Indexed OCR Text

Pages 1-20

التَّسهيل
لِعُلوم التَّتزيل
للشيخ الإمَامِ العَلَّمة المفسّر
أبي القاسم محمّد بن أحمد بن خزيّ الكلبيُ
المتوفى سنة ٧٤١ هـ
ضبطة وصححه وخرّج آياته
محمد سَالم هاشم
الجزءُ الثَّانِى
:
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

جَمَيُع الحقوق محفوظة
لدارالكتبْ العلميَّة
بيروت - لبنان
الطَّبعَة الأولى
١٤١٥ هـ - ١٩٩٥م.
دار الكتب العلمية بيروت- لبنان
ص.ب: ١١/٩٤٢٤ __ تلكس :_ Nasher 41245 Le
هاتف: ٣٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ - ٨٦٨٠٥١ ٨١٥٥٧٣٠
فاكس: ٠٠/٩٦١١/٢٠٢١٣٣

سورة مريم
مکتة إلا آيتي ٥٨ و٧١
فمدنيتان وآياتها ٩٨ نزلت بعد فاطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمـ
٣
◌َْذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَآءَ خَفِيًّا
كَهِيعَصَ
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
﴿كهيعص﴾ قد تكلمنا في أول البقرة على حروف الهجاء، وقيل في هذا إن الكاف
من كريم أو كبير أو كاف، والهاء من هادي، والياء من عليّ، والعين من عزيز أو عليم،
والصاد من صادق، وكان عليّ بن أبي طالب يقول في دعائه: يا كهيعص، فيحتمل أن
تكون الجملة عنده اسمًا من أسماء الله تعالى، أو ينادي بالأسماء التي اقتطعت منها هذه
الحروف ﴿ذِكْرُ﴾ تقديره هذا ذكر ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيًّا﴾ وصفه بالعبودية تشريفًا له وإعلامًا له
بتخصيصه وتقريبه، ونصب عبده على أنه مفعول لرحمة، فإنها مصدر أُضيف إلى الفاعل،
ونصب المفعول، وقيل هو مفعول بفعل مضمر، تقديره رحمة عبده وعلى هذا يوقف على
ما قبله وهذا ضعيف، وفيه تكلّف الإضمار من غير حاجة إليه وقطع العامل عن العمل بعد
تهيئته له ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ يعني دعاه ﴿نِدَاءَ خَفِيًّا﴾ أخفاه لأنه يسمع الخفي كما يسمع الجهر،
ولأن الإخفاء أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، ولئلا يلومه الناس على طلب الولد

٤
تفسير سورة مريم
٤
قَالَ رَبٍ إِنِّى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِى وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
وَإِنِّى خِفْتُ اٌلْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ آَمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا
◌َ يَزَكَرَ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ
يَرِثُنِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
أَسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (٥) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ
أُمْرَأَتِ عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِبًّا ذَا قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ قَالَ رَبِّ أَجْعَل لِّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ
تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا
﴿وَهَنَ الْعَظْمُ﴾ أي ضعف ﴿وَاشْتَعَلَ﴾ استعارة للشيب من اشتعال النار ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ
رَبِّ شَقِيًا﴾ أي قد سعدت بدعائي لك فيما تقدم، فاستجب لي في هذا فتوسّل إلى الله
بإحسانه القدیم إليه ﴿وإنّي خِفْتُ المَوَالِي﴾ يعني الأقارب قیل خاف أن يرثوه دون نسله،
وقيل خاف أن يضيعوا الدين من بعده ﴿مِن وَرَائِي﴾ أي من بعدي ﴿عَاقِرًا﴾ أي عقيمًا
﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ يعني وارثًا يرثني، قيل يعني وراثة المال، وقيل وراثة العلم
والنبوّة، وهو أرجح لقوله صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث))
وكذلك ﴿يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ العلم والنيوّة، وقيل الملك، ويعقوب هنا هو يعقوب بن
إسحق على الأصح ﴿رَضِيًّا﴾ أي مرضيًا فهو فعيل بمعنى مفعول ﴿سَمِيًّا﴾ يعني مَن سمّي
باسمه، وقيل مثيلاً ونظيرًا، والأول أحسن هنا ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ تعجب واستبعاد أن
يكون له ولد مع شيخوخته وعقم امرأته فسأل ذلك أولاً لعلمه بقدرة الله عليه، وتعجب منه
لأنه نادر في العادة، وقيل سأله وهو في سنّ مَن يرجوه، وأُجيب بعد ذلك بسنين وهو قد
شاخ ﴿عِيًّا﴾ قيل يبسًا في الأعضاء والمفاصل، وقيل مبالغة في الكبر: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف في
موضع رفع أي الأمر كذلك تصديقًا له فيما ذكر من كبره وعقم امرأته، وعلى هذا يوقف
على قوله كذلك ثم يبتدى( قال ربك، وقيل إن الكاف في موضع نصب بقال، وذلك إشارة
إلى مبهم يفسّره: هو عليّ هيّن ﴿اجْعَلْ لَّي آيَةَ﴾ أي علامة على حمل امرأته ﴿سَوِيًّا﴾ أي
سليمًا غير أخرس وانتصابه على الحال من الضمير في تكلم، والمعنى أنه لا يكلّم الناس
مع أنه سليم من الخرس، وقيل إن سويًّا يرجع إلى الليالي أي مستويات ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾
أي أشار، وقيل كتبه في التراب إذا كان لا يقدر على الكلام ﴿أَن سَبِحُوا﴾ قيل معناه صلّوابه
والسبحة في اللغة الصلاة، وقيل قولوا سبحان الله ﴿یا یخیئ﴾ التقدير قال الله ليحيى بعد

٥
تفسير سورة مريم
سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا ﴿ يَيَحْيِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (٨) وَحَنَانًا
مِّن لَّدُنَا وَزَكَوَةَ وَكَانَ تَفِيًّا (َ وَبَرَّ بِوَلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١) وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ
وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيَّا (9) وَأَذَكُرْ فِ الْكِنَبِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا
شَرْقِيًّا جَ فَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَارُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًّا سَوِيًّا
١٧
◌ْجَ قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمًا
قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَقِيًّا
زَكِيًّا ؟ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِ عُلَمُ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكْ بَغِيًّا ﴾ قَالَ كَذَلِكٍ
قَالَ رَبِّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّأْ وَكَانَ أَمْرًّا مَقْضِيًّا
٢١
) فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ
٢٢
فَحَمَلَتْهُ فَأَنْتَبَذَتْ بِهِ، مَكَانًا قَصِيًّا !
ولادته ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي في العلم به والعمل به ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ
صَبِيًّا﴾ قيل الحكم معرفة الأحكام، وقيل الحكمة، وقيل النبوّة ﴿وَحَنَانًا﴾ قيل معناه رحمة
وقال ابن عباس لا أدري ما الحنان ﴿وَزَكَاةٌ﴾ أي طهارة، وقيل ثناء كما يزكى الشاهد
﴿وَاذْكُرِ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ خطاب لمحمد ◌َِّ والكتاب والقرآن ﴿إِذِ انْتَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ أي
اعتزلت منهم وانفردت عنهم ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ أي إلى جهة الشرق ولذلك يصلّي النصارى
إلى المشرق ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني جبريل، وقيل عيسى، والأول هو الصحيح لأن
جبريل هو الذي تمثّل لها باتفاق ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحمنِ مِنْكَ إن كُنْتَ تَقِيًّا﴾ لما رأت
المَلَك الذي تمثّل لها في صورة البشر، قد دخل عليها خافت أن يكون من بني آدم، فقالت
له هذا الكلام، ومعناه إن كنت ممّن يتّقي الله فابعد عني، فإني أعوذ بالله منك، وقيل إن
نقيًّا اسم رجل معروف بالشرّ عندهم وهذا ضعيف وبعيد ﴿لأَهَبَ لَكِ غُلامَا زَكِيًّا﴾ الغلام
الزكيّ هو عيسى عليه السلام، وقرىء ليهب بالياء، والفاعل فيه هو ضمير الربّ سبحانه
وتعالى، وقرىء بهمزة التكلّم، وهو جبريل، وإنما نسب الهبة إلى نفسه، لأنه هو الذي
أرسله الله بها أو يكون قال ذلك حكاية عن الله تعالى ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ البغيّ هي المرأة
المجاهرة بالزنا ووزن بغيّ فعول ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ الضمير للولد واللام تتعلق بمحذوف
تقديره لنجعله آية فعلنا ذلك ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ يعني في بطنها وكانت مدة حملها ثمانية أشهر،
وقال ابن عباس حملته وولدته في ساعة ﴿مَكَانَا قَصِيًّا﴾ أي بعيدًا، وإنما بعدت حياءً من
قومها أن يظنوا بها الشرّ ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ معناه ألجأها وهو منقول من جاء بهمزة التعدية
﴿المَخَاضُ﴾ أي النّفاس ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ رُوِيَ أنها احتضنت الجذع لشدّة وجع النّفاس

٦
تفسير سورة مريم
يَتَنِ مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (٥) فَنَادَىهَا مِن تَحْنِهَا أَلَّا تَحْزَنِ قَدْ جُعَلَ رَبُّكِ
تَحْتَكِ سَرِيًّا () وَهُزِىّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا الْمَفَكُلِىِ وَأَشْرِ وَقَرِى
عَيْئًا فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِيٌّ إِنِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِمَ اَلْيَوْمَ
صى
إِنسِيًّا () فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَّحْمِلُمُ قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا لِيلَ يَأْخْتَ
﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِثْ﴾ إنما تمنّت الموت خوفًا من إنكار قومها وظنّهم بها الشرّ ووقوعهم
في دمها وتمنّي الموت جائز في مثل هذا، وليس هذا من تمنّي الموت لضرِّ نزل بالبدن فإنه
منهي عنه ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ النسي الشيء الحقير الذي لا يؤبه له، ويقال بفتح المنون وكسرها
﴿فَتَادَاهَا مِن تَخْتِهَا﴾ قرىء من بفتح الميم وكسرها، وقد اختلف على كلتا القراءتين، هل
هو جبريل أو عيسى، وعلى أنه جبريل قيل إنه كان تحتها كالقابلة، وقيل كان في مكان
أسفل من مكانها ﴿أَن لَّ تَخْزَنِ﴾ تفسير للنداء، فأن مفسّرة ﴿سَرِيًّا﴾ جدولاً وهي ساقية من
ماء كان قريبًا من جذع النخلة، ورُوِيَ أن النبي ◌َّ فسّره بذلك، وقيل يعني عيسى فإن
السريّ الرجل الكريم ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْع النّخْلَةِ﴾ كان جذعًا یابسًا فخلق الله فيه الرطب
كرامة لها وتأنيسًا، وقد استدلّ بعض الناس بهذه الآية على أن الإنسان ينبغي له أن يتنيّ
في طلب الرزق، لأن الله أمر مريم بهزّ النخلة، والباء في بجذع زائدة كقوله: ﴿وَلاَ تُلْقُوا
بِأَيْدِيكم إلى التَّهْلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبَا جَنِيًّا﴾ الفاعل بتساقط النخلة،
وقرىء بالياء والفاعل على ذلك الجذع، ورطبًا تمييز والجني معناه الذي طاب وصلح؛ لأن
يجتنى ﴿فُكُلِي وَاشْرَبِي﴾ أي كلي من الرطب، واشربي من ماء الجدول، وهو السريّ
﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ أي طيبي نفسًا بما جعل الله لك من ولادة نبيّ كريم أو من تيسير المأكول
والمشروب ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ﴾ هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد، وترينّ فعل
خوطبت به المرأة ودخلت عليه النون الثقيلة للتأكيد ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي صمتًا عن
الكلام، وقيل يعني الصيام لأن من شرطه في شريعتهم الصمت، وإنما أُمرت بالصمت
صيانة لها عن الكلام مع المتهمين لها، ولأن عيسى تكلّم عنها فإخبارها بأنها نذرت الصمت
بهذا الكلام، وقيل بالإشارة، ولا يجوز في شريعتنا نذر الصمت ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا﴾ لما رأت
الآيات: علمت أن الله سيبيّن عذرها فجاءت به من المكان القصيّ إلى قومها ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾
أي شنيعًا وهو من الفرية ﴿يَّا أُخْتَ هَارُونَ﴾ كان هارون عابدًا من بني إسرائيل شُبَهَت به
مريم في كثرة العبادة فقيلٍ لها أُخته بمعنى أنها شبهه، وقيل كان أخاها من أبيها، وكان
رجلاً صالحًا، وقيل هو هارون النبي أخو موسى وكانت من ذرّيّته، فأُخت على هذا كقولك

٧
تفسير سورة مريم
هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن
كَانَ فِ الْمَهْدِ صَبِيًّا (٣) قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَدِنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا (٢) وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا
أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوةِ وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ حَيَّا لَ وَبَرَّا بِوَلِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِى
جَبَّارًا شَقِيًّا (٨) وَالسَّلَمُ عَلَىَّ بَوْمَ وُلِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَّا ◌َ ذَلِكَ عِيسَى
أَبْنُ مَرْيَمٌ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضَىّ
أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٢٠) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبِّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمُ (٢)
فَأَخْتَلَفَ اَلْأَحْزَابٌ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيِّلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (جـ) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ
أخو بني فلان أي واحد منهم، ولا يتصوّر على هذا القول أن تكون أُخته من النسب
حقيقة، فإن بين زمانهما دهرًا طويلاً ﴿فَأَشَارَتْ إلَيْهِ﴾ أي إلى ولدها ليتكلم وصمتت هي
كما أُمِرَت ﴿كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ كان بمعنى يكون والمهد هو المعروف، وقيل المهد هنا
حجرها ﴿آثَانَيَ الكِتَابَ﴾ يعني الإنجيل، أو التوراة والإنجيل ﴿مُبَارَكًا﴾ من البركة وقيل
نفاعًا، وقيل معلم للخير واللفظ أعمّ من ذلك ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ والزَّكَاةِ﴾ هما
المشروعتان، وقيل الصلاة هنا الدعاء، والزكاة: التطهير من العيوب ﴿وَبَرًّا﴾ معطوف على
﴿مَبَارَكًا﴾، رُوِيَ أن عيسى تكلم بهذا الكلام وهو في المهد، ثم عاد إلى حالة الأطفال
على عادة البشر، وفي كلامه هذا ردّ على النصارى، لأنه اعترف أنه عبد الله ورد على
اليهود لقوله: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ﴿وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ﴾ أدخل لام التعريف هنا لتقدّم السلام المنكر
في قصة يحيى، فهو كقولك: رأيت رجلاً فأكرمت الرجل، وقال الزمخشري: الصحيح أن
هذا التعريف تعريض بلغة مَن اتّهم مريم كأنه قال السلام كله عليّ لا عليكم، بل عليكم
ضدّه ﴿قَوْلُ الْحَقِّ﴾ بالرفع خبر مبتدأ تقديره هذا قول الحق أو بدل أو خبر بعد خبر،
وبالنصب على المدح بفعل مضمر أو على المصدرية من معنى الكلام المتقدّم ﴿فِيهِ
يَمْتَرُونَ﴾ أي يختلفون فهو من المراء، أو يشكون فهو من المرية، والضمير لليهود
والنصارى ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي﴾ من كلام عيسى وقرىء بفتح الهمزة تقديره ولأن الله ربي وربكم
فاعبدوه، وبكسرها لابتداء الكلام، وقيل هو من كلام النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله
وسلّم، والمعنى يا محمد قل لهم ذلك عيسى ابن مريم وأن الله ربّي وربّكم والأول أظهر
﴿فَاخْتَلَفَ الأَخْزَابُ﴾ هذا ابتداء إخبار، والأحزاب اليهود والنصارى، لأنهم اختلفوا في أمر
عيسى اختلافًا شديدًا فكذّبه اليهود وعبده النصارى، والحق خلاف أقوالهم كلها . ﴿مِن

