Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
تفسير سورة طه
أَ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ
٥٨
وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَّ أَنْتَ مَكَنَا سُوَّى
قَالَ لَهُم ◌ُوسَى وَيْلَكُمْ لَ نَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ
٦٠
فَتَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَ
٥٩
ضحی
٦٢
فَزَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى
٦١
كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ اُفْتَرَى
٦٣
قَالُواْ إِنْ هَذَانٍ لَسَحِرَنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى
فَأَحْعُوْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَثْتُواْ صَفَّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اُسْتَعْلَى (٤) قَالُواْ يَمُوسَىّ إِمَّآ أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَنْ
جَ قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَسْعَى
تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٥
٦٦
الموعد اسم مصدر فينتصب مكانًا على أنه مفعول بالمصدر وهو الموعد، أو بفعل من
معناه، ويطابقه قوله يوم الزينة على حذف مضاف تقديره موعدكم وعد يوم الزينة، وقرأ
الحسن يوم الزينة بالنصب وذلك يطابق أن يكون الموعد اسم مصدر من غير تقدير محذوف
﴿مَكَانَا سُوَى﴾ معناه مستوي في القرب منّا ومنكم، وقيل معناه مستوي الأرض ليس فيه
انخفاض ولا ارتفاع، وقرىء بكسر السين وضمها، والمعنى متفق ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يوم عيد
لهم وقيل يوم عاشوراء ﴿وَأَن يُخْشَرَ﴾ عطف على الزينة، فهو في موضع خفض أو على
الیوم فهو في موضع رفع وقصد موسی أن یکون موعدهم عند اجتماع الناس على رؤوس
الأشهاد لتظهر معجزته ويستبين الحق للناس ﴿فَيُسْجِتَكُم﴾ معناه يهلككم، يقال سحت
وأسحت، وقد قرىء بفتح الياء وضمها، والمعنى متفق ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَان﴾ قرىء إن
هذين بالياء ولا إشكال في ذلك، وقرىء بتخفيف إن وهي مخفّفة من الثقيلة، وارتفع بعدها
هذان بالابتداء، وأما قراءة نافع وغيره بتشديد إن ورفع هذان، فقيل إن هنا بمعنى نعم فلا
تنصب، ومنه ما رُوِيَ في الحديث أن الحمد لله بالرفع، وقيل اسم إن ضمير الأمر والشأن
تقديره إن الأمر، وهذان لساحران مبتدأ وخبر في موضع خبر إن، وقيل جاء القرآن في هذه
الآية بلغة بني الحارث بن كعب وهو إبقاء التثنية بالألف حال النصب والخفض، وقالت
عائشة رضي الله عنها هذا مما لحن فيه كتاب المصحف ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ أي
يذهب بسيرتكم الحسنة ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ أي اعزموا وأنفذوه ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِخرِهِمْ
أَنَّهَا تَسْعَى﴾ استدلّ بعضهم بهذه الآية على أن السحر تخييل لا حقيقة، وقال بعضهم إن
حيلة السَّحَرَة في سعي الحبال والعصيّ هي أنهم حشوها بالزئبق، وأوقدوا تحتها نارًا وغطّوا
النار لئلا يراها الناس، ثم وضعوا عليها حبالهم وعصيّهم، وقيل جعلوها للشمس، فلما
أحسّ الزئبق بحرّ النار أو الشمس سالَ، وهو في حشو الحِبال والعصيّ فحملها فتخيّل

٢٢
تفسير سورة طه
وَأَلْقِ مَا فِ يَمِينِكَ نَلْقَفْ مَا
٦٨
قُلْنَاَ لَا تَّخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى
فَأَوْجَسَ فِ نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى
فَأَلْقَى السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ
صَنَعُواْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحٍِّ وَلَا يُفْلِعُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى ◌َ
٢٤َ قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُ كُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرِ فَلَأُ قَطْعَرْنَ
هَرُونَ وَمُوسَى
أَيَّدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِبَنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى أَ قَالُواْلَنْ
تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَّيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنًا فَأَقْضِ مَآ أَنَتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ.
الدُّنْيَا ﴿ إِنََّءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَّا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّخْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ الََّ إِنَّهُ مَن
يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٩) وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَبِكَ
لَمُ الدَّرَحَتُّ الْعُلَى ◌َّْ جَّتُ عَدْنٍ تَجْرِىٍ مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَالِينَ فِيَأْ وَذَلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَّكَّى (٦َ وَلَقَدْ
أَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىّ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ بَسَا لَّا تَخَفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى
٧٧
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى
٧٨
فَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِ مَا غَشَِهُمْ
يَبَنِيّ
٧٩
كُلُواْ
٨٠
إِسْرَِّ يَلَ قَدْ أَفَّْتَكُمْ مِنْ عَدُوَكُمْ وَوَعََّكُمْ جَانِبَ الُورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى
للناس أنها تمشي فألقى موسى عصاه فصارت ثعبانًا فابتلعتها ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ ما
هنا موصولة وهي اسم إن وكيد خبرها ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قدّم هارون لتعادل
رؤوس الآي ﴿مِّنِ خِلاَفٍ﴾ أي قطع اليد اليمنى والرِّجل اليسرى ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ معطوف
على ما جاءنا من البيّنات، وقيل هي واو القسم ﴿هَذِهِ الْحَيَاةَ﴾ نصب على الظرفية أي إنما
قضاؤك في هذه الدنيا ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ قيل إن هنا وما بعده من كلام السَّحَرَة
لفرعون على وجه الموعظة، وقيل هو من كلام الله ﴿أَن أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ يعني ببني إسرائيل،
وأضافهم إلى نفسه تشريفًا لهم، وكانوا فيما قيل ستمائة ألف ﴿يَبَسًا﴾ أي يابسًا، وهو
مصدر وصف به ﴿لا تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى﴾ أي لا تخاف أن يدركك فرعون وقومه،
ولا تخشى الغرق في البحر ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ إبهام لقصد التهويل ﴿وَمَا هَدَى﴾ إن قيل إن
قوله: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ يُغني عن قوله: ﴿وَمَا هَدَى﴾، فالجواب أنه مبالغة وتأكيد،
وقال الزمخشري هو تهكّم بفرعون في قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُم إلّ سَبِيلَ الرَّشَاد﴾
[غافر: ٢٩].
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ خطاب لهم بعد خروجهم من البحر، وإغراق فرعون، وقيل هو
خطاب لمَن كان منهم في عصر رسول الله وَّةِ، والأول أظهر ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ

٢٣
تفسير سورة طه
مِن طَيَّتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى
٨١
٨٣
وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى
٨٢
وَإِنِى لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَ أَهْتَدَى
قَالَ هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدَِ وَأَضَلَّهُ
السَّامِىُّ ثَ فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَّاً
أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدَّتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُ مَّوْعِدِى (ج) قَالُواْمَآ
أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنّا ◌ُلْنَآ أَوْزَارًاً مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْتَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِيُّ
٨٧
الأَيْمَنَ﴾ لما أهلك الله فرعون وجنوده أمر موسى وبني إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور
سيناء ليكلّم فيه ربّه، والطور هو الجبل، واختلف هل هذا الطور هو الذي رأى فيه موسى
النار في أول نبوّته، أو هو غيره ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ذكر في البقرة ﴿فَقَدْ
هَوَى﴾ أي هلك، وهو استعارة من السقوط من علو إلى سفل ﴿وإنّ لَغَفَّارٌ لْمَن تَابَ﴾
المغفرة لمَن تاب حاصلة ولا بدّ والمغفرة للمؤمن الذي لم يتب في مشيئة الله عند أهل
السُّنّة، وقالت المعتزلة لا يغفر إلاّ لمَن تاب ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أي استقام ودام على الإيمان
والتوبة والعمل الصالح، ويحتمل أن يكون الهدى هنا عبارة عن نور وعلم يجعله الله في
قلب مَن تاب وآمن وعمل صالحًا، ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنِ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾ قصص هذه الآية
أن موسى عليه السلام لمّا أمره الله أن يسير هو وبنو إسرائيل إلى الطور تقدّم هو وحده
مبادرة إلى أمر الله، وطلبًا لرضاه، وأمر بني إسرائيل أن يسيروا بعده، واستخلف عليهم
أخاه هارون، فأمرهم السامريّ حينئذ بعبادة العجل، فلما وصل موسى إلى الطور دون قومه
قال له الله تعالى: ﴿مَا أَعْجَلَكَ عَنِ قَوْمِكَ﴾، وإنما سأل الله موسی عن سبب استعجاله دون
قومه ليخبره موسى بأنهم يأتون على أثره فيخبره الله بما صنعوا بعده من عبادة العجل، وقيل
سأله على وجه الإنكار لتقدّمه وحده دون قومه فاعتذر موسى بعذرين: أحدهما أن قومه
على أثره: أي قريب منه، فلم يتقدّم عليهم بكثير فيوجب العتاب، والثاني أنه إنما تقدّم طلبًا
لرضا الله ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ كان السامريّ رجلاً من بني إسرائيل يقال إنه ابن خال
موسى، وقيل لم يكن منهم وهو منسوب إلى قرية بمصر يقال لها سامرة، وكان ساحرًا
منافقًا ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ﴾ يعني رجع من الطور بعد إكمال الأربعين يومًا التي كلّمه
الله فيها ﴿أَسِفًا﴾ ذكر في الأعراف ﴿أَلَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ يعني ما وعدهم من
الوصول إلى الطور ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ يعني المدة وهذا الكلام توبيخ لهم ﴿بِمَلْكِنَا﴾

٢٤
تفسيز سورة بطله
أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا
٠٨٨
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ
يَرَّجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا ﴾ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِنْ قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم
قَالُواْ لَنْ تَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ: حَ يَرْجَعَ إِلَيْنَا
٩٠
بِهٌِّ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَانَبِعُونِ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى
◌َأَلَّا تَتَّبِعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ◌ِ﴾ قَالَ يَهْنَؤُمَّ لَا
مُوسَى ) قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُّوَأَ (﴾
أَقَالَ
تَأْخُذْ بِلِحْيَتِ وَلَا بِرَأْسِىّ إِنِى خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ (
قرىء بالفتح والضم والكسر، ومعناه ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، ولكن غلبنا بكيد
السامريّ فيحتمل أنهم اعتذروا بقلّة قدرتهم وطاقتهم ويناسب هذا المعنى القراءة بضم
الميم، واعتذروا بقّة ملكهم لأنفسهم في النظر وعدم توفيقهم للرأي السديد، ويناسب هذا
المعنى القراءة بالفتح والكسر ﴿حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْم﴾ الأوزار هنا الأحمال سمّيت
أوزارًا لثقلها، أو لأنهم اكتسبوا بسببها الأوزار أي الذنوب وزينة القوم هي حليّ القبط قوم
فرعون کان بنو إسرائيل قد استعاروه منھم قبل هلاکھم، وقیل أخذوه بعد هلاکھم فقال لهم
السامريّ: اجمعوا هذا الحليّ في حفرة حتى يحكم الله فيه، ففعلوا ذلك وأوقد السامريّ
نارًا على الحليّ وصاغ منه عجلاً وقيل بل خلق الله منه العجل من غير أن يصنعه الشّامريّ،
ولذلك قال لموسى قد فتنا قومك من بعدك ﴿فَقَذَقْنَاهَا﴾ أي قذفنا أحمال الحليّ في الحفرة
﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ كان السامريّ قد رأى جبريل عليه السلام، فأخذ من وطء فرسه
قبضة من تراب وألقى الله في نفسه أنه إذا جعلها على شيء موانًا صار حيوانًا فألقاها على
العجل فخار العجل أي صاح صياح العجول، فالمعنى أنهم قالوا كما ألقينا الحليّ في
الحفرة ألقى السامريّ قبضة التراب ﴿جَسَدًا﴾ أي جسمًا بلا روح، والخوار صوت البقر
﴿فَقَالُوا هَذَا إلَهُكُمْ﴾ أي قال ذلك بنو إسرائيل بعضهم لبعض ﴿قَتَسِيّ﴾ یحتمل وجهین:
أحدهما أن يكون من كلام بني إسرائيل والفاعل موسى: أي نسي موسى إلهه هنا، وذهب
يطلبه في الطور، والنسيان على هذا بمعنى الذهول، والوجه الثاني: أن يكون من كلام الله.
تعالى، والفاعل على هذا السامريّ: أي نسي دينه وطريق الحقّ، والنسيان على هذا
المعنى: الترك ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ ألاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ معناه لا یردّ علیھم کلامًا إذا کلّموه وذلك
ردّ عليهم في دعوى الربوبية له، وقرىء يرجع بالرفع، وأن مخفّفة من الثقيلة، وبالنصب
وهي مصدرية ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إذْ وَأَيْتَهُمْ ضَلُوا أَلاَّ تَقَّبِعَنٍ﴾ لا زائدة للتأكيد،
والمعنى ما منعك أن تتبعني في المشي إلى الطور، أو تتبعني في الغضب لله وشدّة الزجر
لمَن عبد العجل وقتالهم بمّن لم يعبده ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ﴾ ذكر في الأعراف ﴿لاَ تَأْخُذْ بِخِيَتِي

٢٥
تفسير سورة طله
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَصُرُواْ بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةٌ مِنْ أَثَرٍ
٩٥
فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ
الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى جَ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى الْحَيَوةِ أَن
تَقُولَ لَا مِسَاسٌ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ، وَأَنْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَكِّقًا لَّتُحَرِّقَنَّهُ
ـَ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ
٩٧
ثُمَّ لَتَنِسِفَنَّهُ فِ الْیَمِّ نَسْفًا
وَلاَ بِرَأْسِي﴾ كان موسى قد أخذ بشعر هارون ولحيته من شدّة غضبه لمّا وجد بني إسرائيل
قد عبدوا العجل ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي لو قاتلت مَن عبد
العجل منهم بمَن لم يعبده لقلت فرّقت جماعتهم وأدخلت العداوة بينهم، وهذا على أن
يكون معنى قوله تتبعني بالزَّجر والقتال ولو اتّبعتك في المشي إلى الطور لاتبعني بعضهم
دون بعض فتفرّقت جماعتهم وهذا على أن يكون معنى تتبعني في المشي إلى الطور ﴿وَلَمْ
تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يعني قوله له: اخلفني في قومي وأصلح ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ أي قال
موسى ما شأنك ولفظ الخطب يقتضي الانتهار، لأنه يستعمل في المكاره ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا
لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي رأيت ما لم يروه يعني جبريل عليه السلام وفرسه ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ
الرَّسُولِ﴾ أي قبضت قبضة من تراب من أثر فرس الرسول وهو جبريل، وقرأ ابن مسعود
((من أثر فرس الرسول)) وإنما سمّي جبريل بالرسول، لأن الله أرسله إلى موسى، والقبضة
مصدر قبض، وإطلاقها على المفعول من تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير، ويقال
قبض بالضاد المعجمة إذا أخذ بأصابعه وكفّه، وبالصاد المهملة: إذا أخذ بأطراف الأصابع
وقد قرىء كذلك في الشاذ ﴿فَتَبَذْتُهَا﴾ أي ألقيتها على الحليّ، فصار عجلاً أو على العجل
فصار له خوار ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾ عاقب موسى عليه السلام السامري
بأن منع الناس من مخالطته ومجالسته ومؤاكلته، ومكالمته وجعل له مع ذلك أن يقول طول
حياته لا مساس: أي لا مماسّة ولا إذاية، ورُوِيّ أنه كان إذا مسّه أحد أصابت الحمّى له
وللذي مسّه فصار هو يبعد عن الناس وصار الناس يبعدون عنه ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ يعني
العذاب في الآخرة وهذا تهديد ووعيد ﴿ظَلْتَ﴾ أصله ظللت، حذفت إحدى اللامين
والأصل في معنى ظل: أقام بالنهار، ثم استعمل في الدأب على الشيء ليلاً ونهارًا
﴿لَّتُحَرَّقَنَّهُ﴾ من الإحراق بالنار، وقرىء بفتح النون وضمّ الراء بمعنى نبرده بالمِبرَد، وقد
حمل بعضهم قراءة الجماعة على أنها من هذا المعنى، لأن الذهب لا يفنى بالإحراق بالنار،
والصحيح أن المقصود بإحراقه بالنار إذابته وإفساد صورته، فيصحّ حمل قراءة الجماعة على
ذلك ﴿ثُمَّ لَنَتْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ أي نلقيه في البحر، والنسف تفريق الغبار ونحوه ﴿إِنَّمَا

