Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ تفسير سورة النحل وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢) أَمْوَتُّ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ ٢٢ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ الْأَ إِلَّهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلَْخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبُونَ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَّ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِينَ (*) وَإِذَا قِيلَ لَهُم ، لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةٌ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ مَاذَا أَنَزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ الـ لے الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٤٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَفَى اللَّهُ بُلْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ()ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يُخْرِبِهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَقُونَ فِيهِمْ قَالَ ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ نفى عن الأصنام صفات الربوبية، وأثبت لهم أضدادها، وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء وغير عالمين بوقت البعث، فلما قام البرهان، على بطلان ربوبيتهم أثبت الربوبية لله وحده، فقال: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَخْيَاءٍ﴾ أي لم تكن لهم حياة قطّ ولا تكون، وذلك أغرق في موتها ممّن تقدّمت له حياة ثم مات، ثم يعقب موته حياة ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ الضمير في يشعرون للأصنام وفي يبعثون للكفّار الذين عبدوهم، وقيل إن الضميرين للكفّار ﴿قُلُوبُهُم مُنكِرَةٌ﴾ أي تنكر وحدانية الله عزّ وجلّ ﴿لاَ جَرَمَ﴾ أي لا بدّ ولا شك، وقيل إن لا نفي لما تقدّم، وجرم معناه وجب، أو حق، وأن فاعلة بجرم ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ أي ما سطّره الأوّلون، وكان النضر بن الحارث قد اتخذ كتاب تواريخ، وكان يقول إنما يحدّث محمد بأساطير الأوّلين، وحديثي أجمل من حديثه، وماذا يجوز أن يكون اسمًا واحدًا مركباً من ما وذا، ويكون منصوبًا بأنزل أو أن تكون ما استفهامية في موضع رفع بالابتداء، وذا بمعنى الذي، وفي أنزل ضمير محذوف ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾ اللام لام العاقبة والصيرورة: أي قالوا أساطير الأولين، فأوجب ذلك أن حملوا أوزارهم وأوزار غيرهم، ويحتمل أن تكون للأمر ﴿بِغَيْرِ عِلْم﴾ حال من المفعول في يضلّونهم، أو من الفاعل ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ الآية: قيل المراد بالذين من قبلهم نمروذ، فإنه بنى صرحًا ليصعد فيه إلى السماء بزعمه، فلما علا فيه فرسخين هدمه الله وخرّ سقفه عليه، وقيل المراد بالذين من قبلهم كلّ مَن كفر من الأمم المتقدمة، ونزلت به عقوبة الله فالبنيان والسقف والقواعد على هذا تمثيل ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ توبيخ للمشركين وأضاف الشركاء إلى نفسه أي على زعمكم ودعواكم، وفيه تهكّم به ﴿الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُونَ فِيهِمْ﴾ أي تعادون من أجلهم فمَن ٤٦٢ تفسير سورة النحل الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ ظَالِمِىّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّوْءَ عَلَى اَلْكَافِرِينَ لـ أَنْفُسِهِمَّ فَأَلْقَوْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوَّ بَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)، فَادْ خُلُواْ ٢٩ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَّا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَّكَِّنَ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْمَاذَا أَنْزَ رَبُّكُمْ ج قَالُواْ خَيْرً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَّ جَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَكَّءُونَنَّ كَذَلِكَ يَحْزِى اَللَّهُ، جَ الَّذِينَ نَقَُّهُمُ الْمَئِكَةُ طَيِِّينٌ يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُمْ الْمُنَّقِينَ لـ قرأ بكسر النون فالمفعول ضمير المتكلم وهو الله عزّ وجلّ، ومَن قرأ بفتحها فالمفعول محذوف تقديره تُعادون المؤمنين من أجلهم ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم الأنبياء والعلماء من كل أمة، وقيل يعني الملائكة، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِنَّهِمْ﴾ حال من الضَّمَيرُ المفعول في تتوفّاهم ﴿فَأَلْقَوْا السَّلَمَ﴾ أي استسلموا للموت ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ أي قالوا ذلك، ويحتمل قولهم لذلك أن يكونوا قصدوا الكذب اعتصامًا بُه كقولهم والله ربنا ما كنا مشركين أو يكونوا أخبروا على حسب اعتقادهم في أنفسهم فلم يقصدوا الكذب، ولكنه كذب في نفس الأمر ﴿بَلَى﴾ من قول الملائكة للكفّار: أي قد كنتم تعلمون السوء. ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ لما وصف مقالة الكفّار الذين قالوا أساطير الأولين: قابل ذلك بمقالة المؤمنين، فإن قيل: لِمَ نصب جواب المؤمنين وهو قولهم خيرًا، ورفع جواب الكافرين وهو أساطير الأولين؟ فالجواب: أن قولهم خيرًا منصوب بفعل مضمر تقديره أنزل خيرًا، ففي ذلك اعتراف بأن الله أنزله، وأما أساطير الأوّلين فهو خبر ابتداء مضمر تقديره هو أساطير الأوّلين فلم يعترفوا بأن الله أنزله فلا وجه لنصبه، ولو كان منصوبًا لكان الكلام متناقضًا لأن قولهم أساطير الأولين يقتضي التكذيب بأن الله أنزله، والنصب بفعل مضمر يقتضي التصديق بأن الله أنزله، لأن تقديره أنزل، فإن قيل: يلزم مثل هذا في الرفع، لأن تقديره هو أساطير الأولين فإنه غير مطابق للسؤال الذي هو ماذا أنزل ربكم، فالجواب: أنهم عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين؛. ولم ينزله الله ﴿لِلَّذِينَ أَحسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ارتفع حسنة بالابتداء وللذين خيره، والجملة بدل من خيرًا، وتفسير للخير الذي قالوا، وقيل هي استئناف كلام الله تعالى، لا من كلام الذين قالوا خيرًا ﴿جَنَّاتُ عَذْنٍ﴾ يحتمل أن يكون هو اسم الممدوح بنعم،، فيكون مبتدأ وخبره فيما قبله أو خبر ابتداء مضمر، ويحتمل أن يكون مبتدأ وخبره يدخلونها أو ٤٦٣ تفسير سورة النحل تَعْمَلُونَ جَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَنْ تَأْنِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ أَوَ يَأْنِىَ أَمْرُ رَبِّكَّ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن فَأَصَابَهُمْ سَبِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ ٣٣ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ (٦) وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَّكُوْ لَوْ شَآءَ اَللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ. مِن شَىْءٍ فَّحْنُ وَلَآ ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِ مِن شَىْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى جَ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمٍَّ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ اَلَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ فَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ ج إِن تَحْرِصِ عَلَى هُدَ هُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِبِ لَهُمِّن نَصِرِينَ [® وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمٌ لَا يَبَعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُّ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (﴾ ◌ِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ مضمر تقديره لهم جنّات عدن ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ أي ينتظرون، والضمير للكفّار وإلا أن تأتيهم الملائكة يعني لقبض أرواحهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ يعني قيام الساعة أو العذاب في الدنيا ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ أي أصابهم جزاء سيئات ما عملوا ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي أحاط بهم العذاب الذي كانوا به يستهزؤون، وهذا تفسيره حيث وقع ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ قالوا ذلك على وجه المجادلة والمخاصمة والاحتجاج على صحة فعلهم أي أن فعلنا هو بمشيئة الله فهو صواب، ولو شاء الله أن لا نفعله ما فعلناه، والردّ عليهم بأن الله نهى عن الشرك ولكنه قضى على من يشاء من عباده، ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك في الآخرة على وجه التمنّي فإن ﴿لَوْ﴾ تكون للتمنّي والمعنى على هذا أنهم لمّا رأوا العذاب تمنّوا أن يكونوا لم يعبدوا غيره ولم يحرّموا ما أحلّ الله من البحيرة وغيرها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ قرىء بضم الياء وفتح الدال على البناء للمفعول أي لا يهدي غير الله مَن يضلّه الله وقرىء يهدي بفتح الياء وكسر الدال، والمعنى على هذا لا يهدي الله مَن قضى بإضلاله ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ الضمير عائد على مَن يضلّ، لأنه في معنى الجمع ﴿بَلَى﴾ ردّ على الذين أقسموا لا يبعث الله مَن يموت أي أنه يبعثه ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ اللام تتعلق بما دلّ عليه بلى أي يبعثهم ليبيّن لهم، وهذا برهان أيضًا على البعث، فإن الناس مختلفون في أديانهم ومذاهبهم فيبعثهم الله ليبيّن لهم الحق فيما اختلفوا فيه ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ الآية: برهان أيضًا على البعث لأنه داخل ٤٦٤ تفسير سورة النحل وَالَذِينَ ٤٠ أَّهُمْ كَانُوْ كَذِبِينَ ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ هَاجَرُواْ فِىِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبُوِّثَنَّهُمْ فِ الذُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَأَجْرُ الَْخِرَةِ أَكْبُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ جَ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَلُونَ (١) وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا تُوعِىّ بِالْبِنَتِ وَالزُّبْرِ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَّ ٤٣ إِلَيْهِمّ فَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونٌ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ (١َفَأَ مِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضّ وَجَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِ تَقَلُّبِهِمْ فَمَّا هُم بِمُعْجِزِينَ جَ أَوْ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْغَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ( بَأْخُذَهُمْ عَى تَخَوْفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَّهُوفٌ رَّحِيمُ ﴾ أَوْلَمْ يَّرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ تحت قدرة الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ﴾ يعني الذين هاجروا من مكة إلى أرض الحبشة، لأن الهجرة إلى المدينة كانت بعدها، وقيل نزلت في أبي جندل بن سهيل وخبره مذكور في السير في قصة الحديبية، وهذا بعيد لأن السورة نزلت قبل ذلك ﴿لَنْبَوْتَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وعد أن ينزلهم بقعة حسنة وهي المدينة التي استقروا بها، وقيل إن ختشة صفة لمصدر: أي نبوّئتهم تبوئة حسنة وقرىء لنثوبنّهم بالثاء من الثواب ﴿الَّذِيْنَ صَبَرُوا﴾ وصف للذين هاجروا، ويحتمل إعرابه أن يكونّ نعتًا أو على تقدير هم الذين أو مدح الذين ﴿إِلاَّ رِجَالاً﴾ ردّ على مّن استبعد أن يكون الرسول من البشر ﴿قَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ يعنيّ أحبار اليهود والنصارى أي لأن جميعهم يشهدون أن الرسول من البشر ﴿بِالبَيِّئَاتِ وَالزَّبْرِ﴾ يتعلق بأرسلنا الذي في أول الآية على التقديم والتأخير في الكلام، أو بأرسلنا مضتمرًا وبيوحي أو بتعلمون ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ يعني القرآن ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزَّلَ إِلَّيْهِمْ﴾ يحتمل أن يريد لتبيّن القرآن بسردك نصه وتعليمه للناس، أو لتبيّن معانيه بتفسير مشكله، فيدخل في هذا ما بيّنته السُّنّة من الشريعة ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيْئَاتِ﴾ يعني كفّارُ قريش عند جمهور المفسّرين، والسيئات تحتمل وجهين: أحدهما أن يريد به الأعمال السيئات: أي المعاصي فيكون مكروا يتضمن معنى عملوا، والآخر أن يريد بالمكرات السيئات مكرهم بالنبي صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلّم فيكون المكر على بابه ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلْبِهِمْ﴾ يعني في أسفارهم ﴿فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ أي بمفلتين حيث وقع ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ فيه وجهان أحدهما أن معناه على تنقص أي ينتقص أموالهم وأنفسهم شيئًا بعد شيء حتى يهلكوا من غير أن يهلكهم جملة واحدة، ولهذا أشار بقوله: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾،. لأن الأخذ هكذا أخفّ من غيره، وقد كان عمر بن الخطاب أشكل عليه معنى التخوّف في ٤٦٥ تفسير سورة النحل اَلْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَآبَّةٍ وَالْمَلَتَئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤) يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (٥) ﴿ وَقَالَ اللَّهُ الآية حتى قال له رجل من هذيل التخوّف التنقّص في لغتنا، والوجه الثاني أنه من الخوف أي يهلك قومًا قبلهم فيتخوّفوا هم ذلك، فيأخذهم بعد أن توقعوا العذاب وخافوه ذلك خلاف قوله وهم لا يشعرون ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ﴾ معنى الآية اعتبار بانتقال الظل، ويعني بقوله ما خلق الله من شيء: الأجرام التي لها ظلال من الجبال والشجر والحيوان وغير ذلك، وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى وقت الزوال يكون ظلّها إلى جهة، ومن الزوال إلى الليل إلى جهة أخرى، ثم يمتدّ الظلّ ويعمّ بالليل إلى طلوع الشمس، وقوله يتفيؤ من الفيء وهو الظل الذي يرجع بعكس ما كان غدوة، وقال رؤبة بن العجاج يقال بعد الزوال ظلّ وفيء، ولا يقال قبله إلاّ ظلّ، ففي لفظة يتفيؤ هنا تجوز ما لوقوع الخصوص في موضع العموم لأن المقصود الاعتبار من أول النهار إلى آخره، فوضع يتفيؤ موضع ينتقل أو يميل والضمير في ظلاله يعود على ما أو على شيء ﴿عَنِ الْيَمِينِ والشَّمَائِلِ﴾ يعني عن الجانبين أي يرجع الظل من جانب إلى جانب، واليمين بمعنى الأيمان، واستعار هنا الأيمان والشمائل للأجرام، فإن اليمين والشمائل إنما هما في الحقيقة للإنسان ﴿سُجَّدًا للَّهِ﴾ حال من الظلال، وقال الزمخشري حال من الضمير في ظلاله إذ هو بمعنى الجمع لأنه يعود على قوله من شيء، فعلى الأول يكون السجود من صفة الظلال، وعلى الثاني يكون من صفة الأجرام واختلف في معنى هذا السجود، فقيل عبّر به عن الخضوع والانقياد، وقيل هو سجود حقيقة ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي صاغرون وجمع بالواو لأن الدخور من أوصاف العقلاء ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ﴾ يحتمل أن يكون من دابة بيان لما في السموات وما في الأرض معًا لأن كل حيوان يصحّ أن يوصف بأنه يدبّ، ويحتمل أن يكون بيانًا لما في الأرض خاصّة وإنما قال ما في السموات وما في الأرض ليعمّ العقلاء وغيرهم، ولو قال من في السموات لم يدخل في ذلك غير العقلاء قاله الزمخشري ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ إن كان قوله من دابّة بيانًا لما في السموات والأرض، فقد دخل| الملائكة في ذلك، وكرّر ذكرهم تخصيصًا لهم بالذكر وتشريفًا وإن كان من دابّة لما في الأرض خاصّة فلم تدخل الملائكة في ذلك فعطفهم على ما قبلهم ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ هذا إخبار عن الملائكة وهو بيان نفي الاستكبار، ويحتمل أن يريد فوقية القدرة والعظمة أو يكون من المشكلات التي يمسك عن تأويلها، وقيل معناه التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١ / ٣٠٠ ٤٦٦ تفسير سورة النحل: أَوَلَهُ مَا فِىِ السَّمُوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُ ◌َالِدِينُ ٥ لَا تَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ فَإِنَّنِىَ فَأَزْهَبُونِ وَصِبََّ أَفَّرَ اللَّهِ نَتَّقُونَ (٢٦) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَلٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَحْصُرُونَ لَاثْزَّ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ إِذَا كَشَفَ الضُّرَ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُمْ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ ٥٤ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَّقْتَهُمْ ثَّاللَّهِ لَتُنَّلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ تَعْلَمُونَ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِالْبَِّّ ◌ِسُبْحَانَهُ وَلَّهُم ◌َّا يَشْتَهُونَ ﴿ وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِالْأُنْعِ ظَلَّ وَجْهُم مُسْوَدًّا وَهُوَ يخافون أن يرسل عليهم عذابًا من فوقهم ﴿لاَ تَتَّخِذُوا إِلهَينِ اثْنَيْنِ﴾ وصف الإلهین باثنين تأكيدًا وبيانًا للمعنى وقيل إن اثنين مفعول أول وإلهين مفعول ثانٍ ،يغلا يكون في الكلام. تأكيد ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونٍ﴾ خرج من الغيبة إلى التكلّم، لأن الغائب هو المتكلم، وإيّاي مفعوله بفعل مضمر، ولا يعمل فيه فارهبون لأنه قد أخذ معموله ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ أي واجبًا. وثابتًا، وقيل دائمًا، وانتصابه على الحال من الدين ﴿وَمَا بِكُم مُن نَّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ يحعمل أن تكون الواو للاستئناف أو للحال فيكون الكلام متصلاً بما قبله: أي،كيف تتقون غير الله، وما بكم من نعمة فمنه وحده ﴿فَإِلَيْهِ تَجْلَّرُونَ﴾ أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة والتضرّع ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللام لام الأمر على وجه التهديد لقوله بعده، فتمتعوا فسوف تعلمون، فعلى هذا يبتدىء بها، وقيل هيّ لام العاقبة، فعلى هذا توصل بما قبلها لأنها في الأصل لام كي، وذلك بعيد في المعنى، والكفر هنا يحتمل أن يريد به كفر النعم لقوظة بما آتيناهم، أو كفر الجحود والشرك لقوله بربّهم يشركون ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ يريد التمتع في الدنيا وذلك أمر على وجه التهديد ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا وَزَقْنَاهُمْ﴾ الضمير في يجعلون لكفّار العرب فإنهم كانوا يجعلون للأصنام نصيبًا من ذبائحهم وغيرها، والمراد بقوله لما لا يعلمون للأصنام، والضمير في لا يعلمون للكفّار أي لا يعلمون ربوبيتهم ببرهان ولا بحجّة، وقيل الضمير في لا يعلمون للأصنام أي الأشياء غير عالمة، وهذا فيعيد، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَئَاتِ﴾ إشارة إلى قول الكفّار إن الملائكة بنات الشه،ثم نزّه تعالى نفسعن ذلك بقوله: ﴿سُبْحَاقَهُ وَلَّهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ المعنى أنهم يجعلون لأنفسهم ما يشتهون يعني) بذلك الذكور من الأولاد، وأما الإعراب فيجوز أن يكون ما يشتهون مبتدأ وخبرظ الجنجرور. قبله، وأن يكون مفعولاً بفعل مضمر تقديره ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وأن يكون معطوفًا على البنات على أن هذا يمنعه البصريون، لأنه من باب ضربتني وكان يلزم عندهم أن يقال لأنفسهم ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِالأَنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدَّ وَهُوَ بَظِهِمْ﴾ إخبار هو الحال العزب في كراهتهم البنات، وظلّ هنا يحتمل أن تكون على بابها، أو سمعنى صار غيفى السواد. ٤٦٧ تفسير سورة النحل يَتَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوْءٍ مَا بُشِّرَ بِهِ: أَيُمْسِكُمُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِىِ التََّابِ أَلَا سَآءَ مَا كَظِيمٌ ا ◌ِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءُ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) وَلَوْ ٥٩ يَحْكُمُونَ (® يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ تُسَتَّىٌّ فَإِذَا جَآَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْمُسْنَّ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَُّونَ (١) تَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمْ أَلْيَوْمَ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ () وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِىِ اخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١) وَاللَّهُ أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهاً إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٥) وَإِنَّ لَكُمْفِ اْأَنْعَمِ لَعِبْرَةٌ تُسْقِيَكُمْ مِمَا فِ بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرَّتٍ وَدَهٍ لََّنَا خَالِصًا سَأَبِغًا لِلشَّرِبِينَ (١) وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا عبارة عن العبوس والغمّ، وقد يكون معه سواد حقيقة، وكظيم قد ذكر في يوسف ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي يستخفي من أجل سوء ما بُشّر به ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ المعنى يدبر وينظر هل يمسك الأنثى التي بُشّر بها على هوانٍ وَذُلِّ لها، أو يدفنها في التراب حيّة، وهي الموءُودة، وهذا معنى يدسّه في التراب ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي صفة السوء من الحاجة إلى الأولاد وغير ذلك من صفة الافتقار والنقص ﴿ولِلْهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ أي الوصف الأعلى من الغنى عن كل شيء والنزاهة عن صفات المخلوقين ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ﴾ يعني لو يعاقبهم في الدنيا ﴿بِظُلْمِهِم﴾ أي بكفرهم ومعاصيهم ﴿مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ الضمير للأرض ﴿مِن دَابَّةٍ﴾ يعمّ بني آدم وغيرهم وهذا يقتضي أن تهلك الحيوانات بذنوب بني آدم، وقد ورد ذلك في الأثر، وقيل يعني بني آدم خاصّة ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلْهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ يعني البنات ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ أن بدل من الكذب، والحسنى هنا قيل هي الجنة، وقيل ذكور الأولاد ﴿وَأَنَّهُم مُفْرَطُونَ﴾ بكسر الراء والتخفيف من