٨
تفسير سورة مريم
وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْمَسْرَةِ إِذْقُضِىَ الْأَمْرُ: وَهُمْ فِىِ
٣٨
يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ أَلْيَوْمَ فِ ضَلَلِ قُّبِينٍ
غَقْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٢) وَأَذَّكُرْ فِي الْكِتَبِ إِبْرَهِمْ إِنَُّ
كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٨َ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ يَّأَبَتِ لِمَّ تَعْبُدُ مَّالَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا ◌ِبْ يَأَبَتٍ
إِنِّى قَدْ جَآءَنِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَتَّبِعِى أَهْدِلَ صِرَطًا سَوِيًّا (٢) يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ إِنَّ
الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (١٨) يَأَبَتِ إِّ أَخَافُ أَنْ يَمَسََّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَئِنِ
وَلِيًّا (٥ْ﴾ قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى بَإِبْرَهِيمٌّ لَيِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْ جُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا (٥)َ قَالَ
سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّ إِنَُّ كَانَ بِ حَفِيًّا (٥) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَانَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
وَأَدْعُواْ رَبٍِ عَسَىّ أَلََّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِ شَفِيًّا (٥) فَمَّا أَعْتَّزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُمْ
إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌّ وَكُلَّا جَعَلْنَا نَبِيًّا () وَوَهَبْنَا لَمُ مِّن رَّحْمَئِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا
۵٠
بَيْنِهِمْ﴾ معناه من تلقائهم ومن أنفسهم وأن الاختلاف لم يخرج عنهم ﴿مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ
عَظِيمِ﴾ يعني يوم القيامة ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ أي ما أسمعهم وما أبصرهم يوم
القيامة على أنهم في الدنيا في ضلال مبين ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ هو يوم يأتي بالموت في صورة
كبش فيذبح ثم يقال يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت، وقيل هو يوم
القيامة وانتصاب يوم على المفعولية، لا على الظرفية ﴿وَهُمْ فِي غَقْلَةٍ﴾ يعني في الدنيا فهو
متعلق بقوله: ﴿فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ أو بـ ﴿أَنْذِرُهُمْ﴾ ﴿صِدِّيقًا﴾ بناء مبالغة من الصدق أو من
التصديق، ووصفه بأنه صديق قبل الوحي نبيّ بعده، ويحتمل أنه جمع الوصفين ﴿مَا لاَ
يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ يعني الأصنام ﴿صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ أي قويمًا ﴿لأَرْجُمَنَّكَ﴾ قيل يعني الرجم
بالحجارة وقيل الشتم ﴿وَاهْجُزْنِي مَلِيًّا﴾ أي حينًا طويلاً، وعطف اهجرني على محذوف
تقديره احذر رجمي لك ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ﴾ وداع مفارقة، وقيل مسالمة لا تحية لأن ابتداء
الكافر بالسلام لا يجوز ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ وعد وهو الذي أُشير إليه بقوله: ﴿عن موعدة وعدها
إياه﴾ قال ابن عطية: معناه سأدعو الله أن يهديك فيغفر لك بإيمانك، وذلك لأن الاستغفار
للكافر لا يجوز، وقيل وعده أن يستغفر له مع كفره، ولعلّه كان لم يعلم أن الله لا يغفر
للكفّار حتى أعلمه بذلك، ويقوّي هذا القول قوله ﴿واغفر لأبي إنه كان من الضالّين﴾
[الشعراء: ٨٦]، ومثل هذا قول النبي وَ﴾ لأبي طالب(لأستغفرنّ لك ما لم أنّهَ عنك))
﴿حَفِيًّا﴾ أي بارًا متلطفًا ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ﴾ أي ما تعبدون ﴿إِسْخَقَ وَيَعْقُّوبَ﴾ هما
ابنه وابن ابنه وهبهما الله له عوضًا من أبيه وقومه الذين اعتزلهم ﴿مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ النبوّة، وقيل

٩
تفسير سورة مريم
أَوَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اَلُورِ آلْأَيَّمَنِ
٥١
وَأَذْكُرْ فِيِ الْكِنَبِ مُوسَىَّ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نِبِنَّا
وَقَرَّبْنَهُ نَّا (٥) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَّحْمَئِنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا (٥) وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَُّ كَنَ صَادِقَ
وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوْةِ وَالزَّكَوَةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيًّا (٥) وَأَذَكُرُ فِ
اُلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِّيًّا
الْكِتَبِ إِذْرِسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا (٢) وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا(٢) أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّعْنَ
مِن ذُرِّيَّةِ ءَآدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةٍ إِنْزَهِيمَ وَإِسْرَِّيلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَأَجْنَبَيْنَا إِذَا تُثْلَى عَلَيْهِمْ ءَيْتُ
الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا وَئِكِيًّا ﴾ (جَ ﴾ فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ
المال والولد، واللفظ أعمّ من ذلك لسان صدق يعني الثناء الباقي عليهم إلى آخر الدهر
﴿مُخْلَصَا﴾ بكسر اللام أي أخلص نفسه وأعماله لله وبفتحها أي أخلصه الله للنبوّة والتقريب
﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا﴾ النبي أعمّ من الرسول لأن النبي كلّ مَن أوحى الله إليه ولا يكون
رسولاً حتى يرسله الله إلى الناس مع النبوّة فكل رسول نبيّ وليس كل نبي رسولاً
﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ هو تكليم الله له ﴿الطُّورِ﴾ وهو الجبل المشهور بالشام ﴿الأيمن﴾ صفة للجانب
وكان على يمين موسى حين وقف عليه ويحتمل أن يكون من البمن ﴿نَجِيًّا﴾ النجي فعيل
وهو المنفرد بالمناجاة وقيل هو من المناجاة، والأول أصحّ ﴿مِن رَّحْمَتِنَا﴾ من سببية أو
للتبعيض وأخاه على الأول مفعول وعلى الثاني بدل ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ﴾ رُوِيَ أنه وعد
رجلاً إلى مكان فانتظره فيه سنة، وقيل الإشارة إلى صدق وعده في قصة الذبح في قوله
﴿سَتَجِدُني إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين﴾ [الصافات: ١٠٢]، وهذا يدلّ على قول من قال إن
الذبيح هو إسماعيل ﴿إِذْرِيسَ﴾ هو أول نبيّ بعث إلى أهل الأرض بعد آدم، وهو أول مَن
خطّ بالقلم، ونظر في علم النجوم وخاط الثياب، وهو من أجداد نوح عليه السلام ﴿وَرَفْعْتَاهُ
مَكَانَا عَلِيًّا﴾ قال ابن عباس رفعه الله إلى السماء وهناك مات، وفي حديث الإسراء وإنه في
السماء الرابعة، وقيل يعني رفعة النبوّة وتشريف منزلته، والأول أشهر ورجّحه الحديث
﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى كل مَن ذكر في هذه السورة من زكريا إلى إدريس ﴿مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ من
هنا للبيان، والتي بعدها للتبعيض ﴿مِن ذُرِّيَةِ آدَمَ﴾ يعني نوحًا وإدريس ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا﴾ يعني
إبراهيم ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني إسماعيل وإسحاق ويعقوب ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني أن من
ذرّيته موسى وهارون ومريم وعيسى وزكريا ويحيى ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ يحتمل العطف على من
الأولى أو الثانية ﴿يُكِيًّا﴾ جمع باكٍ ووزنه فعول ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ يقال في عقب
الخير خلف بفتح اللام وفي عقب الشر خلف بالسكون وهو المعنى هنا واختلف فيمن