/
٢٦
تفسير سورة طه
عِلْمًا (٨) كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيَّكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَّ وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَُّنَّا ذِكْرًا (٤) مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ
يَوْمَ يُنُفَخُ فِى الُّورِّ
١٠
خَلِينَ فِّهِ وَسَآَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا
فَإِنَُّ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا
وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَِذٍ زُرْقًا لَمْ يَتَخَفَتُّونَ بَيْنَهُمْ إِن أَبِئْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (٢) ◌َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ
إِذْ يَقُولُ أَمَّثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّئْتُمْ إِلَّا يَوْمًا لِيْهٌ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِ نَسْفًا
٠٥
◌َ يَوْمَئِذٍ يَتَّعُونَ الَّعِىَ لَا عِوَجَ لَهُ
فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ( لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتَّا (ِ
وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّ هَمْسًا (٢) يَوْمَيِذٍ لَّا نَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ
إلهُكُمُ اللَّهُ﴾ الآية: من كلام موسى لبني إسرائيل ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ مخاطبة من الله
تعالى لسيدنا محمد صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم، وأنباء ما قد سبق: أخبار المتقدمين
﴿ذِكْرًا﴾ يعني القرآن ﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ يعني إعراض تكذيب به ﴿وِزْرًا﴾ الوزر في اللغة
الثقل، ويعني هنا العذاب لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أو الذنوب لأنها سبب العذاب ﴿وَسَاءَ لَهُمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا﴾ شبه الوزر بالحمل لثقله، قال الزمخشري ساء تجري مجرى بئس،
ففاعلها مضمر يفسّره حملاً، وقال غيره فاعلها مضمر يعود على الوزر ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي
الصُورِ﴾ أي ينفخ الملك في القرن، وقرىء بالنون أي بأمرنا ﴿زُزْقًا﴾ أي زرق الألوان
كالسواد، وقيل زرق العيون من العمى ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا﴾ أي يقول
بعضهم لبعض في السرّ إن لبثتم في الدنيا إلاّ عشر ليالٍ وذلك لاستقلالهم مدّة الدنيا، وقيل
يعنون لبثهم في القبور ﴿يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَة إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا﴾ أي يقول أعلمهم بالأمور،
فالإضافة إليهم إن لبثتم إلّ يومًا واحدًا فاستقلّ المدّة أشدّ مما استقلها غيره ﴿يَتسِفُهَا رَبِّي﴾
أي يجعلها كالغبار ثم يفرّقها ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ الضمير في يذرِها للجبال، والمراد
موضعها من الأرض، والقاع الصفصف: المستوي من الأرض الذي لا ارتفاع فيه ﴿لاَ تَرَى
فِيهَا عِوَجًا﴾ المعروف في اللغة أن العوج بالكسر في المعاني، وبالفتح في الأشخاص
والأرض شخص، فكان الأصل أن يقال فيها بالفتح، وإنما قاله بالكسر مبالغة في نفيه، فإن
الذي في المعاني أدقّ من الذي في الأشخاص، فنفاه ليكون غاية في نفي العوج من كل
وجه ﴿وَلاَ أَمْتَا﴾ الأمت: هو الارتفاع اليسير ﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ يعني الذي يدعو الخلق إلى
الحشر ﴿لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي لا يعوج أحد عن اتباعه والمشي نحو صوته، أو لا عوج لدعوته
لأنها حقّ ﴿هَمْسًا﴾ هو الصوت الخفيّ ﴿لاَّ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ يحتمل أن
يكون الاستثناء متّصلاً، ومن في موضع نصب بتنفع، وهي واقعة على المشفوع له،

٢٧
تفسير سورة طه
◌ْ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِ هِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمَا ◌ِ﴾ ﴾ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ
وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا إِ
لِلْحَيّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ نُظُلْمًا (١٤) وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَلَا يَخَافُ
ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا () وَكَذَلِكَ أَنَهُ قُرْءَ انَّا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ
لَهُمْ ذِكْرًا () فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيٌُ وَقُل
رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا () وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمَا (١٦) وَإِذْ قُلْنَا
لِلْمَلَبِكَةِ اسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَىِ (٨) فَقُلْنَا يَعَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ
وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكَُا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىَ (١) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١) وَأَنَّكَ لَا
فالمعنى لا تنفع الشفاعة أحد إلاّ مَن أذِنَ له الرحمن في أن يشفع له، وأن يكون الاستثناء
منقطعًا ومن واقعة على الشافع، والمعنى لكن مَن أذِنَ له الرحمن يشفع ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾
إن أُريد بمَن أذِنَ له الرحمن المشفوع فيه، فاللام في له بمعنى لأجله، أي رضي قول
الشافع لأجل المشفوع فيه، وإن أُريد الشافع فالمعنى رضي له قوله في الشفاعة ﴿يَعْلَمُ مَا
بَيْنَ أَنْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الضميران لجميع الخلق، والمعنى ذكر في آية الكرسي ﴿وَلاَ
يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ قيل المعنى لا يحيطون بمعلوماته كقوله: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه
إلاّ بما شاء﴾ [البقرة: ٢٥٥]، والصحيح عندي أن المعنى لا يحيطون بمعرفة ذاته إذ لا
يعرف الله على الحقيقة إلاّ الله، ولو أراد المعنى الأول لقال ولا يحيطون بعلمه، ولذلك
استثنى إلاّ بما شاء هناك ولم يستثنِ هنا ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ أي ذلّت يوم القيامة ﴿وَلاَ
هَضْمًا﴾ أي بخسًا ونقصًا لحسناته ﴿أَوْ يُخْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ أي تذكّرًا، وقيل شرفًا وهو هنا
بعيد ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلٍ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَخْيُهُ﴾ أي إذا أقرأك جبريل القرآن فاستمع
إليه واصبر حتى يفرغ وحينئذ تقرأه أنت فالآية: كقوله: ﴿لا تُحَرّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَل بِهِ﴾
[القيامة: ١٦]، وقيل كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا أُوحِيَ إليه القرآن يأمر بكتبه
في الحين، فأُمِرَ أن يتأنّى حتى تُفَسّر له المعاني، والأول أشهر ﴿عَهِذْنَا إِلَى آدَمَ﴾ أي وصّيناه
أن لا يأكل من الشجرة ﴿فَتَسِيَ﴾ يحتمل أن يكون النسيان الذي هو ضدّ الذكر، فيكون ذلك
عذرًا لآدم أو يريد الترك، وقال ابن عطية: لا يمكن غيره، لأن الناسي لا عقاب عليه، وقد
تقدّم الكلام على قصّة آدم وإبليس في البقرة ﴿فَلاَ يُخْرِ جَنّكُمَا مِنَ الجَّةِ فَتَشْقَى﴾ أي لا
تطيعاه فيُخرجكما من الجنة فجعل المسبّب موضع السبب وخصّ آدم بقوله: ﴿فَتَشْقَى﴾ لأنه
كان المُخاطَب أولاً، والمقصود بالكلام، وقيل لأن الشقاء في معيشة الدنيا مختصّ بالرجال