الإفراط: أي متجاوزون الحدّ في المعاصي، أو بفتح الراء والتخفيف من الفرط أي معجلون إلى النار، وبكسر الراء والتشديد من التفريط ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ يحتمل أن يريد باليوم وقت نزول الآية أو يوم القيامة ﴿وَهُدَى وَرَحْمَةٌ﴾ معطوفان على موضع لتبيّن، وانتصبا على أنهما مفعول من أجله: أي لأجل البيان والهدى والرحمة ﴿تُسْقِيكُم﴾ بفتح النون وضمّها لغتان، يقال سقى وأسقى ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ الضمير للأنعام، وإنما ذكر لأنه مفرد بمعنى الجمع كقولهم ثوب أخلاق لأنه اسم جنس، وإذا أنّث فهو جمع نعم ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَم﴾ الفرث هي ما في الكرش من الغدد، والمعنى أن الله ٤٦٨ تفسير سورة النحل ،وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ لَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ وَرِزْقًا حَسَنَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ج ◌ُمَّ كُلِ مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْبُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (! تُخْتَلِفَ أَلْوَنُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ (3) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَنَّوَفَّنكُمْ وَمِنْكُمـ يخلق اللبن متوسطًا بين الفرث والدم يكتنفانه، ومع ذلك فلا يغيّران له فونًا ولا طعمًا ولا رائحةً، ومن في قوله مما في بطونه للتبعيض قوله من بين فرث لابعداء الغاية ﴿سَائِمًا لْلشَّارِبِينَ﴾ يعني سهلاً للشرب حتى قيل لم يغصّ أحد قطّ باللبن ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيل وَالأَعْتَابِ﴾ المجرور يتعلق بفعل محذوف تقديره نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها، ويدلّ عليه نسقيكم الأول أو يكون من ثمرات معطوف على مما في بطونها أو يتعلق من ثمرات بتتخذون، وكرّر منه توكيدًا أو يكون تتخذون صفة لمحذوف تقديره شيئًا تتخذون ﴿سَكَرًا﴾ يعني الخمر، ونزل ذلك قبل تحريمها فهي منسوخة بالتحريم، وقيل إن هذا على وجه المنّة بالمنفعة التي في الخمر، ولا تعرض فيها لتحليل ولا تحريم، فلا نسخ، وقيل السكر المائع من هاتين الشجرتين كالخل والربّ والرزق الحَسَن: العنب والتمر والزبيب. ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّخلِ﴾ الوحي هنا بمعنى الإلهام، فإن الوحي على ثلاثة أنواع: وحي كلام، ووحي منام، ووحي إلهام ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَسِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ أن مفسّرة للوحي الذي أوحي إلى النحل، وقد جعل الله بيوت النحل في هذه الثلاثة الأنواع إما في الجبال وكواها، وإما في متجوّف الأشجار وإما فيما يعرش بني آدم من الأجباح والحيطان ونحوها ومن في المواضع الثلاثة للتبعيض لأن النحل إنما تتخذ بيوتًا في بعض الجبال، وبعض الشجر، وبعض الأماكن وعرّش معناه هيّأ أو بنى، وأكثر ما يستعمل. فيما يكون من الأغصان والخشب ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ عطف کلی علی اتخذيه ومن للتبعيض، وذلك أنها إنما تأكل النوار من الأشجار، وقيل المعنى من كل الثمرات التي تشتهيها ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ يعني الطرق في الطيران، وأضافها إلى الربّ لأنها ملكه وخلقهِ ﴿ذُلُلًا﴾ أي مطيعة منقادة ويحتمل أن يكون حالاً من السبل، قال مجاهد لم يتعرّض قطّ على النحل طريق أو حالاً من النجل أي منقادة لما أمرها الله به ﴿يَخْرُجُ مِن يُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ يعني العسل ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ أي منه أبيض وأصفر وأحمر ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لْلِنَّاسِ﴾. الضمير للعسل، لأن أكثر الأدوية مستعملة من العسل كالمعاجين والأشربة النافعة من: الأمراض وكان ابن عمر يتداوى به من كل شيء، فكأنه أخذه على العموم وعلى ذلك ٤٦٩ تفسير سورة النحل وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ٧٠ مَّن يُرَدُّ إِلَ أَزْزَلِ الْعُمُرِ لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًاْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ فِي الرِّزْقِّ فَمَا الَّذِينَ فُضِلُواْ بِآدِى رِزْقِهِمْ عَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَِنِعْمَةِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِنَ وَحَفَدَةً يَجْحَدُونَ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا وَرَزَقَّكُمْ مِنَ الطَِّبَتِ أَفِلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اَللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ فَلَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَّ إِنَّ اللَّهَ ٧٣ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ الحديث عن النبي ◌َّير أن رجلاً جاء إليه، فقال إن أخي يشتكي بطنه، فقال اسقه عسلاً، فذهب ثم رجع فقال قد سقيته فما نفع، قال فاذهب فاسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه فشفاه الله عزّ وجلّ ﴿إِلَى أَرْذَلِ العُمُرٍ﴾ أي إلى أخسّه وأحقره، وهو الهرم وقيل حدّه خمسة وسبعين عامًا، وقيل ثمانون، والصحيح أنه لا يحصر إلى مدة معينة، وأنه يختلف بحسب الناس ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمُ بَعْدَ عِلْم شَيْئًا﴾ اللام لام الصيرورة أي يصير إذا هرم لا يعلم شيئًا بعد أن كان يعلم قبل الهرم، وليس المراد نفي العلم بالكليّة، بل ذلك عبارة عن قلّة العلم لغلبة النسيان، وقيل المعنى لئلا يعلم زيادة على علمه شيئًا ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ الآية في معناها قولان: أحدهما أنها احتجاج على الوحدانية كأنه يقول أنتم لا تسوّون بين أنفسكم وبين مماليككم في الرزق، ولا تجعلونهم شركاء لكم، فكيف تجعلون عبيدي شركاء لي، والآخر أنها عتاب وذمّ لمَن لا يُحسِن إلى مملوكه حتى يردّ ما رزقه الله عليه كما جاء في الحديث: أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، والأول أرجح ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ الجحد هنا على المعنى الأول إشارة إلى الإشراك بالله، وعبادة غيره، وعلى المعنى الثاني إشارة إلى جنس المماليك فيما يجب لهم من الإنفاق ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ يعني الزوجات، ومن أنفسكم يحتمل أن يريد من نوعكم وعلى خلقتكم، أو يريد أن حوّاء خلقت من ضلع آدم، وأسند ذلك إلى بني آدم لأنهم من ذرّيّته ﴿وحَفَدَةً﴾ جمع حافد قال ابن عباس: هم أولاد البنين، وقيل الأصهار، وقيل الخدم، وقيل البنات إلاّ أن لفظ المذكور لا يدلّ عليهم، والحَفَدَة في اللغة الخدمة ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآية: توبيخ للكفّار، وردّ عليهم في عبادتهم للأصنام، وهي لا تملك لهم رزقًا، وانتصب رزقًا لأنه مفعول بيملك، ويحتمل أن يكون مصدراً أو اسمًا لما يرزق، فإن كان مصدرًا فإعراب شيئًا مفعول به، لأن المصدر نصيب المفعول، وإن كان اسمًا فإعراب شيئًا بدل منه ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ الضمير عائد على ما لأن المراد به ٤٧:٠ تفسير سورة النحل * ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوَكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىءٍ وَمَن رَّزَقْنَهُ مِنَّا يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٧٤ رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرَّ وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَقْلَمُونَ () وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا تَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَئُهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهةٌ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَطِ: مُسْتَقِيمٍ ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلََّ كَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْبَيٌ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا أَلَمْ بَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ ٧٨ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ مُسَخَّرَتٍ فِى جَوْ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّ اللَّهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَّا وَجَعَلَ لَّكُ مِّنْ جُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ الإلهية، ونفي الاستطاعة بعد نفي المُلْكِ، لأن نفيها أبلغ في الذمّ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا﴾ الآية: مثل لله تعالى وللأصنام، فالأصنام كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والله تعالى له الملك، وبيده الرزق ويتصرّف فيه كيف يشاء، فكيفب، يسوّي بينه وبين الأصنام، وإنما قال لا يقدر على شيء لأن بعض العبيد يقدرون على بعض الأمور كالمكاتب والمأذون له ﴿وَمَن رَّزَقْتَاهُ﴾ من هنا نكرة موصوفة، والمراد بها مَن هو حرّ قادر كأنه قال وحرًّا رزقناه ليطلق عبدًا، ويحتمل أن تكون موصولة ﴿هَلْ يَسْتَؤُونَ﴾ أي هل يستوي العبيد والأحرار الذين ضرب لهم المثل ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ شكرًا لِلَّهِ على بيان هذا المثال ووضوح الحق ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ يعني الكفّار ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَ رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمْ﴾ الآية: مثل لله تعالى وللأصنام كالذي قبله، والمقصود منهما إبطال مذاهب المشركين، وإثبات الوحدانية الله تعالى، وقيل إن الرجل الأبكم أبو جهل، والذي يأمر بالعدل عمّار بن ياسر، والأظهر عدم التعيين ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلاَهُ﴾ الكلّ الثقيل يعني أنه عيال على وليّه أو سيّده، وهو مثل للأصنام والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلاَّ كَلَمْح البَصَرِ أَو هُو أَقْرَبُ﴾ بيان لقدرة الله على إقامتها، وأن ذلك يسير عليه كقوله: ﴿مَا خَلَقَكُمْ وَلاَ بَعَنَكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ وَاحِدٍة﴾ [لقمان: ٢٨]، وقيل المراد سرعة إتيانها ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ الأمهات جمع أم زيدت فيه إلهاء فرقًا بين مَن يعِقِل ومن لا يعقل، وقرىء بضم الهمزة وبكرها إتباعًا للكسرة قبلها ﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ أي في الهواء البعيد من الأرض ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُممِن بُهوتِكُمْ سَكَنًا﴾ السكن مصدر يوصف به؟ ٤٧١ تفسير سورة النحل أَوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا ٨٠ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَئًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَنَّا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُنِمُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْا يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ الْمُبِينُ ٨٢ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمٍَّ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ اُلْكَفِرُونَ ٨٣ وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُوْ اُلْعَذَابَ فَلَ يُحَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَ هُمْ يُظَرُونَ [®) وَإِذَا رَءَا ٨٤ يُسْتَعْنَبُونَ لإ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَ هُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ مِن دُونِكٌ فَأَلْقَوْاْ وقيل هو فعل بمعنى مفعول ومعناه ما يسكن فيه كالبيوت أو يسكن إليه ﴿وَجَعَلَ لَكُم مّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ يعني الأدم من القباب وغيرها ﴿تَسْتَخِفُونَهَا﴾ أي تجدونها خفيفة ﴿يَوْمَ ◌َعْنِكُمْ وَيَوَمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ يعني في السفر والحضر، واليوم هنا بمعنى الوقت ويقال ظعن الرجل إذا رحل، وقرىء ظعنكم بفتح العين، وإسكانها تخفيفًا ﴿وَمِنْ أَصْوَانِهَا وَأَوْبَارِهَا وأَشْعَارِهَا﴾ الأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز والبقر ﴿أَثَاثًا﴾ الأثاث متاع البيت من البسط وغيرها، وانتصابه على أنه مفعول بفعل مضمر تقديره جعل ﴿وَمَتَاعًا إلَى حِينٍ﴾ أي إلى وقت غير معين، ويحتمل أن يريد إلى أن تُبلى وتفنى أو إلى أن تموت ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً﴾ أي نعمة عدّدها الله عليهم بالظلّ، لأن الظل مطلوب في بلادهم محبوب لشدّة حرّها، ويعني بما خلق من الشجر وغيرها ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ الأكنان جمع كن، وهو ما بقي من المطر والريح وغير ذلك، ويعني بذلك الغيران والبيوت المنحوتة في الجبال ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ السرابيل هي الثياب من القمص وغيرها، وذكر وقاية الحرّ ولم يذكر وقاية البرد، لأن وقاية الحرّ أهم عندهم لحرارة بلادهم، وقيل لأن ذكر أحدهما يُغني عن ذكر الآخر ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيَكُم بَأْسَكُمْ﴾ يعني دروع الحديد ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ إشارة إلى ما ذكر من النّعَم من أول السورة إلى هنا والضمير في يعرفون للكفّار، وإنكارهم لنِعَم الله إشراكهم به وعبادة غيره، وقيل نعمة الله هنا نبوّة محمد رَّ﴿ ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أَمَّةٍ شَهَيدًا﴾ أي يشهد عليهم بإيمانهم وكفرهم ﴿ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي لا يؤذن لهم في الاعتذار ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي لا يسترضون، وهو من العتبى بمعنى الرضى ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى التأخير أو بمعنى النظر: أي لا ينظر الله إليهم ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ الضمير في القول ٤٧٢ تفسير سورة النحل وَأَلْقَوْ إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَّمَ: وَضَلَّ عَنْهُم مَّاء كَانُواْ ٨٦ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يفترون ـجَ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى يُفْسِدُونَ هَؤُلَاءٍ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِبْيَكِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدِّى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٤)﴾ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِّ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدِتُّمْ وَلَا تَنْقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ ٩٠ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ تَوِْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ () وَلَا تَكُونُواْ كَأَلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَتَا نَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةُ للمعبودين والمعنى أنهم كذّبوهم في قولهم أنهم كانوا يعبدونهم، كقولهم ما كنتم إيانا تعبدون، فإن قيل: كيف كذّبوهم وهم قد كانوا يعبدونهم؟ فالجواب أنهم لمّا كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن عبادة، ويحتمل أن يكون تكذيبهم لهم في تسميتهم شركاء لله، لا في العبادة ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئَذِ السَّلَمَ﴾ أي استسلمواله وانقادوا ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ رُوِيَ أن الزيادة في العذاب هي حيّات وعقارب كالبغال تلسعهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَذْلِ والإحْسَانِ﴾ يعني بالعدل: فعل الواجبات، وبالإحسان: المندوبات، وذلك في حقوق الله تعالى وفي حقوق المخلوقين، قال ابن مسعود: هذه أجمع آية في كتاب الله تعالى ﴿وَإِيقَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الإيتاء مصدر آتي بمعنى أعطي، وقد دخل ذلك في العدل والإحسان، ولكنه جرّده بالذكر اهتمامًا به ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَخْشَاءِ﴾ قيل يعني الزنا، واللفظ أعمّ من ذلك ﴿وَالْمُنْكّرٍ﴾ هو أعمّ من الفحشاء، لأنه يعمّ جميع المعاصي ﴿وَالْبَغْي﴾ يعني الظلم ﴿وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ﴾ هذا في الأيمان التي في الوفاء بها خير، وأما ما كان تركه أولى، فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير منه، كما جاء في الحديث، أو تكون الأيمان هنا ما يحلفه الإنسان في حق غيره، أو معاهدة لغيره ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ أي رقيبًا ومتكفّلاً بوفائكم بالعهد، وقيل إن هذه الآية نزلت في بيعة النبي وَ ل98، وقيل فيما كان بين العرب من حلف في الجاهلية ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ شبه الله مَن يخلف ولم يَفِ بيمينه بالمرأة التي تغزل غزلاً قويًّا ثم تنقضه، ورُوِيّ أنه كان بمكة امرأة حسقاء تسمى ريطة بنت سعد، كانت تفعل ذلك وبها وقع التشبيه، وقيل إنما شبّه بامرأة غير معيئة ﴿أَنْكَاثًا﴾ جمع نكث وهو ما يتكث أي ينقض، وانتصابه على الحال ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَاتَكُمْ : ٤٧٣ تفسير سورة النحل هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ، وَلَيُبَيِنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٢) وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَلَتُكَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٦) وَلَا نَتَّخِذُوَأْ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلْا بَيْنَكُمْ فَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوَءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَكِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩) وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ أَمَا عِنْدَكُمْ يَنَفَذِّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاتٍّ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوَاْ أَجْرَهُم ٩٥ تَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْيِيَتَّهُ حَيَوَةً ٩٦ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٢) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ (١) إِنَّهُ لَيَسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَنَوَكَّلُونَ (٤) إِنَّمَا سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ () وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ الدخل الدغل، وهو قصد الخديعة ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِي أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أن في موضع المفعول من أجله: أي بسبب أن تكون أمة، ومعنى أربى: أكثر عددًا أو أقوى، ونزلت الآية في العرب الذين كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلة أقوى منها غدرت بالأولى وحالفت الثانية، وقيل الإشارة بالأربى هذا إلى كفّار قريش إذ كانوا حينئذ أكثر من المسلمين ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ الضمير للأمر بالوفاء، أو لكون أمة هي أربى من أمة، فإن بذلك يظهر مَن يحافظ على الوفاء أولاً ﴿فَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ استعارة في الرجوع عن الخير إلى الشر، وإنما أفرد القدم ونكرها: لاستعظام الزلل في قدم واحدة فكيف في أقدام كثيرة ﴿وَتَذَوقُوا السُّوءَ﴾ يعني في الدنيا ﴿بِمَا صَدَدتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يدلّ على أن الآية فيمن بايع النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم ﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني في الآخرة ﴿وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ الثمن القليل عرض الدنيا، وهذا نهي لمَن بايع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن ينكث لأجل ضعف الإسلام حينئذ وقوّة الكفّار ورجاء الانتفاع في الدنيا إن رجع عن البيعة ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ أي يفنى ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ يعني في الدنيا، قال ابن عباس هي الرزق الحلال، وقيل هي القناعة، وقيل هي حياة الآخرة ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ظاهر اللفظ أن يستعاذ بعد القراءة، لأن الفاء تقتضي الترتيب، وقد شذّ قوم فأخذوا بذلك، وجمهور الأمة على الاستعاذة قبل القراءة، وتأويل الآية: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله ﴿إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي ليس له عليهم سبيل ولا يقدر على إضلالهم ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ أي يتخذونه ٤٧٤ تفسير سورة النحل قُلْ نَزَّلَكُ رُوحُ وَاللَّهُ أَعْلَهُ بِمَا يُنَزِّفُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْفَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ اُلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحِ لِيُتَّبِتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَّى وَبُشْرَى لِلْمُّسْلِمِينَ لَ وَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسُلْفٍ عَرَكْ شِيرُ (﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلَيْدُ لَ إِنَّمَا يَفْتَرِىِ الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِهِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ الْيَنْشََّ وَلِيًّا ﴿وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ الضمير لإبليس، والباء سببية ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَّةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾ التبديل هنا النسخ، كان الكفّار إذا نسخت آية يقولون هذا افتراء ولو كان من عند الله لم يبدل ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمّا يُتَزِّلُ﴾ جملة اعتراض بين الشرط وجوابه وفيها ردّ على الكفّار أُتي اله أعلم بما يصلح للعباد في وقت ثم ما يصلح لهم بعد ذلك ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدْسِ﴾ يعني جبريل ﴿بِالْحَقٌ﴾ أي مع الحق في أوامره ونواهيه وأخباره، ويحتمل أن يكون قوله بالحق بمعنى حقًّا، أو بمعنى أنه واجب النزول ﴿أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ كان بمكة علام أعجمي اسمه يعيش، وقيل كانا غلامين اسم أحدهما جبر والآخر يسار، فكان النبي اله يجلس إليهما ويدعوهما إلى الإسلام، فقالت قريش هذان يعلّمان محمدًا، ﴿لْسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَفْجَمِيٍّ﴾ اللسان هنا بمعنى اللُغةُ والكلام، ويلحدون من ألحد إذا مالَ، وقرىء بفتح الياء من لحد، وهما بمعنى واحد، وهذا ردّ عليهم فإن الشخص الذي أشاروا إليه أنه يعلّمه أعجمي اللسان؛ وهذا القرآن عربي في غاية الفصاحة، فلا يمكن أن يأتيَّ بَهُ أَعجمي ﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ هذا في حق مَن علم الله منه أنه لا يؤمن كقوله: ﴿إِن الَّذِينَ حَقْتَ عَلَيْهِم كَلِمَةُ رَّبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦]، فاللفظْ عَامْ يُراد به الخصوص، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِم أَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] الآيَّةَ، وقال ابن عطيّة: المعنى إن الذين لا يهديهم الله لا يؤمنون بالله ولكنه قدّم في هذا التّرتيب بايد وأخّر تهگمًا بتقبيح أفعالهم. ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾رد على قولهم إنما أنتِ مُفْتَرٍ: يعني إنما يليق الكذب بمن لا يؤمن لأنه لا يخاف الله وأما من يؤمن بالله فلا يكذب عليه ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ الإشارة إلى الذين لا يؤمنون بالله: أي هم الذين عادتهم الكذب لأنهم لا يبالون بالوقوع في المعاصي، ويحتمل أن يكون الكذب المنسوب إليهم قوالهم بإثمنا أنت مُفْتَرٍ ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ﴾ الآية: من شرطية في موضع رفع بالابتداء، وكذلك من فتي قوله ٤٧٥ تفسير سورة النحل كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ, مُطْمَبِنٌّ ◌ِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٨٠) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَسْتَحَبُّواْ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمٌّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ (٥َ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ يَ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْثُمَّ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ مَن شرح، لأنه تخصيص من الأول، وقوله فعليهم غضب: جواب عن الأولى والثانية، لأنهما بمعنَى واحد، أو يكون جوابًا للثانية، وجواب الأولى محذوف یدلّ عليه جواب الثانية، وقيل مَن كفر بدل من الذين لا يؤمنون أو من المبتدأ في قوله أولئك هم الكاذبون، أو من الخبر ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِةَ﴾ استثنى من قوله من كفر، وذلك أن قومًا ارتدوا عن الإسلام، فنزلت فيهم الآية، وكان فيهم مَن أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر، وهو يعتقد الإيمان منهم عمّار بن ياسر، وصهيب، وبلال فَعَذَرَهم الله، رُوِيَ أن عمّار بن ياسر شكى إلى رسول الله 18 ما صنع به من العذاب وما تسامح به من القول، فقال له رسول الله صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم: ((كيف تجد قلبك)»؟ قال: أجده مطمئنًا بالإيمان، قال: (فأَجِبْهم بلسانك، فإنه لا يضرّك))، وهذا الحكم في مَن أُكرِه بالنطق على الكفر، وأما الإكراه على فعل هو كفر كالسجود للصنم فاختلف هل تجوز الإجابة إليه أم لا؟ فأجازه الجمهور، ومنعه قوم وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمين ولا طلاق ولا عتق ولا شيء فيما بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز الإجابة إليه كالإكراه على قتل أحد أو أخذ ماله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الإشارة إلى العذاب، والباء للتعليل، فعّل عذابهم بعلّتين: أحدهما إيثارهم الحياة الدنيا، والأخرى أن الله لا يهديهم ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ قرأه الجمهور فتنوا بضم الفاء: أي عُذّبوا فالآية على هذا في عمّار وشبهه من المعذّبين على الإسلام، وقرأ ابن عامر بفتح الفاء: أي عذاب المسلمين، فالآية على هذا فيمَن عذّب المسلمين، ثم هاجر وجاهد كالحضرمي وأشباهه ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كرّر إن ربّك توكيدًا، والضمير في بعدها يعود على الأفعال المذكورة وهي الهجرة والجهاد والصبر ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ يحتمل أن يتعلق بغفور رحيم أو بمحذوف تقديره اذكروا هذا أظهر ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ النفس هنا بمعنى الجملة كقولك إنسان، والنفس في قوله عن نفسها بمعنى الذات المعينة التي نقيضها الغير أي تجادل عن ٤٧٦ تفسير سورةالنحل وَضَرَبَ بِاللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً تُجَدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْهُمِ اللَّهِ فَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ () وَلَقَدْ جَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَلِمُونَ (١) فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَعُمُ اللَّهُ حَلًا طَيِّبًا وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِنَاهُ تَعْبُدُونَ (٨) إِنَّمَا حَزَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِيرِ وَمَآ أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ () وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ ذاتها لا عن غيرها کقولك جاء زید نفسه وعينه ﴿تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ أي تحتج وتعتذر، فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون؟ فالجواب أن الحال مختلف باختلاف المواطن والأشخاص ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَ قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةٌ﴾ الآية، قيل إن القرية المذكورة مكة كانت بهذه الصفة التي ذكرها الله ﴿فَكَفَرَتْ بِأَتْعُم اللَّهِ﴾ يعني بنبوّة محمد بَّله، فأصابهم الجدب والخوف من غزو النبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم، وقيل إنما قصد قرية غير معينة أصابها ذلك فضرب الله بها مثلاً لمكة، وهذا أظهر، لأن المراد وعظ أهل مكة بما جرى لغيرهم، والضمير في قوله فكفرت وأذاقها: يراد بها أهل القرية بدليل قوله بما كانوا يصنعون ﴿فَأْذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ الإذاقة هنا واللباس مستعاران، أما الإذاقة فقد كثر استعمالها في البلايا، حتى صارت كالحقيقة، وأما اللباس فاستعير للجوع والخوف لاشتمالهما على اللباس ومباشرتهما له كمباشرة الثوب ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّتِهُمْ﴾ إن كان المراد بالقرية مكة، فالرسول هنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم والعذاب الذي أخذهم القحط وغيره وإن كانت القرية غير معينة، فالرسول من المتقدمين كهود وشعيب وغيرهما، والعذاب ما أصابهم من الهلاك ﴿فَكُلُوا﴾ وما بعده مذكور في البقرة ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِتَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ هذه الآية مخاطبة للعرب الذين أحلوا أشياء وحرّموا أشياء كالبحيرة وغيرها مما ذكر في سورة المائدة والأنعام، ثم يدخل فيها كلّ مَن قال هذا حلال أو حرام بغير علم، وانتصب الكذب بلا تقولوا أو يكون قوله هذا حلال وهذا حرام بدل من الكذب وما في قوله بما تصف موصولة ويجوز أن ينتصب الكذب بقوله تصف وتكون ما على هذا مصدرية ويكون قوله هذا جلال وهذا حرام معمول لا تقولوا ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ يعني عيشهم في الدنيا أو : ٤٧٧ تفسير سورة النحل وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا ١١٧ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٨) مَتَعُ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ عَلَيَّكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ لْ، ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) إِنَّ إِزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً فَانِتًا لِلَِّ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِةِ اجْتَبَنَّهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِ ﴿٣)، وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِ اَلْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ الْلَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٩) أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ انتفاعهم بما فعلوه من التحليل والتحريم ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ يعني قوله في الأنعام حرّمنا كل ذي ظفر إلى آخر الآية، فذكر ما حرّم على المسلمين وما حرّم على اليهود، ليعلم أن تحريم ما عدا ذلك افتراء على الله كما فعلت العرب ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ هذه الآية تأنيس لجميع الناس وفتح باب التوبة ﴿إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةٌ﴾ فيه وجهان: أحدهما أنه كان وحده أمة من الأمم بكماله وجمعه لصفات الخير كقول الشاعر : فليس على اللَّهِ بمستنكر أن يجمع العالم في واحد والآخر أن يكون أمة بمعنى إمام كقوله: ﴿إِنّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]، قال ابن مسعود والأمة معلم الناس الخير، وقد ذكر معنى القانت والحنيف ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ يعني لسان الصدق، وأن جميع الأمم متّفقون عليه، وقيل يعني المال والأولاد ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي من أهل الجنة ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ نفى عنه الشرك لقصد الردّ على المشركين من العرب الذين كانوا ينتمون إليه ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أمر موسى بني إسرائيل أن يجعلوا يوم الجمعة مختصًا للعبادة فرضي بعضهم بذلك، وقال أكثرهم بل يكون يوم السبت، فألزمهم الله يوم السبت، فاختلافهم فيه هو ما ذكر والسبت على هذا هو اليوم، وقيل اختلافهم فيه: هو أن منهم مَن حرّم الصيد فيه، ومنهم مَن أحلّه، فعاقبهم الله بالمسخ قردة، فالمعنى: إنما جعل وِبال السبت على الذين اختلفوا فيه، والسبت على هذا مصدر من سبت إذا عظم يوم السبت، قاله الزمخشري، وتقتضي الآية أن السبت لم يكن من ملّة إبراهيم عليه السلام ﴿ادعُ إِلَى سَبِيلٍ ٤٧٨ تفسير سورة النحل بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْمَسَنَّةِ وَحَدِ لْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلُ سِمَن ضَلَ عَن سَبِيلِهِ. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بٌِّ وَلَيْنَ صَبَّرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ ، وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّ بِاللَّهَّ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَّاتَكُ فِ ضُبْقِ ◌ِّهَا لِلصَّبِنَ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ المراد بالسبيل هنا الإسلام، والحكمة هي الكلام الذي يظهر صوابه، والموعظة هي الترغيب والترهيب، والجدال هو الردّ على المخالف، وهذه الأشياء الثلاثة يسميها أهل العلوم العقلية بالبرهان والخطابة والجدالّ، وهذه الآية تقتضي مهادنة نسخت بالسيف، وقيل إن الدعاء إلى الله بهذه الطريقة من التلطف والوفق غير منسوخ، وإنما السيف لمَن لا تنفعه هذه الملاطفة من الكفّار وأما العُصاة فهي في حقهم محکمة إلى يوم القيامة باتفاق ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُم فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِتُم بِهِ﴾ المعنى إن صنع بكم صنع سوء فافعلوا مثله ولا تزيدوا عليه، والعقوبة في الحقيقة إنماهي الثانية، وسمّيت الأولى عقوبة لمُشَاكِّلَة اللفظ، ويحتمل أن يكون عاقبتم بمعنى أصبتم عقبى: كقوله في الممتحنة فعاقبتم بمعنى غنمتم فيكون في الكلام تجنيس؛ وقال الجمهور: إن الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطلب لمّا بَقَرَ المشركون بطنه يوم أُحُد، قال النبي والر: ((والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلنّ بسبعين منهم))، فنزلت الآية فكفّر النبي ◌َله عن يمينه وترك ما أراد من المثلة؛ ولا خلاف أن المثلة حرام، وقد وردت الأحاديث بذلك؛ ويقتضي ذلك أنها مدنية، ويحتمل أن تكون الآية عامّة، ويكون ذكرهم لحمزة على وجه المثال، وتكون على هذا مكيّة كسائر السورة؛ واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في مال ثم انتمن الظالم المظلوم على مال هل يجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه، فأجاز ذلك قوم لظاهر الآية، فرختعها مالك لقوله : ((أهّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تخن مَن خانك)) ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوْ لَيْرٌ الصَّابِرِينَ﴾ هذا ند إلى الصبر وترك عقوبة مَن أساء إليك فإن العقوبة مُباحةً، وتركها أفضل، والضمير والجع للصبر، ويحتمل أن يريد بالصابرين هنا العموم، أو يُراد به المخاطبون كأنه قال خير لكم ﴿وَاصْبِزْ وَمَا صَيْرُكَ إلاَّ بِاللَّهِ﴾ هذا عزم على النبي صل﴾ في خاصّته على الصبر، ويُروَى أنه قال لأصحابه أما أنا فأصبر كما أمرت، فماذا تصنعون؟ قالوا؛ نصبر كما ندبنا ثم أخبره أنه لا يصبر إلاّ بمعونة الله؛ وقد قيل إن ما في هذه الآية من الأمر بالصبر منسوخ بالسيف، وهذا إن كان الصبر يراد به ترك القتال، وأما إن كان الصبر يُراد به ترك المثلة التي فعل مثلها بحمزة فذلك غير منسوخ ﴿وَلاَ تَحْزَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أي لا تتأسّف لكفرهم ﴿وَلاَ تَكُ فِي ضِيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي لا يضيق صدرك بمنكرهم، والضيق : : ٤٧٩ تفسير سورة النحل ١٢٧ يَمْكُرُونَ: ١٢٨ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ وَالَّذِينَ هُمْ تُخْسِنُونَ بفتح الضاد تخفيف من ضيق كميت وميت، وقرىء بالكسر وهو مصدر، ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدران ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ يريد أنه معهم بمعونته ونصره ﴿وَالَّذِينَ هُم مُخْسِنُونَ﴾ الإحسان هنا يحتمل أن يُراد به فعل الحسنات، والمعنى الذي أشار له النبي ◌َّ بقوله: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه)) وهذا هو الأظهر، لأنه رتبة فوق التقوى . سورة الإسراء مكية إلاّ الآيات ٢٦ و٣٢ و٣٣ و٥٧ ومن آية ٧٣. إلى غاية آية ٨٠ فمدنيّة وآياتها ١١١ نزلت بعد القصص بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَى الرَّحْمـ سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِغُرِيَكُمْ مِنْ ءَايَتِنَاْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿ وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِيّ إِسْرََّهِيلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ معنى سبحان تنزّه، وهو مصدر غير منصرف، وأسرى وسرى لغتان، وهو فعل غير متعدٍّ، واختار ابن عطية أن يكون أسرى هنا متعدّيًا أي أسرى الملائكة بعبده وهو بعيد، والعبد هنا هو نبيّنا محمد بنَله، وإنما وصفه بالعبودية تشريفًا له وتقريبًا ﴿لَيْلاً﴾ إن قيل: ما فائدة قوله ليلاً مع أن السرى هو السير بالليل؟ فالجواب: أنه أراد بقوله ليلاً بلفظ التنكير تقليل مدّة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل مسيرة أربعين ليلة، وذلك أبلغ في الأعجوبة ﴿مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا﴾ يعني بالمسجد. الحرام مسجد مكة المحيط بالكعبة، وقد رُوِيّ في الحديث أنه وَلِّ قال: ((بينما أنا نائم في الحجر إذ جاءني جبريل))، وقيل كان النبي 9َّ ليلة الإسراء في بيته، فالمسجد الحرام على هذا مكة أي بلد المسجد الحرام؛ وأما المسجد الأقصى فهو بيت المقدس الذي بإيلياء، وسمّي الأقصى لأنه لم يكن وراءه حينئذ مسجد، ويحتمل أن يريد بالأقصى الأبعد؛ فيكون =