١٠
تفسير سورة مريم
جَنَّتِ
٦٠
يَلْقَوْنَ غَيًّا (٨ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْبَلْمُونَ شَيْئًا
عَدْنٍ اُلَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُمُ مَأْنِيًّا (جَ لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا إِلَّ سَلَمَاً وَلَهُمْ
رِزْقُهُمْ فِيَهَا بُكْرَةٌ وَعَشِيًّا (١) قِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيَّات ◌ِيّ، وَمَا نَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ
رَبِكٌّ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِيْنَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (١)َرَبُّ السَّمَوَتِ وَالأَرْضِ وَمَا
بَيْنَهُمَا فَاعْبُدُهُ وَأَصْطَبِرْ لِبَرِّ هَلْ تَعَلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٤) وَيَقُولُ آلْإِنسَنُ أَءِذَامَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ سَيًّا لا
المراد بذلك، فقيل النصارى لأنهم خلفوا اليهود، وقيل كلّ مَن كفر وعصى من بعدَ بني
إسرائيل ﴿أَضَاعُوا الصَّلَوَةَ﴾ قيل تركوها، وقيل أخرجوها عن أوقاتها ﴿يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ الغيّ
الخسران، وقد يكون بمعنى الضلال فيكون على حذف مضاف تقديره يلقون جزاء غيّ ﴿إلا
مَن تَابَ﴾ استثناء يحتمل الاتصال والانقطاع ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي أخبرهم من ذلك بما خاب
عنهم ﴿مَأْتِيًّا﴾ وزنه مفعول، فقيل إنه بمعنى فاعل، لأن الوعد هو الذي يأتي وقيل إنه على
بابه لأن الوعد هو الجنة وهم يأتونها ﴿لَغْوًا﴾ يعني ساقط الكلام ﴿إِلاَّ سَلاَمًا﴾ استثناء
منقطع ﴿بكرةً وعشيًّا﴾ قيل المعنى أن زمانهم يقدّر بالأيام والليالي، إذ ليس في الجنة نهار
ولا ليل، وقيل المعنى أن الرزق يأتيهم في كل حين يحتاجون إليه، وعبّر عن ذلك بالبكرة
والعشيّ على عادة الناس في أكلهم.
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلَّ بِأَمْرٍ رَبِّكَ﴾ حكاية قول جبريل حين غاب عن النبي صلّى الله تعالى
عليه وعلى آله وسلم فقال له: ((أبطأت عنّي واشتقت إليك)) فقال إني كنت أشوق ولكني عبد
مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست ونزلت هذه الآية ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا
وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي له ما قدامنا وما خلفنا وما نحن فيه من الجهات والأماكن، فليس لها
الانتقال من مكان إلى مكان إلاّ بأمر الله، وقيل ما بين أيدينا: الدنيا إلى النفخة الأولى في
الصور، وما خلفنا: الآخرة، وما بين ذلك: ما بين النفختين وقيل ما مضى من أعملونا وما
بقي منها، والحال التي نحن فيها، والأول أكثر مناسبة لسياق الآية ﴿وَمّا كَانَ رَبُّكَ نَسيًا﴾
هو فعيل من النسيان بمعنى الذهول وقيل بمعنى الترك، والأول أظهر ﴿عَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
أي مثيلاً ونظيرًا فهو من المسامي والمضاهي، وقيل مَن تسمّى باسمه، لأنه لم يتسمّ باسم
الله غير الله تعالى ﴿وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِثُ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ هذه حكاية قول من أنكر
البعث من القبور، والإنسان هنا جنس يراد به الكفّار، وقيل إن القائل لذلك أُبيّ بن خلف،»
وقيل أُميّة بن خلف والهمزة التي دخلت على أذا ما مِتُّ للإنكار والاستبعاد، واللام في

١١
تفسير سورة مريم
فَوَرَيِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ
٦٧
أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا لِ
ثُمَّ
٦٩
◌َ ثُمَّ لَنَفْعَنَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِيًّاً
لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوّلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا لِ
لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (﴾ وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا () ثُمَّ نُنَِى
ج
٢) وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَأْ
الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الَّلِمِينَ فِيهَا حِيًّا إِ
أَىُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا () وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَثًا وَرِهِ يَا (﴿ قُلْ مَنْ
قوله لسوف: سيقت على الحكاية لقول مَن قال بهذا المعنى، والإخراج يراد به البعث
﴿أَوَ لاَ يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ﴾ احتجاج على صحة البعث، وردّ على مَن أنكره،
لأن النشأة الأولى دليل على الثانية ﴿لَنَخْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ يعني قرناءهم من الشياطين
الذين أضلّوهم، والواو العطف أو بمعنى مع فيكون الشياطين مفعول معه ﴿جِئِيًا﴾ جمع
جاث، ووزنه مفعول من قولك جثا الرجل إذا جلس جلسة الذليل الخائف ﴿ثُمَّ لَتَنزِعَنَّ مِن
كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الشيعة: الطائفة من الناس التي تتفق على مذهب أو اتباع إنسان، ومعنى الآية
أن الله ينزع من كل طائفة أعتاها فيقدّمه إلى النار، وقال بعضهم المعنى نبدأ بالأكبر جرمًا
فالأكبر جرمًا ﴿أَيُّهُمْ﴾ اختلف في إعرابه، فقال سيبويه هو مبني على الضم لأنه حذف العائد
عليه من الصلة، وكأن التقدير أيّهم أشدّ فوجب البناء، وقال الخليل هو مرفوع على الحكاية
تقديره الذي يقال له أشدّ، وقال يونس علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء ﴿أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾
الصليّ: مصدر صلي النار، ومعنى الآية: أن الله يعلم مَن هو أولى بأن يصلى العذاب
﴿وإن مُنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ خطاب لجميع الناس عند الجمهور، فأما المؤمنون فيدخلونها،
ولكنها تخمد فلا تضرّهم، فالورود على هذا بمعنى الدخول كقوله: ﴿حَصْبِ جَهِّم أنْتُم لَهَا
وَارِدُون﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وأوردهم النار، وقيل الورود بمعنى القدوم عليها كقوله: ﴿وَرَدَ
مَاءَ مِذْيَن﴾ [القصص: ٢٣]، والمراد بذلك جواز الصراط وقيل الخطاب للكفّار فلا إشكال
﴿حَتْمًا﴾ أي أمرًا لاَ بدّ منه ﴿ثُمَّ نُتَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ إن كان الورود بمعنى الدخول فنجاة
الذين اتقوا بكون النار عليهم بردًا وسلامًا، ثم بالخروج منها وإن كان بمعنى المرور على
الصراط فنجاتهم بالجواز والسلامة من الوقوع فيها ﴿أَيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَخْسَنُ نَدِيًّا﴾
الفريقان هم المؤمنون والكفّار، والمقام اسم مكان من قام، وقرىء بالضم من أقام، والنديّ
المجلس، ومعنى الآية: أن الكفّار قالوا للمؤمنين: نحن خير منكم مقامًا: أي أحسن حالاً
في الدنيا، وأجمل مجلسًا فنحن أكرم على الله منكم ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ﴾ كم
مفعول بأهلكنا، ومعنى الآية: رد على الكفّار في قولهم المذكور: أي ليس حسن الحال في