٢٨
تفسير سورة طه.
تَظْهَؤُاْ فِهَا وَلَا تَضْحَى ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَتَعَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ
وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ◌َْ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ
قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ
١٢١
٤) ثُمَّأَخْتَهُ رَبُُّ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى
وَعَصَوَ ءَآدَمُ رَبَّكُ فَغَوَى ◌ِ
لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُم مِّنِى هُدَّى فَمَنِ أَتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى: (١) وَمَنْ أَعْرَضَ
﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَفِّ
عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى !
أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ﴿لَ قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى (١) وَكَذَلِكَ نَجْرِى مَنْ
﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ
أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ بِئَايَتِ رَبِهِ، وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَ الَ
◌َ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِِّكَ لَكَانَ
١٢٨
اُلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِ مَسَكِنِمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِ النُّهَى
أَ فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا
١٢٩
لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمَّى
﴿لاَ تَظْمَؤْا فِيهَا وَلاَ تَضْحَى﴾ الظمأ هو العطش، والضحى هو البروز للشمس ﴿يَخْصِفَانٍ﴾.
ذكر في الأعراف وكذلك الشجرة وأكل آدم منها ذكر ذلك في البقرة ﴿اهبطًا﴾ خطاب لآدم
وحوّاء ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة وجوابها فَمَّن اتّبع ﴿فَلاَ يَضِلُّ
وَلاَ يَشْقَى﴾ أي لا يضلّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ﴿مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ أي ضيقة، فقيل)».
إن ذلك في الدنيا، فإن الكافر ضيق المعيشة لشدّة حرصه وإن كان واسع الحال، وقد قال
بعض الصوفيّة لا يعرض أحد عن ذكر الله إلاّ أظلم عليه وقته وتكدّر عليه عيشه)، وقيل إن.
ذلك في البرزخ، وقيل في جهنم بأكل الزقوم، وهذا ضعيف لأنه ذكر بعد هذا يوم القيامة.
وعذاب الآخرة ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ أي يعني أعمى البصر.
﴿فَنَسِيتُهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ من الترك لا من الذهول ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ
وأَبْقى﴾ أي عذاب جهنم أشدّ وأبقى من العيشة الضنك ومن الحشر أعمى ﴿أَفَلَمْ يَهْدٍ لَهُمْ﴾
معناه أفلم يتبيّن لهم، والضمير لقريش والفاعل بيهد مقدّر تقديره أوّ لَم يَهدِ لهم الهدى أو
الأمر، وقال الزمخشري الفاعل الجملة التي بعده، وقيل الفاعل ضميرُ الله عزّ وجلّ، ويدلّ
عليه قراءة أفلم نهد بالنون، وقال الکوفیون الفاعل کم ﴿یَمْشُونَ فِي مَسَاکِنِهِمْ﴾ یرید أن
قریشّا یمشون في مساکن عاد وثمود، ویعاینون آثار هلاکھم ﴿لأولي النُّھی﴾ أي ذوي
العقول ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا﴾ الكلمة هنا القضاء السابق، والمعنى لولا .
قضاء الله بتأخير العذاب عنهم لكان العذاب لزامًا: أي واقعًا بهم ﴿وَأَجْلٌ مُسَمِّى﴾ معطوف .
:

٢٩
تفسير سورة طله
وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا
١٣٠
وَمِنْ ءَانَآٍ اَلَيْلِ فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى
مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيَّةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٤) وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَّبِرُ عَلَيْهَا لَا
نَسْتَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكْ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى ◌ِ() وَقَالُواْ لَوْلَا يَأْتِيِنَا بِشَايَةٍ مِّن رَّبِّهِّ، أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِنَةُمَافِى
على كلمة: أي لولا الكلمة والأجل المسمى لكان العذاب لزامًا وإنما أخّره لتعتدل رؤوس
الآي، والمراد بالأجل المسمى يوم بدر، وبذلك ورد تفسيره في البخاري، وقيل المراد به
أجل الموت، وقيل القيامة ﴿وَسَبِّح﴾ يحتمل أن يريد بالتسبيح الصلاة، أو قول سبحان الله
وهو ظاهر اللفظ ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ في موضع الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفّقك
للتسبيح، ويحتمل أن يكون المعنى سبّح تسبيحًا مقرونًا بحمد ربّك فيكون أمرًا بالجمع بين
قوله سبحان الله وقوله الحمد لله، وقد قال رسول الله مَله: ((وسبحان الله والحمد لله تملآن
ما بين السماء والأرض)) ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ إشارة إلى الصلوات الخمس
عند مَن قال إن معنى فسبّح: الصلاة، فالتي قبل طلوع الشمس الصبح، والتي قبل غروبها
الظهر والعصر، ومن آناء الليل المغرب والعشاء الآخرة وأطراف النهار المغرب والصبح،
وكرّر الصبح في ذلك تأكيدًا للأمر بها، وسُمّي الطرفين أطرافًا لأحد وجهين: إما على نحو
﴿فقد صغت قلوبكما﴾، وإما أن يجعل النهار للجنس، فلكل يوم طرف، وآناء الليل ساعاته،
واحدها إنى ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ ذكر في الحجر ومدّ العينين هو تطويل النظر ففي ذلك
دليل على أن النظر غير الطويل معفوّ عنه ﴿زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ شبّه نِعَم الدنيا بالزهر وهو
النوار، لأن الزهر له منظر حسن، ثم يذبل ويضمحل، وفي نصب زهرة خمسة أوجه أن
ينتصب بفعل مضمر على الذمّ، أو يضمن متّعنا معنى أعطينا، ويكون زهرة مفعولاً ثانيًا له،
أو يكون بدلاً من موضع الجار والمجرور أو يكون بدلاً من أزواجًا على تقدير ذوي زهرة
أو ينتصب على الحال ﴿لِتَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي لنختبرهم ﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ أي لا نسألك أن
ترزق نفسك ولا أهلك فتفرغ أنت وأهلك للصلاة فنحن نرزقك، وكان بعض السلف إذا
أصاب أهله خصاصة قال قوموا فصلّوا بهذا أمركم الله، ويتلو هذه الآية ﴿أَوَ لَمْ تَأْتِهِم بَيْنَةُ مَا
فِي الصَّحُفِ الأُولى﴾ البيّنة هنا البرهان، والصحف الأولى هي التوراة والإنجيل وغيرهما
من كتب الله، والضمير في قالوا وفي أوَ لَمْ تَأْتهم لقريش لما اقترحوا آية على وجه العناد
والتعنّت: أجابهم الله بهذا الجواب، والمعنى قد جاءكم برهان ما في التوراة والإنجيل من
ذكر محمد بَّ، فلأيّ شيء تطلبون آية أخرى، ويحتمل أن يكون المعنى قد جاءكم القرآن
وفيه من العلوم والقصص ما في الصحف الأولى، فذلك بيّنة وبرهان على أنه من عند الله

٣٠
تفسير سورة طه
الضُّحُفِ الْأُولَى
وَلَوْأَنَّا أَهْلَكْنَهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا
١٣٣
فَتَتَّعَ ءَايَئِكَ مِن قَبْلِ أَن تَّذِلَّ وَغَخْزَىْ ﴿ قُلْ كُلِّ مُتَرَيِّصٌ فَتَرَضَهُوْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَبُ
الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى
١٣٥
﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ﴾ الآية: معناها لو أهلكنا هؤلاء الكفّار قبل بعث
محمد بلّ لاحتجوا على الله بأن يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً، ولولا هنا عرض فقامت
عليهم الحجّة ببعثه وَ ل﴿ ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ أي قل كل واحد منّا ومنكم منتظر لما يكون من
هذا الأمر ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ تهديد ﴿الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ المستقيم.
٠٠
٠
:

سورة الأنبياء
مكية وآياتها ١١٢ نزلت بعد سورة إبراهيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّغَنِ الرَّحْمَ
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (٤) مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم ◌ُحْدَثٍ
إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَآ إِلََّّ بَشَرٌ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الناس لفظ عامّ، وقال ابن عباس: المراد به هنا المشركون
من قريش بدليل ما بعد ذلك، لأنه من صفاتهم، وإنما أخبر عن الساعة بالقرب، لأن الذي
مضى من الزمان قبلها أكثر مما بقي لها ولأن كل آتٍ قريب ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ
مُخْدَثٍ﴾ يعني بالذكر القرآن، ومحدث: أي محدث النزول ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ
ظَلَمُوا﴾ الواو في أسرّوا ضمير فاعل يعود على ما قبله، والذين ظلموا: بدل من الضمير،
وقيل إن الفاعل هو الذين ظلموا، وجاء ذلك على لغة مَن قال أكلوني البراغيث، وهي لغة
بني الحارث بن كعب، وقال سيبويه لم تَأْتِ هذه اللغة في القرآن ويحتمل أن يكون الذين
ظلموا منصوبًا بفعل مضمر على الذمّ أو خبر ابتداء مضمر، والأول أحسن ﴿هَلْ هَذَا إلاَّ
بَشَرٌ مُثْلُكُمْ﴾ هذا الكلام في موضع نصب بدل من النجوى، لأنه هو الكلام الذي تناجوا
به، والبشر المذكور في الآية هو سيّدنا محمد نَِّ ﴿قَالَ رَبِّ يَعْلَمُ القَوْلَ﴾ إخبار بأنه ما.

