب، أو إلى الحكم في الاختلاف والأول أظهر ﴿مَا لَمْ يُتَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ يعني الأصنام؛ والسلطان هنا: الحجة والبرهان، وما ليس لهم به علم: قيل إنه يعني ما ليس لهم به حلم ضروري، فنفى أولاً البرهان النظري، ثم العلم الضروري، وليس اللفظ بظاهر في هذا المعنىّ بل الأحسن نفي العلم الضروري والنظري معًا ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُتْكَرَ﴾ أي الإنكار لما يسمعون فالمنكر مصدر: كالمكرم بمعنى الإكرام ويعرف ذلك في وجوههم بعبوسها وإعراضها ﴿يَسْطُونَ﴾ من السطوة وهي سرعة البطش ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ﴾ يحتمل أن تكون النار مبتدأ، ووعدها الله خبرًا أو يكون النار خبر ابتداء مضمر كأنّ قائلاً قال ما هو؟ فقيل هو النار، ويكون وعدها الله استئنافًا وهذا أظهر ﴿ضُرِبّ مَثَلٌ﴾ أي ضربه الله لإقامة الحجة على المشركين ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ تنبيه بالأصغر على الأكبر من باب أولى وأخرى والمعنى أن الأصنام التي تعبدونها لا تقدر على خلق الذُّباب ولا غيره، فكيف تعبد من دون الله الذي خلق كل شيء، ثم أوضح عجزهم بقوله: ﴿وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أي لو تعاونوا على خلق الذُّباب لم يقدروا عليه ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنِقِذُوهُ مِنْهُ﴾ بيان أيضًا لعجز الأصنام بحيث لو اختطف الذُّباب منهم شيئًا لم يقدروا على استئماذه مثه علی حال ضعفه، وقد قيل إن المراد بما يسلب الذّباب منهم الطيب الذي كانت تجعله العرب على الأصنام واللفظ أعمّ من ذلك ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ المراد بالطالب الأصنام وبالمطلوب ٦٥ تفسير سورة الحج ج شَيْئًا لَّا يَسْتَنِقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٨) مَا قَدَرُواْاللَّهَ حَقَّ قَدْرِهَةٍ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ (٤) اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَتِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ٧٦ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ بَصِيرٌ م ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ٧٧ وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، هُوَ أَجْتَبَنِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الدِّينِ مِنْ حَرَجَّ ◌ِلَّةَ أَبِيَكُمْ إِنْزَهِيمٌ هُوَ سَمِّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِ هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ الذباب لأن الأصنام تطلب من الذُّباب ما سلبته منها. وقيل الطالب الكفّار والمطلوب الأصنام. لأن الكفّار يطلبون الخير منهم و﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظّموه حقّ تعظيمه ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاَ وَمِنَ النَّاسِ﴾ ردّ على مَن أنكر أن يكون الرسول من البشر ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ في هذه الآية سجدة عند الشافعي وغيره للحديث الصحيح الوارد في ذلك خلافًا للمالكية ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ عموم في العبادة بعد ذكر الصلاة التي عبّر عنها بالركوع والسجود، وإنما قدّمها لأنها أهم العبادات ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ قيل المراد صلة الرحم، وقال ابن عطية هي في الندب فيما عدا الواجبات، واللفظ أعمّ من ذلك كله ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ﴾ يحتمل أن يريد جهاد الكفّار، أو جهاد النفس والشيطان أو الهوى، أو العموم في ذلك ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ قيل إنه منسوخ كنسخ حقّ تقاته بقوله ما استطعتم، وفي ذلك نظر، وإنما أضاف الجهاد إلى الله ليبيّن بذلك فضله واختصاصه بالله ﴿اجْتَبَاكُمْ﴾ أي اختاركم من بين الأمم ﴿مِنْ حَرَجِ﴾ أي مشقّة، وأصل الحرج الضيق ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ انتصب مّة بفعل مضمر تقديره أعني بالدين ملّة إبراهيم، أو التزموا ملّة إبراهيم وقال الفرّاء انتصب على تقدير حذف الكاف كأنه قال كملة، وقال الزمخشري انتصب بمضمون ما تقدم: كأنه قال وسّع عليكم توسعة ملّة أبيكم إبراهيم، ثم حذف المضاف، فإن قيل: لم يكن إبراهيم أبًا للمسلمين كلهم، فالجواب: انه أبًا لرسول الله وَّر، وكان أبًا لأمته لأن أمة الرسول في حكم أولاده، ولذلك قرىء وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم، وأيضًا فإن قريشًا وأكثر العرب من ذرّيّة إبراهيم، وهم أكثر الأمة فاعتبرهم دون غيرهم ﴿هُوُ سَمَّاكُمْ﴾ الضمير لله تعالى ومعنى من قبل في الكتب المتقدمة، وفي هذا أي في القرآن، وقيل الضمير لإبراهيم والإشارة إلى قوله: ﴿ومِن ذُرّيَّتِنا أُمّة مُسْلِمَة لكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، ومعنى من قبل على هذا: من قبل وجودكم، وهنا يتم الكلام على هذا القول ويكون في قوله: ﴿وَفِي ٦٦ تفسير سورة الحج عَلَى النَّاسَِّ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ وَأَخْتَصِمُواْ بِاللّهِ هُوَ مَوْلَئِكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ٧٨ هَذَا﴾ مستأنفًا: أي وفي هذا البلاغ، والقول الأول أرجح وأقلّ تكلّفًا، ويدلّ عليه قراءة أُبيّ بن كعب: اللَّهُ سَمّاكم المسلمين ﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ تقدّم معنى هذه الشهادة في البقرة ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ الظاهر أنها المكتوبة لاقترانها مع الزكاة ﴿هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ معناه هنا وليّكم وناصرکم بدلالة ما بعد ذلك. ٠ : ٠٠ ٠ - ٠٠ + ٠ : ٠٠ سورة المؤمنون مكتّة وآياتها ١١٨ نزلت بعد الأنبياء بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرّـ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ٣ وَالَّذِينَ هُمْ لِلْزَّكَوَةِ فَعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ (٥) إِلَّا عَلَىَ أَزْوَجِهِمْ أَوْمَا بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَئِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الخشوع حالة في القلب من الخوف والمراقبة والتذلل لعظمة المولى جلّ جلاله ثم يظهر أثر ذلك على الجوارح بالسكون والإقبال على الصلاة وعدم الالتفات والبكاء والتضرّع وقد عدّ بعض الفقهاء الخشوع في فرائض الصلاة، لأنه جعله بمعنى حضور القلب فيها، وقد جاء في الحديث ((لا يكتب للعبد من صلاته إلاّ ما عقل منها))، والصواب أن الخشوع أمر زائد على حضور القلب، فقد يحضر القلب ولا يخشع ﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ اللغو هنا الساقط من الكلام كالسب واللهو، والكلام بما لا يعني، وعدد أنواع المنهي عنه من الكلام عشرون نوعًا، ومعنى الإعراض عنه: عدم الاستماع إليه والدخول فيه، ويحتمل أن يريد أنهم لا يتكلمون به، ولكن إعراضهم عن سماعه يقتضي ذلك من باب أولى وأحرى ﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ أي مؤدّون، فإن قيل: لِمَ قال فاعلون ولم يقل مؤدّون؟ فالجواب: أن الزكاة لها معنيان أحدهما الفعل الذي يفعله المزّي ٦٨ تفسير سورة المؤمنون مَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرٌ مَلُومِينَ ﴿ فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (*) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ ﴿ وَالَّذِيْنَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَا فِقُونَ (٥) أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ ١٠ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ () وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِسَنَ مِن سُلَلَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ ١٢ (١) أُمَّخَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا جَعَلْنَهُ نُطْفَةً فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ أي أداء ما يجب على المال، والآخر المقدار المُخرَج من المال كقولك هذه زكاة مالي، والمراد هنا الفعل لقوله: ﴿فَاعِلُونَ﴾ ويصحّ المعنى الآخر على حذف تقديره هم لأداء الزكاة فاعلون ﴿عَلَى أَزْوَاجِهِم﴾ هذا المجرور يتعلق بفعل يدلّ عليه قوله: ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أي لا يُلامون على أزواجهم ويمكن أن يتعلق بقوله: ﴿حَافِظُونَ﴾ على أن يكون على بمعنى عن ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يعني النساء المملوكات، قال الزمخشري إنما قال: ما ملكت، ولم يقل من، لأن الإناث يجرين مجرى غير العقلاء ﴿وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ يعني ما سوى الزوجات والمملوكات ﴿لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ﴾ يحتمل أن يريد أمانة الناس وعهدهم وأمانة الله وعهده في دينه أو العموم، والأمانة أعمّ من العهد لأنها قد تكون بعهد وبغير عهد متقدّم ﴿رَاعُونَ﴾ أي حافظون لها قائمون بها ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ المحافظة عليها هي فعلها في أوقاتها مع توفية شروطها، فإن قيل: كيف كرّر ذكر الصلوات أولاً وآخرًا؟ فالجواب: أنه ليس بتكرار، لأنه قد ذكر أولاً الخشوع فيها وذكر هنا المحافظة عليها، فهما مختلفان، وأضاف الصلاة في الموضعين إليهم دلالة على ثبوت فعلهم لها ﴿الوَارِثُونَ﴾ أي المستحقّون للجنة، فالميراث استعارة، وقيل إن الله جعل لكل إنسان مسكنًا في الجنة ومسكنًا في النار، فيرث المؤمنون مساكن الكفّار في الجنة ﴿الْفِرْدَوْسَ﴾ مدينة الجنة وهي جنة الأعناب، وأعاد الضمير عليها مؤنثًا على معنى الجنة ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ﴾ اختلف هل يعني آدم، أو جنس بني آدم ﴿مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ السلالة: هي ما يسلّ من الشيء: أي ما يستخرج منه، ولذلك قيل إنها الخلاصة، والمراد بها هنا القطعة التي أُخِذَت من الطين وخُلِقَ منها آدم، فإن أراد بالإنسان آدم: فالمعنى أنه خلق من تلك السلالة المأخوذة من الطين، ولكن قوله بعد هذا ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةٌ﴾ لا بدّ أن يُراد به بنو آدم، فيكون الضمير يعود على غير مَن ذكر أولاً، ولكن يفسّره سياق الكلام، وإن أراد بالإنسان ابن آدم فیستقيم عود الضمير عليه، ويكون معنى خلقه من سلالة من طين: أي خلق أصله وهو أبوه آدم ويحتمل عندي أن يراد بالإنسان الجنس الذي يعمّ آدم وذرّيّته، فأجمل ذكر الإنسان أولاً ثم فصله بعد ذلك إلى الخلقة المختصّة بآدم: وهي من طين، وإلى الخلقة المختصّة بذريته .. وهي النطفة، فإن : ٦٩ تفسير سورة المؤمنون الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمَا نُوَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ الْهَا ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَسِّنُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآبِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ (١) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِ الْأَرْضِّ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاٍ بِ، لَقَدِرُونَ (٤٠) فَأَنشَأْنَا لَكُ بِهِ، جَنَاتٍ مِّن تَّخِيلٍ وَأَعْنٍَ لَّكُمْ فِيَهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةُ تَّخْرُجُ مِن طُورِ سَيِنَآءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِيْعٍ لِلَّكِينَ (٢) وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَمِ لَعِبْرَةً نُشْقِيَكُمْ قيل: ما الفرق بين من ومن؟ فالجواب على ما قال الزمخشري: أن الأولى للابتداء، والثانية للبيان. كقوله من الأوثان ﴿فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ يعني رحم الأمّ، ومعنى مكين: متمكّن وذلك في الحقيقة من صفة النطفة المستقرّة، لا من صفة المحل المستقرّ فيه، ولكنه كقولك طريق سائر: أي يسير الناس فيه، وقد تقدّم تفسير النطفة والمضغة والعلقة في أول الحج ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ قيل هو نفخ الروح فيه، وقيل خروجه إلى الدنيا، وقيل استواء الشباب وقيل على العموم من نفخ الروح فيه إلى موته ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ هو مشتق من البركة، وقيل معناه تقدس ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي أحسن الخالقين خلقًا، فحذف التمييز لدلالة الكلام عليه، وفسر بعضهم الخالقين بالمقدّرين فرارًا من وصف المخلوق بأنه خالق، ولا يجب أن ينفى عن المخلوق أنه خالق بمعنى صانع كقوله: ﴿وإذْ تخلق مِن الطّين﴾ [المائدة: ١١٠] وإنما الذي يجب أن ينفى عنه معنى الاختراع والإيجاد من العدم، فهذا هو الذي انفرد الله به ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ يعني السموات، وسمّاها طرائق لأن بعضها طورق فوق بعض كمطارقة النعل، وقيل يعني الأفلاك لأنها طرق للكواكب ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الخَلْقِ غَافِينَ﴾ يحتمل أن يريد بالخلق المخلوقين أو المصدر ﴿مَاءَ بِقَدَرٍ﴾ يعني المطر الذي ينزل من السماء فتكون منه العيون والأنهار في الأرض، وقيل يعني أربعة أنهار وهي النيل، والفرات، ودجلة، وسيحان، ولا دليل على هذا التخصيص، ومعنى بقدر: بمقدار معلوم لا يزيد عليه ولا ينقص منه ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ﴾ يعني الزيتون، وإنما خصّ النخيل والأعناب والزيتون بالذكر: لأنها أكرم الشجر وأكثرها منافع، وطور سيناء جبل بالشام وهو الذي كلّم الله عليه موسى عليه السلام وينسب الزيتون إليه لأنها فيه كثيرة وسيناء اسم جبل أضافه إليه كقوله: جبل أُحُد، وقرىء بفتح السين ولم ينصرف للتأنيث اللازم، وقرىء بالكسر، ولم ينصرف للعجمة أو للتأنيث مع التعريف، لأن فعلاء بالكسر لا تكون ألفه للتأنيث، وقيل معناه مبارك، وقيل ذو شجرة، ويلزم على ذلك صرفه ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ يعني الزيت، وقرىء تنبت بفتح التاء، فالمجرور على هذا في موضع الحال. کقولك جاء زید بسلاحه، ٧٠ تفسير سورة المؤمنون أوَلَقَدْ ٣٢ ، وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحُمَلُونَ ٢١ مِّمَا فِىِ بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُكَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ فَقَالَ الْمَلَؤُّأْ اُلَّذِينَ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلَا نَنَّقُونَ ﴾ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءُ اللَّهُ لَأَبْزَلَ مَلَكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَبَآنِنَا اُلْأَوَّلِينَ (٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَتَّصُواْ بِهِ، حَتَّى حِينٍ (٢) قَالَ رَبِّ أَنْصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ جَ فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنْ أَصْنَعِ الْفُلَكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ اُلَُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ مِنْهُمِّ وَلَا ـ) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَدُ لِلَّهِ ٢٧ تُخَطِبْنِ فِ الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنَهُم ◌ُغْرَقُونَ وَقُل رَبِّ أَنْزِلِ مُنْزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٤) إِنَّ فِى ذَلِكَ ٢٨ الَّذِىِ نَنَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ لَيَتٍ وَإِن كُنَّا لَمُّبْتَلِينَ (٤َ ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرَنَّا ءَاخَرِينَ (٤) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وقرىء بضم التاء وكسر الباء، وفيه ثلاثة أوجه: الأول أن أنبت بمعنی نبت والثاني حذف المفعول تقديره تنبت ثمرتها بالدهن والثالث زيادة الباء ﴿وَصِبْغِ لْلآكِلِينَ﴾ الصبغ الغمس في الإِدام ﴿فِي الأَنْعَامِ﴾ هي الإبل والبقر والغنم والمقصود بالذكر الإبل، لقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْقُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ وقد تقدّم في النحل ذكر المنافع التي فيها وتذكيرها وتأنيثها ﴿مَا هَذَا إلاَّ بَشَرٌ﴾ استبعدوا أن تكون النبوّة لبشر؛ فيا عجبًا منهم إذا أثبتوا الربوبية لحجر ﴿يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ﴾ أي يطلب الفضل والرياسة عليكم ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ أي بمثل ما دعاهم إليه من عبادة الله، أو بمثل الكلام الذي قال لهم، وهذا يدلّ على أنه كان قبل نوح فترة طويلة ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي جنون. فانظر اختلاف قولهم فيه: فتارة نسبوه إلى طلب الرياسة، وتارة إلى الجنون ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي إلى وقت لم یعینوه، ولكن أرادوا وقت زوال جنونه على قولهم، أو وقت موته ﴿انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونٍ﴾ تضمن هذا دعاء عليهم، لأن نصرته إنما هي بإهلاكهم وقد تقدّم في هود تفسير بأعيننا ووحينا، وفار التنور، ولا تخاطبني ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ أي ادخل فيها، وقد تقدّم تفسير زوجين اثنين ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ إن مخفّفة من الثقيلة، ومبتلين: اسم فاعل من ابتلى، ويحتمل أن يكون بمعنى الاختبار، أو إنزال البلاء. ﴿قَرْنَا آخَرِينَ﴾ قيل إنهم عاد ورسولهم هود، لأنهم الذين يلون قوم نوح، وقيل إنهم ثمود ورسولهم صالح، وهذا أصحّ لقوله: فأخذتهم الصيحة، وثمود هم الذين أهلكوا بالصيحة، وأما عاد فأهلكوا بالريح ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ قدّم هذا المجرور على قوله: ﴿الَّذِينَ ٧١ تفسير سورة المؤمنون مَا لَكُ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلَا تَنَّقُونَ ﴿٨َ، وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الْآَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴿ وَلَيِنْ أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُنْتُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُر (٣٤ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ تُّْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (بَ إِنْ هِىَ إِلَّ حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ ٣٥ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلُ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا وَمَا نَحْنُ لَهُم بِمُؤْمِنِينَ (٢) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِ بِمَا بِمَبْعُوثِينَ يَ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَُّصْبِحُنَّ نَدِمِينَ (٤) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ ثُتَءُ فَبُعْدًا كَذَّبُونِ؟ ٣٩ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمِ قُرُوْنَاءَاخَرِينَ لأَ ٤١ لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يَسْتَشْخِرُونَ (٤) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرًا كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةُ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعَنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَهُمْ كَفَرُوا﴾ لئلا يوهم أنه متصل بقوله: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بخلاف قوله: قال الملأ الذين كفروا من قومه في غير هذا الموضع ﴿أَثْرَفْتَاهُمْ﴾ أي نعمناهم ﴿بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ يحتمل أنهم قالوا ذلك لإنكارهم أن يكون نبيّ من البشر، أو قالوه أنفة من اتّباع بشر مثلهم، وكذلك قال قوم نوح ﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ استفهام على وجه الاستهزاء والاستبعاد ﴿أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ﴾ كرّر أن تأكيدًا للأولى؛ ومخرجون خبر عن الأولى ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ هذا من حكاية كلامهم، وهيهات اسم فعل بمعنى بعد، وقال الغزنوي هي للتأسّف والتأوّه، ويجوز فيه الفتح والضم والكسر والإسكان، وتارة يجيء فاعله دون لام كقوله، فهيهات هيهات العقيق وأهله، وتارة يجيء باللام كهذه الآية، قال الزجّاج في تفسيره: البعد لما توعدون، فنزّله منزلة المصدر، قال الزمخشري: وفيه وجه آخر وهي أن تكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في هيت لك لبيان المهيت به ﴿إنّ هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ أي ما الحياة إلاّ حياتنا الدنيا، فوضع هي موضع الحياة لدلالة الخبر عليها ﴿نَمُوتُ وَنَخْیَا﴾ أي یموت بعض ويولد بعض، فينقرض قرن ويحدث قرن آخر ومرادهم إنكارهم البعث ﴿عَمْا قَلِيلِ﴾ ما زائدة، وقيل صفة للزمان والتقدير عن زمان قليل يندمون ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ يعني هالكين كالغثاء والغثاء ما يحمله السيل من الورق وغيره مما يبلى ويسود، فشبّه به الهالكين ﴿فَبُعْدًا﴾ مصدر وضع موضع الفعل بمعنى بعدوا: أي هلكوا، والعامل فيه مضمر لا يظهر ﴿تَتْرًا﴾ مصدر ووزنه فعلى، ومعناه التواتر والتتابع، وهو موضوع موضع الحال: أي متواترين واحدًا بعد واحد، فمَن قرأه بالتنوين: فألفه للإلحاق، ومَن قرأه بغير تنوين: فألفه للتأنيث فلم ينصرف، وتأنيثه لأن الرّسل جماعة والتاء الأولى ٧٢ تفسير سورة المؤمنون ) إِلَ ٤٥ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ بِثَايَدِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٌ ٤٤ أَحَادِيثٌ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ جَ فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا ٤٦ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ ٤٩ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ لَعَلَّهُمْ يَنَدُونَ ٤٨ فَكَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ ٤٧ عَبدُونَ وَحَعَلْنَا أَبْنَ مَرْيَمَ وَأَمَّهُمْ ءَايَةً وَهَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقِ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥) يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ اُلْطِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِِّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٤) وَإِنَّ هَذِهِ: أُمَّتَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥) فَذَرْهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ حَتَّى ٥٢ فَانْقُونِ فيه بدل من واو هي فاء الكلمة ﴿وَجَعَلْنَاهُم أَحَادِيثَ﴾ أي يتحدث الناس بما جرى عليهم ويحتمل أن يكون جمع حديث أو جمع أُحدوثة، وهذا أليق لأنها تُقال في الشرّ ﴿قَوْمًا عَالِينَ﴾ أي متكبّرين ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ أي حامدون متذلّلون ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ الضمير لبني إسرائيل لا لقوم فرعون، لأنهم هلكوا قبل إنزال التوراة ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إلَى رَبْوَةٍ﴾ الربوة الموضع المرتفع من الأرض، ويجوز فيها فتح الراء وضمّها وكسرها، واختلف في موضع هذه الربوة، فقيل بيت المقدس، وقيل بغوطة دمشق، وقيل بفلسطين ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ القرار المستوي من الأرض فمعناه أنها بسيطة يمكن فيها الحرث والغراسة، وقيل إن القرار هنا الثمار والحبوب، والمعين الماء الجاري، فقيل إنه مشتق من قولك معن الماء إذا كثر، فالميم على هذا أصلية، ووزنه فعيل، وقيل إنه مشتق من العين، فالميم زائدة، ووزنه مفعول ﴿يَا أَيُّها الرُّسُلُ﴾ هذا النداء ليس على ظاهره، لأن الرسل كانوا في أزمنة متفرّقة، وإنما المعنى أن كل رسول في زمانه خوطب بذلك، وقيل الخطاب لسيدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأقامه مقام الجماعة وهذا بعيد ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي من الحلال، فالأمر على هذا للوجوب، أو من المستلذّات فالأمر للإباحة ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةَ﴾ قرىء إن بالكسر على الاستئناف وبالفتح على معنى لأن، وهي متعلقة بقوله آخرًا: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ وقيل تتعلق بفعل مضمر تقديره واعلموا، والأمة هنا الدين، وهو ما اتفقت عليه الرسل من التوحيد وغيره ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم﴾ أي افترقوا واختلفوا، والضمير لأُمم الرُّسل المذكورين من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿زُبُرًا﴾ جمع زبور: وهو الكتاب، والمعنى أنهم افترقوا في اتّباع الكتب، فاتبعت طائفة التوراة، وطائفة الإنجيل، وغير ذلك، ووضعوا كتابًا من عند أنفسهم ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ الضمير لقريش، والغمرة الجهل والضلال، وأصلها من غمرة الماء ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ هنا يوم بدر أو يوم موتهم ﴿أَيَحْسَبُونَ﴾ الآية: ردّ عليهم فيما ٧٣ تفسير سورة المؤمنون تُسَارِعُ لَهُمْ فِ الْخَيْرَنِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُعِدُّهُم بِهِ، مِن ◌َالٍ وَبِيِنَّ الث ٥٤ چین وَالَّذِيْنَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا وَلَّذِينَ هُم ◌ِثَايَتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ٥٧ هُم مِّنْ خَشْيَةٍ رَبِّهِم تُشْفِقُونَ ! أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجَِةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ يُشْرِكُونَ الَّ اْخَرَتِ وَهُمْ لَا سَِقُونَ (٢٦) وَلَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ وَلَدَيْنَا كِنَبٌ يَطِقُ بِالْحِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢ حَقَّ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بَلّ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَهُمْ أَعْمَلٌ مِّن دُونٍ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَمِلُونَ ظنوا من أن أموالهم وأولادهم خير لهم وأنهم سبب لرضا الله عنهم ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾ هذا خبر أن، والضمير الرابط محذوف تقديره نسارع به ﴿بَلْ لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يشعرون أن ذلك استدراج لهم، ففيه معنى التهديد ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا﴾ قيل معناه يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات وقيل إنه عام في جميع أفعال البرّ أي يفعلونها وهم يخافون أن لا تقبل منهم وقد رَوَت عائشة هذا المعنى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، إلاّ أنها قرأت يؤتون ما أتوا بالقصر، فيحتمل أن يكون الحديث تفسيرًا لهذه القراءة، وقيل إنه عامّ في الحسنات والسيئات: أي يفعلونها وهم خائفون من الرجوع إلى الله ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ أن في موضع المفعول من أجله، أو في موضع المفعول بوجلت، إذ هي في معنى خائفة ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ فيه معنيان: أحدهما أنهم يبادرون إلى فعل الطاعات، والآخر أنهم يتعجّلون ثواب الخيرات، وهذا مطابق للآية المتقدّمة، لأنه أثبت فيهم ما نفي عن الكفّار من المسارعة ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ فيه المعنيان المذكوران في يسارعون للخيرات، وقيل معناه سبقت لهم السعادة في الأزل ﴿لاَ تُكَلِّفُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ يعني أن هذا الذي وصف به الصالحون غير خارج عن الوسع والطاقة، وقد تقدّم الكلام على تكليف ما لا يطاق في البقرة ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ يعني صحائف الأعمال، ففي الكلام تهديد وتأمين من الظلم والحيف ﴿فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ أي في غفلة من الدين بجملته ومن القرآن، وقيل من الكتاب المذكور، وقيل من الأعمال التي وصف بها المؤمنون ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ﴾ أي لهم أعمال سيئة دون الغمرة التي هم فيها، فالمعنى أنهم يجمعون بين الكفر وسوء الأعمال، والإشارة بذلك على هذا إلى الغمرة، وإنما أشار إليها بالتأكيد لأنها في معنى الكفر، وقيل الإشارة إلى قوله من هذا: أي لهم أعمال سيئة غير المشار إليه حسبما اختلف فيه ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قيل هي إخبار عن أعمالهم في الحال، وقيل عن الاستقبال، وقيل المعنى أنهم يتمادون على عملها حتى يأخذهم الله فجعل ﴿حَتَّى إذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم﴾ غاية لقوله عاملون ﴿مُتْرَفِيهِم﴾ أي أغنياؤهم وكبراؤهم ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ أي يستغيثون ويصيحون، فإن أراد ٧٤ تفسير سورة المؤمنون جَقَدْ كَانَتْ ءَايَتِى نُتْلَى عَلَيْكُمْ لَا تَجْعَرُواْ الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا نُصَرُونَ ٦٤ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَحْثَرُونَ ◌َ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ اَلْقَوْلَ أَمْ جَآءَ هُم مَّا ٦٧ فَكُتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ تَنكِصُونَ أَ مُسْتَكْبِنَ بِهِ، سَمِرًا تَهْجُرُونَ لَمْ يَأْتِ ءَبَآءَ هُمُ الْأَوَّلِينَ ( ١) أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ لَمْ يَقُولُونَ بِهِ، حِنَّةٌ بَلّ جَآءَ هُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَزِهُونَ ﴿ وَلَوِ أنَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ بالعذاب قتل المترفين يوم بدر: فالضمير في يجأرون لسائر قريش: أي صاحوا وناحوا على القتلى، وإن أراد بالعذاب شدائد الدنيا أو عذاب الآخرة: فالضمير لجميعهم ﴿لاَ تَجْأَرُوا اليَوْمَ﴾ تقديره يقال لهم يوم العذاب لا تجأروا ويحتمل أن يكون هذا القول حقيقة، وأن يكون بلسان الحال ولفظه نهي، ومعناه: أن الجوار لا ينفعهم ﴿عَلَى أَعْقَائِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ أي ترجعون إلى وراء وذلك عبارة عن إعراضهم عن الآيات وهي القرآن ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ قيل إن الضمير عائد على المسجد الحرام وقيل إنه على الحرم وإن لم يذكر؛ ولكنه يفهم من سياق الكلام والمعنى أنهم يستكبرون بسبب المسجد الحرام لأنهم أهله وولاته، وقيل إنه عائد على القرآن من حيث ذكرت الآيات، والمعنى على هذا أن القرآن يحدث لهم عتوًّا وتكبّرًا، وقيل إنه يعود على النبي وَل﴿ل وهو على هذا متعلق بسامرًا ﴿سَامِرًا﴾ مشتق من السمر وهو الجلوس بالليل للحديث، وكانت قريش تجتمع بالليل في المسجد فيتحدّثون وكلف أكثر حديثهم سبّ النبي ◌ََّ، وسامراً مفرد بمعنى الجمع، وهو منصوب على الحال فمَن جعل الضمير في به للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم. فالمعنى أنهم سامرون بذكره وسبّه ﴿تَهْجُرُونَ﴾ مَن قرأ بضم التاء وكسر الجيم فمعناه تقولون الهجر بضم الهاء وهو الفحش من الكلام، ومَن قرأ بفتح التاء وضم الجيم فهو من الهجر بفتح الهاء أي