١٢
تفسير سورة مريم
كَانَ فِى الصَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَقَّ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ
مَنْ هُوَ شَرٌّ تَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٨) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ هُدَى وَالْبَعِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيرُ
عِنْدَ رَيِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا (٨) أَفَرَيْتَ الَّذِى ◌ِكَفَرَ بِثَايَتِّنَا وَقَالَ لَأُوْتَنَ مَالًا وَوَلَدًا ◌ِ﴾ْأَطَّلَعَ
٧٩
كَلَّأَ سَتَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَهُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَّنَّا
٧٨
الْغَيْبَ أَمِ أَفَخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا
وَأَخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَا.
كَلَّا
وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْنِيِنَا فَرْدًا
٨٠
٨١
سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ◌ِشَ أَلَّ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّا
٨٣
الدنيا دليلاً على الكرامة عند الله، لأن الله قد أهلك من كان أحسن حالاً منكم في الدنيا
﴿هُمْ أَحْسَنُ﴾ قال الزمخشري هذه الجملة في موضع نصب صفة لكم ﴿أَنَاثًا﴾ أي متاع
البيت، وقال ابن عطية هو اسم عامّ في المال العين والعروض والحيوان، وهو اسم جمع،
وقيل هو جمع، واحده أثاثة ﴿وَرِثْيَا﴾ بهمزة ساكنة قبل الياء: معناه منظر حسن، وهو من
الرؤية، والرئيّ اسم المرئي، وقرىء بتشديد الياء من غير همز، وهو تخفيف من الهمز،
فالمعنى متفق، وقيل هو من ريّ الشارب أي التنعم بالمشارب والمآكل، وقرأ ابن عباس زيًّا
بالزاي ﴿فَلْيَمْدُذْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ أي يمهله ويملي له، واختلف هل هذا الفعل دعاء أو خبر
سِيقَ بلفظ الأمر تأكيدًا ﴿حَتَّى﴾ هنا غاية للمدّ في الإضلال ﴿إِمَّا الْعَذَابَ﴾ يعني عذاب
الدنيا ﴿شَرَّ مَّكَانَا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ في مقابلة قولهم خير مقامًا وأحسن نديًّا ﴿وَالْبَاقِيَاتُ
الصَّالِحَاتُ﴾ ذكر في الكهف ﴿خَيْرٌ مَّرَدًا﴾ أي مرجعًا وعاقبةً ﴿أَفَرَّأَنْتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ هو
العاصي بن وائل ﴿وَقَالَ لأَوْتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا﴾ كان قد قال لئن بعثت كما يزعم محمد ليكوننّ
أي هناك مالاً وولدًا ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ الهمزة للإنكار، والردّ على العاصي في قوله ﴿كَلاَ﴾
ردّ له عن كلامه ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ إنما جعله مستقبلاً لأنه إنما يظهر الجزاء والعقاب في
المستقبل ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَّا﴾ أي نزيد له فيه ﴿وَثَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي نرث الأشياء التي
قال إنه يؤتاها في الآخرة، وهي المال والولد ووراثتها هي بأن يهلك العاصي ويتركها، وقد
أسلم ولداه هشام وعمرو رضي الله عنهما ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ أي بلا مال ولا ولد ولا وليّ ولا
نصير ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ قيل إن الضمير في يكفرون للكفّار برفي عبادتهم للمعبودين،
فالمعنى كقولهم: ﴿ما كنّا مشركين﴾، وقيل إن الضمير في يكفرون للمعبودين، وفي عبادتهم
للكفّار، فالمعنى كقولهم ما كنتم إيّانا تعبدون ﴿وَتَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ معناه يكون لهم
خلاف ما أمّلوه منهم فيصير العزّ الذي أمّلوه ذلّة، وقيل معناه أعداء ﴿أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَّى

١٣
تفسير سورة مريم
فَلَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمَّ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدَّا جَ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَقَدًا الْهَ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ
إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ذَ لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا لَهَا وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ
﴿َ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ
وَلَدًا لَهَ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَا !
هَذَّا نَّ أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا
إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَاتِ
٩٢
وَكُلُّهُمْ ءَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
٩٤
لَقَدْ أَحْصَنْهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا
٩٣
وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِىِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا
فَرْدًا (٥) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدَّا جَ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ
بِلِسَانِكَ لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَّذَّا () وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحُِّ
الْكَافِرِينَ﴾ تضمن معنى سلطانًا، ولذلك تعدّى بعلى ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزَّا﴾ أي تزعجهم إلى الكفر
والمعاصي ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أي لا تستبطىء عذابهم وتطلب تعجيله ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهُمْ
عَدًّا﴾ أي نعدّ مدّة بقائهم في الدنيا. وقيل نعدّ أنفاسهم ﴿وَفْدًا﴾ قيل معناه ركبانًا، ومعنى
الوفد لغة القادمون وعادتهم الركوب فلذلك قيل ذلك، وقيل مكرمون، لأن العادة إكرام
الوفود ﴿وِزْدًا﴾ معناه عطاشًا لأن مَن يَرِد الماء لا يرِده إلاّ للعطش ﴿لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾
الضمير يحتمل أن يكون للكفّار، والمعنى لا يملكون أن يشفعوا لهم، ويكون مَن اتخذ:
استثناءً منقطعًا بمعنى لكن، أو يكون الضمير للمتقين فالاستثناء متصل، والمعنى لا يملكون
أن يشفعوا إلاّ لمَن اتخذ عهدًا أو لا يملكون أن يشفع منهم إلاّ مَن اتخذ عهدًا، أو يكون
الضمير للفريقين إذ قد ذكروا قبل ذلك؛ فالاستثناء أيضًا متصل، ومَن اتخذ: يحتمل أن يراد
به الشافع أو المشفوع له ﴿عَهْدًا﴾ يريد به الإيمان والأعمال الصالحة، ويحتمل أن يريد به
الإذن في الشفاعة، وهذا أرجح لقوله: ﴿لا تنفع الشفاعة إلاّ مَن أذِنَ له الرحمن﴾، والظاهر أن
ذلك إشارة إلى شفاعة سيّدنا محمد وَّل في الموقف حين ينفرد بها ويقول غيره من الأنبياء
نفسي نفسي ﴿شَيْئًا إِذَا﴾ أي شيئًا صعبًا ﴿يَتَفَطَّزْنَ مِنْهُ﴾ أي يتشقّقن من قول الكفّار: اتخذ
الله ولدًا ﴿هَذَّا﴾ أي انهدامًا ﴿أَن دَعَوْا﴾ أي من أجل أن دعوا ﴿لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ وقرىء ولدًا
بضم الواو وإسكان اللام، وهي لغة ﴿إِنْ كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ردّ على مقالة
الكفّار، والمعنى أن الكل عبيده، فكيف يكون أحد منهم ولدًا له، وإن نافية، وكل مبتدأ
وخبره آتي الرحمن ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ هي المحبة والقبول الذي يجعله الله في
القلوب لمَن شاء من عباده، وقيل إنها نزلت في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ﴿يَسَّرْنَاهُ
بِلِسَانِكَ﴾ الضمير للقرآن وبلسانك أي بلغتك ﴿قَوْمًا لُّدًّا﴾ جمع ألدّ، وهو الشديد الخصومة