٣٢
تفسير سورة الأنبياء
مِثْلُكُمْ أَقَتَأْتُونَ السّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿﴿ قَالَ رَبِ يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿ بَلْ قَالُواْ أَضْغَثُ أَحْلَمٍ بَلِ أَفْتَرَهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ
كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ جَّ مَآءَامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ وَمَآ أَرْسَلْنَا
قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِمْ فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢) وَمَا جَعَلْنَهُمْ
أُثُمَّ صَدَقْتَهُمُ الْوَعْدَ فَأَنَجَيْنَهُمْ وَمَن نَشَآءُ
جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ
لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا
٩
وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ
فَلَمَّا أَحَسُواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا
١١
مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمَاءَاخَرِينَ
تناجوا به على أنهم أسروه، فإن قيل هلاً قال يعلم السرّ مناسبة لقوله أسرّوا النجوى؟
فالجواب: أن القول يشمل السرّ والجهر فحصل به ذكر السرّ وزيادة ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ
أَخلام﴾ أي أخلاط منامات، وحُكِيَ عنهم هذه الأقوال الكثيرة ليظهر اضطراب أمرهم
وبطلان أقوالهم ﴿كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ أي كمه جاء الرُّسُل المتقدّمون بالآيات فليأتنا محمد
بآية فالتشبيه في الإتيان بالمعجزة ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ لما قالوا فليأتنا بآية
أخبرهم الله أن الذين من قبلهم طلبوا الآيات فلما رأوها ولم يؤمنوا أهلكوا، ثم قال ﴿أَفَهُمْ
يُؤْمِنُونَ﴾ أي أن حالهم في عدم الإيمان وفي الهلاك كحال من قبلهم، ويحتمل أن يكون
المعنى: أن كل قرية هلكت لم تؤمن فهؤلاء كذلك ولا يكون على هذا جوابًا لقولهم فليأتنا
بآية بل يكون إخبارًا مستأنفًا على وجه التهديد؛ وأهلكناها في موضع الصفة لقرية، والمراد
أهل القرية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلاَّ رِجَالاً﴾ رد على قولهم هل هذا إلاّ بشر مثلكم والمعنى أن
الرّسل المتقدمين رجالاً من البشر فكيف تنكرون أن يكون هذا الرجل رسولاً ﴿أَهْلَ الذُّغْرِ﴾
يعني أحبار أهل الكتاب ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ أي ما جعلها ◌َالرُّسُل
أجسادًا غير طاعمين، ووحد الجسد لإرادة الجنس، ولا يأكلون الطعام صفة لجسد، وفي.
الآية ردّ على قولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ﴿وَمَنْ نَشَاءٌ﴾ يعني المؤمنين ﴿قِيْهِ
ذِكْرُكُمْ﴾ أي شرفكم وقيل تذكيركم ﴿قَصَمْنَا﴾ أي أهلكنا، وأصله من قصم الظهر أي كسره
﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ يريد أهل القرية؛ قال ابن عباس: هي قرية باليمن يقال لها حضور بعث الله
إليهم نبيًّا فقتلوه فسلّط الله عليهم بختنصر ملك بابل فأهلكهم بالقتل، وظاهر اللفظ أنه على
العموم لأن كم للتكثير، فلا يريد قرية معينة ﴿يَرْكُضُونَ﴾ عبارة عن قرارهم، فيحتمل أن
يكونوا ركبوا الدواب وركضوها لتسرع الجري أو شبّهوا في سرعة جريهم على أرجلهم بمَن

٣٣
تفسير سورة الأنبياء
قَالُواْ يَوَيْلَنَآ إِنَّا
١٣
يَكُونَ (٦َ لَا تَرْكُضُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِنْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُتْشَلُونَ
فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَدُهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءُ
١٤
كُنَّا ظَالِمِينَ (
وَالْأَرْضَ وَمَا بَهُمَا لَعِينَ (٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَنَِّذَ لَمَوَّ لَّأَتَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَعِلِينَ (٦َ بَلْ
نَقْذِفُ بِالَّْ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ اُلْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ (١) وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَتِ
يُسَبِّحُونَ اَلَيْلَ وَاَلنَّهَارَ لَا
وَاْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ [®
يَفْتُرُونَ ﴿َ أَمِ أَتَّخَذُوَاْ ءَالِهَةُ مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٤) لَوْ كَانَ فِيِهِمَآ ءَاِهَةٌ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَأْ
يركض الدابة ﴿لاَ تَرْكُضُوا﴾ أي قيل لهم لا تركضوا والقائل لذلك هم الملائكة قالوه تهكّمًا
بهم، أو رجال بختنصر إن كانت القرية المعينة قالوا ذلك لهم خداعًا ليرجعوا فيقتلوهم
﴿أَثْرِفْتُمْ﴾ أي نعمتم ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ﴾ تهكّم بهم وتوبيخ أي ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم
لعلّكم تُستَلون عمّا جرى عليكم، ويحتمل أن يكون تُستَلون بمعنى يطلب لكم الناس
معروفكم وهذا أيضًا تهكّم ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ الآية اعتراف وندم حين لم ينفعهم ﴿حَصِيدًا
خَامِدِين﴾ شُبّهوا في هلاكهم بالزرع المحصود، ومعنى خامدين: موتى وهو تشبيه بخمود
النار ﴿لاَعِبِينَ﴾ حال منفيّة أي ما خلقنا السموات والأرض لأجل اللعب بل للاعتبار بها،
والاستدلال على صانعها ﴿لَوْ أَرَذْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوَا لأَنَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا﴾ اللهو في لغة اليمن:
الولد، وقيل المرأة، ومن لَّدُنَّا: أي من الملائكة، فالمعنى على هذا لو أردنا أن نتّخذ ولدًا
لاتخذناه من الملائكة، لا من بني آدم، فهو ردّ على مَن قال إن المسيح ابن الله وعزير ابن
الله، والظاهر أن اللهو بمعنى اللعب لاتصاله بقوله لاعبين، وقال الزمخشري المعنى على
هذا لو أردنا أن نّخذ لهوّا لكان ذلك في قدرتنا ولكن ذلك لا يليق بنا لأنه مناقض
للحكمة، وفي كلا القولين نظر ﴿إن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ يحتمل أن تكون إن شرطية وجوابها فيما
قبلها، أو نافية، والأوّل أظهر ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ الحق عامّ في القرآن والرسالة
والشرع وكل ما هو حق، والباطل عامّ في أضداد ذلك ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي يقمعه ويبطله، وأصله
من إصابة الدماغ ﴿ومَنْ عِندَهُ﴾ يعني الملائكة ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي لا يعيون ولا يملّون
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُون﴾ أم هنا للإضراب عمّا قبلها، والاستفهام على
وجه الإنكار لما بعدها من الأرض يتعلق بينشرون والمعنى أن الآلهة التي اتخذها المشركون
لا يقدرون أن ينشروا الموتى من الأرض فليست بآلهة في الحقيقة لأن من صفة الإله القدرة
على الإحياء والإماتة ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ هذا برهان على وحدانية الله