تهجرون الإسلام، والنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والمؤمنين، أو من قولك هجر المريض إذا هذى أي تقولون اللغو من القول ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ يعني القرآن، وهذا توبيخ لهم ﴿أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ معناه أن النبوّة ليست ببدع فينكرونها بل قد جاءت آباؤهم الأوّلين فقد كانت النبوّة لنوح وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ المعنى أم لم يعرفوا محمدًاً وَ ﴿ ويعلموا أنه أشرفهم حسبًا وأصدقهم حديثًا وأعظمهم أمانة وأرجحهم عقلاً، فكيف ينسبونه إلى الكذب أو إلى الجنون، أو غير ذلك من النقائص، مع أنه جاءهم بالحق الذي لا يخفى على كل ذي عقل سليم، وأنه عين الصواب ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَواتُ والأَرْضُ﴾ الاتباع هنا استعارة، والحق هنا يراد به الصواب والأمر المستقيم، فالمعنى لو كان الأمر على منا تقتضي أهواءهم من الشرك بالله واقباع الباطل ٧٥ تفسير سورة المؤمنون ا أَمْ تَسْثَلُهُمْ خَرْجً فَخَرَاجُ ٧١ وَمَنْ فِيهِرَبَّْ بَلْ أَنَّيْنَهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم ◌ُعْرِضُونَ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٧٣ ) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ٧٢ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ ! وَلَوْ رَحِمْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍ لَّلَجُواْ فِي ◌ُغْيَكِهِمْ ٧٤ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَطِ لَكِبُونَ يَعْمَهُونَ ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَهُمْ بِلْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَنَضَرَّعُونَ (٦) حَتَّىَ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا لفسدت السموات والأرض كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَة إلاّ الله لَفَسدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقيل إن الحق في الآية هو الله تعالى، وهذا بعيد في المعنى، وإنما حمله عليه أن جعل الاتّباع حقيقة ولم يفهم فيه الاستعارة، وإنما الحق هنا هو المذكور في قوله: ﴿بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ﴾ يحتمل أن يكون بتذكيرهم ووعظهم أو بفخرهم وشرفهم وهذا أظهر ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾ الخرج هو الأجرة ويقال فيه خراج والمعنى واحد، وقرىء بالوجهين في الموضعين فهو كقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ أي لست تسألهم أجْرًا فيثقل عليهم اتّباعك ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي رزق ربك خير من أموالهم فهو يرزقك ويغنيك عنهم ﴿عَنِ الصِّرَاطِ لَتَاكِبُونَ﴾ أي عادلون ومعرضون عن الصراط المستقيم ﴿وَلَوْ رَحَمْنَاهُمْ﴾ الآية: قال الأكثرون: نزلت هذه الآية حين دعا رسول الله وَّل على قريش بالقحط فنالهم الجوع حتى أكلوا الجلود وغيرها، فالمعنى رحمناهم بالخصب وكشفنا ما بهم من ضرّ الجوع والقحط: لتمادوا على طغيانهم، وفي هذا عندي نظر، فإن الآية مكية باتفاق، وإنما دعا النبي ◌َّر على قريش بعد الهجرة حسبما ورد في الحديث، وقيل المعنى لو رحمناهم بالردّ إلى الدنيا لعادوا لما نُهُوا عنه، وهذا القول لا يلزم عليه ما لزم على الآخر، ولكنه خرج عن معنى الآية ﴿وَلَقَدْ أَخْذْنَاهُم بِالْعَذَابِ﴾ قيل إن هذا العذاب هو الجوع بالقحط وأن الباب ذا العذاب الشديد المتوعد به بعد هذا يوم بدر، وهذا مردود بأن العذاب الذي أصابهم إنما كان بعد بدر، وقيل إن العذاب الذي أخذهم هو يوم بدر، والباب المتوعّد به هو القحط، وقيل الباب ذو العذاب الشديد: عذاب الآخرة، وهذا أرجح، ولذلك وصفه بالشدّة لأنه أشدّ من عذاب الدنيا، وقال: إذا هم فيه مبلسون: أي يائسون من الخير، وإنما يقع لهم اليأس في الآخرة كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يبلس المُجرِمون﴾ [الروم: ١٢] ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾ أي ما تذللوا لله عزّ وجلّ، وقد تقدّم الكلام على هذه الكلمة في آخر آل عمران ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ إن قيل: هلّ قال فما استكانوا وما تضرّعوا، أو فما يستكينون وما يتضرعون باتفاق الفعلين في الماضي أو في الاستقبال؟ فالجواب: أن ما استكانوا عند العذاب الذي أصابهم، وما يتضرعون حتى يفتح عليهم باب ٧٦ تفسير سورة المؤمنون وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ قَلِلًا مَّا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ تَشْكُرُونَ (٨) وَهُوَ الَّذِى ذَرَ كُمْ فِ الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠) وَهُوَ الَّذِى يُحِىء وَيُمِتُ وَلَهُ أَخْتِلَفُ اَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿ بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (جَ قَالُواْ أَهِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَمَا أَوِّنَا لَمَبْعُوْقُونَ (٨٦) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَبَآؤْنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ اُلْأَوَّلِينَ (﴿ قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَهَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِّ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ ٨٦ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّيْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ٨٥ أَفَلَا نَنَّقُونَ (بَ قُلْ مَنْ بِدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَّى تُسْحَرُونَ (هـ) بَلْ أَيَّنَهُمْ بِآلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٤) مَا أَّخَذَ عذاب شديد فنفى الاستكانة فيما مضى، ونفى التضرّع في الحال والاستقبال ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ ما زائدة، وقليلاً صفة لمصدر محذوف تقديره شكرًا قليلاً تشكرون، وذكر السمع والبصر والأفئدة - وهي القلوب - لعظم المنافع التي فيها فيجب شكر خالقها ومن شكره: توحيده واتّباع رسوله عليه الصلاة والسلام، ففي ذكرها تعديد نعمة وإقامة حجّة ﴿ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي نشركم فيها ﴿وَلَهُ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي هو فاعله ومختص به فاللام على هذا للاختصاص، وقد ذكر في البقرة معنى اختلاف الليل والنهار ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ﴾ أي قالت قريش مثل قول الأمم المتقدمة، ثم فسّر قولهم بإنكارهم البعث، وإليه الإشارة بقولهم: لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا، وقد ذكر الاستفهامان في الرعد، وأساطير الأوّلين في الأنعام ﴿قُلْ لَّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا﴾ هذه الآيات توقيف لهم على أمور لا يمكنهم الإقرار بها، وإذا أقرّوا بها لزمهم توحيد خالقها والإيمان بالدار الآخرة ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ قرىء في الأول لله باللام بإجماع، جوابًا لقوله لمَن الأرض، وكذلك قرأ الجمهور الثاني والثالث، وذلك على المعنى لأن قوله ﴿مَن رَّبُّ السَّمَواتِ﴾ في معنى لمَن هي، وقرأ أبو عمرو الثاني والثالث بالرفع على اللفظ ﴿مَلَكُوتُ﴾ مصدر وفي بنائه مبالغة ﴿يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ الإجارة المنع من الإهانة، يقال أجرت فلانًا على فلان إذا منعته من مضرّته وإهانته، فالمعنى أن الله تعالى يغيث مَن شاء ممّن شاء ولا يغيث أحد منه أحدًا ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي تخدعون عن الحق والخادع لهم الشيطان، وذلك تشبيه بالسحر في التخليط والوقوع في الباطل، ورتّب هذه التوبيخات الثلاثة بالتدريج فقال أولاً أفلا تذكرون، ثم قال ثانيًا أفلا تتقون، وذلك أبلغ، لأن فيه زيادة تخويف، ثم قال ثالثًا فأنّى تسحرون ٧٧ تفسير سورة المؤمنون اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَةٍ إِذَا لَّذَهَبَ كُلّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَانَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩) عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِي مَا رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِ فِ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١) وَإِنَّ عَ أَنْ تُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ ٩٣ يُوعَدُونَ أَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (*) وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ ٩٥ لَقَدِرُونَ حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٩٨ ◌َ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ٩٧ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ وفيه من التوبيخ ما ليس في غيره ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ يعني فيما ينسبون الله من الشركاء والأولاد ولذلك ردّ عليهم بنفي ذلك ﴿إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إلهِ بِمَا خَلَقَ﴾ هذا برهان على الوحدانية، وبيانه أن يقال لو كان مع الله إلهًا آخر لانفرد كل واحد منهما بمخلوقاته عن مخلوقات الآخر، واستبدّ كل واحد منهما بملكه وطلب غلبة الآخر والعلوّ عليه كما ترى حال ملوك الدنيا ولكن لمّا رأينا جميع المخلوقات مرتبطة بعضها ببعض حتى كأن العالم كله كرة واحدة: علمنا أن مالكه ومدبّره واحد، لا إله غيره وليس هذا البرهان بدليل التمانع كما فهم ابن عطية وغيره، بل هو دليل آخر، فإن قيل: إذ لا تدخل إلاّ على كلام هو جزاء وجواب، فكيف دخلت هنا ولم يتقدّم قبلها شرط ولا سؤال سائل؟ فالجواب: أن الشرط محذوف تقديره لو كان معه آلهة وإنما حذف لدلالة قوله وما كان معه من إله، وهو جواب للكفّار الذين وقع الردّ عليهم ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ بالرفع خبر ابتداء، وبالخفض صفة لله. ﴿قُلْ رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنْي مَا يُوعَدُون﴾ الآية: معناه أن الله أمر نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظالمين إن قضى أن يرى ذلك، وفيها تهديد للظالمين وهم الكفّار، وإن شرطية وما زائدة، وجواب الشرط فلا تجعلني، وكرّر قوله ربّ مبالغة في الدعاء والتضرّع ﴿اذْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيْئَةَ﴾ قيل التي هي أحسن لا إله إلاّ الله، والسيئة الشرك، والأظهر أنه أمر بالصفح والاحتمال وحُسْن الخلق وهو محكم غير منسوخ، وإنما نسخ ما يقتضيه من مسالمة الكفّار ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ يعني نزغاته ووساوسه، وقيل يعني الجنون، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿أَن يَخْضُرُونِ﴾ معناه أن يكونوا معه، وقيل يعني حضورهم عند الموت ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ قال ابن عطية: حتى هنا حرف ابتداء: أي ليست غاية لما قبلها، وقال الزمخشري حتى تتعلق بيصفون: أي لا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ يعني الرجوع إلى الدنيا، وخاطب ٧٨ تفسير سورة المؤمنون أَرْجِعُونِ (٤) لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلََّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآنِهِم بَّزَغُ إِلَى يُؤْمِ يُبْعَثُونَ (٤٢) فَإِذَا نُّفِيخَ فِ الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا يَتَسَاءَ لُونَ ◌ّ فَمَنْ تَقْلَتْ مَوَزِينَهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (*) وَمَنْ خَفَّتُ مَوَزِئُهُمْ فَأُوْلَِّكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيَا كَلِحُونَ (١) أَلَمَّ تَكُنْ ءَايَقِ تُنْلَى عَلَيْكُمْ فَكُمْنِهَا خَالِدُونَ الـ ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَاَلِينَ(٢)ْ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ ١٠٥ ٹُگَذِبُونَ به مخاطبة الجماعة للتعظيم، قال ذلك الزمخشري وغيره، ومثله قول الشاعر: ألا فارحمون يا آل محمد وقيل إنه نادى ربّه ثم خاطب الملائكة ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قيل يعني فيما تركت من المال، وقيل فيما تركت من الإيمان فهو كقوله: ﴿أو كسبت في إيمانها خبرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، والمعنى أن الكافر رغب أن يرجع إلى الدنيا ليؤمن ويعمل صالحًا في الإيمان الذي تركه أول