١٤
تفسير سورة مريم
مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزَّا
٩٨
والمجادلة، والمراد بذلك قريش، وقيل معناه فجّارًا ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ هو الصوت
الخفيّ، والمعنى أنهم لم يبقَ منهم أثر، وفي ذلك تهديد لقريش.
٠٠٠
:ز

سورة طه
مكيّة إلاّ آيتي ١٣ و١٣١
فمدنيّتان وآياتها ١٣٥ نزلت بعد مريم
بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَـ
طِه ◌ِجَ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَىَ (٤) إِلَّا نَذْكِرَةُ لِّمَنْ يَخْشَى ◌َْ، تَزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ
وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى (٢٥) لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَا يَتْنَهُمَا
بِسْم اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم
قيل في طه إنه من أسماء النبي ◌َّ وقيل معناه يا رجل، وانظر الكلام على حروف
الهجاء في أول سورة البقرة ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ قيل إن النبي وَّر قام في
الصلاة حتى تورّمت قدماه، فنزلت الآية تخفيفًا عنه، فالشقاء على هذا إفراط التعب في
العبادة، وقيل المراد به التأسّف على كفر الكفّار، واللفظ عامّ في ذلك كله، والمعنى أنه
نفى عنه جميع أنواع الشقاء في الدنيا والآخرة لأنه أنزل عليه القرآن الذي هو سبب السعادة
﴿إِلاَّ تَذْكِرَةَ﴾ نصب على الاستثناء المنقطع، وأجاز ابن عطية أن يكون بدلاً من موضع
لتشقى إذ هو في موضع مفعول من أجله، ومنع ذلك الزمخشري لاختلاف الجنسين،
ويصحّ أن ينتصب بفعل مضمر تقديره أنزلناه تذكرة ﴿تَنزِيلاً﴾ نصب على المصدرية والعامل
فيه مضمر وما أنزلنا وبدأ السورة بلفظ المتكلم في قوله: ﴿مَاَ أَنْزَلْنَا﴾ ثم رجع إلى الغيبة في
قوله: ﴿تَنْزِيلاَ مِمَّن خَلَقَ الأرْضَ﴾ الآية: وذلك هو الالتفات ﴿والسَّمَواتِ العُلَى﴾ جمع

١٦
تفسير سورة طه
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْأَسْمَاءُ
٧
وَمَا تَحْتَ الثََّىَ ﴿٢) وَإِن تَجْهَرْ بِلْقَوَّلِ فَإِنَُّ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى!
اَلْحُسْنَى أَ وَهَلْ أَتَنِكَ حَدِيثُ مُوسَىّ ﴿ إِذْرَءَانَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُنُواْ إِنَّ ءَانَسْتُ نَارًا لَعَلِّ
ءَائِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَّى الْكَ فَمَّ أَنَنِهَا نُودِىَ يَمُوسَىَ (٤) إِّ أَنَاْ رَبُّكَ فَاخْلَحْ
نَعْلَيْكٌ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى (١) وَأَنَا أَخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١) إِنَِّى أَنَا اللّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا
جَ إِنَّ الشَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا
١٤
فَأَعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ
عليا ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ تكلمنا عليه في الأعراف ﴿الثَّرَّى﴾ هو في اللغة التراب النديّ،
والمراد به هنا الأرض ﴿وإن تَجْهَرْ﴾ مطابقة هذا الشرط لجوابه كأنه يقول إن جهرت أو
أخفيت فإنه يعلم ذلك لأنه يعلم السرّ وأخفى. ﴿يَعْلَمُ السُرَّ وَأَخْفَى﴾ السرّ الكلام الخفيّ،
والأخفى ما في النفس، وقيل السرّ ما في نفوس البشر، والأخفى ما انفرد الله بعلمه
﴿الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ تكلمنا عليها في الأعراف ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ لفظ استفهام والمراد به التنبيه
﴿إِذْ رَأَى﴾ العامل في إذ حديث لأن فيه معنى الفعل وكان من قصة موسى أنه رحل بأنهله
من مدین یرید مصر فسار باللیل واحتاج إلی نار فقدح بزناده فلم ینقدح، فرأى نارًا فقصد
إليها فناداه الله، وأرسله إلى فرعون ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾ أي رأيت ﴿بِقَبَسٍ﴾ هو الجذوة من النار.
تكون على رأس العود والقصبة ونحوها ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَى﴾ يعني هدّى إلى الطريق
من دليل أو غيره ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ قيل إنما أمر بخلع نعليه، لأنهما كانتا من جلد حمار
ميت، فأمر بخلع النجاسة، واختار ابن عطية أن يكون أمر بخلعهما ليتأذّب ويعظم البقعة
المباركة ويتواضع في مقام مناجاة الله وهذا أحسن ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي المطهّر ﴿طُوَى﴾
في معناه قولان: أحدهما أنه اسم للوادي، وإعرابه على هذا بدل، ويجوز تنوينه على أنه
مكان وترك صرفه على أنه بقعة، والثاني أن معناه مرتين، فإعرابه على هذا مصدر: أي
قدّس الوادي مرة بعد مرة أو نودي موسى مرة بعد مرة ﴿وَأَقِم الصَّلاةَ لِذِكرِي﴾ قیل المعنى
لتذكرني فيها، وقيل لأذكرك بها، فالمصدر على الأول مضاف للمفعول وعلى الثاني مضاف
للفاعل، وقيل معنى لذكري: عند ذكري كقوله: ﴿أقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّخْسِ﴾
[الإسراء: ٧٨]: أي عند دلوك الشمس، وهذا أرجح؛ لأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم
استدلّ بالآية: على وجوب الصلاة على الناسي إذا ذكرها ﴿أَكَادُ أَخْفِيهَا﴾ اضطرب النّاس
في معناه، فقيل أخفيها بمعنى أظهرها، وأخفيت هذا من الأضداد، وقال ابن عطية: هذا
قول مختلّ، وذلك أن المعروف في اللغة أن يقال: أخفى بالألف من الإخفاء وخفي بغير
ألف بمعنى أظهر فلو كان بمعنى الظهور لقال أخفيها بفتح همزة المضارع، وقد قرئء بذلك

