Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ تفسير سورة الأعراف اَلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ (٥) لَهُم مِّن وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٤١ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍِ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الَّالِمِينَ الصَِّحَتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ (٤) وَنَزَعْنَامَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ تَجْرِى مِن تَحْنِمُ آلْأَنْهَرِّ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَلَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّ لِنَهْتَدِىَ لَوْلَاً أَنْ هَدَ نَا اللّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ٤٣ وَنَادَّ أَصْحَبُ الْجَنَّةٍ أَصْحَبَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبَّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمَّ فَضْلٍ﴾ أي لم يكن لكم علينا فضل في الإيمان والتقوى يوجب أن يكون عذابنا أشدّ من عذابكم بل نحن وأنتم سواء ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ من قول أُولاهم لأُخراهم أو من قول الله تعالى لجميعهم: ﴿لاَ تُفْتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: لا يصعد عملهم إلى السماء، والثاني لا يدخلون الجنة، فإن الجنة في السماء، والثالث لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا كما تفتح لأرواح المؤمنين ﴿حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الْخَيَاطِ﴾ أي حتى يدخل الجمل في ثقب الإبرة، والمعنى لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبدًا، فلا يدخلونها أبدًا ﴿مِهَادٌ﴾ فراش ﴿غَوَاشِ﴾ أغطية ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ جملة اعتراض بين المبتدأ والخبر ليبيّن أن ما يطلب من الأعمال الصالحة ما في الوسع والطاقة ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلّ﴾ أي مَن كان في صدره غلّ لأخيه في الدنيا ننزعه منه في الجنة وصاروا إخوانًا أحبابًا، وإنما قال نزعنا بلفظ الماضي وهو مستقبل لتحقّق وقوعه في المستقبل حتى عبّر عنه بما يعبّر عن الواقع، وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ وهي تقع في الآخرة كقوله: نادى أصحاب الجنة، ونادى أصحاب الأعراف، ونادى أصحاب النار، وغير ذلك ﴿هَدَانَا لِهَذَا﴾ إشارة إلى الجنة أو إلى ما أوجب من الإيمان والتقوى ﴿أن تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ وأن قد وجدنا، وأن لعنة وأن سلام: يحتمل أن يكون أن في كل واحدة منها مخفّفة من الثقيلة، فيكون فيها ضمير أو حرف عبارة وتفسير المعنى القول. ﴿مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ حذف مفعول وعد استغناء عنه بمفعول وعدنا أو لإطلاق الوعد فيتناول الثواب والعقاب ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي أعلم معلم وهو ملك ﴿وَبَيْتَهُمَا حِجَابٌ﴾ أي بين ٣٠٢ تفسير سورة الأعراف الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْنُونَهَ عِوَجَا وَهُم بِالْأَنِرَةِ ٤٤ فَاذْن مُؤَذِّنَ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَىَ الظَّالِمِينَ كَفِرُونَ (٤) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَفِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ وَنَادَوْ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَدُهُمْ نِلْقَآءُ أَصْحَبِ النَّارِ قَالُواْ رََّ لَا تَجْعَلْنَ مَعَ الْقَوْمِ لَمْ يَدْ خُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ اُلِّلِينَ ﴿َ وَنَادَ أَصَْبُ اَلْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَهُمْ قَالُواْ مَآ أَغْنَ عَنْكُمْ جَمْتُكُمْ وَمَا كُنِيُمْ ◌َ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ أَدْ خُلُواْ الْجَنَّةً لَا يَخَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَنْتُمُ ٤٨ تَسْتَكْبِرُونَ تَحْزَنُونَ (٨) وَنَادَىّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوَاْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ ◌ّ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًّا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الجنة والنار أو بين أصحابهما وهو أرجح لقوله: فضرب بينهم بسور ﴿الأَعْرَافِ﴾ قال اين عباس هو تِلّ بين الجنة والنار، وقيل سور الجنة ﴿رِجَالٌ﴾ هم أصحاب الأعراف ورد في الحديث أنهم قوم من بني آدم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة ولا النار، وقيل هم قوم خرجوا إلى الجهاد بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فمنعوا من الجنة لعصيان آبائهم، ونجوا من النار للشهادة ﴿يَعْرِفُونَ كُلاَّ بِسِيمَاهُمْ﴾ أي يعرفون أهل الجنة بعلامتهم من بياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بعلامتهم من سواد وجوههم، أو غير ذلك من العلامات ﴿وَنَادَوْا أَضْحَابَ الجَنَّةِ أَنْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي سلام أصحاب الأعراف على أهل الجنة ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُون﴾ أي أنّ أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون. في دخولها من بعد ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ الضمير لأصحاب الأعراف أي إذا رأوا أصحاب النار دعوا الله أن لا يجعلهم معهم ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً﴾ يعني من الكفّار الذين في النار، قالوا لهم ذلك على وجه التوبيخ ﴿جَمْعُكُمْ﴾ يحتمل أن يكون أراد جمعهم للمال أو كثرتهم ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي استكباركم على النار أو استكباركم على الرجوع إلى الحق، فما هاهنا مصدرية وما في قوله: ﴿مَا أَغْنَى﴾ استفهامية أو نافية ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ من كلام أصحاب الأعراف خطابًا لأهل النار والإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، وذلك أن الكفّار كانوا في الدنيا يقسمون أن الله لا يرحم المؤمنين ولا يعبأ بهم فظهر خلاف ما قالوا، وقيل هي من كلام الملائكة خطابًا لأهل النار، والإشارة بهؤلاء إلى أصحاب الأعراف ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ خطابًا لأهل الجنة إن كان من كلام أصحاب الأعراف تقديره قد قيل لهم ادخلوا الجنة، أو خطابًا لأهل الأعراف إن كان من كلام الملائكة ﴿أَن أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ المَاءِ﴾ دليل على أنّ الجنة فوق النار ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من سائر ٣٠٣ تفسير سورة الأعراف الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَنهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِعَايَئِنَا يَجْحَدُونَ (٩) وَلَقَدْ جِئْنَهُم بِكِنَبٍ فَصَلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ هُذِى وَرَحْمَةُ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةُُّ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوْ لَنَا أَوْنُرَدُ فَتَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَّرُونَ (٥٠) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى اٌلْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ بِأَمْرِهْ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ (٥٠) أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ :100) الأطعمة والأشربة ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ أي نتركهم ﴿كَمَا نَسُوا﴾ الكاف للتعليل ﴿وَمَا كَانُوا﴾ عطف على كما نسوا: أي لنسيانهم وجحودهم ﴿جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ﴾ يعني القرآن ﴿فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْم﴾ أي علمنا كيف نفصله ﴿إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ أي هل ينتظرون إلاّ عاقبة أمره، وما يؤول إليه أمره بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ أي قد تبيّن وظهر الآن أنّ الرسل جاؤوا بالحق ﴿اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ﴾ حيث وقع حمله قوم على ظاهره منهم ابن أبي زيد وغيره، وتأوّله قوم بمعنى قصد كقوله: ثم استوى إلى السماء، ولو كان كذلك لقال ثم استوى إلى العرش، وتأوّلها الأشعرية أنّ معنى استوى استولى بالملك والقدرة، والحق الإيمان به من غير تكييف، فإنّ السلامة في التسليم، ولله درّ مالك بن أنس في قوله للذي سأله عن ذلك: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عن هذا بدعة، وقد رُوِيَ مثل قول مالك عن أبي حنيفة، وجعفر الصادق، والحسن البصري، ولم يتكلم الصحابة ولا التابعون في معنى الاستواء، بل أمسكوا عنه، ولذلك قال مالك السؤال عنه بدعة ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي يلحق الليل بالنهار، ويحتمل الوجهين، هكذا قال الزمخشري، وأصل اللفظة من الغشاء أي يجعل أحدهم غشاء للآخر يغطيه فتغطّي ظلمة الليل ضوء النهار ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ أي سريعًا، والجملة في موضع الحال من الليل أي يطلب الليل النهار فيدركه ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ قيل الخلق المخلوقات والأمر مصدر أمر يأمر، وقيل الخلق مصدر خلق، والأمر واحد الأمور: كقوله إلى الله تصير الأمور، والكلّ صحيح ﴿تَبَارَكَ﴾ من البزكة، وهو فعل غير منصرف لم تنطق له العرب بمضارع ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ مصدر في موضع الحال وكذلك خوفًا وطمعًا، وخفية من الإخفاء، وقرىء خيفة من الخوف ﴿المُعْتَدِينَ﴾ المجاوزين للحدّ، وقيل هنا هو رفع الصوت بالدعاء والتشطّط فيه ٣٠٤ تفسير سورة الأعراف وَلَا تُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَاْ إِنَّ رَحْمَنَهَ اَللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ () وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَيِّهِ، حَقَّةٍ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ جمع الله الخوف والطمع ليكون العبد خائفًا راجيًا، كما قال الله تعالى: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] فإن موجب الخوف معرفة سطوة الله وشدّة عقابه، وموجب الرجاء معرفة رحمة الله وعظيم ثوابه، قال تعالى: ﴿نَبِىءَ عِبَادِيّ أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]، وأن عذابي هو العذاب الأليم ومَن عرف فضل الله .جاه ومَن عرف عذابه خافه ولذلك جاء في الحديث «لَو وزن خوف المؤمن ورجاؤه)». لاعتدلا إلاّ أنه يستحب أن يكون العبد طول عمره يغلب عليه الخوف ليقوده إلى فعل الطاعات وترك السيئات وأن يغلب عليه الرجاء عند حضور الموت لقوله وَلون ((لا يموتن أحدكم إلاّ وهو يُحسِن الظن بالله تعالى)) واعلم أن الخوف على ثلاث درجات: الأولى أن يكون ضعيفًا يخطر على القلب ولا يؤثر في الباطن ولا في الظاهر، فوجود هذا كالعدم والثانية أن يكون قويًا فيوقظ العبد من الغفلة ويحمله على الاستقامة، والثالثة أن يشتدّ حتى يبلغ إلى القنوط واليأس وهذا لا يجوز، وخير الأمور أوسطها، والناس في الخوف على ثلاث مقامات: فخوف العامّة من الذنوب، وخوف الخاصّة من الخاتمة، وخوف خاصّة الخاصّة من السابقة، فإن الخاتمة مبنيّة عليها، والرجاء على ثلاث درجات: الأولى رجاء رحمة الله مع التسبّب فيها بفعل طاعة وترك معصية فهذا هو الرجاء المحمود والثانية الرجاء مع التفريط والعصيان فهذا غرور، والثالثة أن يقوي الرجاء حتى يبلغ الأمن، فهذا حرام، والناس في الرجاء على ثلاث مقامات: فمقام العامّة رجاء ثواب الله، ومقام الخاصّة رجاء رضوان الله، ومقام خاصّة الخاصّة رجاء لقاء الله حبًّا فيه وشوقًا إليه ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِبِيْه مِّنَ المُحسِنِينَ﴾ حذفت تاء التأنيث من قريب وهو خبر عن الرحمة على تأويل الرجمة بالرحم أو الترحّم أو العفو أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي أو لأنه صفة موصوف محذوف وتقديره شيء قريب أو على تقدير النسب أي ذات قرب، وقيل قريب هنا ليس خبر عن الرحمة إنما هو ظرف لها ﴿الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ قرىء الرياح بالجمع لأنها رياح المطر، وقد اضطرد في القرآن جمعها إذا كانت المرحمة، وإفرادها إذا كانت للعذاب، ومنه ورد في الحديث ((اللّهمَّ اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا)) وقرىء بالإفراد، والمراد الجنس وقرىء نشرًا بفتح النون وإسكان الشين، وهو على هذا مصدر في موضع الحال، وقرى ء ايضافتها وهو جميع نشر، وقيل جمع منشور، وقرىء بضم النون وإسكان الشين وهوا تخفيفا من : ٣٠٥ تفسير سورة الأعراف ثِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَزَتِ كَذَلِكَ تُحِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الْثَا وَالْبَلَدُ الَِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبٍِّ، وَاَلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلَّا نَكِدَّأَ كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٠َ: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ: إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ: إِنَّا لَفَرَكَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِىِ ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّ رَسُولٌ مِّن رَبِّ الْعَلَمِينَ جَ أَبَلِّمُكُمْ رِسَلَتِ رَبٍِ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ (١) أَوَ عَبْتُمْ أَنْ جَاءَ كُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِنَنَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٤) فَكَذَّبُوهُ فَأَنَجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِىِ اُلْفُلْكِ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُ هُودَّا قَالَ (٦٤ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَاْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا عَمِينَ الضم: كرسل ورسل، وقرىء بالباء في موضع النون وهو من البشارة ﴿بَيْنَ بَدَيْ رَحمَتِهِ﴾ أي قبل المطر ﴿أَقَلَّتْ﴾ حملت ﴿سَحَابَا ثِقَالاً﴾ لأنها تحمل الماء فتثقل به ﴿سُقْنَاهُ﴾ الضمير للسحاب ﴿لِبَلَدٍ مِّيَّتٍ﴾ يعني لإنبات فيه من شدّة القحط، وكذلك معناه حيث وقع ﴿فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ الضمير للسحاب أو البلد، على أن تكون الباء ظرفية ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى﴾ تمثيل لإخراج الموتى من القبور بإخراج الزرع من الأرض، وقد وقع ذلك في القرآن في مواضع منها: كذلك النشور، وكذلك الخروج ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ هو الكريم من الأرض الجيد التراب ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ بخلاف ذلك كالسّبخة ونحوها ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ عبارة عن السهولة والطيب. والنكد بخلاف ذلك، فيحتمل أن يكون المراد مال يقتضيه ظاهر اللفظ فتكون متمّمة للمعنى الذي قبلها في المطر، أو تكون تمثيلاً للقلوب، فقيل على هذا الطيب. قلب المؤمن، والخبيث: قلب الكافر وقيل هما للفهيم والبليد ﴿مِّنْ إِلهِ غَيْرُهُ﴾ قرأ الكسائي بالخفض حيث وقع على اللفظ، وقرأ غيره بالرفع على الموضع ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمِ﴾ يعني يوم القيامة أو يوم هلاكهم ﴿المَلأ﴾ أشراف الناس ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ إنما قَال ضلّالة ولم يقل ضلال، لأن الضلالة أخصّ من الضلال، كما إذا قيل لك عندك تمر، فتقول ما عندي تمرة فتعمّ بالنفي ﴿أَبَلِّئُكُمْ﴾ قرىء بالتشديد والتخفيف، والمعنى واحد، وهو في موضع رفع صفة لرسول أو استئناف ﴿أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي من صفاته ورحمته وعذابه ﴿أَوَ عَجِبْتُمْ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، كأنه قال أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم: أي على لسان رجل منكم ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ متعلق بمعه والتقدير استقرّوا معه في الفلك ويحتمل أن يتعلق بأنجيناه ﴿عَمِينَ﴾ التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ ٢٠٢ ٣٠٦ تفسير سورة الأعراف قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، إِنَّا ٦٥ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلَا تَتَّقُونَ قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّ لَغَرَئِكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِبِينَ ◌َ أَبْلِغُكُمْ رِسَلَاتِ رَبِ وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِعُ أَمِينُّ (١٦) أَوَ عَمْتُمْ أَنْ جَّكُمْ ٦٧ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ ثُلَفَآءُ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوح ◌َ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَعْبُدَ اللَّهَ ٦٩ وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْعَةٌ فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ الَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأَئِنَاءِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (*) ◌َلَ قَدْ وَقَعَ عَلَيَّكُمْ مِّن رَبِّكُمْ رِجْسُ وَغَضَبٌ أَتُجَدِلُونَنِ فِي أَسْتَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَلْتُمْ وَءَابَأَؤُّكُمْ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَأَنْتَظِرُواْ إِ مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ (* فَأَهَّنَةُ أ وَإِلَى ٧٢ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَغِنَّاً وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ! ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحَاْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُم جمع أعمى وهو من عمى القلب ﴿أَخَاهُمْ﴾ أي واحد من قبيلتهم، وهو عطف على نوحًا، وهودا بدل منه أو عطف بيان، وكذلك أخاهم صالحًا وما بعده، وما هو مثله حيث وقع ﴿المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قيّد هنا بالكفر لأن في الملأ من قوم هود من آمن وهو مرثد بن سعيد، بخلاف قوم نوح، فإنهم لم يكن فيهم مؤمن، فأطلق لفظ العلا: ﴿أَمِينٌ﴾ يحتمل أن يريد أمانته على الوحي أو أنهم قد كانوا عرفوه بالأمانة والصدق ﴿خُلَقَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوعٍ﴾ أي خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكًا ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِّ بَسْطَةً﴾ كانوا عِظام الأجسام فكان أقصرهم ستّون ذراعًا، وأطولهم مائة ذراع ﴿آلاء اللَّهِ﴾ نعمه حيث وقع ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ استبعدوا توحيد الله مع اعترافهم بربوبيته، ولذلك قال لهم هود ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم﴾ أي قد حقّ عليكم ووجب عذاب من ربكم وغضب ﴿أَتْجَاهِلُونَتِي فِي أَسْمَاءَ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ يعني الأصنام: أي تجادلونني في عبادة مُسَمّيات أسماء، ففي الكلام حذف، وأراد بقوله سميتموها أنتم وآباؤكم جعلتم لها أسماء، فدلّ ذلك على أنها محدثة)» فلا يصح أن تكون آلهة، أو سمّيتموها آلهة من غير دليل على أنها آلهة فقولكم باطل؛: فالجدال على القول الأول في عبادتها، وعلى القول الثاني في تسميتها آلهة، والمزاد بالأسماء على القول الأول: المسمى، وعلى القول الثاني: التسمية (دَابِرَ﴾ ذكر في الأنعام ﴿بَيَّةٌ مِّن رَّبَّكُمْ﴾ أي آية ظاهرة وهي الناقة، وأضيفت إلى الله تشريفًا لها، أو لأنه خلقها من ٣٠٧ تفسير سورة الأعراف بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (﴿ وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَمَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى اُلْأَرْضِ تَنَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِئُونَ الْجِبَالَ بُونَّا فَأَذْ كُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ وَلَا قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ ٧٤ نَعْثَوْاْ فِ اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَلِحًا مُرْسَلٌ مِن زَيِِّ، قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ (٣) قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوَاْ إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ ﴾فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْ عَنْ أَمْيِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ٧٧ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ ﴿ فَتَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ جَ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأْتُونَ ٧٩ رِسَالَةَ رَبٍِ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ غير فحل، وكانوا قد اقترحوا على صالح عليه السلام أن يخرجها لهم من صخرة، وعاهدوه أن يؤمنوا به إن فعل ذلك، فانشقّت الصخرة وخرجت منها الناقة وهم ينظرون، ثم نتجت ولدًا فآمن به قوم منهم وكفر به آخرون ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ أي معجزة تدلّ على صحّة نبوّة صالح، والمجرور في موضع الحال من آية، لأنه لو تأخر لكان صفة ﴿وَلاَ تَمَسُوهَا بِسُوءٍ﴾ أي لا تضربوها ولا تطردوها ﴿وَبَؤَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ كانت أرضهم بين الشام والحجاز، وقد دخلها رسول الله وَ﴿ وأصحابه، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلاّ وأنتم باكون، مخافة أن يصيبكم مثل الذي أصابهم)) ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي تبنون قصورًا في الأرض البسيطة ﴿وَتَتْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتًا﴾ أي تتخذون بيوتًا في الجبال، وكانوا يسكنون القصور في الصيف، والجبال في الشتاء، وانتصب بيوتًا على الحال وهو كقولك: خِطْتُ هذا الثوب قميصًا ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من الذين استضعفوا ﴿إنَّا بِالَّذِي آمَنْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ إنما لم يقولوا إنّا بما أُرسِلَ به كما قال الآخرون لئلا يكون اعترافًا برسالته ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ نسب العقر إلى جميعهم لأنهم رضوا به، وإن لم يفعله إلاّ واحد منهم وهو الأحيمر ﴿الرَّجْفَةُ﴾ الصيحة حيث وقعت، وذلك أن الله أمر جبريل فصاح صيحة بين السماء والأرض فماتوا منها ﴿جَاثِمِينَ﴾ حيث وقع أي قاعدين لا يتحركون ﴿فَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ الآية: يحتمل أن يكون تولّيه عنهم وقوله لهم حين عقروا الناقة قبل نزول العذاب بهم، لأنه رُوِيّ أنه خرج حينئذ من بين أظهرهم، أو أن يكون ذلك بعد أن هلكوا، وهو ظاهر الآية، وعلى هذا خاطبهم بعد موتهم على وجه التفجّع عليهم، وقوله: ﴿لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾: ٣٠٨. تفسير سورة الأعراف اَلْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةٌ مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ لِلَا وَمَا كَانَ جَوَابَبَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوهُم ◌ِن فَأَنْجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ, كَانَتْ مِنَ الْغَيِينَ ٨٢ قَرْيَتِكُمٌ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِنَ الْلَةِإِلَى مَذْيَنَ أَخَّهُمْ شُعَيْبَّا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَإٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْحِكُمْ بَيِنَةٌ مِن تَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ اَلْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا نُفْسِدُ وافِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ اللَّ وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلِ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَنْغُونَهَا عِوَجَاً وَأَذْ كُرُوَاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَتََّكُمْ وَأَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨) وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ بِنكُمْءَامَنُواْ بِالَّذِىَّ أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطَآئِفَةٌ لَمْيُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمُ حكاية حال ماضية ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ العامل في إذ أرسلنا المضمر، أو يكون بدلاً من لوط ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ﴾ أي لم يفعلها أحد من العالمين قيلكم، ومن الأولى زائدة، والثانية للتبعيض أو للجنس ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ الآية: أي أنهم عدلوا عن جوابه على كلامه إلى الأمر بإخراجه وإخراج أهلهِ ﴿أَنَاسٌ يَتَطَّهَّرُونَ﴾ أي يتنزهون عِن الفاحشة ﴿مِنَ الغَابِرِينَ﴾ أي من الهالكين، وقيلٍ من الذين غيروا في ديارهم فهلكوا، أو من الباقين من أترابها يقال غبر بمعنى مضى، ويمعنى بقي، وإنما قال من الغابرين يجمع المذكّر تغليبًا للرجال الغابرين ﴿وَأَمْطَزْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾ يعني الحجارة أُصِيب بها مَن كان منهم خارجًا عن بلادهم، وقلبت البلاد بمَن كان فيها ﴿بَيْنَةٌ مِّن رَّبَّكُمْ﴾ أي آية ظاهرةٍ،، ولم تعين في القرآن آية شعيب ﴿فَأَوْفُوا الكَيْلَ والمِيزَانَ﴾ كانوا ينقصون في الكيل والوزن، فبعث شعيب ينهاهم عن ذلك، والكيل هنا بمعنى المكيال الذي يُكال به مناسية للميزان كما جاء في هود المكيال والميزان، ويجوز أن يكون الكيل والميزان مصدرين ﴿وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلٌ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ قيل هي هو نهي عن السلب وقطع الطريق، وكان ذلك من فعلهم وكانوا يقعدون على الطريق يردّونِ الناس عن اتّباع شعيب ويوعدونهم إن اتّبعوهِ ﴿وَتَصُدُّونَ﴾ أي تمنعون الناس عن سبيل الله وهو الإيمان، والضمير في به للصراط أو لله ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾. ذكر في آل عمران. ٣٠٩ تفسير سورة الأعراف ﴿ ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَتُخْرِجَنَّكَ يَشُعَيْبُ اَللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَتِنَا قَالَ أَوْلَوْ كُنَّا كَِهِينَ ◌ِذَ قَدِ أَفْتَرَيِّنَا عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّيِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَّنَ اَللَّهُ مِنْهَاْ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَّعُودَ فِيهَا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبَّنَاْ وَسِعَ رَبُّنَا وَقَالَ الَلَاأُ ٨٩ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًاً عَلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَأْ رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ! الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَيِنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ خَشِمِينَ ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ سُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَاَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ (٧) فَنَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ أي ليكوننّ أحد الأمرين: إما إخراجهم، أو عودهم إلى مِلّة الكفر، فإن قيل: إن العود إلى الشيء يقتضي أنه قد كان فعل قبل ذلك فيقتضي قولهم لتعودنَ في مّتنا أن شعيبًا ومَن كان معه كانوا أولاً على ملّة قومهم، ثم خرجوا منها فطلب قومهم أن يعودوا إليها وذلك مُحال، فإن الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوّة وبعدها فالجواب من وجهين: أحدهما قاله ابن عطية وهو أن عاد قد تكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدّم ذلك الحال الذي صار إليه، والثاني قاله الزمخشري وهو أن المراد بذلك الذين آمنوا بشعيب دون شعيب، وإنما أدخلوه في الخطاب معهم بذلك كما أدخلوه في الخطاب معهم في قولهم: لنخرجَنَّك يا شعيب والذين آمنوا معك، فغلبوا في الخطاب بالعود الجماعة على الواحد، وبمثل ذلك يُجاب عن قوله إن عدنا في ملّتكم، وما يكون لنا أن نعود فيها ﴿قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ الهمزة للاستفهام والإنكار، والواو للحال، تقديره: أنعود في مِلْتكم ويكون لنا أن نعود فيها ونحن كارهون ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُذْنَا فِي مِلْتِكُم﴾ أي إن عدنا فيها فقد وقعنا في أمر عظيم من الافتراء على الله، وذلك تبرأ من العود فيها ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ هذا استسلام لقضاء الله على وجه التأذّب مع الله وإسناد الأمور إليه، وذلك أنه لمّا تبرأ من مِلّتهم: أخبر أن الله يحكم عليهم بما يشاء من عود وتركه، فإن القلوب بيده يقلّبها كيف يشاء، فإن قلت: إن ذلك يصحّ في حق قومه وأما في حق نفسه فلا فإنه معصوم من الكفر، فالجواب: أنه قال ذلك تواضعًا وتأذبًا مع الله تعالى واستسلامًا لأمره كقول نبيّنا وَلّ: ((يا مقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك)) مع أنه قد علم أنه يثبته. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْتَنَا﴾ أي احكم ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي كأن لم يقيموا في ديارهم ﴿فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْم كَافِرِينَ﴾ أي كيف أحزن عليهم وقد ٣١٠ تفسير سورة الأعراف ... ◌َوَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ ٩٣ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ ◌َ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْمَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَسَبَ ءَا بَلَنَا الضَّرَآءُ ٩٤ لَعَلَّهُمْ يَضََّّعُونَ (! وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم ٩٥ وَالسََّّءُ فَخَذْفَهُمْ بَغْئَةُ وَهُمْ لَا يَشْعُونَ بَرَكَتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٥) أَفَأَ مِنَ أَهْلُ اَلْقُرَ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيْتًّا وَهُمْ نَآَيِعُونَ ﴿ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمِ بَأْسُنَاضُحَى وَهُمْ أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ (٥) أَوَلَمْ يَهْدِ يَلْعَبُونَ (ِّ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَهُم بِذُنُوبِهِذَّ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ◌َ تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيَّكَ مِنْ أَنْبَابِهَا وَلَقَدْ جَآءَتُهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللّهُ عَلَى قُلُوبٍ أَلْكَفِرِينَ الإِ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى وَجَدّنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَ إِن وَجَدْنَا أَكْتَرَهُمْ لَفَسِقِينَ وَقَالَ ١٠ بِثَايَئِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ، فَظَلَمُواْ بِهَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ٢٠َ حَقِيقُ عَلَى أَنْ لَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّ الْحَقَّ قَدْ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِنِّ رَسُولٌ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ استحقّوا ما أصابهم من العذاب بكفرهم ﴿بالْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ﴾ قد تقدّم ﴿بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيْئَةِ الحَسَنَةَ﴾ أي أبدلنا البأساء والضرّاء بالنعيم اختبارًا لهم في الحالتين ﴿حَتَى عَفَوْا﴾ أي كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم ﴿قَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ والسّرّاءُ﴾ أي قد جرى ذلك لآبائنا. ولم يضرّهم فهو بالاتفاق لا بقصد الاختبار ﴿بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ﴾ أي بالمطر والزرع ﴿أَوَ أَمِنَ﴾ مَن قرأ بإسكان الواو فهي أو العاطفة، ومَن قرأ بفتحها فهي واو العطف دخلت عليها همزة التوبيخ كما دخلت على الفاء في قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾: أي استدراجه وأخذه للعبد من حيث لا يشعر ﴿أَوَ لَمْ يَهْدٍ﴾ أي أو لم يتبين ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ﴾ أي يسكنوها ﴿أَن لَّوْ نَشَاءُ﴾ هو فاعل أو لم يهد، ومقصود الآية الوعيد ﴿وَتَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ عطف على أصيناهم لأنه في معنى المستقبل، أو منقطع على معنى الوعيد وأجاز الزمخشري أن يكون عطفًا على يرثون الأرض أو على ما دلّ عليه معنى أو لم يهد كأنه قال يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ الضمير لأهل القرى والمعنى وجدناهم ناقضين للعهود ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ مَن قرأ عليّ بالتشديد على أنها ياء المتكلم فالبمعنى ظاهر، وهو أن موسى قال حقيق عليه. / ٣١١ تفسير سورة الأعراف قَالَ إِن كُنْتَ جِئْتَ بِثَايَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن (١٠٥) جِئْنُكُمْ بِيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِيّ إِسْرَّهَيَلَ ٠٠٠ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ () فَأَلَّقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ لِلنَّظِرِينَ لَّ قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَحِّ عَلِيمٌ (٢) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٨) قَالُواْ أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِ اٌلْمَدَآيِنِ حَشِرِينَ (١) يَأْتُوَكَ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ (٦ وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ (١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ أن لا يقول على الله إلاّ الحق، وموضع أن لا أقول على هذا رفع، على أنه خبر حقيق، وحقيق مبتدأ أو بالعكس ومَن قرأ على بالتخفيف فموضع أن لا أقول خفض بحرف الجر، وحقيق صفة لرسول، وفي المعنى على هذا وجهان، أحدهما أن على بمعنى الباء فمعنى الكلام رسول حقيق بأن لا أقول على الله إلاّ الحق، والثاني أن معنى حقيق حريص ولذلك تعدّى بعلى ﴿قَدْ جِثْتُكُم بِبَيْنَةٍ مِن رَّبَّكُمْ﴾ أي بمعجزة تدل على صدقي وهي العصا أو جنس المعجزات ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي خلّهم يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة موطن آبائهم، وذلك أنه لمّا توفّي يوسف عليه السلام غلب فرعون على بني إسرائيل واستعبدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عامًا ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ وكان موسى عليه السلام شديد الأدمة فأظهر يده لفرعون ثم أدخلها في جيبه، ثم أخرجها وهي بيضاء شديدة البياض كاللبن أو أشدّ بياضًا وقيل إنها كانت منيرة شفّافة كالشمس، وكانت ترجع بعد ذلك إلى لون بدنه ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ مبالغة في وصف يده بالبياض وكان الناس يجتمعون للنظر إليها، والتعجّب منها ﴿قَالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ حُكِيَ هذا الكلام هنا عن الملأ وفي الشعراء عن فرعون، كأنه قاله هو وهم، أو قاله هو ووافقوه عليه كعادة جلساء الملوك في اتّباعهم لما يقول الملك ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي يخرجكم منها بالقتال أو بالحِيَل، وقيل المراد إخراج بني إسرائيل وكانوا خدّامًا لهم فتخرب الأرض بخروج الخدّام والعمّار منها ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ من قول الملأ أو من قول فرعون وهو من معنى المؤامرة أي المشاورة أو الأمر وهو ضدّ النّهي ﴿أرْجِهْ﴾ مَن قرأه بالهمزة فهو من أرجأت الرجل إذا أخّرته فمعناه أخّرهما حتى ننظر في أمرهما، وقيل المراد بالإرجاء هنا السجن، ومَن قرأ بغير همز فتحتمل أن تكون بمعنى المهموز وسهلت الهمزة، أو يكون بمعنى الرجاء أي أطمعه، وأما ضمّ الهاء وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلعلّه أجرى فيها الوصل مجرى الوقف ﴿حَاشِرِينَ﴾ يعني الشرطة أي جامعين للسَّحَرَة ﴿وَجَاءَ السَّحْرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ قيل هنا ٣١٢ تفسير سورة الأعراف اٌلْمُقَرَّبِينَ (٤) قَالُواْ يَمُوسَىَّ إِمَّآ أَنْ تُلْقِىَ وَإِقَّا أَنْ تَكُونَ نَحْنُ الْمُلْفِينَ فَ قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَخَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَةُ وَ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١) ﴾ وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَلْقِ (١٠َّ فَخُلِبُواْ هُنَا لِكَ وَأَنْقَبُواْ عَصَاَكٌ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ صَغِرِينَ () وَأَلْفِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ (١) قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (ْ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ لَِّ قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُمْ بِهِ، قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا ١٢٤ تَعْلَمُونَ ﴿َا لَأَقْطِعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَفٍ ثُمَّ لَأُصَلِبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ! وَمَا تَنِقِمُ مِنَّا إِلََّ أَنْ ءَامَنَا بِثَّايَّتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صِّبْرًا وَتَوَفَّناً ١٢٥ مُْقَلِبُونَ حَ وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُ واْ فِ اُلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَ الِهِنَّكُ ١٢٦ مُسْلِمِينَ ؟ محذوف يدلّ عليه سياق الكلام وهو أنه بعث إلى السَّحَرَةِ ﴿إِنَّ لَنَا لِأَخْرَا﴾ مَقَ قرأه بهمزتين فهو استفهام ومَن قرأه بهمزة واحدة فيحتمل أن يكون خبرًا أو استفهامًا حذفت منه الهمزة،! والأجْر هنا: الأجرة، طلبوها من فرعون إن غلبوا موسى، فأنعم لهم، فرعون بها وزادهم التقريب منه والجاه عنده ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عطف على معنى نعم كأنه قال تعطيكم أجْرًا ونقرّبكم، واختلف في عدد السَّحَرَة اختلافًا متباينًا من سبعين رجلاً إلى سبعين ألفًا وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل ﴿إِنَّا أن تُلْقِيَ وَإِمَّا أن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ خێروا موسى بين أن يبدأ بالإلقاء أو يبدؤاهم بإلقاء سحرهم فأمرهم أن يلقوا، وانظر كيف عبروا عن إلقاء موسى بالفعل، وعن إلقاء أنفسهم بالجملة الاسمية، إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكّنون فيه ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر: ﴿أَنْ أَلْقٍ عَصَالَ﴾ فلما ألقاها صارت ثعبانًا عظيمًا على قدر الحبل وقيل إنه طال حتى جاوز الفيل ﴿تَلْقَفُ﴾ أي تبتلع ﴿مَا يَأْفِكُون﴾ أي ما صوّروا من إفكهم وكذبهم ورُوِيّ أن الثعبان، أكل ملء الوادي من حبالهم وعصيهم ومدّ موسى يده إليه فصار عَصًا كما كان، فعلم السَّحَرة أن ذلك ليسل من السّحر، وليس في قدرة البشر، فآمنوا بالله وبموسى عليه السلام ﴿لأقُطْعَنَّ أَيِّدِيَكُمْ﴾ الآية: وعيد من فرعون للسَّحَرَة وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك لكن رُوِيّ أنه أنفذه عن ابن عباس وغيره، وقد ذكر معثّى من خلاف في العقود ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ أي لا نبالتي بالموت لانقلابتا: إلى ربّنا ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إلاَّ أَنْ آمَنَا﴾ أي ما تعيب منا إلاّ إيماننا ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ﴾ أي يخربوا مُلْك فرعون وقومه ويخالفوا دينه ﴿ويَذَرَكَ﴾ معطوف على ليفسدوا، أو منصوب بإضمار أن بعد الواو ﴿وَآلِهْتَكَ﴾ قيل إن فرعون كان قد جعل للناش ٣١٣ تفسير سورة الأعراف ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ (١٢٧) قَالَ سَنُقَئِّلُ أَبْنَاءَ هُمْ وَنَسْتَحِى نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَِهِرُونَ وَأَصْبِرُوَأْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١) قَالُواْ أُوْذِينَا مِن قَبْلٍ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَأَ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (٢) وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالْسِنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٨٠) فَإِذَا جَاءَ تْهُمُ الْحَسَنَّةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ ١٣ سَيِّئَةٌ يَطَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن ◌َّعَةٌ أَلَا إِنَّمَا طَيِرُهُمْ عِندَ الَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَفَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ () فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْتُوفَانَ أصنامًا يعبدونها وجعل نفسه الإله الأكبر فلذلك قال: ﴿أنا رَبِّكُم الأعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، فآلهتك على هذا هي تلك الأصنام، وقرأ عليّ بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وإلهتك: أي عبادتك والتذلّل لك ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ﴾ تعليل للصبر ولذا أمرهم به يعني أرض الدنيا هنا وفي قوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ وقيل يعني أرض فرعون فأشار لهم موسى أولاً بالنصر في قوله يورثها مَن يشاء من عباده، ثم صرّح في قوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ الآية ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ حض على الاستقامة والطاعة بالسنين أي الجدب والقحط ﴿فإذَا جَاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ﴾ الآية: إذا جاءهم الخصب والرخاء قالوا هذه لنا وبسعدنا، ونحن مستحقون له وإذا جاءهم الجدب والشدّة تطيّروا بموسى: أي قالوا هذه بشؤمه، فإن قيل لِمَ قال إذا جاءتهم الحسنة بإذا وتعريف الحسنة وإن تصبهم سيئة بإن وتنكير السيئة، فالجواب أن وقوع الحسنة كثير، والسيئة وقوعها نادر فعرّف الكثير الوقوع باللام التي للعهد، وذكره بإذا لأنها تقتضي التحقيق وذكر السيئة بإن لأنها تقتضي الشك ونكرها للتعليل ﴿أَلاَ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ أي إنما حظّهم ونصيبهم الذي قدّر لهم من الخير والشرّ عند الله، وهو مأخوذ من زجر الطير ثم سمّى به ما يصيب الإنسان ومقصود الآية الردّ عليهم فيما نسبوا إلى موسى من الشؤم. مهما هي ما الشرطية ضمّت إليها ما الزائدة نحو أينما، ثم قلبت الألف هاء، وقيل هي اسم بسيط غير مركب. والضمير في به يعود على مهما، وإنما قالوا من آية على تسمية موسى لها آية، أو على وجه التهكّم ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُوفَانَ﴾ رُوِيَ أنه كان مطرًا شديدًا دائمًا مع فيض النيل حتى هدم بيوتهم، وكادوا يهلكون وامتنعوا من الزراعة وقيل هو الطاعون ﴿والجَرَادَ﴾ هو المعروف أكل زروعهم وثمارهم حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم ﴿والقُمَّلَ﴾ قيل هي صغار ٣١٤ تفسير سورة الأعراف وَالْجَرَادَ وَالْقُعَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِنَ ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِيَدَ عِندَكَ لَبِنْ كَشَفْتَ عَنَّا أَلْرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىّ إِسْرَِّيَ (٦) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٦َ فَانَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِ أَلْيَمِّ ◌ِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَدِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ ١٣٠ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَكْنَا فِهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَ بَنِيّ إِسْرَِّ يلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانٍَ يَصْبَعُ فِرْعَوْبُ وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَاْ عَلَى قَوْمٍ يَعَّكُفُونَ عَلَى ١٣١ وَقَوْمُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا كَمَالَهُمْءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ قَالَ أَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٣٩ مُتَبٌِّ مَّاهُمْ فِيهِ وَتَطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ! الجراد، وقيل البراغيث، وقيل السوس، وقرىء القمل بفتح القاف والتخفيف، فهي على هذا القمل المعروف، وكانت تتعلق بلحومهم وشعورهم ﴿والضَّفَادِعَ﴾ هي المعروفة كثرتِ عندهم حتى امتلأت بها فرشهم وأوانيهم وإذا تكلم أحدهم وثبت الضفدع إلى فمه ﴿والدَّمَ﴾ صارت مياههم دمًا فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد فيخرج ما يلي القبطي دمًا، وما يلي الإسرائيلي ماء ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أي العذاب وهي الأشياء المتقدمة وكانوا مهما نزل بهم أمر منها عاهدوا موسى على أن يؤمنوا به إن كشفه عنهم، فلما كشفه عنهم نقضوا العهد وتمادوا على كفرهم ﴿پما عهد عندك﴾ بدعائك إليه ووسائلك، والباء تحتمل أن تكون للقسم وجوابه لنؤمننّ لك أو يتعلق بادع لنا أي توسل إليه بما عهد عندك ﴿فِي الْيَمْ﴾ البحر حيث وقع ﴿القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُبْتَضْعَفُون﴾ هم بنو إسرائيل ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا﴾ الشام ومصر ﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أي بالخصب وكثرة الأرزاق ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي تمّت لهم واستقرت، والكلمة هنا ما قضى لهم في الأزل، وقيل هي قوله: ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ أي يبنون، وقيل هي الكروم وشبهها فهو على الأول من العرش وعلى الثاني من العريش ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إلهًا﴾ أي اجعل لنا صنمًا نعيده كما يعبد هؤلاء أصنامهم ولما تمّ خبر موسى مع فرعون ابتدأ خبره مع بني إسرائيل منهنا إلى قوله وإذ نتقنا الجبل ﴿مُتَبَّرْ﴾ من التبار وهو الهلاك ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وِما ٣١٥ تفسير سورة الأعراف ٢) وَإِذْأَنَجَيْنَكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوْءَ الْعَذَابٍ يُقَطِّلُونَ أَبْنَاءَ كُمْ ١٤٠ اُلْعَلَمِينَ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمْ وَفِ ذَلِكُمْ بَلَهٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (19) ﴾ وَوَ عَدْنَا مُوسَى تَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ هَرُونَ آَخْلُفِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (*) وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَدِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ آرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَنِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أَسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَكِنِيَّ فَلَمَّا تَّجَلَّى بعده مذكور في البقرة ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَئِينَ لَيْلَةً﴾ رُوِيَ أن الثلاثين هي شهر ذي القعدة والعشر بعدها هي العشر الأول من ذي الحجة، وذلك تفصيل الأربعين المذكورة في البقرة ﴿مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ أي ما وقت له من الوقت لمناجاته في الطور ﴿الخْلُفْنِي﴾ أي كن خليفتي على بني إسرائيل مدة مغيبي ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي﴾ لما سمع موسى كلام الله طمع في رؤيته، فسألها كما قال الشاعر : وأفرح ما يكون الشوق يومًا إذا دنت الديار من الديار واستدلت الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزة عقلاً، وأنها لو كانت مُحالاً لم يسألها موسى، فإن الأنبياء عليهم السلام يعلمون ما يجوز على الله وما يستحيل، وتأوّل الزمخشري طلب موسى للرؤية بوجهين: أحدهما أنه إنما سأل ذلك تبكيتًا لمَن خرج معه من بني إسرائيل الذين طلبوا الرؤية فقالوا أرِنَا الله جهرة؛ فقال موسى ذلك ليسمعوا الجواب بالمنع فيتأوّلوا، والآخر أن معنى أرِني أنظر إليك: عرّفني نفسك تعريفًا واضحًا جليًّا وكِلا الوجهين بعيد، والثاني أبعد وأضعف، فإنه لو لم يكن المراد الرؤية لم يقل له انظر إلى الجبل الآية ﴿قَالَ لَن تَرَانِي﴾ قال مجاهد وغيره إن الله قال لموسى لن تراني، لأنك لا تطيق ذلك ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشدّ، فإن استقرّ وأطاق الصبر لهيبتي أمكن أن تراني أنت، وإن لم يطق الجبل فأحرى ألاّ تطيق أنت، فعلى هذا إنما جعل الله الجبل مثالاً لموسى، وقال قوم المعنى سأتجلى لك على الجبل وهذا ضعيف يبطله قوله فلما تجلّى ربّه للجبل فإذا تقرّر