٣٤
تفسير سورة الأنبياء
◌َلَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ ﴿ أَمِ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ:
فَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (
٢٢
ءَإِمَةٌ قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ شَعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِيُ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْمََّ فَهُم
مُعْرِضُونَ ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَُّ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَأَعْبُدُونِ
٢٥
لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم
وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ سُبْحَتَهْ بَلْ عِبَادٌ شُكْرَمُونَ
تعالى، والضمير في قوله فيهما السموات والأرض، وإلاّ الله صفة لآلهة، وإلاّ بمعنى غير،
فاقتضى الكلام أمرين أحدهما نفي كثرة الآلهة، ووجوب أن يكون الإله واحدًا، والأمر
الثاني: أن يكون ذلك الواحد هو الله دون غيره، ودلّ على ذلك قوله إلاّ الله، وأما الأوّل
فكانت الآية تدلّ عليه لو لم تذكر هذه الكلمة، وقال كثير من الناس في معنى الآية: إنها
دليل على التمانع الذي أورده الأصوليون، وذلك أنّا لو فرضنا إلهين فأراد أحدهما شيئًا
وأراد الآخر نقيضه، فإما أن تنفذ إرادة كل واحد منهما وذلك مُخال لأن النقيضين لا
يجتمعان، وإما أن لا تنفذ إرادة واحد منهما، وذلك أيضًا مُحال، لأن النقيضين لا يرتفعان
معًا، ولأن ذلك يؤدي إلى عجزهما وقصورهما، فلا يكونان إلهين، وإما أن ينفذ إرادة
واحد منهما دون الآخر، فالذي تنفذ إرادته هو الإله، والذي لا تنفذ إرادته ليس بإله، فالإله
واحد. وهذا الدليل إن سلّمنا صحته فلفظ الآية لا يطابقه، بل الظاهر من اللفظ إستدلال
آخر أصحّ من دليل التمانع، وهو أنه لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا، لما يحدث بينهما
من الاختلاف والتنازع في التدبير وقصد المغالبة، ألا ترى أنه لا يوجد ملكان اثنان لمدينة
واحدة، ولا وليّان لخطة واحدة ﴿لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لأنه مالك كل شيء والمالك يفعل
في مُلكه ما يشاء، ولأنه حكيم، فأفعاله كلها جارية على الحكمة ﴿وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ لفقد
العلّتين ﴿أَمَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةٌ﴾ كرّر هذا الإنكار استعظامًا للشرك ومبالغةً في تقبيحه لأن
قبله من صفات الله ما يوجب توحيده وليُناط به ما ذكر بعده من تعجيز المشركين وأنهم ليس
لهم على الشرك برهان لا من جهة العقل ولا من جهة الشرع ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ تعجيز لهم
وقد تكلمنا على هاتوا في البقرة ﴿هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعَيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ ردّ على المشركين
والمعنى هذا الكتاب الذي معي والكتب التي من قبلي ليس فيهما ما يقتضي الإشراك بالله،
بل كلها متّفقة على التوحيد ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ الآية: ردّ على المشركين، والمعنى أن كل
رسول إنما أتى بلا إله إلاّ الله ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ يعني الملائكة وهم الذين قال فيهم بعض
الكفّار أنهم بنات الله، فوصفهم بالعبودية لأنها تناقض النبوءة، ووصفهم بالكرامة، لأن ذلك
هو الذي غرّ الكفّار حتى قالوا فيهم ما قالوا ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي لا يتكلمون حتى

٣٥
تفسير سورة الأنبياء
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ
بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ
(٢٧
، وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِلَّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ تَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ
٢٨
خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ
نَجْزِى الَّالِمِينَ (٨) أَوَلَمْ يَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَنَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَّا وَجَعَلْنَا
مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٢) وَجَعَلْنَا فِ اْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا
سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٦) وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَحْفُوظَا وَهُمْ عَنْ ءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ (٢) وَهُوَ
اُلَّذِ خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمََّ كُلُّ فِىِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ يِّن قَبْلِكَ
يتكلم هو تأذّبًا معه ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ أي لمَن ارتضى أن يشفع له، ويحتمل
أن تكون هذه الشفاعة في الآخرة أو في الدنيا وهي استغفارهم لمَن في الأرض ﴿مُشْفِقِونَ﴾
أي خائفون ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ الآية على فرض أن لو قالوا ذلك، ولكنهم لا يقولونه، وإنما
مقصد الآية الردّ على المشركين وقيل إن الذي قال إني إله هو إبليس لعنه الله ﴿كَانَتَا رَتْقًا
فَفَتْقْنَاهُمَا﴾ الرتق مصدر وصف به، ومعناه الملتصق بعضه ببعض الذي لا صدع فيه ولا
فتح، والفتق الفتح فقيل كانت السموات ملصقة بالأرض ففتقها الله بالهواء، وقيل كانت
السموات ملتصقة بعضها ببعض والأرضون كذلك ففتقهما الله سبعًا سبعًا والرؤية في قوله
أوَ لم يَرَ على هذا رؤية قلب، وقيل فتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات، فالرؤية على
هذا رؤية عين ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ﴾ أي خلقنا من الماء كل حيوان ويعني
بالماء المنيّ وقيل الماء الذي يشرب لأنه سبب لحياة الحيوان، ويدخل في ذلك النبات
باستعارة ﴿رَوَاسِيَ﴾ يعني الجبال ﴿أَن تَمِيدَ﴾ تقديره كراهية أن تميد ﴿فِجَاجًا﴾ يعني الطرق
الكبار، وإعرابه عند الزمخشري حال من السبل، لأنه صفة تقدّمت على النكرة ﴿لَّعَلَّهُمْ
يَهْتَدُونَ﴾ يعني في طرقهم وتصرفاتهم ﴿سَقْفًا مَّخْفُوظًا﴾ أي حفظ من السقوط ومن
الشياطين ﴿عن آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ يعني الكواكب والأمطار والرعد والبرق وغير ذلك ﴿كُلِّ
فِي فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ التنوين في كل عوض عن الإضافة أي كلهم في فلك يسبحون يعني
الشمس والقمر دون الليل والنهار، إذ لا يوصف الليل والنهار بالسبح في الفلك فالجملة في
موضع حال من الشمس والقمر أو مستأنفًا، فإن قيل: لفظ كلّ ويسبحون جمع، فكيف
يعني الشمس والقمر وهما اثنان؟ فالجواب: أنه أراد جنس مطالعها كل يوم وليلة وهي كثيرة
قاله الزمخشري وقال القزنوي: أراد الشمس والقمر وسائر الكواكب السيّارة، وعبّر عنهما
بضمير الجماعة العقلاء في قوله يسبحون، لأنه وصفهم بفعل العقلاء وهو السبح، فإن
قيل: كيف قال في فلك، وهي أفلاك كثيرة؟ فالجواب أنه أراد كل واحد يسبح في فلكه،