١٧
تفسير سورة طله
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَّبَعَ هَوَنِهُ فَتَرْدَى (١٩) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ
١٥
تَسْعَى لـ
أَقَالَ
(١٨
﴿ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيْهَا وَأَهُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى
١٧
يَمُوسَى
ـَ فَأَلْقَنْهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٤٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا
(١٩
أَلْقِهَا يَمُوسَى
لِيَكَ مِنْ ءَايِنَا
٢٢
وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ ءَايَةً أُخْرَى
اُلْأُولَ ◌ّـ
اُلْكُبْرَىِ ﴿َ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَفَى (١) قَالَ رَبِّ أَشْرَحْ لِ صَدْرِى ◌ْهَا وَيَسِرْ لِ أَمْرِى (٢) وَأَحْلُلْ
في الشاذ، وقال الزمخشري قد جاء في بعض اللغات أخفى بمعنى خفي: أي أظهر، فلا
يكون هذا القول مختلاً على هذه اللغة، وقيل أكاد بمعنى أريد، فالمعنى أريد إخفاءها وقيل
إن المعنى إن الساعة آتية أكاد، وتمّ هنا الكلام بمعنى أكاد أنفذها لقربها، ثم استأنف
الإخبار فقال أخفيها، وقيل المعنى أكاد أخفيها عن نفسي فكيف عنكم، وهذه الأقوال
ضعيفة، وإنما الصحيح أن المعنى أن الله أبهم وقت الساعة فلم يُطلع عليه أحد، حتى أنه
كاد أن يخفي وقوعها لإبهام وقتها، ولكنه لم يخفها إذ أخبر بوقوعها، فالأخفى على معناه
المعروف في اللغة، وكاد على معناها من مقاربة الشيء دون وقوعه وهذا المعنى عن اختيار
المحقّقين ﴿لِتُجْزَى﴾ يتعلق بآتية ﴿بِمَا تَسْعَى﴾ أي بما تعمل ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ الضمير
للساعة: أي لا يصدّنك عن الإيمان بها والاستعداد لها، وقيل الضمير للصلاة وهو بعيد،
والخطاب لموسى عليه السلام، وقيل لمحمد رَّ وذلك بعيد ﴿فَتَرْدَى﴾ معناه تهلك،
والردى هو الهلاك وهذا الفعل منصوب في جواب لا يصدّنّك.
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ إنما سأله ليُرِيه عظيم ما يفعله في العصا من قلبها حيّة
فمعنى السؤال تقرير أنها عصَى فيتبيّن له الفرق بين حالها قبل أن يقلبها، وبعد أن قلبها،
وقيل إنما سأله ليؤنسه ويبسطه بالكلام ﴿وَأَهُشُ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ معناه أضرب بها الشجر
لينتشر الورق للغنم ﴿مَآَرِبُ﴾ أي حوائج ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ أي تمشي ﴿سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ يعني
أنه لما أخذها عادت كما كانت أول مرة، وانتصب سيرتها على أنه ظرف أو مفعول بإسقاط
حرف الجرّ ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ الجناح هنا الجنب أي تحت الإبط، وهو استعارة
من جناح الطائر ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ رُوِيَ أن يده خرجت وهي بيضاء كالشمس ﴿مِنْ غَيْرِ
سُوءٍ﴾ يريد من غير برص ولا عاهة ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ يحتمل أن تكون الكبرى
مفعول لتُريك، وأن تكون صفة للآيات ويختلف المعنى على ذلك ﴿اشْرَخْ لِي صَدْرِي﴾ إن
قيل لِمَ قال اشرح لي ويسّر لي، مع أن المعنى يصحّ دون قوله لي؟ فالجواب أن ذلك تأكيد

-١٨
١
تفسير سورة طه
هَرُونَ أَخِى
٢٩
٣١
آشْدُد یِهِ، أَزْرِی
٣٠
) وَأَجْعَل ◌ِىِ وَزِيْرًا مِّنْ أَهْلِى
٢٨
يَفْقَهُواْ قَوْلِ
٢٧
عُقْدَةً مِّن لِسَانِىٌّ
وَنَذَّكُرَكَ كَثِيرًا (٨) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ثَّ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ
٣٣
كَىْ نُسَبِحَكَ كَثِيرًا
٣٢
وَأَشْرِِّهُ فِ أَمْرِى
أَ إِذْأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمَِّ مَا يُوحَى (g) أَنِ آقْذِفِیهِ فِی
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى
٣٦
سُؤْلَكَ يَمُوسَى أ
التَّابُوتِ فَقْذِفِيهِ فِ آلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌ لِ وَعَدُوٌّ لَّمْ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ مِنِى وَلِتُصْنَعَ
عَلَى عَيْنِىّ ﴿قَ إِذْ تَمْشِىّ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُّلُهُ فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا
وَلَا تَحْزَنَّ وَقَلْتَ نَفْسًا فَنَخَّيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَنَّكَ فُونَا فَلَبِئْتَ سِنِينَ فِىّ أَهْلِ مَذْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ
وتحقيق للرغبة ﴿واخلُلْ عُقْدَةً مِّن لْسَانِي﴾ العقدة هي التي اعترته بالجمرة حين جعلها في
فيه وهو صغير حين أراد فرعون أن يجرّبه، وإنما قال عقدة بالتنكير لأنه طلب حلّ بعضها
ليفقهوا قوله ولم يطلب الفصاحة الكاملة ﴿وَزِيرًا﴾ أي مُعِينًا، وإعراب هارون بدل أو مفعول
أول ﴿أزْرِي﴾ أي ظهري والمراد القوة ومنه فآزره أي قوّاه ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ أي قد
أعطيناك كلّ ما طلبت من الأشياء المذكورة ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ يحتمل أن يكون وحي
كلام بواسطة ملك، أو وحي إلهام كقوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، ﴿مَا
يُوحَى﴾ إبهام يراد به تعظيم الأمر ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمْ﴾ الضمير الأول
لموسى والثاني للتابوت أو لموسى واليمّ البحر، والمراد به هنا النيل، وكان فرعون قد ذكر
له أن هلاکه وخراب ملکه علی ید غلام من بني إسرائيل، فأمر بذبح کل ولد ذکر یولد
لهم، فأوحى الله إلى أم موسى أن تلقيه في التابوت وتلقي التابوت في البحر ففعلت ذلك،
وكان فرعون في موضع يشرف على النيل، فرأى التابوت فأمر به فسِيقَ إليه وامرأته معه
ففتحه فأشفقت عليه امرأته وطلبت أن تتخذه ولدًا فأباح لها ذلك ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾.
هو فرعون ﴿مَحَبَّةً مِّنّ﴾ أي أحببتك، وقيل أراد محبة الناس فيه إذا كان لا يراه أحد إلاّ
أحبّه، وقيل أراد محبة امرأة فرعون ورحمتها له، وقوله منّي: يحتمل أن يتعلق بقوله.
ألقيت، أو يكون صفة لمحبة فيتعلق بمحذوف ﴿وَلِتُصنَعَ عَلَى عَنِي﴾ آتي تربی ویحسن
" إليك بمرأى منّي وحفظ، والعامل في لتصنع محذوف ﴿إِذْ تُمْشِي أَخْتُكَ﴾ العامل في إذ
تصنع أو ألقيت، أو فعل مضمر تقديره ومثّنا عليك ﴿فَتَقُولُ هَلْ أَقُلْكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ﴾ كان
لا يقبل ثدي امرأة فطلبوا له مُرضِعة، فقالت أُخته ذلك ليُرَدّ إلى أُمه ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني.
القبطي الذي وكزه فقضى عليه ﴿فَتَجَّيْتَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ يعني الخوف من أن يطلب بثأر المقتول
﴿وَفَتَّنَّاكَ فُتُونًا﴾ أي اختبرناك اختبارًا حتى ظهر منك أنك تصلح للنبوّة والرسالة، وقيل