هذا، فقوله تعالى لن تراني نفي للرؤية، وليس فيه دليل على أنها مُحال، فإنه إنما جعل علّة النفي عدم إطاقة موسى الرؤية لاستحالتها، ولو كانت الرؤية مستحيلة، لكان في الجواب زجر وإغلاظ كما قال الله لنوح فلا تسألنّ ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين، فهذا المنع من رؤية الله إنما هو في الدنيا لضعف البنية البشرية عن ذلك، وأما في الآخرة، فقد صرّح بوقوع الرؤية كتاب الله وسُنّة رسوله وَّ فلا ٣١٦ تفسير سورة الأعراف: رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَمُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَنَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَتَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ (١) قَالَ يَمُوسَىّ إِنّى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِى وَبِكَسٍِ فَخُذْمَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِنَ الشَّكِرِينَ الِّ وَسَكَتَبْنَاء ◌َهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَوْعِظَةُ وَتَفْضِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُؤْرِكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١َسَلَّمِْفُ عَنْ عَلَيَِىُّ الَّذِّ يَتَكَبَّرُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا قَإِنِ يَرَوْاْ سَبِلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْسَبِيلَ الْغَّ يَتَّخِذُوهُ سَكِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا ينكرها إلاّ مبتدع، وبين أهل السُّنّة والمعتزلة في مسألة الرؤية تنازع طويل، وفي هذه القصة قصص كثيرة تركتها لعدم صحتها، ولما فيه من الأقوال الفاسدة ﴿جَعَلَهُ دَكًا﴾ أي مدخوى فهو مصدر بمعنى مفعول كقولك ضربت الأمير، والدك والدق: أخوان، وهو التفتت، وقرىء دكاء بالمدّ والهمز أي أرضا دكًا وقيل ذهب أعلى الجبل وبقي أكثره، وقيل ثفتّت حتى صارا غيارًا، وقيل ساخ في الأرض وأفضى إلى البحر ﴿وخرّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي مغشيًا عليه ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ معناه تبت من سؤال الرؤية في الدنيا وأنا لا أطيقها ﴿وَأَنَا أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ أي أول قومه أو أهل زمانه، أو على وجه المبالغة في السبق إلى الإيمان. ﴿اضْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وبِكَلاَمِي﴾ هو عموم يراد به الخصوص، فإن جميع الرسل قد شاركوه في الرسالة، واختلف هل كلّم الله غيره من الرسل أم لا، والصحيح أنه كلْم نبينا محمدًا صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم ليلة الإسراء ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ تأديبًا أي اقنع بما أعطيتك من رسالتي وكلامي ولا تطلب غير ذلك ﴿وَكَتَبْتَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ﴾ أي ألواح التوراة وكانت سبعة، وقيل عشرة وقيل اثنان وقيل كانت من زمرّدة وقيل من ياقوتُ، وقيل من خشب ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ عموم يراد به الخصوص فيما يحتاجون إليه في دينهم، وكذلك تفصيلاً لكل شيء، وموضع كل شيء نصب على أنه مفعول كتبنا، وموعظة بدل منه ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي بجدّ وعزم، والضمير للتوراة ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ أي فيها ما هو أخْسَنَ وأحسنُ منه كالقصاص مع العفو، وكذلك سائر المُباحات مع المنذوبات ﴿سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي دار فرعون وقومه وهو مصر، ومعنى أُريكم كيف أقفرت منهم لما هلكوا، وقيل منازل عاد وثمود ومَن هلك من الأمم المتقدّمة ليعتبروا بها، وقيل جهنم، وقرأ ابن عباس سأُورئكم بالثاء المثلثة من الوراثة، وهي على هذا مصدر لقوله وأورثناها بني إسرائيل ﴿سَأَضْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ﴾ الآيات: يحتمل هنا أن يراد بها القرآن ٣١٧ تفسير سورة الأعراف وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِهَايَتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَا ١٤٦ غَفلينَ كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٤٧)، وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ خُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارْ أَلَمْ يَرَوَاْ أَنَّهُ. ﴿ وَلَّا سُقِطَ فِى أَيْدِيِهِمْ وَرَأَوْا لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِهِمْ سَبِيلًاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُوا لَيِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِين ◌َ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضَنَ أَسِفًا قَالَ بِنْسَمَا خَلَفْتُونِ مِنْ بَعْدِىٌّ أَعَجِلْتُمْ أَمَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى اُلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أُسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْئُلُونَنِ فَلَا وغيره من الكتب أو العلامات والبراهين، والصرف يراد به حدّهم عن فهمها وعن الإيمان بها عقوبة لهم على تكبّرهم، وقيل الصرف منعهم من إبطالها ﴿ولِقَاءِ الآخِرَةِ﴾ يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به أي ولقاؤهم الآخرة، أو من إضافة المصدر إلى الظرف ﴿واتّخَذَ قَوْمُ مُوسَى﴾ هم بنو إسرائيل ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أي من بعد غيبته في الطور ﴿مِن حُلِيْهِمْ﴾ بضم الحاء والتشديد جمع حليّ نحو ثدي وثدي، وقرىء بكسر الحاء للإتباع وقرىء بفتح الحاء وإسكان اللام، والحليّ هو اسم ما يتزيّن به من الذهب والفضة ﴿َجَسَدًا﴾ أي جسمًا من دون روح، وانتصابه على البدل ﴿لَّهُ خُوَارْ﴾ الخوار هو صوت البقر، وكان السامري قد قبض قبضة من تراب أثر فرس جبريل يوم قطع البحر، فقذفه في العجل فصار له خوار، وقيل كان إبليس يدخل في جوف العجل فيصيح فيه فیُسمع له خوار ﴿أَلَمْ يَرَوْا أنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ﴾ ردّ عليهم، وإبطال لمذهبهم الفاسد في عبادته ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ أي اتخذوه إلهًا، فحذف المفعول الثاني للعلم له، وكذلك حذف من قوله واتخذ قوم موسى ﴿سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي ندموا يقال سقط في يد فلان إذا عجز عمّا يريد أو وقع فيما يكره ﴿أَسِفًا﴾ شديد الحزن على ما فعلوه، وقيل شديد الغضب لقوله فلما آسفونا ﴿بِتْسَمًا خَلَقْتُمُونِي﴾ أي قمتم مقامي، وفاعل بئس مضمر يفسّره ما واسم المذموم محذوف، والمخاطب بذلك إما القوم الذين عبدوا العجل مع السامري حيث عبدوا غير الله في غيبة موسى عنهم، أو رؤساء بني إسرائيل كهارون عليه السلام حيث لم يكفّوا الذين عبدوا العجل ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبَّكُمْ﴾ معناه أعجلتم عن أمر ربّكم، وهو انتظار موسى حتى يرجع من الطور، فإنهم لما رأوا أنّ الأمر قد تمّ ظنّوا أن موسى عليه السلام قد مات فعبدوا العجل ﴿وَأَلْقَى الأَلَّوَاحَ﴾ طرحها لما لحقه من الدهش والضجر غضبًا لله من عبادة العجل ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسٍ أَخِيهِ﴾ أي شعر رأسه ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ لأنه ظن أنه فرط في كفّ الذين عبدوا ٣١٨ ٤٠ تفسير سورة الأعراف قَالَ رَبٍّ أَغْفِزْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْل ◌ِلْنَا ١٥٠ تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِ مَعَ اَلْقَوْمِ اَلْفِِّمِينَ فِي رَحْمَتِكٌ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّيِّهِمْ وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّتِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا ١٥٦ وَزِلَّةٌ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ أَوَلَمَّا سَكَتَ عَن تُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ اَلْأَلْوَاحَ وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِقَتِنَّاً ١٥٤ وَفِ نُتَّخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُّونَ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّنِ قَبْلُ وَ إِنَّىَّ أَنْهْلِكُنَا بِهَا فَعَلَ السُّفَهَاءِ مِنََّّ إِنْ العجل ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ كان هارون شقيق موسى، وإنما دعاه بأُمّه، لأنه أدعى إلى العطف والحنوّ، وقرىء ابن أم بالكسر على الإضافة إلى ياء المتكلم، وحذفت الياء بالفتح تشبيها بخمسة عشر جعل الاسمان اسمًا واحدًا فبنى ﴿وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْم الظَّالِمِينَ﴾ أي لا تظن أني منهم أو لا تجد عليّ في نفسك ما تجد عليهم يعني أصحاب العجل: ﴿غَضَبُ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ﴾ أي غضب في الآخرة وذلّة في الدنيا ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي سَكْنَ، وكذلك قرأ بعضهم، وقال الزمخشري قوله سكت مثل كأنّ الغضب كان يقول له ألْقٍ الألواح وجرّ برأس أخيك، ثم سكت عن ذلك ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أي فيما ينسخ منها، والنسخة فعلة بمعنى مفعول ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي يخافون، ودخلت اللام لتُقدّم المفعول كقوله للرؤيا تعبرون، وقال المبرّد تتعلق بمصدر تقديره رهبتهم لزيّهم ﴿واخْتَارَ مُؤَسَى قَوْمَهُ﴾ أي من قومه ﴿سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ حملهم معه إلى الطور يسمعون كلام الله لموسى فقالوا أرِنَا الله جهرة فأخذتهم الرجفة عقابًا لهم على قولهم، وقيل إنما أخذتهم الرجفة لعبادتهم العجل أو لسكوتهم على عبادته، والأول أرجح لقوله فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، ويحتمل أن تكون رجفة موت أو إغماء، والأول أظهر لقوله ثم بعثناكم من بعد موتكم ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ يحتمل أن تكون لو هنا للتمني أي تُمْتَّوا أَنْ يكون هو وهم قد ماتوا قبل ذلك، لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه إن رجع إليهم دون هؤلاء السبعين، ويحتمل أن يكون قال ذلك على وجه التضرّع والاستسلام لأمر الله كأنه قال: لو شئت أن تهلكنا قبل ذلك لفعلت فإنا عبيدك وتحت قهزك، وأنت تفعل ما تشاء، ويحتمل أن يكون قالها على وجه التضرّع والرغبة كأنه قال لو شئت أن تهلكثا قبل اليوم لفعلت، ولكنك عافيتنا وأبقيتنا فافعل معنا الآن ما وعدتنا وأخي هؤلاء القوم الذين أخذتهم الرجفة ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّ﴾ أي أتهلكنا وتهلك سائر بني إسرائيل بما ٣١٩ تفسير سورة الأعراف (١٥٥). هِىَ إِلَّا فِئْتَنْكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَءُ أَنْتَ وَلِتُّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ ﴿ وَأَكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِ الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِىّ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءٌ وَرَحْمَتِ وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ ◌َ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِى ١٥٠ بِثَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ فعل السفهاء الذين طلبوا الرؤية والذين عبدوا العجل، فمعنى هذا إدلاء بحجته، وتبرؤ من فعل السفهاء، ورغبة إلى الله أن لا يعمّ الجميع بالعقوبة ﴿إِنْ هِيَ إلّ فِتْتَتُكَ﴾ أي الأمور كلها بيدك ﴿تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاء﴾ ومعنى هذا: اعتذار عن فعل السفهاء، فإنه كان بقضاء الله ومشيئته ﴿إِنَّا هُذْنَا إلَيْكَ﴾ أي تبنا، وهذا الكلام الذي قاله موسى عليه السلام إنما هو استعطاف ورغبة إلى الله وتضرّع إليه، ولا يقتضي شيئًا مما توهّم الجُهّال فيه من الجفاء في قوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ لأنّا قد بيًّا أنه إنما قال ذلك استعطافًا الله وبراءة من فعل السفهاء ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهَ مَنْ أَشَاءُ﴾ قيل الإشارة بذلك إلى الذين أخذتهم الرجفة، والصحيح أنه عموم يندرجون فيه مع غيرهم، وقرىء مَن أساء، بالسين وفتح الهمزة من الإساءة، وأنكرها بعض المقرئين وقال إنها تصحيف ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يحتمل أن يريد رحمته في الدنيا فيكون خصوصًا في الرحمة وعمومًا في كل شيء لأنّ المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي: تنالهم رحمة الله ونعمته في الدنيا، ويحتمل أن يريد رحمة الآخرة فيكون خصوصًا في كل شيء، لأنّ الرحمة في الآخرة مختصّة بالمؤمنين، ويحتمل أن يريد جنس الرحمة على الإطلاق، فيكون عمومًا في الرحمة، وفي كل شيءٍ ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إن كانت الرحمة المذكورة رحمة الآخرة فهي بلا شك مختصّة بهؤلاء الذين كتب بها الله لهم وهم أمّة محمد وَّر، وإن كانت رحمة الدنيا، فهي أيضًا مختصّة بهم لأن الله نصرهم على جميع الأمم، وأعلا دينهم على جميع الأديان، ومكّن لهم في الأرض ما لم يمكّن لغيرهم وإن كانت على الإطلاق: فقوله سأكتبها تخصيص للإطلاق ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء، وليس ذلك لغير هذه الأمة ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ هذا الوصف خصّص أمّة محمد قرَّرِ، قال بعضهم: لمّا قال الله ورحمتي وسعت كل شيء طمع فیھا کل احد حتی إبليس، فلما قال فسأكتبها للذين يتّقون فيئس إبليس لعنه الله، وبقيت اليهود والنصارى ﴿النِّيَّ الأَمِّيّ﴾ أي الذي لا يقرأ ولا يكتب وذلك من أعظم دلائل نبوّته وَلفر كأنه أتى بالعلوم الجمّة من غير قراءة ولا كتابة، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلوا مِن قَبْلِهِ مِن کِتابٍ ولا تخطّه بيمِینك ٣٢.٠ تفسير سورة الأعراف. التَّوْرَةِ وَآلْإِنِجِيلِ يَأْمُرُهُم بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ١٠٠ إِذَا لازْتَابَ المُبطِلُون﴾ [العنكبوت: ٤٨] قال بعضهم: الأمّيّ منسوب إلى الأمّ وقيل إلى الأمة ﴿الَّذِيِّ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ ضمير الفاعلُ في يجدونه لبني إسرائيل، وكذلك الضمير في عندهم، ومعنى يجدونه يجدون نعته وصفته ولتذكر هنا ما ورد في التوراة والإنجيل وأخبار المتقدمين من ذكر نبيّنا محمد بَله. فمن ذلك ما ورد في البخاري وغيره أنّ في التوراة من صفة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا أيّها النبي إنّا أرسلناك شاهدًا ومبشّرًا ونَذِيرًا، وحِرزًا للأُمّيين أنت عبدي ورسولي أسميتك المتوكّل ليس بفظُّ ولا غليظٍ ولا صحّابٍ في الأسواق لا تجزي بالسيئة السيئة. ولكن تعفو وتصفح، ولن أقبضه حتى أُقيم به المّة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلاّ الله، فيفتح به عيونًا عُمْيًا، وآذانًا صُمَّا، وقُلُوبًا غُلفًا. ومن ذلك ما في التوراة مما أجمع عليه أهل الكتاب وهو باقٍ بأيديهم إلى الآن إنّ الملك نزل على إبراهيم فقال له: في هذا العام يولد لك غلام اسمه إسحاق، فقال إبراهيم ياربّ ليت إسماعيل يعيش يخدمك فقال الله لإبراهيم ذلك لك قد استجيب لك في إسماعيل وأنا أُباركه وأُنمّيه وأُكبّره وأُعظمه بماذ ماذ، وتفسير هذه الحروف محمد. ومن ذلك في التوراة إنّ الربّ تعالى جاء في طور سيناء، وطلع من ساعد وظهر من جبال فاران، ويعني بطور سيناء موضع مناجاة موسى عليه السلام، وساعد موضع عيسى وفاران هي مكة موضع مولد نبيّنا محمد صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم ومبعثه، ومعنى ما ذكر من مجيء الله وطلوعه وظهوره هو ظهور دينه على يد الأنبياء الثلاثة المنسوبين لتلك المواضع، وتفسير ذلك ما في كتاب شعيا خطابًا لمكة: قومي فأزهري مِصباحك فقد دنا وقتك وكرامة الله طالعة عليك، فقد تخلّل الأرض الظلام، وعلا على الأمم المصاب، والربّ يشرق عليك إشراقًا، ويظهر كرامته عليك، تسير الأمم إلى نورك، والملوك إلى ضوء طلوعك، ارفعي بصرك إلى ما حولك، وتأمّلي فإنهم مستجمعون عندك، وتحجّ إليك عساكر الأمم وفي بعض كتبهم لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود، وامتلأت الأرض من حمده، لأنه ظهر بخلاص أمته. ومن ذلك في التوراة أن هاجر أُمّ إسماعيل لمّا غضبت عليها سمارة تراءى لها مبلك فقال يا هاجر أين تريدين ومن أين أقبلت فقالت أهرب من سيدتي مارة، فقال لها ارجعي