مرة ﴿كَلاَّ﴾ ردع له عمّا طلب ﴿إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ يعني قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ فسمّى هذا الكلام كلمة وفي تأويل معناه ثلاثة أقوال: أحدها أن يقول هذه الكلمة لا محالة لإفراط ندمه وحسرته فهو إخبار بقوله، والثاني أن المعنى انها كلمة يقولها ولا تنفعه ولا تُغني عنه شيئًا، والثالث أن يكون المعنى أنه يقولها كاذبًا فيها، ولو رجع إلى الدنيا لم يعمل صالحًا ﴿وَمِن وَرَائِهِمْ﴾ أي فيما يستقبلون من الزمان والضمير للجماعة المذكورين في قوله جاء أحدهم ﴿بَرْزَخٌ﴾ يعني المدة التي بين الموت والقيامة، وهي تحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا وأصل البرزخ الحاجز بين شيئين ﴿فَلاَ أَنْسَابَ بَيْتَهُمْ﴾ المعنى أنه ينقطع يومئذ التعاطف والشفقة التي بين القرابة لاشتغال كل أحد بنفسه كقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِهِ﴾ [عبس: ٣٤] فتكون الأنساب كأنها معدومة ﴿وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي لا يسأل بعضهم بعضًا لاشتغال كل أحد بنفسه، فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُم عَلى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُون﴾ [الصّافَات: ٢٧] فالجواب أن ترك التساؤل عند النفخة الأولى ثم يتساءلون بعد ذلك فإن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف كثيرة ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُم النَّارُ﴾ أي تصيبهم بالإحراق ﴿كَالِحُونَ﴾ الكلوح انكشاف الشفتين عن الأسنان، وكثيراً ما يجري ذلك للكلاب، وقد يجري للکباش إذا شُوِيَت رؤوسها، وفي الحديث إن شفة الكافو ترتفع في النار حتى تبلغ وسط رأسه، وفي ذلك عذاب وتشويه ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُتَا﴾ أي ما قدر عليهم من الشقاء، وقرىء شقاوتنا، ٧٩ تفسير سورة المؤمنون ﴿َ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ قَالَ أَخْسَثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ رَبَّنَآ ءَ امَنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ () فَّخَذْتُهُمْ سِخْرِيًّا حَتََّ أَنْسَوَّكُمْ ذِكْرِى وَكُنْتُم مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴿ إِِّ جَزَيْتُهُمُ اَلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ أَنَّهُمْ هُمُ اُلْفَآِزُونَ ﴾ قَلَ كُمْ لَبِئْتُمْ فِي قَالُوْ لَبِتْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسَلِ الْعَآدِينَ الَهِ قَلَ إِن لَِّثْتُمْ إِلَّا قَلِلاً لَّوْ ١١٢ اَلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ أَنَكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ () فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ لَهُ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَ هَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُ عِندَ رَبِّهِةٍ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١) وَقُل رَّبِّ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ والمعنى واحد ﴿قَالَ أَخْسَؤُوا﴾ كلمة تستعمل في زجر الكلاب، ففيها إهانة وإبعاد ﴿وَلاَ تُكَلِّمُونٍ﴾ أي لا تكلمون في رفع العذاب فحينئذ ييأسون من ذلك، أعاذنا الله من ذلك برحمته ﴿سِخْرِيًّا﴾ بضم السين من السخرة بمعنى التخديم، وبالكسر من السخر بمعنى الاستهزاء، وقد يقال هذا بالضم، وقرىء هنا بالوجهين لاحتمال المعنيين، على أن معنى الاستهزاء هنا أليق بقوله: ﴿وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ يعني في جوف الأرض أمواتًا، وقيل أحياءً في الدنيا، فأجابوا بأنهم لبثوا يومًا أو بعض يوم لاستقصارهم المدة أو لما هم فيه من العذاب بحيث لا يعدون شيئًا ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِينَ﴾ أي اسأل مَن يقدر على أن يعدّ، وهو من عوفي مما ابتلوا به أو يعنون الملائكة ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ معناه أنه قليل بالنسبة إلى بقائهم في جهنم خالدين أبدًا ﴿عَبَثًا﴾ أي باطلاً، والمعنى إقامة حجة على الحشر للثواب والعقاب ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ أي لا حجة ولا دليل، والجملة صفة لقوله إلهًا آخر، وجواب الشرط ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ الضمير للأمر والشأن، وانظر كيف افتتح السورة بفلاح المؤمنين وختمها بعدم فلاح الكافرين، ليبيّن البون بين الفريقين والله أعلم. سورة النور مدنيّة وآياتها ٦٤ نزلت بعد الحشر بِسْمِ اللَّهِ الَّغْفِ الرَّ سُورَةُ أَنْزَلْتَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَآ ءَنْتٍ بَيْنَتِ لَّعَلَّكُمْ نَذَّكْرُونَ (٤) الزَّنِيَّةُ وَاَلَِّ فَاجْلِدُ واْكُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِْتَّةً جَدَّةٍ وَلَا تَأْخُذْكُ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ اللَّهِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ ،٠,ها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمن الرّحِيم ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ السورة خبر ابتداء مضمر، أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره فيما أنزل عليكم سورة، وأنزلناها صفة للسورة، وفرضناها: أي فرضنا الأحكام التي فيها وقرىء بالتشديد للمبالغة ﴿آيَاتٍ بَيَِّاتٍ﴾ يعني ما فيها من المواعظ والأحكام والأمثال، وقيل معنى بيّنات هنا ليس فيها مشكل ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةً جَلْدَةٍ﴾ الزانية والزاني يراد بهما الجنس، وقدّم الزانية لأن الزنا كان حينئذ في النساء أكثر، فإنه كان منهنّ إماء وبغايا يجاهرن بذلك، وإعراب الزاني والزانية كإعراب: ﴿السّارِقِ والسّارِقَة فَاقْطَعُوا أيْدِيهما﴾ [المائدة: ٣٨]، وقد ذكر في المائدة، وهذه الآية ناسخة بإجماع لما في سورة النساء من الإمساك في البيوت في الآية الواحدة ومن الأذى في الأخرى، ثم إن لفظ هذه الآية عند مالك ليس على عمومه، فإن جلد المائدة إنما هو حدّ الزاني والزانية إذا كانا مسلمين حُرّين غير محصنين، فيخرج منها الكفّار، فيردّون إلى أهل دينهم، ويخرج منها