١٩
تفسير سورة طه
أَذْهَبَا إِلَى
٤١
اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ ◌ِئَایَتِ وَلَا نَنِیَا فِى ذِكْرِی
٤١
جَ وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى
يموسى
أَ فَقُولَا لَهُ قَولاً لَيْنَا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (١) قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا تَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ
٤٣
فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى
] فَأَنِيَاءُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ
أن يَطْغَى (٨) قَالَ لَا تَخَفَآ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾
مَعَنَا بَنِىّ إِسْرََّيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمَّ قَدْ جِثْنَكَ بِشَايَةٍ مِّن رَّبِّكٌ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى الْجَم ◌ِنَّا قَدْ
أُوْحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَى أَ قَالَ فَمَن تَّبِّكُمَا يَمُوسَى (١) قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى
كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ثَ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُوْلَى ﴾ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُ
خلّصناك من محنة بعد محنة، لأنه خلّصه من الذبح ثم من البحر، ثم من القصاص بالقتل،
والفتون: يحتمل أن يكون مصدرًا أو جمع فتنة ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ يعني الأعوام العشرة التي
استأجره فيها شعيب ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾ أي بميقات محدود قدّره الله لنبوّتك ﴿وَاصْطَتَعْتُكَ
لِنَفْسِي﴾ عبارة عن الكرامة والتقريب أي استخلصتك وجعلتك موضع صنيعتي وإحساني
﴿وَلاَ تَنِيَا﴾ أي لا تضعفا ولا تقصرا، والونى هو الضعف عن الأمور والتقصير فيها ﴿أَن
يَفْرُطَ﴾ أي يعمل بالشر ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي سرّحهم، وكانوا تحت يد فرعون
وقومه، فكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وتسريح بني إسرائيل ﴿وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾
كان يعذّبهم بذبح أبنائهم وتسخيرهم في خدمته وإذلالهم ﴿قَدْ جِثْتَاكَ بِآيَةٍ﴾ يعني قلب العصا
حيّة وإخراج اليد بيضاء، وإنما وحدهما وهما آيتان، لأنه أراد إقامة البرهان وهو معنى
واحد ﴿وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ يحتمل أن يريد التحية أو السلامة ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا
مُوسَى﴾ أفرد موسى بالنداء بعد جمعه مع أخيه، لأنه الأصل في النبوّة وأخوه تابع له ﴿الَّذِي
أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ المعنى أن الله أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه فخلقه على هذا
بمعنى المخلوقين، وإعرابه مفعول أول، وكل شيء مفعول ثانٍ، وقيل المعنى أعطى كل
شيء خلقته وصورته: أي أكمل ذلك وأتقنه فالخلق على هذا بمعنى الخلقة وإعرابه مفعول
ثانٍ، وكل شيء مفعول أول، والمعنى الأول أحسن ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ أي هدى خلقه إلى
التوصّل لما أعطاهم وعلّمهم كيف ينتفعون به ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ يحتمل أن
يكون سؤاله عن القرون الأولى محاجّة ومناقضة لموسى: أي ما بالها لم تبعث كما يزعم
موسى أو ما بالها لم تكن على دين موسى أو ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب كما زعم
موسى في قوله: ﴿أَنْ العَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨]، ويحتمل أن يكون قال
ذلك قطعًا للكلام الأول وروغانًا عنه وحيرة لما رأى أنه مغلوب بالحجة ولذلك أضرب

٢٠
تفسير سورة طه
رَبِِّ وَلَا يَنْسَى ◌َ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ
﴿َ كُوْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِأُوْلِى النُّهَى ◌ِ
فَأَخْرَجْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِن نَّبَاتٍ شَتَّى
﴿ وَلَقَدْ أَرَّنَهُ ءَايَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ
﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا مُخْرِيحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى
وَأَبَ لِأَثَ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِحَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَمُوسَى فَلَنَأْتِنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ، فَاجْعَلِ بَيْنَنَا
موسى عن الكلام في شأنها، فقال علمها عند ربّي، ثم عاد إلى وصف الله رجوعًا إلى
الكلام الأول ﴿فِي كِتَابٍ﴾ يعني اللوح المحفوظ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا﴾ أي
فراشًا، وانظر كيف وصف موسى ربّه تعالى بأوصاف لا يمكن فرعون أن يتّصف بها لا على
وجه الحقيقة ولا على وجه المجاز، ولو قال له هو القادر أو الرازق وشبه ذلك لأمكن
فرعون أن يغالطه ويدّعي ذلك لنفسه ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي نهج لكم فيها طرقًا
تمشون فيها ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ يحتمل أن يكون من كلام موسى على تقدير. يقول الله عزّ وجلّ
فأخرجنا، ويحتمل أن يكون كلام موسى تمّ عند قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءَ﴾ ثم ابتدأ كلام
الله ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْ نَّبَاتٍ شَتَّى﴾ أي أصنافًا مختلفة ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ المعنى
أنها تصلح لأن تؤكل وترعاها الأنعام، وعبّر عن ذلك بصيغة الأمر لأنه أذن في ذلك فكأنه
أمر به ﴿لِأُولِي الُّهَى﴾ أي العقول واحدها نهية ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الضمير للأرض يريد خلقه
آدم من تراب ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ يعني بالدفن عند الموت ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾ يعني عند البعث
﴿أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ يعني الآيات التي رآها فرعون وهي تسع آيات، وليس يريد جميع آيات الله
على العموم، فالإضافة في قوله آياتنا تجري مجرى التعريف بالعهد: أي آياتنا التي أعطينا
موسى كلها، وإنما أضافها الله إلى نفسه تشريفًا ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ يحتمل أن
يكون الموعد اسم مصدر أو اسم زمان أو اسم مكان ويدلّ على أنه اسم مكان قوله مكلفاً
سُوَى، ولكن يضعف بقوله موعدكم يوم الزينة، لأنه أجاب بظرف الزمان، ويدلّ على أن
الموعد اسم زمان قوله يوم الزينة ولكن يضعف بقوله مكانًا سُوَى، ويدلّ على أنه اسم
مصدر بمعنى الوعد قوله لا نخلفه، لأن الإخلاف إنما يوصف به الوعد لا للزمان ولا
للمكان، ولكن يضعف ذلك بقوله مكانًا وبقوله يوم الزينة فلا بدّ على كل وجه من تأويل أو
إضمار ويختلف إعراب قوله مكانًا باختلاف تلك الوجوه فأما إن كان الموعد اسم مكان
فيكون قوله موعدًا ومكانًا مفعولين لقوله اجعل، ويطابقه قوله يوم الزينة من طريق المعنى،
لا من طريق اللفظ، وذلك أن الاجتماع في المكان يقتضي الزمان ضرورة، وإن كان الموعد
اسم زمان فينتصب قوله مكانًا على أنه ظرف زمان، والتقدير موعدًا كائنًا في مكان وإن كان