٣٦
تفسير سورة الأنبياء
كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا
٣٤
الْخُلُدَّ أَفَإِيْنِ مِّتَّ فَهُمُ الْخَلِدُونَ
تُجَعُونَ (9) وَإِذَا رَءَالَكَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ
ءَالِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَفِرُونَ ﴿ خُلِقَ الْإِنِسَنُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْءَايَتِى
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِفِينَ الّـ
فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ اِجَّ
وذلك كقولهم: كساهم الأمير حلّة أي كسا كل واحد منهم حلّة، ومعنى الفلك جسم
مستدير، وقال بعض المفسّرين إنه من موج، وذلك بعيد، والحق أنه لا يعلم صفته وكيفيته
إلاّ بإخبار صحيح عن الشارع، وذلك غير موجود، ومعنى يسبحون يجرون، أو يدورون،
وهو مستعار من السبح بمعنى العوم في الماء، وقوله كلٌّ في فلك من المقلوب الذي يقرأ
من الطرفين ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِيَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْد﴾ سببها أن الكفّار طعنوا على النبي ◌َّ بأنه
بشر يموت، وقيل إنهم تمنّوا موته ليشمتوا به، وهذا أنسب لما بعده ﴿أَفَإِين مّتَّ فَهُمُ
الْخَالِدُونَ﴾ موضع دخول الهمزة فهم الخالدون وتقدّمت لأن الاستفهام له صدر الكلام.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ﴾ أي كل نفس مخلوقة لا بدّ لها أن تذوق الموت، والذوق
هنا استعارة ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ أي نختبركم بالفقر والغنى والصحة والمرض وغير
ذلك من أحوال الدنيا ليظهر الصبر على الشرّ والشكر على الخير، أو خلاف ذلك ﴿فِتْنَةٌ﴾
مصدر من معنى نبلوكم ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ أي يذكرهم بالذم دلّت على ذلك قرينة
الحال، فإن الذكر قد يكون بذمّ أو مدح، والجملة تفسير للهزء أي يقولون أهذا الذي
﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كَافِرُونَ﴾ الجملة في موضع الحال أي كيف ينكرون ذمّك لآلهتهم
وهم يكفرون بالرحمن، فهم أحقّ بالملامة، وقيل معنى بذكر الرحمن تسميته بهذا الاسم،
لأنهم أنكروها، والأول أغرق في ضلالهم ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلِ﴾ خلق شديد
الاستعجال وجاءت هذه العبارة للمبالغة: كقولهم خلق حاتم من جود، والإنسان هنا
جنس، وسبب الآية: أن الكفّار استعجلوا الآيات التي اقترحوها والعذاب الذي طلبوه،
فذكر الله هذا توطئة لقوله: ﴿فلا تستعجلون﴾ [الأنبياء: ٣٧]، وقيل المراد هنا آدم لأنه لما
وصلت الروح إلى صدره أراد أن يقوم وهذا ضعيف، وقيل من عجل: أي من طين، وهذا
أضعف ﴿سَأَرِيكُمْ آيَاتِي﴾ وعيد وجواب على ما طلبوه من التعجيل ﴿وَيَقُولُونَ﴾ الآية:
تفسير لاستعجالهم ﴿الْوَغْدُ﴾ القيامة وقيل نزول العذاب بهم ﴿لَوْ يَعْلَمْ﴾ جواب لو محذوف
﴿حِينَ﴾ مفعول به ليعلموا؛ أي لو يعلمون الوقت الذي يحيط بهم العذاب لآمنوا وما

٣٧
تفسير سورة الأنبياء
بَلْ
٣٩
كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَ هُمْ يُنْصَرُونَ
تَأْتِيِهِم بَغْتَةُ فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٥) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن
قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ (٤) قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِالََّّلِ
وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمِنِّ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ ﴿ أَمْ لَهُمْءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن
أَ بَلْ مَنَّعْنَا هَؤُلَاءٍ
٤٣
دُونِنَأَ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ
وَءَبَآءَ هُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ الْأَرْضَ نَنَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً أَفَهُمُ
الْغَلِبُونَ ﴿ قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُم بِالْوَحِيٍّ وَلَا يَسْمَعُ الضُُّ الدُّعَّةَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ
(٤٥
وَلَيْن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابٍ رَبِّكَ لَيَقُولُنَ يَوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ (٤) وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ
استعجلوا ﴿بَلْ تَأْتِيهِم﴾ الضمير الفاعل للنار، وقيل الساعة ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ أي تفجؤهم ﴿وَلاً
هُمْ يُنظَرُون﴾ أي لا يؤخّرون عن العذاب ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ﴾ الآية تسلية بالتأسّي ﴿فَحَاقَ﴾
أي أحاط ﴿مَنْ يَكْلَؤُكُم﴾ أي مَن يحفظكم من أمر الله، ومن استفهامية، والمعنى تهديد،
وإقامة حجة، لأنهم لو أجابوا عن هذا السؤال لاعترفوا أنهم ليس لهم مانع ولا حافظ، ثم
جاء قوله ﴿بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُعرِضونَ﴾ بمعنى أنهم إذا سُئِلوا عن ذلك السؤال لم
يجيبوا عنه لأنهم تقوم عليهم الحجة إن أجابوا، ولكنهم يعرضون عن ذكر الله: أي عن
الجواب الذي فيه ذكر الله، وقال الزمخشري معنى الإضراب هنا أنهم معرضون عن ذكره
فضلاً عن أن يخافوا بأسه ﴿أَمْ لَهْمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا﴾ أي تمنعهم من العذاب، وأم هنا
للاستفهام، والمعنى الإنكار والنفي، وذلك أنه لما سألهم عمّن يكلؤهم: أخبر بعد ذلك أن
آلهتهم لا تمنعهم ولا تحفظهم ثم احتجّ عن ذلك بقوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ﴾،
فإن مَن لا ينصر نفسه أولى أن لا ينصر غيره ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ الضمير للكفّار: أي
لا يصحبون منّا بنصر ولا حفظ ﴿بَلْ مَتَّعْتَا هَؤُلاَءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ أي متّعناهم بالنّعم والعافية في
الدنيا فطغوا بذلك ونسوا عقاب الله، والإضراب ببل عن معنى الكلام المتقدّم: أي لم
يحملهم على الكفر والاستهزاء نصر ولا حفظ، بل حملهم على ذلك أنّا متّعناهم وآباءهم
﴿َنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِها﴾ ذكر في الرعد ﴿وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ إشارة إلى الكفّار، والصّمّ
استعارة في إفراط إعراضهم ﴿نَفْحَةٌ﴾ أي خطرة وفيها تقليل العذاب، والمعنى أنهم لو رأوا
أقل شيء من عذاب الله لأذعنوا واعترفوا بذنوبهم ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ أي العدل،
وإنما أفرد القسط وهو صفة للجمع، لأنه مصدر وصف به كالعدل والرضا، وعلى تقدير

٣٨
تفسير سورة الأنبياء
الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِنِ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَيْنَا بِهَا
الَّذِينَ
وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ (﴾ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ لَه
يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (١) وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكُ أَنزَلْنَهُ أَفَنْتُمْ لَهُ
مُنْكِرُونَ (٢) ﴾ وَلَقَدْ ءَانَيْنَآَ إِنَهِيَمَ رُشْدَمُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ ﴿ إِذْقَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا
قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ
٥٣
هَذِهِ التَّمَاثِلُ الَّتِيِ أَنْتُمْ لَهَا عَكِفُونَ (٨) قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَبِدِينَ (
جَ قَالَ بَلَ رَّبُّكُمْ رَبُّاَ لسَّمَوَّتِ
وَءَبَآؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ الَّعِينَ
وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى ذَلِكُمْ مِّنَ الشَِّهِدِينَ ﴾ وَتَللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَكُمْ بَعْدَ أَنْ
تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ (٦) فَجَعَلَهُمْ جُذَادًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٨) قَالُواْ مَن فَعَلَ هَذَا
ذوات القسط، ومذهب أهل السُّنّة أن الميزان يوم القيامة حقيقة له كفّتان ولسان وعمود
توزن فيه الأعمال، والخفّة والثقل متعلقة بالأجسام، إما صحف الأعمال، أو ما شاء الله،
وقالت المعتزلة: إن الميزان عبارة عن العدل في الجزاء ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وقال ابن عطية
تقديره لحساب يوم القيامة، أو لحكمة، فهو على حذف مضاف وقال الزمخشري هو
كقولك كتبت الكتاب لستِّ خلون من الشهر ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي وزنها والرفع على أن كان
تامة، والنصب على أنها ناقصة واسمها مضمر ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هنا التوراة، وقيل التفرقة بين
الحق والباطل بالنصر وإقامة الحجة ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ﴾ يعني القرآن ﴿رُشْدَهُ﴾ أي إرشاده إلى
توحيد الله وكسر الأصنام وغير ذلك ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل موسى وهارون، وقيل آتيناه رشده
قبل النبوّة ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ أي علمناه أنه يستحق ذلك ﴿التَّمَاثِلُ﴾ يعني الأصنام وكانت
على صور بني آدم ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ اعتراف بالتقليد من غير دليل ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي
هل الذي تقول حق أم مزاح، وانظر كيف عبّر عن الحق بالفعل، وعن اللعب بالجملة
الاسمية، لأنه أثبت عندهم ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ أي خلقهنّ، والضمير السموات والأرض، أو
التماثيل، وهذا أليق بالرد عليهم ﴿بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُذْبِرِينَ﴾ يعني خروجهم إلى عيدهم
﴿جُذَاذًا﴾ أي فتاتًا، ويجوز فيه الضم والكسر والفتح، وهو من الجذ بمعنى القطع ﴿إلاّ
كَبِيرًا لَّهُمْ﴾ ترك الصنم الكبير لم يكسره وعلّق القذّوم في يده ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾
الضمير للصنم الكبير أي يرجعون إليه فيسألونه فلا يجيبهم، فيظهر لهم أنه لا يقدر على
شيء، وقيل الضمير لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، أي يرجعون إليه فيبيّن لهم الحق ﴿قُالُوا
مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾ قبله محذوف تقديره فرجعوا من عيدهم فرأوا الأصنام مكسورة، فقالوا مَن

٣٩
تفسير سورة الأنبياء
◌ِثَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَِّمِينَ
قَالُواْ فَأَتُواْ بِهِ، عَلَىّ
! قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِبْزَهِيمُ
٥٩
﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ,
أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٨) قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِنَا بَإِبْزَهِيهُ!
كَبِيرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْيَنطِقُونَ (٣) فَرَجَعُوْاْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْإِنَّكُمْ أَنْتُمُ
ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ (٥َ قَالَ
٦٤
الظَّالِمُونَ
أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٥٦) أُفٍ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤) قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَأَنصُرُوَاْءَ الِهَتَكُمْ إِن كُنُمْ فَعِلِينَ (٤) قُلْنَا يَنَارُ
فعل هذا ﴿فَتَّى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي يذكرهم بالذمَ وبقوله: ﴿لأكيدنَّ أصنامكم﴾ ﴿يُقَالُ لَهُ
إِبْرَاهِيمَ﴾ قيل إن إعراب إبراهم منادى، وقيل خبر ابتداء مضمر، وقيل رفع على الإهمال،
والصحيح أنه مفعول لم يُسَمَّ فاعله، لأن المراد الاسم لا المسمّى وهذا اختيار ابن عطية
والزمخشري ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي يشهدون عليه بما فعل أو يحضرون عقوبتنا له ﴿قَالَ بَلْ
فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ قصد إبراهيم عليه السلام بهذا القول تبكيتهم وإقامة الحجة عليهم، كأنه
يقول إن كان إلها فهو قادر على أن يفعل، وإن لم يقدر فليس بإله ولم يقصد الإخبار
المحض، لأنه كذب، فإن قيل: فقد جاء في الحديث أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات:
أحدها قوله فعله كبيرهم، فالجواب أن معنى ذلك أنه قال قولاً ظاهره الكذب، وإن كان
القصد به معنًى آخر، ويدلّ على ذلك قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ لأنه أراد به
أيضًا تبكيتهم وبيان ضلالهم ﴿فَرَجَعُوا إلى أَنفُسِهِمْ﴾ أي رجعوا إليها بالفكرة والنظر، أو
رجعوا إليها بالملامة ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي الظالمون لأنفسكم في عبادتكم ما لا
ينطق ولا يقدر على شيء أو الظالمون لإبراهيم في قولكم عنه إنه لمن الظالمين، وفي
تعنيفه على أعين الناس ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤوسِهِمْ﴾ استعارة لانقلابهم برجوعهم عن
الاعتراف بالحق إلى الباطل والمعاندة فقالوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ أي فكيف
تأمرنا بسؤالهم فهم قد اعترفوا بأنهم لا ينطقون، وهم مع ذلك يعبدونهم فهذه غاية الضلال
في فعلهم، وغاية المكابرة والمعاندة في جدالهم، ويحتمل أن يكون نكسوا على رؤوسهم
بمعنى رجوعهم من المجادلة إلى الانقطاع فإن قولهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون: اعتراف
يلزم منه أنهم مغلوبون بالحجّة، ويحتمل على هذا أن يكون نكسوا على رؤوسهم حقيقة:
أي أطرقوا من الخجل لمّا قامت عليهم الحجة ﴿أَفّ لَّكُمْ﴾ تقدّم الكلام على أُفٍّ في
الإسراء ﴿قَالُوا حَرَّقُوهُ﴾ لما غلبهم بالحجة رجعوا إلى التغلّب عليه بالظلم.

٤٠
تفسير سورة الأنبياء
(١) وَفَخَيْنَهُ وَلُوطًا
كُنِ بَرَّدًّاً وَسَلَمًا عَلَى إِنْزَهِيمَ (١) وَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِيِنَ
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ وَكُلََّ جَعَلْنَا
إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ
وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةُ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ
٧٢
صَلِحِينَ
الصَّلَوَةِ وَإِتَآءَ الزَّكَوَةِ وَكَانُوْ لَنَا عَبِدِينَ ﴿ وَلُوطًاَ ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَيْنَهُ مِنَ
الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتَ تَّعْمَلُ الْخَبَتَِّثَّ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ (١) وَأَدْخَلْنَهُ فِي رَحْمَتِنَآَ إِنَّهُ
مِنَ الصَّلِحِينَ
وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَجَّيْنَنُهُ وَأَهْلَهُ مِنَ
٧٥
وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَاْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ
اَلْكَرْبِ الْعَظِيمِ
وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
فَأَغْرَقْتَهُمْ أَجْعِينَ
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِ بَرْدًا وسَلاَمًا﴾ أي ذات برد وسلام، وجاءت العبارة هكذا للمبالغة،
واختلف كيف بردت النار فقيل أزال الله عنها ما فيها من الحرّ، والإحراق، وقيل دفع عن
جسم إبراهيم حرّها وإحراقها مع ترك ذلك فيها، وقيل خلق بينه وبينها حائلاً، ومعنى
السلام هنا السلامة، وقد رُوِيّ أنه لو لم يقل سلامًا لهلك إبراهيم من البرد وقد أضربنا عمّا
ذكره الناس في قصة إبراهيم لعدم صحته، ولأن ألفاظ القرآن لا تقتضيه ﴿إِلَى الأَرْضِ الَّتِي
بَارَكْنَا فِيهَا﴾ هي الشام خرج إليها من العراق، وبركتها بخصبها وكثرة الأنبياء فيها ﴿نَافِلَةٌ﴾
أي عطية، والتنفيل العطاء، وقيل سمّاه نافلة: لأنه عطاء بغير سؤال، فكأنه تبرّع، وقيل
الهبة إسحق، والنافلة يعقوب، لأنه سأل إسحق، بقوله هب لي من الصالحين فأعطي
يعقوب زيادة على ما سأل، واختار بعضهم على هذا الوقف على إسحلق لبيان المعنى،
وهذا ضعيف لأنه معطوف على كل قول ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرٍنَا﴾ أي يرشدون الناس بإذننا
﴿ولُوطًا﴾ قيل إنه انتصب بفعل مضمر يفسره آتيناه والأظهر أنه انتصب بالعطف على موسى
وهارون أو إبراهيم وانتصب ونوحًا وداود وسليمان وما بعدهم بالعطف أيضًا، وقيل بفعل
تقديره اذكر ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ أي حكمًا بين الناس: أو حكمة ﴿مِنَ الْقَرْبَةِ﴾ هي سدوم من
أرض الشام ﴿وَأَدْخَلْتَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ أي في الجنة أو في أهل رحمتنا ﴿نَادَى مِن قَبْلُ﴾ أي
دعا قبل إبراهيم ولوط ﴿من الكرب﴾ يعني من الغرق ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْم﴾ تعدى نصرناه
بمن لأنه مطاوع انتصر المتعدّي بمن، أو تضمن معنى نجّيناه أو أجرناه ﴿ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ﴾
کان داود نبيًّا ملگًا، وكان ابنه سلیمان ابن أحد عشر عامًا ﴿فِي الحَرْثِ﴾ قیل زرع، وقیل
كرم، والحرث يقال فيهما ﴿إِذْ نَفَشَتْ﴾ رعت فيه بالليل ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ الضمير لداود وسليمان